احتمالات التصادم الإيراني الإسرائيلي بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي

شاهو القره داغي
مستشار مركز العراق الجديد
مقدمة
بعد القصف الإسرائيلي لمطار (تيفور ) العسكري في سوريا فجر الاثنين 9 أبريل 2018 ، صرح الأمين العام لحزب الله اللبناني (حسن نصر الله) “أن الإسرائيليين ارتكبوا خطأ تاريخيا و أقدموا على حماقة كبرى و أدخلوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع إيران ”  ، فيما اتهمت إسرائيل إيران و لأول مرة منذ بداية النزاع في سوريا بالوقوف وراء استهداف إسرائيل بالصواريخ وخاصة الحرس الثوري الإيراني و القيادي (قاسم سليماني) في 10 مايو 2018، مما يعني تطور الاحداث بشكل كبير و احتمالات حدوث مواجهات مباشرة بين الطرفين في سوريا أو في كافة البقع الجغرافية التي يتواجد فيها حلفاء إيران.
سوريا ساحة النزاع الإيراني-الإسرائيلي
تعمل إسرائيل بشكل مستمر على تحجيم الخطر الإيراني في سوريا و ضرب الأهداف و الأماكن التي من المحتمل أن يكون قاعدة لإطلاق الصواريخ على الأراضي الإسرائيلية ، و ضمن هذه الخطة وقع الهجوم الإسرائيلي على قاعدة (تيفور)  الجوية السورية بالقرب من حمص  في 9 أبريل 2018 و التي أسفرت عن مقتل سبعة أعضاء من الحرس الثوري الإيراني بينهم قائد وحدة الطائرات بدون الطيار العقيد (مهدي دهقان )،حيث كانوا يعملون على إقامة قاعدة جوية إيرانية كاملة مع بطاريات مضادة للطائرات في القاعدة الجوية السورية حسب الرواية الإسرائيلية وكانت رداً إسرائيلياً على إطلاق إيران طائرة بدون طيار فوق المجال الجوي الإسرائيلي في فبراير.
و توعدت طهران تل أبيب بالرد على قصف مطار (تيفور) العسكري السوري ، وجاء الرد على لسان المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإيرانية الذي توعد إسرائيل بالرد المناسب على هذا الهجوم ، فيما وصل مستشار المرشد الأعلى الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر إلى دمشق بعد الهجوم و توعد تل أبيل بالرد .
بينما صرح رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي السابق (عاموس يادلين) بعد الهجوم على قاعدة (تيفور) ” أن فرص التصعيد في صراع عسكري واسع النطاق في سوريا هي أعلى من أي وقت مضى “.
من الواضح أن إسرائيل تدرك النية الإيرانية للانتقام من هذا الهجوم ، وهذا ما يدفع تل أبيب لاتخاذ إجراءات وقائية تفسد المحاولات الإيرانية ، و يبدوا أن الغارة الجوية التي نسبت لإسرائيل على منطقة (الكسوة) جنوب دمشق مساء الثلاثاء 8 مايو 2018 والتي أدت لمقتل 15 إيراني كانت جزءً من عملية إفشال إيران من إطلاق الصواريخ من سوريا على الجولان .
وحسب التسريبات الإسرائيلية  التي نشرتها صحيفة (هآرتز) الإسرائيلية فإن (قاسم سليماني) يعمل على مشروع مشترك يتكون من تخطيط إيراني بمشاركة قادة من حزب الله لإطلاق الصواريخ من قبل الميليشيات الشيعية الموجودة في سوريا على إسرائيل، وحسب التقارير الإسرائيلية فإن الهجمات الإسرائيلية نجحت إلى حد كبير في إفشال هذه المخططات ما يدفع إيران للتفكير في طريقة مختلفة و توقيت آخر لتنفيذ الهجمات بالتزامن مع تعميق القبضة العسكرية على سوريا .
