الاحتجاجات الإيرانية وتأثيرها على وضع العرب السنة في العراق

فاضل ياسين
مستشار مركز العراق الجديد

المقدمة:

1- شهدت إيران، في يوم الخميس (28/12/2017)، مظاهرات احتجاجاً على غلاء المعيشة، وتحوّلت فيما بعد إلى مظاهرات مناهضة للنظام، وامتدت لاحقاً لتشمل مناطق مختلفة، من بينها العاصمة طهران. وانطلقت المظاهرات في البداية في مدينتي مشهد وكاشمر (شمال شرق)؛ ثم امتدّت خلال أيام إلى أكثر من 80 مدينة وبلدة، وقد تخلّل هذه الاحتجاجات أعمال عنف قُتل خلالها 20 شخصاً، كما اعتقل المئات. وفي 30/1/2018 أعلن وزير الداخلية الإيراني (عبد الرضا رحماني فضلي ) إن السلطات أفرجت عن معظم من اعتقلتهم خلال الاحتجاجات لكنها لا تزال تحتجز نحو 300 يواجهون اتهامات بارتكاب جرائم خلال الاضطرابات وقضاياهم معروضة أمام القضاء منهم تسعة محتجزين في طهران.. علما أن مسؤولين في السلطة القضائية صرحوا بأن حوالي ألف اعتقلوا خلال تلك الاحتجاجات. فيما قال أحد النواب الإيرانيين إن عدد المقبوض عليهم وصل إلى ( 3700).
2- ورفعت خلال التظاهرات شعارات احتجاجية على ارتفاع الأسعار والفساد، وسياسات الحكومة التعسّفية ضد الفقراء والمهمَّشين، ثم تطورت بعض تلك الشعارات لتندد بحكم رجال الدين وتتهم المرشد الأعلى (علي خامنئي) بالدكتاتورية، وتطالب بوقف هدر الثروات الإيرانية على النزاعات الخارجية في سوريا ولبنان، والاهتمام بالشأن الإيراني.
3- وفي يوم الأربعاء (3/1/2018)، نظّم أنصار الحكومة تجمّعات جماهيرية في مدن عديدة؛ من بينها عبادان، والأحواز، وجرجان، وإيلام، وكرمانشاه، وخرم آباد. وفي اليوم ذاته أعلن اللواء محمد علي جعفري/ قائد الحرس الثوري الإيراني، انتهاء ما وصفها بـ “الفتنة”، في إشارة إلى المظاهرات المناهضة للنظام التي عمّت البلاد… وفي كلمته التي بثها التلفزيون الإيراني الرسمي، قال اللواء جعفري: “اليوم هو يوم انتهاء الفتنة؛ فالمظاهرات التي بدأت الخميس الماضي لأسباب اقتصادية، تحوّلت منذ يوم الجمعة إلى احتجاجات ضد الحكومة”. وأضاف: “بدأت المظاهرات لتصبح مركزاً للفتنة منذ الجمعة، وتم توقيف معارضي الثورة والمنافقين المشاركين فيها”. وحمّل جعفري الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية مسؤولية تلك الأحداث.
4- ردود الفعل الداخلية:
أ-  بالرغم من الاحتقان في الوضع الداخلي الإيراني، سواء بالنسبة للصراع الكامن بين أجنحة النظام، حول قضايا عديدة وأبرزها قضية خليفة المرشد، بكونها القضية الحاكمة في النظام الإيراني، إلا أن تلك الأجنحة كانت حذرة للغاية من التورط المباشر والمكشوف في هذه الاحتجاجات التي كانت تستهدفها جميعا، وإن كان بعضها قد سعى ولو ضمنيا لدفع الأمور نحو صدام بين المتظاهرين وأجهزة النظام، واستخدام ذلك لإضعاف تيار الاصلاحيين (حكومة روحاني) وتحميلها تبعة المشاكل والأزمات التي تعانيها إيران.
ب- أما الشارع الإيراني،  فقد تميزت مواقفه عموما في الابتعاد عن التظاهرات، بسبب عوامل عديدة:
أولا: الخوف من سطوة أجهزة النظام، ويعد هذا العامل أول موانع حدوث ثورة شعبية واسعة النطاق يمكن أن تهدد وجود النظام في هذه المرحلة.
ثانيا: سلبية الشارع الإيراني، إن لم يكن رفض التورط في دعم وتأييد مظاهرات مجهولة بالنسبة إليه، بسبب كون الجهات التي تم الإعلان عن كونها تدعم المظاهرات كمجاهدي خلق وحركة ابن شاه إيران السابق غير مرحب بها.
ثالثا: إن المواقف الدولية التي صدرت عن الولايات المتحدة وعن بعض دول الإقليم، اعطت انطباعا للشارع الإيراني، أن هناك مؤامرة دولية تحاك ضد إيران. وهذا الواقع صب في خدمة النظام لعزل المتظاهرين واظهارهم بمظهر المتآمرين على الشعب والدولة الإيرانية.
رابعا: إن المبالغة التي اتبعتها بعض وسائل الإعلام وتضخيمها لفعل الاحتجاجات لم يدعمها الواقع، فلم تتوافر مواد النقل المباشر للأحداث، كما أن المواطن البسيط كان يلحظ تلك المبالغة بمقارنته لوضع الشارع، وهو ما أفقدها المصداقية.
خامسا: إن امتلاك النظام لقدرة السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي، حدّ من امكانية تواصل المتظاهرين حتى وإن افترضنا وجود قيادة خفية لهم داخل إيران.
سادسا: لا يمكن انكار حقيقة أن النظام الإيراني يسيطر على الشارع ويمتلك قدرات هائلة لضرب أية تحركات احتجاجية قد تهدد وجوده لاحقا.
سابعا: عدم وجود قيادة واضحة محددة على رأس هذه التظاهرات، وقد ظهر تناقض جماعات المعارضة المقيمة في الخارج في وصفها وتعليلها للتظاهرات وأسبابها وأهدافها، وهو ما أربك المتظاهرين بدل تعزيز وضعهم في مواجهة النظام.
5- خلاصة موقف العرب السنة في العراق من الاحتجاجات الإيرانية:
بالإمكان تمييز ثلاثة أشكال من المواقف اتخذتها الشخصيات والجهات السياسية العربية السنية، وكما يأتي:
أ-  الزعامات السنية في داخل العراق، ومنهم المشاركون بالعملية السياسية، وبالعموم فقد اتسمت ردود أفعالها باتخاذ موقف (غير المعني بها)، واعتبارها غالبا من الشؤون الداخلية لبلد آخر وتأكيدها على أن الدستور العراقي يحظر على المواطنين التدخل في شؤون الدول الأخرى، وهذا الموقف جاء منسجما مع الخط العام لموقف الحكومة العراقية، وقد يكون الدافع الأساس في ذلك، هو الخشية من أعمال انتقامية من أجهزة النظام الإيراني التي تمتلك امكانية الوصول إلى أهدافها في الأراضي العراقية بكل سهولة ويسر، كما أن البعض الآخر من تلك الزعامات من المرتبطين بالنظام الإيراني أصلا، وبعضهم الآخر لم تكن لديه قناعة بأن يحقق المحتجون الإيرانيون أية نجاحات، وكانت هناك فئة أخرى أعلنت انها منهمكة في متابعة شؤون أهل السنة في العراق ولا يعنيها ما يحدث في إيران أو غيرها من دول العالم.
ب- الشارع السني العربي في المدن العراقية المختلفة، لم تصدر عنه أية مواقف ظاهرة، ولوحظ عمق انهماكه بمشاكله المعقدة المتفاقمة، وإن كان الشعور العام هو التعاطف مع المتظاهرين الإيرانيين ومطالبهم، وتمني سقوط النظام الإيراني، بفعل عوامل داخلية أو خارجية، كونه يتحمل مسؤولية كبيرة عن معاناتهم.
ج- أما الفئة التي اتخذت مواقف علنية داعمة للاحتجاجات الإيرانية، فقد تمثلت بعدد قليل من الشخصيات والجماعات السياسية وبعض القنوات الفضائية والوكالات الاخبارية والصحف الصادرة في الخارج، وهي كانت متحمسة عند بداية الأحداث، وكان بعضها يأمل في أن تتطور الاحتجاجات إلى المستوى الذي يؤدي إلى اسقاط النظام الإيراني، وفي العموم فقد تلاشى حماسها مع تأكدها من ضعف الاحتجاجات، وسيطرة أجهزة النظام على مقدرات الوضع الأمني العام.
