تداعيات المظاهرات في إيران على إقليم كردستان العراق

شاهو القره داغي
مستشار مركز العراق الجديد

مقدمة

بعد الاطاحة بنظام الشاه وتحول إيران من نظام دولة إلى نظام ثورة عام 1979 ، عملت النظام الإيراني  على تصدير الثورة و الفوضى إلى الخارج و محاولة  السيطرة على الدول المجاورة و زيادة نفوذها في المنطقة ، و في هذا السياق صرح الولي الفقيه علي خامنئي “عن لبنان وسوريا و العراق بأنها جزء من جبهة الدفاع الإيرانية” [i]
بالإضافة إلى إعلان مستشاره علي أكبر ولايتي “أن لبنان و فلسطين و سوريا و العراق هي جزء من منطقة المقاومة التي تقودها إيران” ، و هذا يعني أن التدخل الإيراني في دول المنطقة لم يعد خفياً بل أصبح مُعلنا وخاصة في العراق عن طريق مشاركة العناصر الإيرانية في المعارك المسلحة و توجيه السياسات العراقية وفق مصلحة النظام الإيراني ، وبالتالي فأي تغيير في النظام السياسي الإيراني أو السياسات الداخلية سواءً عن طريق الضغط الداخلي (كالمظاهرات و الاحتجاجات الحالية) أو عن طريق الضغط الخارجي (العقوبات والتهديدات الدولية) سيكون له تداعيات على العراق بشكل عام و إقليم كردستان بشكل خاص ، بسبب عدة عوامل منها أن الإقليم يشترك بحدود جغرافية طويلة مع إيران، فضلا عن تواجد العديد من الفصائل و الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة (المسلحة والسلمية) على أراضي الإقليم (الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني “حدكا” ، و عصبة كادحي كردستان “كومه له” ، وحزب الحياة الحرة “بزاك” ، و حزب كردستان “باك” ) مع التأثير الإيراني على العلاقات بين الإقليم والحكومة العراقية بسبب علاقات إيران الوطيدة مع الحكومة العراقية في بغداد.
أولا: التداعيات على داخل إقليم كردستان
بعد الاستفتاء الذي حصل في 25 سبتمبر 2017 قررت السلطات الإيرانية إغلاق المعابر الحدودية مع إقليم كردستان العراق كنوع من الضغط لإلغاء الاستفتاء بناءً على طلب من الحكومة العراقية، و في أحداث 16 أكتوبر 2017 عندما هاجمت الميليشيات المسلحة كركوك و المناطق المتنازع عليها ، كان لإيران دور سلبي وسط اتهامات بمشاركة عناصر إيرانية في هذه الاحداث ، واستمرت هذه العقوبات على الإقليم لمدة 80 يوما، ولكن في 28 ديسمبر2017 اشتعلت المظاهرات داخل إيران في الكثير من المدن الإيرانية و بمشاركة قوية داخل المدن الكردية ، وبعد المظاهرات بخمسة أيام فقط وفي  2يناير 2018 قررت الحكومة الإيرانية فتح المعابر الحدودية مع الإقليم دون الرجوع لحكومة بغداد رغم أنها أغلقت حدودها مع الإقليم بطلب من الحكومة العراقية (تحت شرط تسليم المعابر إلى بغداد) لعدة أسباب منها الوضع الاقتصادي السيء داخل المدن الكردية في إيران المحاذية لإقليم كردستان حيث احتلت محافظة “سنندج” الكردية المرتبة الثالثة في البطالة على مستوى إيران وفق جمعية حقوق الانسان في كردستان إيران  ، وهذا ما دفع السلطات الإيرانية لفتح الحدود مع الإقليم لدفع عجلة الاقتصاد و التبادل التجاري و خلق فرص العمل لمواطني الشريط الحدودي لتخفيف أعمال التهريب التي يلجأ إليه المواطنون في هذه القرى الحدودية التي تتسبب في مقتل العديد منهم على يد القوات الأمنية ما تسبب في اشتعال احتجاجات داخل المحافظات الكردية كما حصل في 5 سبتمبر 2017 عندما تظاهر المواطنون في مدينة بانه الكردية في إيران (الايرانية ) ضد قتل رجال الامن لشابين يهربون البضائع على الحدود.
وقع تباين واضح في تعامل الوسائل الإعلامية التابعة للأحزاب الكردية في إقليم كردستان مع الاحتجاجات، فالفضائية التابعة للجماعة الإسلامية “فضائية بيام” عرضت المظاهرات المؤيدة للنظام الإيراني بشكل ملفت كما أن الاعلام التابع للاتحاد الوطني الكردستاني غضت الطرف عن ما يجري في إيران، بينما الإعلام التابع للحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل قامت بتغطية المظاهرات في المناطق الكردية ضد النظام الإيراني بشكل كبير، وهذا يدل على حجم الانقسام الموجود داخل الساحة الكردية حول الأحداث في إيران، وتأثير ما يجري في إيران على موازين القوى بين الأحزاب السياسية في الإقليم، ومن الواضح أن إيران تعمل دائما على تقسيم الأحزاب الكردية لمنع تشكيل جبهة واحدة و من الملاحظ أن الأحزاب الكردية العراقية التي لديها علاقات قوية مع إيران تُعاني  من الانقسامات و صراع الأذرع و أن التحالفات بين الأحزاب الكردية و إيران ليست عقائدية بل مصلحية بسبب قوة إيران و تغلغلها في العراق و في حال إضعاف إيران داخليا هذه الأحزاب من المحتمل ان تخرج عن العباءة الإيرانية و تؤسس لوحدة داخلية كردية.
ثانيا: التداعيات على العلاقة بين الإقليم والحكومة العراقية