ويبدوا أن الحسابات الإسرائيلية كانت دقيقة من ناحية أخذ الاحتياطات و فتح الملاجئ في الجولان ، فالهجوم الإيراني حصل في 10 مايو 2018 في وقت مبكر من يوم الخميس عن طريق إطلاق ما يقارب 20 قذيفة من سوريا على أهداف إسرائيلية في الجولان ولكن نظام القبة الحديدية الإسرائيلي أسقط الصواريخ ، وأعتبر الناطق باسم الجيش الإسرائيلي (أفيخاي أدرعي )أن إيران تقف وراء الهجوم وبالتحديد فيلق القدس الإيراني .
وجاءت الردود الإسرائيلية بشكل سريع حيث استهدف الجيش الإسرائيلي عشرات المنشآت الإيرانية بغارات جوية بالإضافة إلى مخازن الأسلحة و منصات الصواريخ و المنشآت الاستخبارية، فيما صرح وزير الدفاع الإسرائيلي (أفيغدور ليبرمان) بالقول “ضربنا كل البنى التحتية الإيرانية في سوريا و إذا أمرطت علينا فستهب العاصفة عليهم ،و آمل أن نكون قد أنهينا هذا الفصل، وأن الرسالة بلغت الجميع ” ، فيما أعلنت وزارة الدفاع الروسية يوم الخميس ان ضربات إسرائيل على سوريا شهدت مشاركة 28 طائرة في غارات أُطلق خلالها ما مجموعه 60 صاروخا .
الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي هل يُشعل الصراع؟
.
يبدوا أن انسحاب الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) مساء الثلاثاء من الاتفاق النووي الإيراني سيكون سببا للتصعيد بصورة أكبر بين إسرائيل و إيران ، لأن الموقف الأمريكي أصبح منسق بالكامل مع الموقف الإسرائيلي، وخاصة أن الرئيس (دونالد ترمب ) قد استند على الوثائق التي حصلت عليها الموساد والتي تثبت نية طهران للحصول على السلاح النووي ، و من الممكن أن نقول أن كلمة (ترامب) حول انسحابه من الاتفاق النووي كان مختصرا للتصريحات المستمرة للرئيس الإسرائيلي الذي يلقيها طوال سنوات حول الخطر الإيراني على إسرائيل و المنطقة .
وحسب الكثير من المحللين فإن (ترامب) يتشارك مع (نتنياهو) في خط مشترك حول ثلاث قضايا رئيسية ومصيرية وهي : التخلي عن الاتفاق النووي مع إيران، و تشجيع تغيير النظام في إيران عن طريق فرض العقوبات و تأليب الشارع الإيراني على النظام الإيراني، و وقف البناء العسكري الإيراني في سوريا . ومن الواضح أن (ترامب) يترك الحرب ضد الإيرانيين في سوريا لإسرائيل، ولكنه يدعم هذه الخطوات الإسرائيلية ضد الأهداف الإيرانية في سوريا لأنه يندرج تحت الهدف الأمريكي بتحجيم النفوذ الإيراني و إنهاء ممارسات إيران الإرهابية في المنطقة بما فيها سوريا.
وحسب الكاتب (عاموس هاريل) فإن أن الواقع الاستراتيجي في المنطقة كانت تتجسد في القتال العنيف بين المحور السني و الشيعي في سوريا، و الاتفاق النووي بقيادة إدارة أوباما  و تجنب أمريكا المواجهة المباشرة مع إيران ، واليوم نرى أن المعادلة في سوريا أصبحت لصالح نظام الأسد و إيران والشيعة، و (ترامب) هدم الأساس الثاني وهو الاتفاق النووي ، ومن الان فصاعدا يتغير قواعد اللعبة وسيكون الشعور الأول هو الصراع بين إسرائيل و إيران في سوريا . [I]
بينما يرى المحلل (جاكوب شابيرو) أن خطر الحرب بين إسرائيل و إيران ازداد بشكل كبير وخاصة من سوريا و لبنان ، و يأتي الاستعدادات الإسرائيلية لعلم القيادة بوجود نية إيرانية لاستخدام وكلاءها في سوريا و لبنان للهجوم على إسرائيل وخاصة بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاقية النووية ، ولذلك تعمل إسرائيل بكافة الاحتياطات ليس فقط لحماية نفسها من هذه الهجمات المحتملة بل ليكون لديها رد فعل سريع و قوي ضد هذه الهجمات .