6- إن فرضية الورقة في تحديد انعكاسات وتداعيات الاحتجاجات على العرب السنة، تنطوي على ثلاثة جوانب، هي:
أ-  إن فرضيتنا الأساسية مبنية على رؤيتنا بوجود (تشابه نسبي) في العقليات التي تتحكم بالقرار السياسي والأمني في كل من العراق وإيران، بسبب حالة التشابك والتداخل والارتباط واسع النطاق في العديد من المجالات العقدية والفكرية والسياسية والاجتماعية والأمنية والعسكرية بين الأحزاب والمرجعيات المتحكمة بالقرار في البلدين، وبالتالي فإن ما حدث في إيران فيه بعض الشبه النسبي مما شهده العراق سابقا، وما يمكن أن يشهده مستقبلا. وتأسيسا عليه هناك جملة استنتاجات غاية في الأهمية يمكن استنباطها عبر هذه الفرضية، بما يخص وضع السنة العرب في العراق.
ب- ومما لاشك فيه أن الكثير من المعنيين بالشأن السني سواء قياداتهم والجهات التي تدعمهم، سيعملون على أن يستفيد أبناء السنة في العراق، من ذلك أيضا، في اطار تصديهم لمحاولات تعديل الوضع الراهن، وسعيهم لإيجاد حل شامل لمشكلاتهم عبر الخيار الدستوري، أي (إنشاء نظام فيدرالي ديمقراطي متعدد القوميات)، يتضمن صيغة لتقاسم السلطة بين الحكومة المركزية (الاتحادية) والأطراف القومية بغية الاعتراف بالتنوع، والاستقلالية الإقليمية التي تختلف في اللغة والثقافة والجغرافيا، والتاريخ، وترفض الاضطهاد القومي ومنع نشوب حروب أهلية والصراعات الدموية. وكذلك الاستفادة من الدروس التي أفرزتها تلك الاحتجاجات لتحصين أوضاع حركاتهم السياسية وزعاماتهم والشريحة الفعالة من الشارع السني القريبة من تلك الحركات والزعامات.
ج- إن القول بوجود أوجه شبه بين واقع النظامين في إيران والعراق، ينطلق المشتركات العديدة بينهما، وكذلك المخرجات لكليهما، بالرغم من الاختلاف والتعارض الكبير في التوصيف الدستوري لكل منهما. ومن الضروري التأكيد على حقيقة الجمود في بنية النظامين أولا.. ويمكن القول بأن النظام الإيراني يسير حتى الآن في سكة مسدودة، فإيران تقدم أنموذجا في الاقتصاد مثقلاً بالقصور والفساد، وخلف ملايين العاطلين والجوعى، كما تقدم نموذجاً سياسياً يقلص الحريات، بل يلغيها ويجعلها تلامس درجة الصفر.. وهذا الوضع لا يختلف كثيرا عما موجود في العراق.
المحور الأول:
القضايا الداخلية التي ركزت عليها الاحتجاجات:
1-  لقد سعت بعض الجهات التي عملت على التقليل من أهمية التظاهرات الاحتجاجية الإيرانية، لتقديم تبريرات على أن دافعها كان اقتصاديا وليس سياسيا. وقد تناست تلك الجهات؛ أن العامل الاقتصادي في الثورات له تأثيره الدائم كسبب ومحرك ودافع على مدى التاريخ… (وبالتالي، يصبح الاقتصاد الواجهة والمبرّر لقيام الثورات، وحتى الأهداف التي ترفعها الثورات، بعد نجاحها في الوصول إلى السلطة، كالديمقراطية والشفافية والعدالة، كلها لها علاقة بتوزيع الموارد وضمان وصولها إلى أكبر شريحة من المواطنين.)[1]
2- وبالقياس عليه فإن المناطق العربية السنية في العراق لن تكون في منأى عن اندلاع مثل هذه التظاهرات الاحتجاجية، إذا لم يتم وضع خطط واقعية تقدم حلولا حقيقية للخروج من وضعها الاقتصادي المزري الراهن، ولن يكون من المقنع الادعاء بأنها لا تنطوي على مطالب سياسية، فمثل تلك المطالب لطالما حظيت بحضور دائم، إذ عبرت عنها القوى التي مثلت تلك المناطق في العملية السياسية وحتى الرافضة لها.
3- وحقيقة الأمر فقد (أظهرت الاحتجاجات الإيرانية استحالة الفصل بين القضايا الاقتصادية والسياسية في البلاد. وفي الواقع، فإن كل القضايا في أي مجتمع تحمل السمة السياسية في خاتمة المطاف بسبب أن السياسات تؤثر على مناحي الحياة كافة.)[2]
4-  انطلق الداعون لإسقاط النظام في إيران من (اعتقاد مفاده أن نظام ولاية الفقيه الذي أسسه الخميني، سواء كان جيداً أو سيئاً، قد عفّى عليه الزمن ولم يعد يعمل بكل بساطة. وهو نفس الاستنتاج الذي توصل إليه الكثيرون ممن يعملون داخل النظام نفسه… في ظل افتقار نظام الخميني لأية آلية فاعلة للإصلاح والتغيير من الداخل.)[3]، وهذا الأمر قد توصل إلى ما يشبهه الكثيرون من الداعين لإصلاح العملية السياسية في العراق، بل وحتى المنادين بإسقاط هذه العملية من الأساس.
5- ولن يكون بالمستطاع الالتفاف على المطالب الكبيرة المعروضة أمام أنظار الحكومة؛ وبالرغم من فوز روحاني بالانتخابات من خلال الإيحاء للإيرانيين بوعود غامضة حول الإصلاح والتغيير، ووجود خلافات بين أجنحة النظام بشأنها. ولكن ثبت أن (ما يختلفون فيه، وحوله، هو أنصبة الفساد. والفساد في نظام الجمهورية الإسلامية لا يعتبر مسألة هامشية، كما هو المعتاد في الدول الحديثة، بل يتعلق بنسب كبيرة من الدخل القومي. وإن كان لسنوات الحصار والعقوبات من دور، فقد عملت على تفاقم ظاهرة الفساد وتضخمها.)[4]، وحجمه في الحالة العراقية أضعاف ذلك، إذ شارك الكثير من السياسيين ومن مختلف المكونات في ظاهرة الفساد بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما يضعهم هدفا مباشرا لشعارات المتظاهرين، وقد تم رفع أسماء صريحة للكثير منهم، وخصوصا رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.
6- إن المطالبات العربية السنية وإن كانت تتشارك مع مطالبات المكونات الأخرى، لكنها تتميز ببعض الخصوصية، فإن امكانية فوز العبادي في الانتخابات المقبلة، سيضعه وجها لوجه أمام المطالبات الشعبية لاتخاذ إجراءات سريعة لمعالجة الأوضاع ومنها محاسبة رؤوس الفساد ومن ذلك سرقة الأموال المخصصة لدعم النازحين والمهجرين، والالتفاف على المطالبات بإعادة اعمار ما دمرته الحرب على داعش، وتحسين الوضع الاقتصادي واعادة الاعمار وتحقيق الأمن، والتحقيق في مصير آلاف المعتقلين والمغيبين…الخ. وتأتي المطالبة بالتحقيق في انفاق المليارات من الأموال عبر تهريبها إلى إيران وتقديمها في دعم الميليشيات في سوريا و لبنان، بل وفي تخفيف أثر الحصار الدولي على إيران نفسها.. الخ.
7- ولعل واحدة من أخطر الاستنتاجات التي قدمتها الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة ( أن هناك اعتقاداً راسخاً لدى قطاع كبير من الإيرانيين بأن معاناتهم ليست وليدة الحكومة أو الرئاسة أو البرلمان. هذه، في النهاية، ليس المؤسسات صاحبة القرار. نظام ولاية الفقيه هو المشكلة الأساسية!… لقد صنع الحراك الشعبي في 2009 هوة واسعة في العلاقة بين قطاع كبير من الإيرانيين ونظام الحكم؛ وما سينجم عن الحراك الحالي هو تعميق هذه الهوة واتساعها. شرعية النظام تتآكل، ولكن قدرته على الاستمرار لم تنفد بعد. أن الخلخلة دائماً هي مقدمة لانهيارات جزئية، قد تبلغ في مرحلة ما انهياراً شاملاً.)[5]، مثل هذه القناعة متوافرة بوضوح وتحظى بتأييد ومباركة من قطاعات شعبية واسعة وكذلك من العديد من المرجعيات السياسية والدينية.