انشغال إيران بالوضع الداخلي يؤثر على تعامل الحكومة المركزية في بغداد مع إقليم كردستان، لأن الاضطرابات داخل إيران تدفع الحكومة المركزية العراقية للشعور بالقلق و انتظار نتائج الأحداث الجارية في إيران و هذا الأمر سينعكس بشكل إيجابي على العلاقات بين الإقليم و المركز و يدفع الحكومة العراقية إلى أن تأخذ الاحتمالات و السيناريوهات بنظر الاعتبار و تعمل على التقارب مع حكومة الإقليم أو الأطراف العاملة على الساحة السياسية الكردية خارج الحكومة وعدم الاستقواء بإيران حتى ولو بصورة مرحلية.
في الثالث من يناير 2018 أعلن أمين مجلس الأمن القومي الإيراني “علي شمخاني” أن (بلاده تقوم حاليا بجهود وساطة بين أربيل و بغداد لحل الأزمة )[ii] وأضاف شمخاني (لدينا علاقات جيدة مع الإقليم ونحن أساسا مع الكرد و نعدهم حلفاء استراتيجيين لنا و في النهاية فان جميع الكرد ملجأهم في إيران والتاريخ يثبت ذلك وخاصة كرد العراق) .
وهذا يدل على تغيير كبير في موقف إيران الذي كان مشاركا في خلق ضغوطات على حكومة إقليم كردستان بينما أخذت إيران موقف الوسيط بعد الاحتجاجات، ومن المتوقع أن تسعى طهران لإيجاد وساطة قوية لحل مشاكل بغداد و أربيل وهذا ما أصبح واضحا من حلحلة الأزمة بين الطرفين و زيارات الوفود المتبادلة ، لأن إيران تسعى لمنع انخراط أربيل في محور أمريكي يعادي إيران و يستطيع دعم الاحتجاجات و زعزعة الاستقرار داخل إيران.
رغم رفض رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي اللقاء برئيس حكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني ، إلا أن رئيس حكومة الإقليم زار بغداد في 20/01/2018 و التقى بالعبادي في لقاء لتنقية الأجواء قبل توجهه إلى إيران، و حسب المصادر المطلعة فإن اللقاء جاءت بعد وساطة إيرانية لترتيب اللقاء، وحسب مصدر خاص داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني قال” أن الاجتماع بين العبادي و نيجيرفان رغم أهميته ولكن كان بروتوكوليا لم يسفر عن أي تقدم والرهان على الدور الإيراني في الضغط على حكومة بغداد”. وهذا يؤكد دور إيران و تأثيرها على القرار السياسي العراقي في بغداد.
وبعد لقاءه مع العبادي توجه نيجيرفان بارزاني إلى إيران في 21 يناير 2018 وهي أول زيارة بعد الاستفتاء وتدهور العلاقات بين الطرفين ، و أثناء الزيارة التقى رئيس الإقليم بالرئيس الإيراني حسن روحاني و المسؤولين البارزين داخل الحكومة الإيرانية و وعد الرئيس الإيراني مجددا بالتوسط لتحسين العلاقات بين أربيل وبغداد.
هذه التطورات في الموقف الإيراني هدفه استمالة أربيل نحو إيران لتوطيد العلاقات و دفع أربيل للتأثير على الأحزاب المعارضة الإيرانية التي تتخذ من الإقليم مركزا لانطلاق عملياتها ضد الأهداف الإيرانية في المناطق الحدودية و داخل إيران .
ثالثا: القراءة الغير رسمية الإيرانية لدور الإقليم في دعم المظاهرات
بعد توسع الاحتجاجات الإيرانية خرجت عدة تصريحات من شخصيات إيرانية تتهم أربيل بوقوفها وراء الاحتجاجات ومنها:
-لمح خطيب جمعة طهران “آية الله سيد احمد خاتمي ” في 05 يناير 2018 عن وجود مخطط أمريكي لتهريب الأسلحة من أربيل إلى داخل إيران لزعزعة الأمن و الاستقرار.
-محمد جعفر منتظري المدعي العام في إيران قال في 05 يناير 2018 أن “هناك مخطط لتشكيل غرفة عمليات في أربيل بالعراق لتسلل الدواعش التكفيريين إلى داخل إيران لخلق اضطرابات مسلحة”.
-في 06 يناير 2018 اتهم أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي أربيل بأنها وراء الاحتجاجات وقال” تفاصيل سيناريو الأحداث الأخيرة في إيران تم التخطيط له في مدينة أربيل بإقليم كردستان العراق”.
-في 07 يناير 2018 أعلن سفين دزيي المتحدث باسم حكومة الإقليم أن “حكومة الإقليم ترفض الاتهامات المفبركة الباطلة البعيدة كل البعد عن الحقيقة رفضا قاطعا و الإقليم عامل أمن و استقرار في المنطقة”
-في 08 يناير 2018 جاء النفي الرسمي للاتهامات من قبل المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي عن عدم وجود أدلة تثبت تورط حكومة إقليم كردستان في الاضطرابات الأخيرة وأستبعد أن تكون إقليم كردستان قد قامت بأي إجراء ضد الأمن القومي الإيراني”
ورغم النفي الرسمي الإيراني للاتهامات الموجهة للإقليم بالضلوع في الاحتجاجات داخل إيران، إلا أن الخبراء يرون أن إيران لا توجه الاتهامات بشكل عبثي دون وجود أدلة ، وبالتالي قد يكون وراء الاتهامات ارسال رسائل سياسية لحكومة الإقليم بالامتناع عن أي تصرف قد يُضر الأمن القومي الإيراني أو يُشارك في دعم الأحزاب الكردية المعارضة التي تتخذ من إقليم كردستان مقرا لعملياتها في إيران.
وفي زيارة نيجيرفان بارزاني لإيران أكد” ان إقليم كردستان العراق لن يسمح باستخدام أراضيه لأي تهديد محتمل ضد إيران، وهذه خطوط حمراء بالنسبة لإيران” .[iii]