وضمن هذا السياق قال المسؤول السابق في الموساد ان إسرائيل وطهران سوف تحتاجان في النهاية إلى اتفاق بشأن الصراع الحالي في سوريا و إذا لم يحل الأمر فسنكون أمام عدة جولات من الصراع ، مع تعلق الآمال بالقيادة الروسية في التدخل الإيجابي في هذا الموضوع و الاتفاق على انهاء الصواريخ و الطائرات بدون الطيار و الأسلحة الإيرانية التي جلبت إلى سوريا و إنهاء التواجد الإيراني على الحدود السورية مع تحجيم و تحديد عدد الإيرانيين و وكلائهم الذين سيبقون في سوريا على المدى الطويل .
يرى المحلل (نوار نعمة) أنه بالرغم من صعوبة التكهن بالوقت الذي ستتصاعد فيه الصراع،  ولكن من الناحية الجغرافية فإن لدى إيران اذرع طويلة من النفوذ العسكري و السياسي الذي يمتد عبر العراق وسوريا وحزب الله في لبنان، و عزز نتائج الانتخابات البرلمانية في لبنان من قوة حزب الله السياسية ، ولسنوات كانت إسرائيل مستعدة للنزاع مع حزب الله على حدودها الشمالية ، ولكن يبدوا أنها تخطط اليوم للقيام بعمليات عسكرية واسعة النطاق يمكن ان تنتشر في جميع انحاء الشرق الأوسط و سوف تحتاج الى المعدات الامريكية في حال اختارت استهداف المواقع النووية البالستية المزعومة ، وهي القنابل” المدمرة ” التي صممت لاختراق منشآت عميقة تحت الأرض تشكل الجزء الأكبر من برنامج إيران النووي، وكان (أوباما) قد رفض مراراً وتكراراً منح (نتنياهو) حق الوصول الى هذه التكنولوجيا خوفا من ان تستخدمها إسرائيل من جانب واحد دون التنسيق مع أمريكا، ولكن في حال حدوث صراع مباشر مع إيران ، فمن المرجح أن يكون (ترامب) على استعداد لمنح إسرائيل الدعم العسكري الذي تحتاجه .[II]
وقال مستشار الامن القومي الإسرائيلي السابق : تركز استراتيجية ايران على بناء القدرات لمهاجمة إسرائيل عبر وكلاءها، وهي بصدد بناء آلة حرب في سوريا، ونحن مصممون على منعها  من التجسيد على الأرض، لقد ارتكبنا خطأ فادحا في لبنان عندما تركنا حزب الله يجمع 120000 صاروخ ، ولن نرتكب الخطأ نفسه في سوريا”.
هل سيكون حزب الله جزءاً من الصراع الإيراني الإسرائيلي
 
يسلط مؤسسة (المجلس الأطلسي) البحثية الضوء على هذه النقطة وخاصة أن حزب الله منخرط في الحرب السورية ، ويرى تقرير للمؤسسة : أنه في حال نية إيران معاقبة إسرائيل بشكل أقوى و أكبر خارج الأصول التي تمتلكها إيران في سوريا فإنها ستتحول إلى شريكها حزب الله في لبنان ، ولكن يبدوا أن هناك شكوك من دخول حزب الله في هذا الصراع و خاصة أن حزب الله لم يستجب أو كان له ردة فعل محدود على الهجمات الإسرائيلية ضد أهداف الحزب في سوريا ، ففي 18 يناير 2015 تم قتل جهاد مغنية ابن القيادي البارز في حزب الله (عماد مغنية) مع خمسة قادة آخرين من حزب الله من قبل إسرائيل بالقرب من مرتفعات الجولان في سوريا  فيما ردت حزب الله في 28 يناير 2015 عن طريق استهداف عدد من الآليات الإسرائيلية في مزارع شبعا ، ولكن هناك هجمات إسرائيلية مستمرة على قوافل الأسلحة و مواقع تخزين الحزب في سوريا ولكنه يمر دون انتقام أو ردة فعل شديدة من قبل حزب الله بل يتم امتصاص العمليات من قبل الحزب .[III]
ويضيف المركز ” بالإضافة الى ان لبنان أجرت أول انتخابات عامة منذ 2009 ويتحول الاهتمام الان الى اختيار رئيس الوزراء و تشكيل الحكومة وليس من مصلحة حزب الله إدخال البلاد إلى نزاع  كبير وخاصة أن حزب الله يسعى لمنح غطاء قانوني و شرعية لسلاحه في لبنان و أي خطوة تصعيدية مع إسرائيل قد يعرقل هذه الخطوات .