8- وبالعموم ( يمكن القول إن المظاهرات كشفت عن حجم سخط الإيرانيين إزاء النظام كله، بمعسكريه الموالي للإصلاح الذي يتزعمه روحاني والمحافظ بزعامة خامنئي. .. وفي المدى البعيد لن يمكنهما التعايش معاً على نحو سلمي، والاهتمام في الوقت ذاته بمصالح جماهير الناخبين الخاصة بكل منهما…ولن يكون بإمكان روحاني تجاهل الدور المدمر لأعوان آيات الله داخل «الحرس الثوري» وقبضتهم المحكمة على الاقتصاد، و قوض عن عمد محاولات روحاني التقارب مع جيران إيران والغرب. في المقابل، فإنه ليس بإمكان المرشد الأعلى إرضاء ملايين الإيرانيين الساعين للرخاء والحرية، والاحتفاظ في الوقت ذاته بدعم أنصاره المتشددين الذين يسيطرون على مقاليد الحكم طوال العقود الأربعة الماضية.)[6]
9- إن استمرار تدهور الأوضاع العامة في العراق سيرغم مختلف الأطراف العراقية سواء المعارضة العملية السياسية أو الداعية لإصلاحها أو حتى الداعين لإسقاطها، لأن يأخذوا بالاعتبار واحدا من الدروس المهمة التي أفرزتها التظاهرات الإيرانية، وهو ما عبر عنه (… أندرو بيك نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون العراق وإيران، بقوله أن الإدارة الأميركية تريد “تغييرا في سلوك النظام، لا تغييره…”، ويبدو أن موقف واشنطن هذا يتفق مع وجهة نظر حلفائها من جيران إيران في دول الخليج العربي، التي ثبت أنها ترغب في “عدم انهيار النظام في طهران”.إذ ترى أن الوضع المثالي ألا ينهار النظام تماما بل أن يغيّر من سياساته الخارجية ويتوقف عن مشروعه العدواني”. وذلك انطلاقا من رؤيتها وتقييمها الخاص وخلاصته أن “المنطقة الآن تعاني من حالة تدمير لا تحتمل فوضى جديدة، وحروب أهلية إضافية، ولاجئين بالملايين، إنما لو أن انتفاضة الشعب الإيراني حققت تغيير السياسة الإيرانية وأوقفت عملياتها الخارجية، وأجبرت النظام على التحول إلى الإصلاح الداخلي والتنمية، هذا هو الخيار المثالي مقارنة بالمشهد المخيف فيما لو انهار النظام”.)[7]
10- وعند النظر في الاطار الذي يمكن أن توضع فيه تطلعات وأهداف المتظاهرين المحتجين في إيران، قياسا بالتظاهرات السابقة، يمكن القول أن ( … الأجيال السابقة من المتظاهرين كان لديها أمل في أن يتغير نظام ولاية الفقيه من الداخل. وقد اعتقدت أنه من خلال التصويت للمرشحين الإصلاحيين، يمكن تدريجيا إقناع النظام بأن يكون أكثر انفتاحاً وديمقراطية. أما المتظاهرون في المظاهرات الأخيرة فتخلوا عن هذا الأمل.)[8]، وهذا يعني الانزلاق نحو خيار المطالبة بإسقاط النظام وليس اصلاحه، حتى في ظل عدم توفر العوامل التي تؤدي إلى نجاح ذلك الخيار؛ وهو ما ينذر بمجازر بشرية تشهدها ساحات الاحتجاج. وعند اسقاط ذلك على الوضع العراقي عموما، يمكن القول أنه إذا لم تنتج الانتخابات المقبلة تركيبة جديدة في العملية السياسية العراقية، فستترسخ القناعة لدى المتضررين وفي المقدمة منهم العرب السنة، بأن تغيير النظام العراقي من الداخل أصبحت مهمة مستحيلة، ولابد من البحث عن وسائل أخرى، مما يفتح الباب أمام احتمالية بروز قوى أكثر تطرفا وعنفا من القادة ومن تنظيم الدولة (داعش).
12- من المؤكد أن المحتجين الإيرانيين عرضوا مظالم عديدة، ومن الواضح أن (بعض من هذه المظالم ذات طبيعة اقتصادية؛ إذ إن البطالة الجماعية من القضايا الكبرى في إيران مع نسبة 25 % من خريجي الجامعات عاجزون عن العثور على عمل لمدة بلغت 4 سنوات بعد التخرج. وتقول الإحصاءات الرسمية إن معدلات البطالة تقترب من 12 %، وعندما يتعلق الأمر بالمناطق الحضرية الكبرى فإن المعدلات ترتفع عن ذلك بكثير. أما نسبة التضخم فقد بلغت 13 % على أساس سنوي، ويسبب التآكل الشديد في الدخول الضئيلة للأسر المتوسطة في البلاد… ومما يزيد الأمور سوءاً انتشار الفساد والاختلاس على نطاق كبير وواسع.)[9]
13- وتشير مصادر أخرى إلى أرقام مقاربة إذ (بلغ عدد من هم دون خط الفقر 30 مليوناً، فيما البطالة باعتراف الحكومة بلغت 20 في المائة على المستوى العام، فيما وصلت في بعض المحافظات إلى مستوى 60 في المائة، ونتيجة للحالة الاقتصادية المتردية وانعدام الفرص وفقدان الأمل في التغيير، لجأ الإيرانيون إلى تعاطي المخدرات، وبلغت نسبة المدمنين 12 في المائة، وفي الوقت الذي كان المواطن الإيراني عاجزاً عن تأمين قوته اليومي، ظهرت إلى العلن فضائح الفساد المتفشي بين رموز السلطة وخلافاتهم على تقاسم المكاسب والمغانم وسرقة المال العام، وجاءت فضائح أهل السلطة في لحظة لم يعد فيها النظام قادراً على إقناع الإيرانيين بخطابه، وفقدت مسوغاته العقائدية مكانتها الدينية والثقافية في المجتمع…)[10]، وهذا هو واقع الحال في أوساط الشيعة والسنة في العراق؛ ربما مع اختلاف في النسبة المحددة لكل منهما. ويمكن القول إن التدهور في الحياة العامة في العراق، يتشابه في الكثير من تفاصيله مع تداعيات فشل سياسات نظام ولاية الفقيه، إذ أنها حولت الشعب الإيراني إلى جيش من الفقراء ومحدودي الدخل، والوضع العراقي يقترب من ذلك إلى حد بعيد.
14- (وتبعًّا لأرقام أكثر تفصيلا ومن مصادر عديدة، فقد، ارتفع معدل البطالة؛ فبينما كان معدل البطالة 10.4% في عام 2013 ، وصل هذا الرقم في عام 2015 إلى 11%. وارتفع في عام 2016 إلى 12.4%. ووصل في صيف 2016 إلى 12.7%، وسجل أعلى معدلات البطالة في الفئة العمرية 20 – 24 سنة، ووفق المركز الإحصائي الإيراني، فقد وصل معدل البطالة في هذه الفئة العمرية إلى 31.9%. وتشير مصادر عديدة ومنها الأرقام الرسمية الإيرانية إلى أن ما بين ( 25 – 30 ) مليون إيراني يعانون فقرًّا نسبيا، ويقول تقرير لغرفة التجارة الإيرانية: إن (33%) من الإيرانيين يرزحون تحت خط الفقر.)[11]
15- وكما هو حال العراق بخصوص الفساد المستشري في قطاع الاستثمار (كان الغضب من الاستثمارات الوهمية التي خسر بعض الإيرانيين أموالهم بسببها الشرارة التي أطلقت التظاهرات، وإن انتشارها يشير إلى مشكلات اقتصادية ومعيشية كبرى، يعانيها المجتمع الإيراني كله؛ فالمؤشرات الاقتصادية الكلية حول إيران سلبية إجمالًا، إذ يبلغ معدل التضخم نحو 17%، وهناك ارتفاعات مطّردة شهريًا في الأسعار، ما يعكس ضعف القوة الشرائية للريال الإيراني، كما وصل معدل البطالة وفق الأرقام الرسمية إلى نحو 12%، في حين تتحدث الأرقام غير الرسمية عن ضعف هذه النسبة أي نحو 24%. وبحسب تقديرات مختلفة، هناك نحو 25 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر في إيران.)[12]
16- إن الأنظمة الفاشلة لطالما تعمد إلى البحث عن انجازات وهمية، أو انجازات خارج اهتمامات المواطن، فالنظام الإيراني…( وبعد عقود من الزمن، تمكّن من إنجاز الاتفاق النووي، وتحقيق اختراقات استراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، وغذتها بصراعات وأزمات، وعلى حسابها، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، لكن هذه الإنجازات، لم تنعكس إيجاباً في الداخل الإيراني، بل كشف واقع الشعب الإيراني المرير اليوم، أن التمدّد الخارجي انعكس سلباً على الوضع الداخلي، كإخفاقات التنمية، وتفشّي الفساد في مؤسّسات الدولة، وازدياد نسبة البطالة، وانتشار ظاهرة الولاء والمحسوبية على حساب الكفاءة، وهروب الكفاءات نحو الخارج. و فشل النظام فشلا ذريعا في إيجاد موارد اقتصادية ومالية من خارج الثروة النفطية، فيما القمع الإيديولوجي والديكتاتورية، باتا العنصر الوحيد المميّز للسلطة الحاكمة…)[13]، وفي العراق نجد جانبا كبيرا من دعاية السلطة منصبة على الانجازات والانتصارات على تنظيم داعش، وتناسي الثمن الباهض الذي دفعه العراقيون بالمقابل. كذلك التلويح بما حققته الحكومة من انفتاح على صعيد علاقاتها الدولية والإقليمية، والادعاء بالاحترام الذي يحظى به النظام بكونه حارب داعش نيابة عن العالم..!!