السيناريوهات

أولا: في حال عودة موجة أخرى من المظاهرات و الاحتجاجات في إيران فإن المناطق الكردية سوف تكون في مقدمة المدن المشاركة فيها ، و من الممكن أن تتساهل حكومة الإقليم مع الأحزاب و الفصائل الكردية الإيرانية في أراضي الإقليم لزيادة نشاطاتها و تُساهم في تغطية الاحتجاجات  ليُشاركوا بفعالية و يؤثروا على الشارع الكردي داخل إيران و يساهموا في عملية التغيير.
وفي حال دعم الإقليم و مشاركة الفصائل الكردية الإيرانية المسلحة في الاحتجاجات قد يحدث تدخل إيراني لضرب مقرات الفصائل داخل الإقليم أو الضغط على حكومة الإقليم لإغلاق مقرات هذه الفصائل و الأحزاب المسلحة حتى يتوقف نشاطهم المسلح داخل الأراضي الإيرانية كما حصل في تموز 2016 عندما هدد الحرس الثوري الإيراني اجتياح إقليم كردستان لضرب معاقل الفصائل المسلحة الكردية بعد وقوع خسائر بشرية في صفوف القوات المسلحة الإيرانية بسبب هذه الهجمات.
ثانيا: بسبب تدهور العلاقات بين الإقليم و الدول المجاورة مثل تركيا و إيران و عقوبات الحكومة العراقية على الإقليم، تسعى الحكومة إلى ترميم العلاقات مع إيران وتركيا في هذه المرحلة ، وبدأت من إيران بسبب النفوذ الإيراني على الحكومة العراقية و التي تساهم في حل المشاكل العالقة بين الإقليم و المركز ، و من الممكن أن تتجنب حكومة الإقليم مساعدة الفصائل الكردية الإيرانية لتخفيف الضغط الواقع على الإقليم ولتحسين العلاقات أكثر مع إيران الذي أصبح الحاكم الفعلي في العراق و في هذه الحالة تكون المشاركة الكردية مقتصرة على المشاركة الشعبية في المدن دون مشاركة الفصائل المسلحة وخاصة التي لديها علاقات قوية مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقود حكومة الإقليم ـ

خاتمة

أحد أهم مخرجات المظاهرات الشعبية في إيران هي أن النظام الإيراني قد لا يستطيع مجددا إهمال المطالب الشعبية للشعب الإيراني بشكل عام، من ضمنهم المُكون الكردي و هذا الأمر سينعكس بشكل مباشر على كردستان العراق ، لأن النظام الإيراني حينها لن يتمكن من الاستمرار في التدخل في الشؤون الداخلية لإقليم كردستان و فرض الأجندة على الأحزاب الكردية في حال انشغالها بالمشاكل الداخلية ،وفي كل الأحوال فإن الاحتجاجات في إيران تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على العلاقات بين الأحزاب الكردية الموجودة في الإقليم و على العلاقة بين الإقليم وبغداد، ومن الممكن أن تستفيد القيادة الكردية في الإقليم من الأحزاب و الجماعات الكردية الإيرانية ليشكلوا ورقة تفاوضية مهمة لحكومة الإقليم في علاقتها مع الحكومة الإيرانية.
i http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/iranians-are-mad-as-hell-about-their-foreign-policy
[ii] http://www.almayadeen.net/episodes/849316/حوار%20الساعة_علي-شمخاني—أمين-المجلس-الأعلى-للأمن-القومي-الإيراني
[iii] https://ar.mehrnews.com/news/1880402/بارزاني-لن-نسمح-باستخدام-اراضي-كردستان-العراق-ضد-ايران