إذا ظل النزاع بين إسرائيل و إيران محصوراً في سوريا، فإن قواعد إيران في سوريا و الفصائل الشيعية التي توجهها فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني هي التي تقوم بالمهمة و القتال ضد إسرائيل ، و بالتالي سيكون لبنان بعيداً عن النزاع ، وفي المقابل إسرائيل أيضا ليس من مصلحتها فتح جبهة أخرى للحرب على حدودها الشمالية من خلال اشراك حزب الله في الحرب، ولكن من المهم أن نُدرك أن مستوى الضغط الذي تفرضه إيران على نصر الله هو الذي سيحدد مستوى تدخل الحزب في الحرب و إشعال جبهة لبنان ، وخاصة إذا لم يذهب الصراع في صالح إيران و شعرت إيران بالخسارة في سوريا فإنها تدعو حزب الله إلى التصرف .
جدير بالذكر أن قطاع واسع من حزب الله يدعم الحزب و يناصره لقناعته بأن الحزب يقاوم في لبنان و يدافع عن الأراضي اللبنانية ضد إسرائيل، وبالتالي فإن الحزب قد يعجز عن إقناع جمهوره في الدخول إلى الحرب فقط استجابة للمطالب الإيرانية إذا لم يحصل هجوم إسرائيلي مباشر على لبنان.
الخاتمة
في ظل التطورات السريعة التي تمر بها المنطقة و بروز تيار قوي يؤيد الحرب مع إيران لتحجيم نفوذها و إنهاء نشاطاتها العسكرية في المنطقة ، من المتوقع أن يحدث تصادم مباشر بين إسرائيل و إيران في حال استمرت إسرائيل في ضرب المواقع الإيرانية في سوريا أو وجهات ضربات إلى العمق الإيراني، ولكن ورغم تهديدات (نتنياهو) بإمكانية استهداف النظام السوري و بشار الأسد و العمق الإيراني في حال توجيه ضربات إلى إسرائيل، فإننا رأينا أن ردة الفعل الإسرائيلية كانت محدودة على الهجوم الإيراني في 10 مايو ، و في المقابل كان هناك صمت إيراني إزاء هذه الهجمات الإسرائيلية المستمرة والتي قد يكون الهدف منها التجهيز لردة فعل قوية في المستقبل، أو الخوف من الانجرار في حرب شاملة يقف فيها الدول العربية مع إسرائيل و يكون إيران الطرف الخاسرة فيها ، ومن البديهي أن الحرب بين إسرائيل و إيران لن يكون تدميرية للجانبين فقط بل لدول المنطقة ، فقد يقرر إسرائيل ضرب العراق و سوريا ولبنان فيما قد يهاجم طهران القواعد الأمريكية في دول الخليج و هذا يعني الدخول في حرب شامل و متعدد الأطراف و يُشعل المنطقة ، ومن المستبعد أن تدخل إسرائيل في هذا الحرب ما لم تواجه تهديداً وجودياً خطيراً ومحدقاً .
[I] https://www.haaretz.com/israel-news/.premium-israel-s-preventative-actions-spoil-iran-s-revenge-from-syria-for-now-1.6072303
[II] http://www.jerusalemonline.com/news/middle-east/israel-and-the-middle-east/israeli-iranian-conflict-in-syria-risks-russian-involvement-35729
[III] http://www.atlanticcouncil.org/blogs/iransource/with-iran-and-israel-at-the-brink-where-does-hezbollah-stand