17- يمكن القول بأن الحكومة العراقية لم تستطع استثمار الانجازات العسكرية لتحسين أوضاع المحافظات، ومنها المحافظات العربية السنية، أو الانتقال بالوضع السياسي نحو الاصلاح، حالها في ذلك كحال الحكومة الإيرانية في الدعاية لإنجازاتها في السياسة الخارجية ولاسيما الاتفاق النووي إذ (.. لم تستطع الحكومة الإيرانية استغلال الاتفاق النووي لحل مشاكلها الاقتصادية كما كانت تخطط له، ولكن روحاني تمكن من إقناع الجماهير، أو لنقل (خداع الجماهير) – في حملته الانتخابية الأخيرة- بأن الظروف الاقتصادية ستتحسن، ووعد برفع باقي العقوبات “غير النووية” عن إيران بعد التمديد له في السلطة. بينما لم يكن لمنافسيه أي برنامج يقنع الشعب باستطاعتهم حل المشاكل الاقتصادية.)[14]
18- قد يكون لموضوع الميزانية في العراق وقع مختلف عما حصل في إيران (وفي أول ميزانية قام روحاني بتقديمها إلى مجلس الشورى – بعد انتخابه لدورة ثانية- فوجئ المواطن الإيراني بأن الوضع الاقتصادي في العام المقبل سيزداد سوءاً، وبأن الحكومة تخطط لرفع الدعم الحكومي وزيادة الضغط على الشعب بزيادة الضرائب والتكاليف المعيشية. ومع أن المجلس لم يقرّ الميزانية إلى الآن؛ فإن التأثير النفسي لها أدى لارتفاع جنوني في أسعار سلع خلال أيام قليلة فقط.)[15]
19- أن خلاصة ما حدث في الشارع الإيراني هو (مواجهة بين المستبعدين من الاستفادة من النظام الحالي والمستفيدين منه، بين الفقراء المحرومين ومن امتلأت جيوبهم من أموال النفط، بين ضحايا الفساد الواسع ومن هم في واقع أمرهم أدواته.)[16]، وهو حال يعيشه العراقيون على اختلاف انتماءاتهم وشخصوه منذ أمد بعيد، ويجد له تجسيدا أكثر وضوحا في المجتمع العربي السني.
20- إن واحدة من أكبر القضايا التي أصرت عليها اعتصامات المحافظات العربية السنية، هي المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين الأبرياء، والكشف عن مصير المغيبين، وقد لاحظنا أن (… من بين الشعارات المتكررة في كل الاحتجاجات الإيرانية كانت الدعوة إلى الإفراج الفوري عن كل السجناء السياسيين في البلاد. وحقيقة أن الجمهورية الإسلامية ظلت طيلة أربعين عاماً تحتل المرتبة الأولى عالمياً في عدد السجناء السياسيين والمرتبة الثانية عالمياً بعد الصين من حيث حالات الإعدام، هو أمر يرجع بالأساس إلى القرارات السياسية وليست اقتصادية.)[17]، ويبدو أن التنكيل بالخصوم والمنافسين هي عقيدة مشتركة بين أجهزة النظامين في العراق وإيران.
المحور الثاني:
أسباب فشل تحول الاحتجاجات المحتملة إلى ثورة شعبية:
1- لقد واجهت إيران في المظاهرات الاحتجاجية الأخيرة ما يمكن أن نسميه (… موجة ثانية من الاحتجاجات، وهي تختلف عن الاحتجاجات الاولى بأنها بدأت في اوساط الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع الإيراني وليس الطبقة الوسطى كما كان عليه الحال في احتجاجات 2009، أي الطبقة التي يستند اليها النظام نفسه. كما انها احتجاجات شعبية لا قيادات سياسية لها. وإذا كانت هذه الحركة، كما كانت حركة الاحتجاجات الاولى، لم تتحول إلى ثورة يمكن أن تشكل خطرا على النظام القائم، فأنها تمثل تحديا حقيقيا للأنموذج الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية في إيران.)[18]، وهو ما يمكن أن تشهده المدن العراقية كافة ومنها العاصمة بغداد، وستجد لها استجابة سريعة في عموم المناطق العربية السنية الباحثة عن منقذ لها من الكوارث والمأساة المحيقة بها، في ظل ضعف الاهتمام الحكومي بأزماتها الخانقة. خاصة وأن العراق مر باحتجاجات ومظاهرات أشد قوة واكثر جرأة وتزامنت معها أحداث أكثر خطورة وشكلت تهديدا جديا لوجود النظام؛ مثل اعتصام السيد مقتدى الصدر داخل المنطقة الخضراء ودخول المتظاهرين إلى مجلس النواب، والتهديد بالدخول إلى مبنى مجلس الوزراء ..الخ، وقبلها كانت اعتصامات المحافظات السنية المطالبة بالإصلاح.. التي كانت ردود الفعل الحكومية ضدها سببا رئيسيا في تمكن داعش من احتلال المدن العربية السنية. مع ملاحظة إن العرب السنة الذين قادوا احتجاجات ساحات الاعتصام في مدنهم، دفعوا الكثير منهم للإسهام في الحراك الشعبي السلمي ضد الفساد الذي شهدته ساحة التحرير في بغداد وتصاعد حتى بلغ حد اجتياح المنطقة الخضراء وقاعة مجلس النواب.
