لماذا ستقوم الحرب؟

د. عمر عبد الستار
مستشار مركز العراق الجديد
جرت او تأجلت إنتخابات العراق و لبنان ، فإستقرار البلدين بعيد، قبل كسر نفوذ إيران،  فإيران تُدافع عن نفسها بمنع إستقرار لبنان و العراق، ولذلك فإن الحرب قادمة.
 ورغم أن إيران تُمثل آخر معاقل العداء في الشرق الأوسط للنظام الدولي، فإن  أميركا قد تجاهلت نفوذ إيران فتمدد من طهران لبيروت،وأصبح له أذرع وحلفاء محليين ودوليين، حتى وصل إستقرار  المنطقة وصراع الطرفين حولها الى طريق مسدود.
ووصول الصراع الإيراني-الأميركي  في المنطقة الى طريق مسدود، سببه قناعة راسخة لدى الإيرانيين إن أميركا تُريد تغيير نظامهم السياسي كليا، و قناعة الأميركان إن خمنائي يمكن أن يُزاح فقط حين  يتم تصويب البندقية الى راسه.
وهاتين القناعتين المتعارضتين، هي من تدفع أميركا اليوم الى حرب رابعة قادمة في غرب آسيا ( الشرق الاوسط) ضد إيران ، بعد أن خاضت  الحرب العالمية الأولى و الثانية و كذلك الباردة من أجل أسيا أيضا.
و حين تجتمع إيران و روسيا و الصين و أميركا في الشرق الأوسط، فالشرق الأوسط أصبح ساحة المنازلة الدولية الكبرى، بين معسكرين كما جرت في كل الحروب الثلاث السابقة.
 و معسكري الحرب اليوم في الشرق الأوسط  يتمثلون بالتحالف الدولي ضد الإرهاب، الذي تشكل ضد داعش في ٢٠١٤، و معسكر روسيا و إيران ورؤوس الإرهاب الثلاثة في المنطقة المتمثلة بالنماذج الثورية الدينية و القومية العربية  والكوردية و الإيرانية.
 و حجة من يقول إن توزان القوى قد يختل إذا سقط نظام إيران، لأنه قد يزيد من إشتعال النموذج الثوري الديني العربي، قد دعت السعودية ربما الى إسقاط النموذج الثوري الديني العربي، قبل إلإسقاط  المحتمل انظام إيران (الثوري الديني).
و روسيا و إيران التي تقود المعسكر المضاد للتحالف الدولي، تقف منذ ٢٠١١ حجر عثرة دون  إنجاز هدف التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وقد باتت الحدود بين المعسكرين واضحة بين نهاية داعش.
و وضوح صورة صراع المعسكرين  في سوريا بعد داعش، سببه إن الحرب على داعش هي حرب تكتيك، و لذلك إجتمع الطرفين ضدها، اما الحرب الإستراتيجية فقد بدأت مع إنتهاء داعش.
فقد فتحت إنتهاء مرحلة داعش الباب على مصراعيه، أمام إندلاع حرب يقودها التحالف الدولي ضد محور الإرهاب الذي تقوده إيران وترعاة روسيا ويبدأ في سوريا.
و إجتماع الدول الكبرى في ساحة منطقة معقدة المشاكل، كساحة الشرق الأوسط التي ترتبط بعضها مع بعض من إرهاب و ثورة و ثروة و نزاع دولي على الهيمنة، قد ينقل المنطقة بأسرها من مدار أميركا الى مدار روسيا و الصين و إيران، إن إستمرت المنطقة حبيسة الإرهاب  والثورة و عدم الإستقرار، و لمنع  إنتقال المنطقة من محور الى محور  فإن الحرب قادمة، لا نعرف متى و كيف، لكنها قادمة لتحقيق أهدافها.
و إضافة الى منع إنتقال المنطقة من محور الى محور، فإن قطع هلال إيران و رؤوسه الثلاثة المتمثلة بالنموذج الثوري الديني و القومي (العربي و الكوردي و لايراني)(إرهاب)، و وصل الصين بأوروبا عبر طريق الحرير (نفط)، و فتح الطريق امام (صفقة القرن)، من اهداف الحرب القادمة ايضا.
و ترى أميركا إن (صفقة القرن) هدف كبير يمكن أن يسهم في إستقرار المنطقة مع إحتفاظ أميركا بتحالفاتها التقليدية مع العرب، وبنفس الوقت قد تدفع العرب لدعم إستقرار المنطقة بأنفسهم كما يقول ولي نصر.