2- قد تتوهم أجهزة الحكومة العراقية، وتوهم مسؤوليها، بأن الساخطين من العرب السنة قد تشتتوا وضعفوا وانتهوا إلى غير رجعة، لكن الحقيقة أنهم استكانوا فقط بسبب ضخامة الهجمة المسلطة عليهم من كل حدب وصوب، وبسبب خلط الأوراق بينهم وبين إرهاب داعش، وهو ما شوه سمعتهم وأساء لهم ولمطالبهم، وبالمقارنة مع الاحتجاجات الإيرانية، يبدو أن (رموز السلطة الإيرانية المستبدة تعيش على وهم أنهم نجحوا في تفكيك قواعد الحرية، وأنهم انتزعوا من المواطنين القدرة على الانتفاضة، لكنهم نسوا أن الجوع عندما يتقاطع مع مطالب الحرية يشكل أخطر ظواهر التمرد، لذلك تفاجأ النظام الذي اعتقد أنه نجح في إسكات معارضيه وسيطر على طموحات المواطنين بحجم غضب الشارع المستعد للرد بالعنف على العنف، ففي حساباته أن من كانوا في المعارضة على خلفية أحداث 2009 تشتتوا… وهو بعد اندلاع الاحتجاجات يبذل مجهوداً أمنياً كبيراً لكي لا يحصل أي اندماج بين حركة الاحتجاجات المطلبية والاحتجاجات الطلابية، حتى لا تتبلور قيادة تعوض للعمال قلة خبرتهم في قيادة الاحتجاجات، وفي المقابل لا تؤمن للطلاب زخماً شعبياً لم يكن موجوداً في 2009.)[19]، وبالمقارنة تبدو الكثير من مظاهر الشبه بين الحالتين العراقية والإيرانية. وإذا أقررنا بأن المناطق العربية السنية في العراق مستكينة الأن، لكن من المؤكد أنها تغلي بانتظار اللحظة المناسبة للانفجار…(يقول كريم سادجابور، المحلل الإيراني البارز في مؤسسة “كارنيغي” للسلام الدولي، إن الانفجار كان مفاجئاً، “لم يكن أحد يتوقع أن يحصل ذلك في قلب الجمهورية الإسلامية، إنه يعكس شعوراً بالإحباط واليأس المطلقَين تجاه كل جزء من النظام”.)[20]
3- وعموما فإننا وإن اتفقنا على أن المظاهرات الإيرانية كانت محدودة، لكنها مهمة رغم ذلك (… فالنظام الذي لديه مدى مفتوح على القمع بلا ضوابط ولا حدود، يمكن أن يبطش بالمتظاهرين، وقد فعل ذلك حيال هبات أقوى وأوسع … إلا أن التغيير في ظل النظم ذات القدرات الخارقة على القمع يكون متدرجاً وبطيئاً، وفي النهاية سيملك الشعب القدرة على التغيير. حدث ذلك في إيران نفسها حين كان نظام الشاه هو الأقوى في الشرق الأوسط، وحدث ذلك في معظم بلدان الربيع العربي، بما في ذلك حلفاء إيران الذين امتلكوا زمام دول مهمة، واستخدموا أقصى درجات القمع والسيطرة، واستفاقوا أخيراً على انهيار نرى مآسيه وتداعياته على مدى سنوات، وإلى مدى قادم لا يُعرف بعد.)[21]، وإذا كانت تلك الاستنتاجات صحيحة في ظروف الساحة الإيرانية، في وقت لم يستخدم النظام إلا قدرات محدودة في مواجهة المتظاهرين، فإنها تصح بشكل أكثر اتساقا مع مناطق العرب السنة التي تعرضت إلى استخدام أقصى ما تمتلكه الأجهزة الحكومية من وسائل العنف المفرط والإرهاب والقتل والتدمير واطلاق يد الميليشيات في العبث بكل شيء طالته أيديها.
4- من جوانب الشبه في الحالتين العراقية والإيرانية ظواهر على شاكلة (… الديكتاتورية المفرطة، والترسانة الأمنية المحكمة، والبراعة المنظّمة في القمع، التي تعد حاليا من مصادر قوة النظام الإيراني، ولكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى مقتل له في ظروف مستقبلية مغايرة، ولا يخفى أن هذه الديكتاتورية، وتحالفاتها ومصالحها الاستراتيجية، السرّية منها والعلنية، مع الدول العظمى، ومنذ ثورة 1979 بقيادة الخميني، هي التي أبقت هذا النظام قائماً، ولكن المؤكد أن هذه المظاهرات أقلقت النظام الحاكم، ولكنها لم تشكّل خطراً على وجوده، خاصة وأنه يتقن اللعب على متناقضات خصومه، ويحسن تدبير الأزمات.)[22]، ولكن ذلك كله قد يبدو مظاهر قوة مضللة أساسها (السياسة القمعية التي اتبعتها إيران الثورة بعد ثورة 1979 ضد معارضي نظام الملالي الإسلامي، فالدولة في إيران تعاني من تضخم في قدرتها القمعية مما جعلها دولة صلبة، ولكن ذلك لا يعني أنها دولة قوية، فإيران فشلت في إنفاذ القانون بشكل عادل، كما فشلت في تطوير مشروع أيديولوجي متكامل يجعل التعبئة الاجتماعية أمراً وارداً دون استخدام القوة والقمع.)[23]، وهو أمر يضعها على الدوام في دائرة الاستنكار والإدانة الدولية لها بانتهاك أبسط حقوق الإنسان والمواطنة.
5- وعند النظر في العقيدة الأمنية الأساسية، نجد أن مسألة استعانة النظام بقوى مسلحة ومدربة مثل الباسيج والحرس الثوري وغيرها، هي ذاتها أساليبه التقليدية الدائمة في الحفاظ على وجوده، وهذا يقدم مؤشرا على أن مثل هذه التشكيلات ستكون حاضرة لاستخدامها في العراق، خاصة عناصر الميليشيات المنضوية في الحشد الشعبي لقمع أية احتجاجات محتملة، أو حتى الاستعانة بقوى الحشد العشائري الموالين للحكومة، وهنا تأتي أهمية البحث عن صيغة تؤمن كسب تلك القوى إلى جانب المتظاهرين أو في الأقل ضمان حياديتهم.
6-  وبالمقارنة بين قدرة قواعد النظامين السياسيين في العراق وإيران على الصمود، يمكن القول أن قوة النظام الإيراني تمثلت ( في اتساع قاعدة مؤسساته الاجتماعية وانتشارها من الباسيج إلى شبكة رجال الدين ومؤسسات الدولة البيروقراطية والأمنية والاقتصادية المتداخلة.)[24]، وهنا نحن أزاء تشكيلات عراقية قد تبدو مقاربة من حيث المعنى والمبنى وليس الأسماء والعناوين، خاصة بعد الجهود الكبيرة التي أسفرت عن التأطير القانوني لقوى فصائل الحشد الشعبي، ودورها المرتقب في الحياة السياسية.
 7- من المؤكد أن النظام الإيراني في معالجته للاحتجاجات الأخيرة كان يمتلك مرونة كبيرة وقد (.. سعى إلى احتواء الاحتجاجات، على الرغم من استخدام العنف في قمعها، ويبدو أن عدم تدخل الحرس الثوري لمواجهتها هو محاولة لمنع تصعيدها، مع أن الحرس، على لسان قائده محمد علي جعفري، حذّر من أنه لن يبقى مكتوف الأيدي، إن استمرت التظاهرات.)[25]، وقد تكون فصائل الحشد العشائري السنية إحدى خيارات الحكومة في مواجهة أية احتجاجات سنية متوقعة، وتجنب الزج بالتشكيلات الرسمية للحكومة أو حتى للحشد الشيعي.
8-  وبالرغم من كل ما يقال عن دور القوى الخارجية، إلا (أن تغيير النظام الحاكم هو عمل الشعب المعني بالأحداث الداخلية في بلاده، ولا يمكن للقوى الخارجية سوى المساعدة من خلال الكف عن دعم النظم المستبدة الظالمة… وبالعموم، وباستثناء احتمالات الغزو العسكري الكامل، لا يمكن لأية قوة خارجية، مهما كانت عظمتها وسلطتها، أن تنجح في إسقاط نظام حاكم يحظى بقدر ولو يسير من الدعم المحلي وما يكفي من الثقة الذاتية التي تؤهله لمواجهة التحديات والصعاب.)[26]
9-  إن المعارضة الخارجية الإيرانية المتمثلة أساسا في المجموعات السياسية الإيرانية التي تنشط في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، قد تأكد إن نفوذها داخل البلاد ضعيف جداً، وهي تعاني من خلل بنيوي، وتمارس التضخيم والتضليل، ويبدو أن هناك قواسم مشتركة بينها وبين العديد من الكيانات السياسية السنية التي تعاني من خلل بنيوي، قريب الشبه، إذ أنها أقرب إلى قوى المعارضة الإيرانية من ناحية ضعفها وتأثيرها على الشارع السني.
10- يمكن القول بأن قوى المعارضة الإيرانية (هي عبارة عن اتجاهات متناقضة بشدة. لكن هؤلاء يمتلكون وسائل إعلام قوية جداً من محطات تلفزيونية وإذاعات تبث عبر الأقمار الصناعية، إلى شبكات للتواصل الاجتماعي..)[27] وقد يتشابه هذا الحال مع حال العديد من القوى السياسية العربية السنية، مع ذلك فهي ما تزال تعاني مشاكل حقيقية في تأمين التواصل مع الشارع السني، ولن يكفيها ذلك في قيادة حراك جماهيري ذو قيمة مستقبلا.
11-لعل إبراز مطالب محددة غير متداخلة هو مطلب أساسي للنجاح في إرغام الحكومة على الاستجابة. لقد بات واضحا (إن الاحتجاجات التي عصفت بالشارع الإيراني .. سببها الأساسي المشاكل الاقتصادية للبلاد، وفقدان الأمل في إمكانية حل هذه المشاكل. ولكن خلط المطالب السياسية المتضادة بالمطالب الاقتصادية المختلفة، أظهر عجز هذه المظاهرات عن امكانية الوصول إلى نتيجة ذات قيمة. وفي الحد الأقصى؛ تراجعت الحكومة عن بعض قراراتها أو حاولت تنفيس الضغوط التي واجهها المواطنون في بعض المناطق لتُسكت هذه المظاهرات، ووفقاً لهذه الظروف لم يكن بالإمكان القول بأن إيران تشهد ثورة شعبية.)[28] ، وفعلا فقد ذهبت الحكومة، (إلى تجميد بعض الإجراءات .. واتخاذ إجراءات أخرى لتهدئة الأوضاع. لكن ذلك كله سيكون مسكّنات آنية لن تحل مشكلات إيران الاقتصادية المتراكمة والبالغة التعقيد.)[29]، وهو في حقيقته يمهد الأجواء لاحتجاجات لاحقة ربما تكون أشد عنفا.
12- إن من بين أكثر العوامل التي تهدد النظام الإيراني على المدى البعيد هو( فقدان المؤسسة الدينية جزءًا كبيرًا من هيبتها وشرعيتها، منذ انخرطت في الحكم وتعرّضت لمغريات السلطة والنفوذ والفساد …)[30]، وهو الحال نفسه الذي تبدو عليه وضع المرجعيات الدينية العراقية، وهو ما يعني امكانية خروج اية احتجاجات شعبية مستقبلية عن السيطرة من قبل تلك المرجعيات.
المحور الثالث: احتمالات المواقف الدولية:
أبدت الكثير من الأطراف الدولية الرسمية وأوساط الرأي العام والناشطين السياسيين ردود فعل، انطوت على مواقف شديدة التباين في رؤيتها لدوافع التظاهرات الاحتجاجية الإيرانية، واحتمالاتها المستقبلية وانعكاساتها على أوضاع دول الجوار، ومنها العراق. وما يعنينا في هذا المقام هو التعرف على الجوانب المرجحة لرؤى العرب السنة في العراق لما شهدته إيران.
1- قدمت الاحتجاجات صورة واقعية للعرب السنة بخصوص وهم التعويل على القوى الدولية والإقليمية لدعم مطاليبهم واستحصال حقوقهم، فهذه القوى، برغم كل شيء، لكنها كانت ضد أن تسود الفوضى دولة ذات وزن استراتيجي دولي ثقيل كإيران، فهي لا تزال متمسكة بتفاهماتها الدولية، ( إذ يبدو أنها غير مستعدة على الأقل في الوقت الراهن لإجراء تعديلات على حدود الدول، وترى نفسها ملزمة بالحفاظ على الاستقرار والأمن في المنطقة..)[31]، وقد أظهرت موجات اللاجئين الهاربين من دول الربيع العربي، وتسلل العناصر الإرهابية من خلالها، حجم الصعوبات والتعقيدات التي يمكن أن تواجهها تلك الدول.
2- وكحال المواقف الدولية المتضاربة في تقييمها لأوضاع العراق، وخاصة وضع المناطق العربية السنية، فقد بدا ( أن اللاعبين الدوليين غير متفقين في طريقة تعاطيهم مع الاحتجاجات، ففي وقتٍ تبدو فيه إدارة دونالد ترامب مستعدة لدعم تلك الاحتجاجات، ترى روسيا أنه ليس من المصلحة أن تتطور الأمور في إيران إلى عنفٍ يهدّد الدولة والمجتمع. في المقابل، ومع الانتقادات الأوروبية لرد النظام الإيراني حول سقوط ضحايا بسبب هذه التظاهرات، لا يبدو أن الأوروبيين راغبون في حصول هزّة سياسية كبرى غير محسوبة النتائج. فمنذ الربيع العربي، يسود في أوروبا مزاجٌ معادٍ للتغيير في المنطقة. ومن جهة أخرى، لا يبدو أن للمواقف الغربية التي تبدي حرصًا على الديمقراطية وحقوق الإنسان في إيران أي صدقيةٍ لدى الرأي العام الإيراني الذي يرى أن تلك الدول لا تهتم إلا بمصالحها…)[32]، وهو قول صائب يصدق في جميع الحالات.
3- وتأسيسا عليه؛ ( تختلف حيثيات المواقف الدولية وحوافزها في إبعاد فرضية سقوط النظام الإيراني، بيد أن ويلات “الربيع” العربي في جانبيه المدمرين للحجر والبشر، بما في ذلك قذفه علل الهجرة والإرهاب إلى قلب العالم، توفّر قاسما دوليا مشتركا صلبا لعدم صبّ الزيت فوق النيران الإيرانية. فإذا ما توجّس الخليجيون من برنامج إيران النووي في جانبيه الأمني والبيئي المطلّ مباشرة على يومياتهم، فإن أي أزمة كبرى في إيران قد تتحول إلى كارثة زاحفة يكفي لها أن تعبر مياه الخليج.)[33]
4- إن تردد المواقف وتأرجحها والذي عكسته بعض وسائل إعلام الدول العربية الخليجية ومسؤوليها وتخفيف اللهجة مع طهران، والعودة لتبني مواقف متوازنة في خطابهم، (يشير إلى مسألة حساسية الموقف من سقوط إيران وأقاليمها، وذلك في بعدين:[34]
الأول: الخشية من انتقال مثل هذه الأحداث إلى بلدان خليجية أخرى، وخاصة إن قررت إيران الرد داخل السعودية والبحرين على سبيل المثال.
والثاني: هو أن السقوط المدوّي لإيران الدولة له تبعات أمنية عاصفة على المنطقة، ولا توجد في ظل هذه الأوضاع وغياب العراق وسوريا أي مظلة بديل تفرض نوعاً من الأمن الإقليمي، وهي مواقف عادة تصب في صالح النظام)
5- بالنسبة للعرب السنة في العراق فإن شعارات المحتجين الإيرانيين الرافضة للمغامرات الخارجية والاهتمام بالداخل، يدعم امكانية تفجر احتجاجات عراقية ترفض الارتباط الحكومي بالسياسة الإيرانية، والتي أدت على مدى (15) عام إلى استنزاف الثروات الوطنية، ويعزز الدعوة لتسخير الإمكانيات الوطنية للداخل. وقد نجد في التظاهرات التي سبق وشهدتها بغداد وعدد من المحافظات العراقية سابقا وشعاراتها (إيران بره بره..) من أخطر التوجهات على إيران في العراق وفي غير العراق.
المحور الرابع:
عوامل مؤثرة في امكانية نجاح احتجاجات محتملة للعرب السنة في العراق:
1- إن التزام الاستقلالية عن المواقف الدولية المختلفة، وتجنب الغموض، يشكل درسا حقيقيا للعرب السنة، سيكون لزاما عليهم مراعاته في مسيرة مطالباتهم بحقوقهم، وكما هو حال السلطة في العراق في أسلوب تعاطيها مع احتجاجات ساحات الاعتصام في العراق عامي (2012-2013)، كان (الطريق السهل للبروباغندا الإيرانية ومناصريها القول إن ما حدث في مدن إيران مؤخراً هو مؤامرة خارجية.)[35]
2- إن الدور الذي مارسه اللاجئون والمهاجرون الإيرانيون، وقيادات حركات المعارضة الإيرانية في تأجيج الرأي العام الدولي لدعم الاحتجاجات الإيرانية، يقدم درسا مهما للعرب السنة بضرورة وضوح قيادة الاحتجاجات الشعبية، فضلا عن دقة تنسيق جهود قياداتهم المتواجدة في الخارج، مع القواعد الشعبية داخل البلاد، فضلا عن أهمية قيام ابناء جلدتهم في دول الشتات بحملات دعم ومؤازرة لإدامة وتطوير زخم التظاهرات. ولا يخفى أن تأثير المهجرين والمهاجرين كبير بالنسبة للشارع العراقي. وخاصة قطاع الشباب بما يعانيه من بطالة وضياع وانعدام الرؤية المستقبلية وانسداد الافق(… هذه التحركات العفوية ليس لديها أو وراءها تنظيمات سياسية معينة، لكن المتوقَّع أن تخلق قيادات ميدانية جديدة وشابة ستبرز من خلال عملها الميداني.)[36]
3- أكدت التظاهرات الإيرانية إن توافر المتظاهرين القادرين على تحمل المخاطر المختلفة والمطاولة هو العنصر الأهم في هذا النمط من الاحتجاجات الثورية؛ أي المتظاهر المندفع ذاتياً، (وهذا المتظاهر لا تعنيه كثيراً تقييمات الخارج، ولا رؤاه وتصوراته للحدث، حيث يكون منخرطاً ضمن دائرة طموحاتٍ وتصوراتٍ بسيطة، وتكون لديه هموم من نوع مواجهة المخاطر المحتملة، والتخطيط لساحة التظاهر والطرق المؤدية إليها. وهذا المتظاهر المندفع ذاتيا هو عماد الأحداث وركيزتها، سيركب أتباع التيارات الداخلية ووكلاء الخارج الثورة، لكن هؤلاء لا يعوّل عليهم بالأصل، هم لا يغامرون، وهم ليسوا وقود الثورة، بل غالباً يجهزون أنفسهم للاستفادة من الثورة، قد يتأذّى هؤلاء ويعتقلون، لكن ذلك يحصل مصادفةً، وليس لكونهم أطرافا وعناوين في الثورة.)[37]، وهو واقع يفرض على أصحاب الحقوق القدرة على توجيه احتجاجاتهم الوجهة التي تخدم مطالبهم، وعدم السماح لأية قوى دخيلة من المتاجرين المتربصين بتطورات الأوضاع بسرقة تضحياتهم، وهو واقع سقطت فيه ساحات الاعتصام السنية من قبل.