و معضلة الشرق الأوسط عند الولايات المتحدة الأميركية تتركز بالإرهاب و الثروة و (صفقة القرن)، وهي تجتمع كلها في سوريا اليوم، و من هنا  إرتبط تاريخ  صفقة كوريا الشمالية، بتاريخ إنتهاء مهلة ترمب مع النووي الإيراني، بتاريخ نقل سفارة واشنطن للقدس.
وقد يكون ترمب بصفقة كوريا الشمالية على أبواب مهلة ترمب النووية مع إيران ، قد نجح في قطع العلاقة  النووية بين كوريا الشمالية و إيران بوساطة صينية  من جهة، وحيّد الصين من جهة أخرى عن صراع أميركا مع إيران و روسيا في الشرق الأوسط؛
و من جهة ثالثة، فقد أبطل ربما الصفقة الروسية الإيرانية التي أبرمها بوتين مع إيران في ٢٠١١، التي أراد بوتين من خلالها إستمرار الإرهاب الإيراني  في المنطقة و إستخدام روسيا له ورقة لتهديد أوروبا و أميركا.
فلقد أبرم بوتين مع إيران صفقة غير مسبوقة حين زار طهران في ٢٠١١،  فحواها أن تقف روسيا مع إيران ضد أميركا، ليستمر الإرهاب العابر للحدود في المنطقة، ويتعذر حل قضية فلسطين، مقابل أن تبتعد إيران عن تصدير طاقتها الى أوروبا و تستعيض عنها بتصديرها للصين، و بهذه الصفقة ضرب بوتين أكثر من عصفور بحجر واحد.
فقد حاول كسب إيران و الصين، بصفقة واحدة (ثروة)، و حاول إيقاف تمدد الفاصلة التاريخية التي يمر بها الشرق الأوسط الى حديقة روسيا الخلفية في القوقاز و آسيا الوسطى(ثورة)، مع إستمرارها في المنطقة، و فَرَضَ  بوتين بنفس الوقت وجوده في الشرق الاوسط على حساب أوروبا و أميركا (مكانة عالمية).
 و لأن أهداف المعسكرين المتصارعين  لا يمكن أن تلتقي في منطقة وسطى، لابد أن تقوم الحرب ؛
و لابد أن تقوم الحرب، لأن إستمرار  صراع أميركا مع إيران، بوجود صفقة روسية إيرانية، سينقل المنطقة من مدار الى مدار.
و النقطة الوسطى التي يمكن أن يلتقي فيها المعسكران هي أن تقبل إيران بمبادرة السلام السعودية مع إسرائيل و تتخلى عن النووي و الصاروخي و عن دعم حزب الله و حماس و الحوثي و عن دعم الإرهاب في المنطقة.
ولكي تقبل إيران بهذه الشروط لابد من إسقاط الصفقة الروسية-الإيرانية، و لتسقط  الصفقة الروسية-الايرانية، لابد من حرب قادمة قبل إنجاز الصفقة الدولية القادمة.
و عدم إسقاط الصفقة الروسية-الإيرانية، قد يمكِّن روسيا من السيطرة على أوروبا إقتصاديا (الثروة)، و قطع طريق الصين مع أوروبا، لتسحب الصين بعيداً عن أوروبا و أميركا؛
و قد تستفيد الصين من صفقة روسيا و إيران، اذ تسيطر على نفط الشرق الأوسط، بما يدفع دول الشرق الأوسط ربما للتوجه نحو الصين و ليس نحو أوروبا وأميركا، وهذا قد يمنح روسيا مكانة عالمية منافسة للولايات المتحدة الأميركية (مكانة).
و جملة هذه الأهداف الروسية تمثل خسارة سياسية و إقتصادية إستراتيجية صافية لأميركا، وخسارة زعامتها في الشرق الأوسط و الشرق الأقصى و الأدنى و أوروبا أيضا، و هذا ما لاتتحمله و لا تسمح أميركا بحدوثه، ولذلك لابد أن تقوم الحرب في الشرق الأوسط.
فإتفاق إيران مع روسيا، جعل إيران الدجاجة التي تبيض ذهبا لروسيا في المنطقة  و العالم، كما جعل إيران سلعة روسية مهمة ترغم أميركا أن تدفع لروسيا ثمن باهظ سياسياً.