4- إن قدرات الأجهزة الأمنية الحكومية في مواجهة القوى الاحتجاجية قد تطورت بشكل كبير سواء من ناحية النوعية والحجم، خصوصا في مجال الوسائل التقنية. وكانت سيطرة النظام الإيراني على وسائل التواصل الاجتماعي أمرا حاسما في السيطرة على زخم التظاهرات، وهو ما يحتم البحث عن وسائل تواصل تكون بمنأى عن هكذا سيطرة لإضعاف تأثيرات الأجهزة الحكومية عليها.
    وفي هذا السياق، (وفي محاولة للبحث عن الدعم العملي الذي ينتظره المحتجون الإيرانيون من واشنطن، طالب رضا بهلوي نجل شاه إيران الراحل، إدارة ترمب بأن “تعمل على تشجيع شركات التكنولوجيا الأميركية على توفير خدمات اتصالات للإيرانيين الذين يحتجون ضد حكامهم من رجال الدين”. وقال بهلوي “نحن نحتاج لما هو أكثر من مجرد الكلام، نريد رؤية أفعال ملموسة، يجب أن يكون هذا فوريا، بينما نتحدث الآن، يحاول النظام مجددا حجب أي شيء، سواء إنستغرام أو تلغرام”. وتأتي هذه الدعوة في ظل حظر إيراني لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي الرئيسية، كما قيدت منذ أيام الوصول لتطبيق تلغرام للتراسل.)[38]
المحور الخامس: تقييم عام:
1- كتقييم عام للاحتجاجات الإيرانية، يمكن الإشارة إلى (ما يأتي:[39]
أ- لا يمكن التهوين من تأثير الاحتجاجات التي تشهدها إيران وتتخذ عناوين اقتصادية بصورة أساسية، فهناك انقسام واضح في المجتمع الايراني، وأظهرت الانتخابات الأخيرة وجود كتلة اجتماعية وتيار قيد التشكل سيكون له تأثيره وحضوره في مستقبل إيران، ولعل الحرمان والغضب هو أبرز ملامح بنيته الاجتماعية، فضلًّا عن شعوره بالتهميش الاجتماعي والاقتصادي، كما أن عمقه يمتد في الأرياف والمدن الأخرى غير طهران. وهو تيار شعبوي أقرب إلى أحمدي نجاد من غيره.
ب- ينتشر الفقر بنسبة كبيرة في المدن والأرياف الإيرانية وتضعه أرقام رسمية في حدود – 12 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر المطلق، فيما يعيش ما بين 25 – 30 مليون شخص فقرًّا نسبيا.
ج- يجب ملاحظة أن الحملة ضد روحاني واتهامه بالفشل قد بدأت منذ أسابيع ويغذيها خصومه بشكل واضح وقد تكون – شرارة الاحتجاج التي انطلقت برعاية أصولية مرتبطة بالصراع على خلافة المرشد.
د- إن الشعارات ضد السياسات الإيرانية في الخارج، والتي رفعها المتظاهرون لا تمثل في حقيقتها معارضة أخلاقية لهذه – السياسة بل تأتي من باب: المصباح الذي يحتاجه البيت يَحْرُم على الجامع، وفقراء إيران أحقُّ بالدعم، وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة، مايو/أيار 2017 ، لم تكن سياسة إيران الخارجية واردة في النقاش الداخلي، بل كان الاقتصاد، هو الموضوع الذي انصب جُلُّ الحديث عليه.. و لم يُطرَح موضوع تدخل إيران في سوريا، على سبيل المثال، ولو عرضًّا.
ه- كما يجب عدم التقليل من أثر هذه الاحتجاجات، يجب في الوقت ذاته عدم التهويل بشأنها، بوصفها مهددًّا مباشرًّا لبنية – النظام القائم، فهو قوي ومستقر، بشكل كبير، لكن هذه الاحتجاجات تعد مؤشرًّا على التحولات التي يشهدها المجتمع الإيراني، ولا يمكن إغفال تأثيرها مستقبلًّا على شكل وبنية النظام القائم.)
2- إن التظاهرات الاحتجاجية التي شهدتها إيران (ليست مثل انتفاضة الثورة الخضراء عام 2009 التي كانت انتفاضة التيار الإصلاحي وجماهيرها كانت الطبقة الوسطى وكانت متمركزة في طهران، ومن ثم كان من السهل احتواؤها. الانتفاضة الأخيرة هي انتفاضة الشعب الفقير، وهي تنتشر بعيداً عن طهران ويمكن أن تتحوّل إلى انتفاضة من أجل تغيير النظام وليس الحكومة، ومراجعة الدستور إذا ما أصبحت مطالب الانفصال مفروضة على أجندة المطالب التي لن يستطيع النظام الإيراني تجاهلها أو التعامل معها، ومن هنا يكمن خطرها، أنها قد تفرض إجراء مراجعات جذرية، وليس هامشية، في بنية النظام وتغيير سياساته، في حال نجاح النظام في احتوائها، أما إذا عجز عن هذا الاحتواء، فالاحتمالات ستكون حتماً مفتوحة على خيارات أخرى.)[40]
3- ولعل من أهم الدروس المستنبطة من الاحتجاجات الإيراني حقيقة أن حركة الإيرانيين للتحرر من الهيمنة الدينية السياسية في عامي 2017-2018 قد فشلت كما فشلت عام 2009، لكنها عكست بوضوح الأزمة الكبيرة والعميقة التي تعانيها إيران، ومن المؤكد أن ( لا بديل للطغيان سواء كان حكماً فردياً أو دينياً سوى الفوضى أو مجتمعات مدنية قادرة على تنظيم ذاتها، وهو ما يبدو أصعب من الثورة نفسها، فهذا التنظيم المدني لا يتشكل في فترة قصيرة ولا تنتجه الثورات للأسف الشديد، ولا مجال سوى تسويات معقدة تبدأ بالاعتراف بالتغيير والتأثير المتبادل والمشاركة في الفرص والموارد، وصولاً إلى عقد اجتماعي يجعل من الحريات مورداً منظماً العلاقات والسلطات، ومصدراً للفهم والنظر في المسائل والتحديات، لكن التجارب والنيات السيئة التي أحاطت بجميع المحاولات والتسويات السابقة تظل تدفع بالصراع والجدال نحو الهاوية!)[41]
4- قد نجد واحدة من الغايات التي تسعى إليها الأحزاب الطائفية في زج الوجوه الدينية في بعض الاحتجاجات في العراق كالسيد مقتدى الصدر، هو ضمان عدم خروج الأوضاع عن سيطرتها بالمحصلة النهائية باعتبار أن تلك الوجوه محسوبة عليها بكل الأحوال. وبالمقارنة، فقد أكدت التظاهرات الإيرانية (أن غياب جزء من النظام عن تصدر المظاهرات… كما فعل مير حسين موسوي ومهدي كروبي عام 2009، جعل كل النظام هدفاً للمتظاهرين وغضبهم.)[42]
5- (… أن أبرز ما يلفت النظر هو الانفصال الفكري بين الحراكين في عاميْ 2009 و2017، فمن الواضح أن النظام استفاد من هذا الانقسام، إذ ظهرت روح ثأرية من الدين داخل حركة الاحتجاج، بسبب استبدادية وفساد نموذج الحكم الإيراني، بما تنطوي عليه سلوكيته من روح التجاوز على الإسلام، وهذا يفصل حراك 2017 عن تحالفات الخضر الواسعة.)[43] ، وبالقياس عليه سيكون لزاما على العرب السنة البحث عن أساليب مبتكرة في المطالبة المقبلة بحقوقهم، مع ضرورة اليقظة للثبات على تلك الحقوق، والاستعداد لاحتمالية ظهور تيارات فكرية غريبة عن الثقافة المميزة السائدة فيها. وبالمقارنة مع الحالة الإيرانية نجد
///////////

الهوامش:

[1] غازي دحمان، اضطرابات إيران خارج التوقعات، صحيفة (العربي الجديد) اللندنية / 4 كانون الثاني- يناير 2018،  http://cutt.us/Wgrdi
[2] أنظر أمير طاهري، ما وراء الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14283 / 5 كانون الثاني- يناير 2018، https://aawsat.com/node/1133301
[3] أنظر أمير طاهري، ما وراء الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14283 / 5 كانون الثاني- يناير 2018، https://aawsat.com/node/1133301
[4] د. بشير موسى نافع، المعضلة الإيرانية: من الاحتجاجات المعيشية إلى سؤال شرعية النظام، صحيفة (القدس العربي) اللندنية / 4 كانون الثاني- يناير 2018، http://www.alquds.co.uk/?p=854964
[5] أنظر نبيل عمرو، الهبة الإيرانية وحدود التوقعات، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14282 / 4 كانون الثاني- يناير 2018،  https://aawsat.com/node/1132471
[6] أنظر مازيار بهاري، هل ثمة ثورة ثانية في إيران؟، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14281 / 3 كانون الثاني- يناير 2018، https://aawsat.com/node/1131056
[7] أنظر محمد النجار، ماذا تريد واشنطن من دعم الاحتجاجات بإيران؟، موقع (الجزيرة. نت) / 4 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/1l9ox
[8] كريستيان كاريل، اضطرابات إيران: مصادر ومآلات، صحيفة (الاتحاد) الإماراتية / 4 كانون الثاني- يناير 2018،  http://cutt.us/LVYpI
[9] أمير طاهري، ما وراء الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14283 / 5 كانون الثاني- يناير 2018، https://aawsat.com/node/1133301
[10] مصطفى فحص، إيران… ثلاثية الفساد والفقر والاستبداد، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14281 / 3 كانون الثاني- يناير 2018،  https://aawsat.com/node/1131061
[11] أنظر د. فاطمة الصمادي، احتجاجات إيران: هل بدأت انتفاضة الخبز الإيرانية؟، مركز الجزيرة للدراسات، 31/ديسمبر/ 2017، ص4
[12] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، احتجاجات إيران.. سؤال الشرعية وخيارات النظام، صحيفة (العربي الجديد) اللندنية / 4 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/iXWGX
[13] أنظر إدريس سالم، ثورة الجِياع في إيران لن تُسقط النظام، موقع (ايلاف) / 4 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/wEDTt
[14] أنظر عماد آبشناس، هل هناك ثورة جديدة في إيران؟، موقع (الجزيرة. نت) / 2 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/Hq9zw
[15] عماد آبشناس، هل هناك ثورة جديدة في إيران؟، موقع (الجزيرة. نت) / 2 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/Hq9zw
[16] صحيفة فرنسية: ولادة “قوة ثالثة” في إيران، موقع (الجزيرة. نت) / 4 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/qHfny
[17] أمير طاهري، ما وراء الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14283 / 5 كانون الثاني- يناير 2018، https://aawsat.com/node/1133301
[18] يحيى الكبيسي، إيران: الاحتجاجات… وأزمة النموذج، صحيفة (القدس العربي) اللندنية / 4 كانون الثاني- يناير 2018، http://www.alquds.co.uk/?p=854962
[19] أنظر مصطفى فحص، إيران… ثلاثية الفساد والفقر والاستبداد، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14281 / 3 كانون الثاني- يناير 2018،  https://aawsat.com/node/1131061
[20] منال حميد (مترجمة)، واشنطن بوست: ثورة إيران قد لا تطيح بالنظام لكنها تعمق الشرخ الداخلي، موقع (الخليج أونلاين) / 3 كانون الثاني- يناير 2018، http://klj.onl/mLCEv
[21] أنظر نبيل عمرو، الهبة الإيرانية وحدود التوقعات، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14282 / 4 كانون الثاني- يناير 2018،  https://aawsat.com/node/1132471
[22] أنظر إدريس سالم، ثورة الجِياع في إيران لن تُسقط النظام، موقع (ايلاف) / 4 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/wEDTt
[23] د. شملان يوسف العيسى، ثورة الجياع في إيران، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14283 / 5 كانون الثاني- يناير 2018،  https://aawsat.com/node/1133291
[24] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، احتجاجات إيران.. سؤال الشرعية وخيارات النظام، صحيفة (العربي الجديد) اللندنية / 4 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/iXWGX
[25] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، احتجاجات إيران.. سؤال الشرعية وخيارات النظام، صحيفة (العربي الجديد) اللندنية / 4 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/iXWGX
[26] أنظر أمير طاهري، ما وراء الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة ، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14283 / 5 كانون الثاني- يناير 2018، https://aawsat.com/node/1133301
[27] عماد آبشناس، هل هناك ثورة جديدة في إيران؟، موقع (الجزيرة. نت) / 2 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/Hq9zw
[28] أنظر عماد آبشناس، هل هناك ثورة جديدة في إيران؟، موقع (الجزيرة. نت) / 2 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/Hq9zw
[29] أنظر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، احتجاجات إيران.. سؤال الشرعية وخيارات النظام، صحيفة (العربي الجديد) اللندنية / 4 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/iXWGX
[30] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، احتجاجات إيران.. سؤال الشرعية وخيارات النظام، صحيفة (العربي الجديد) اللندنية / 4 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/iXWGX
[31] أنظر د. كريم عبديان بني سعيد، الشعوب المضطهدة في إيران… عبر ودروس،   صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14284 / 6 كانون الثاني- يناير 2018، https://aawsat.com/node/1134596
[32] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، احتجاجات إيران.. سؤال الشرعية وخيارات النظام، صحيفة (العربي الجديد) اللندنية / 4 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/iXWGX
[33] محمد قواص، إيران: العالم لا يريد إسقاط النظام!، صحيفة (العرب) اللندنية/ العدد: 10860 / 5 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/JHEhv
[34] مهنا الحبيل، الاحتجاجات الإيرانية ومستقبل الجمهورية الدينية، موقع (الجزيرة. نت) / 10 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/ONCP2
[35] محمد الرميحي، الصمت المسموع في إيران، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14284 / 6 كانون الثاني- يناير 2018، https://aawsat.com/node/1134606
[36] د. شملان يوسف العيسى، ثورة الجياع في إيران، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14283 / 5 كانون الثاني- يناير 2018،  https://aawsat.com/node/1133291
[37] غازي دحمان، اضطرابات إيران خارج التوقعات، صحيفة (العربي الجديد) اللندنية / 4 كانون الثاني- يناير 2018،  http://cutt.us/Wgrdi
[38] محمد النجار، ماذا تريد واشنطن من دعم الاحتجاجات بإيران؟، موقع (الجزيرة. نت) / 4 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/1l9ox
[39] د. فاطمة الصمادي، احتجاجات إيران: هل بدأت انتفاضة الخبز الإيرانية؟، مركز الجزيرة للدراسات، 31/ديسمبر/ 2017، ص4.
[40] د. محمد السعيد إدريس، المظلوميات البديلة تهدد إيران، صحيفة (الخليج) الإماراتية / 5 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/6Zl0g
[41] أنظر إبراهيم غرايبة، الربيع العربي في طهران، صحيفة (الحياة) اللندنية / 6 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/Suj9V
[42] نديم قطيش، خريف النظام وليس ربيع إيران، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14283 / 5 كانون الثاني- يناير 2018، https://aawsat.com/node/1133286
[43] أنظر مهنا الحبيل، الاحتجاجات الإيرانية ومستقبل الجمهورية الدينية، موقع (الجزيرة. نت) / 10 كانون الثاني- يناير 2018، http://cutt.us/ONCP2