و الثمن الباهظ قد يتمثل في عدم حديث أميركا عن حقوق الإنسان في روسيا و عدم توسع الناتو شرقا، و عدم دعم الثورات الملونة، التي ربما وصلت أخيراً الى أرمينيا آخر قواعد الروس في جنوب القوقاز.
و لإسقاط هذه الصفقة، توجه أوباما نحو الباسفيكي في نفس العام الذي أبرم فيه بوتين صفقته مع إيران، لإحتواء الصفقة الروسية-الإيرانية، و لوضع خطوة ثانية في طريق الألف ميل الذي إفتتحه كيسنجر مع الصين في ١٩٧٠، ليكملها ترمب بخطوة ثالثة اليوم بصفقة كوريا الشمالية.
إن خطوات نيكسون و أوباما و كذلك ترمب نحو الصين تعني، إن أميركا تُرابط عند باب الصين منذ ١٩٧٠ و حتى ٢٠١٨، لحسم الصراع  على آسيا؛ لأن الشرق الأقصى و الشرق الأوسط  وجهان لعملة الصراع الواحدة؛ و إن حسم الصراع في الأقصى لصالح أميركا، قد يكون مقدمة لحسمه في الشرق الأوسط.
وربما يكون طريق الحزام و الحرير الصيني الاوراسيوي الرابط بين الشرق الأقصى والشرق الأوسط والشرق الأدنى فأوروبا ، من أهم ثمار المُرابطة الأميركية التأريخية عند الباب الصيني.
ونفط الشرق الأوسط الذي فتحه بوتين بصفقته مع إيران على الصين ، قد لا يعوض الصين بل قد يعزلها دوليا، اذ يهم الصين أن تتغلغل إستراتيجياً في الإقتصاد الإميركي و الأوروبي، لتنفتح أكثر على النظام الدولي، و هذا هدف أميركي  لحد ذاته، اذ قد يكبح أي محاولة صينية محتملة لمصادمة النظام الدولي.
و السر هنا إن الصين هي التي تلتحق بالنظام الدولي الذي أسسته أميركا وليس العكس، وهذا مايمنع الصين من الإصطدام به، رغم إمكانية حدوث النظرية يوماً ما.
كما إن الجمال الصيني في السياسة  الذي جعلها قريبة من أميركا، او انه (الصفقة الصينية الاميركية التي أبرمها كيسنجر مع الصين)، قد تتلخص في إختلاف الصين عن إيران و روسيا،  إن الصين لا تملك و لا تُريد أن تكون إمبراطورية عسكرية خارج الحدود.
وقد لايهم الصين أن يكون لطريق الحزام أبعاد جيوسياسية، مثل أن يكون البديل الجيوسياسي عن مشروع أورواسيا السوفيتي الذي سقط بهدم جدار برلين، و مشروع ارواسيا بوتين الذي سقط بخروج أوكرانيا من هيمنه في ٢٠١٤، كما إنه لا يهمها أيضاً أن يكون الهلال الذي يحاصر قلب الأرض (روسيا)، بقدر ما يهمها أن تتغلغل إقتصاديا في أوروبا و أميركا.
و إذا كان الأمر كذلك، فصفقة بوتين خمنائي لدعم هلال إيران الإقليمي، لم تكن لسواد عيون إيران او سوريا، بل كانت محاولة روسية، لفك الحصار  الذي تعتزم أميركا حياكة خيوطه ضد رقبته بهلال الحزام الأوروبي الصيني من جهة، و وقف تمدد الفاصلة التاريخية الى حديقتها الخلفية في آسيا الوسطى و القوقاز.
و إذا كان هذا هو الهدف الإستراتيجي الروسي من صفقتها مع إيران ، فإن صفقة ترمب وكيم جون اون، قد تفتح الطريق لإسقاط الصفقة الروسية-الإيرانية.
فصفقة ترمب وكيم قد تحقق تقارباً صينياً أميركياً أوروبياً، يُشدد حصار قلب الأرض (روسيا)، و يحاصر روسيا في غرب سوريا، وقد يبعد إيران عن روسيا و يدفعها نحو الصين و أوروبا.
و لتحقيق هذه الأهداف فإن صفقة ترمب كيم قد أجهضت إحتمال الحرب في الشرق الأقصى ، و فتحت بنفس الوقت الباب لحرب قادمة في الشرق الأوسط تُسقط بها صفقة الروس و الإيرانيين، (ويقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا)