قصة إيران مع العراق من ١٩٨٠-٢٠١٨

د. عمر عبد الستار
مستشار مركز العراق الجديد
في الوقت الذي ينتظر الشرق الأوسط إعلان ناتو شرقي أوسطي جديد، فإن العراق كان ضمن حلف بغداد، الذي عرف في بادئ الأمر باسم منظمة حلف الشرق الأوسط Middle East Treaty Organization – METO ).
وقد ضم الحلف (الشرق اوسطي) القديم، العراق وإيران وتركيا وباكستان والمملكة المتحدة ، لكنه انتهى رسميا في١٩٧٩، وإن كان الحلف قد فقد أثره بخروج العراق منه بعد انقلاب ١٩٥٨.
خرج العراق من حلف بغداد وخلال الحرب الباردة طرد شاه إيران الخميني للعراق في ١٩٦٥، وبدأ الشاه بسياسة مزدوجة مع العراق.
إذ قام بدعم الكورد ضد نظام صدام حسين حتى تم توقيع إتفاقية الجزائر ١٩٧٥، التي أراد من خلالها هنري كيسنجر دفع العراق نحو إيران بعيدا عن السوفيت.
كما قام الشاه بدعم مرجعيات النجف إقتصادياً ، في محاولة ربما لإستيعابهم بعيداً عن الخميني ، بإستثناء محمد الشيرازي الذي إحتضن الخميني من كربلاء تحدياً لمرجعيات النجف.
و للمفارقة فإن سياسة دعم الكورد و دعم النجف التي قام بها الشاه في سبعينيات القرن الماضي ، قد تشكل اليوم عماد السياسة الأميركية في العراق ضد إيران، التي قد تعيد العراق لتحالف شرق اوسطي قادم، بعد أن أصبح عضوا قي التحالف الدولي منذ ٢٠١٤.
و بعد أن وصل الخميني للسلطة في طهران ، و صعد نجم الإسلام السياسي و الجهادي السني و الشيعي ، أعلن الخميني تصدير ثورته للعراق  ودعا لإسقاط  نظام حزب البعث في التاسع من آب ١٩٨٠.
فاستبق صدام حسين ذلك بغزو إيران بعد أحد عشر يوماً (The arab gulf states institue in washington)، أي قبل الإعلان الرسمي عن تحرش إيران عسكرياً بالعراق في الرابع من أيلول ١٩٨٠ ، ورد العراق عليه في الثاني و العشرين منه.
و حين إندلعت الحرب العراقية الإيرانية ، دخلت قوات بدر الحرب بقيادة محمود هاشمي شاهرودي ، الذي كان مسؤولاً عن العراقين الذين رحلهم صدام حسين إلى إيران ، ثم خلفه على قوات بدر محمد باقر الحكيم.
و رغم أن خميني إيران قد تجرّع كأس السمّ في ٨-٨-٨٨، بقبول اتفاق وقف النار دون سلام او استسلام، فقد حاولت إيران بعد إنتفاضة البصرة في ١٩٩١ أثر إنكسار العراق من الكويت الوصول لبغداد و محافظات الجنوب ، إلا إن إتفاق صفوان أحبط المحاولة.
و بعد ٢٠٠٣ عاد فيلق بدر للعراق ، فملأ فراغ المؤسسات بعد حل الدولة و الجيش ، و تنافس معه جيش المهدي بقيادة الصدر ، و قد كانت بدر تحت رعاية مباشرة من الحرس الثوري ، و الصدر تحت رعاية غير مباشرة.
وببدر والصدر  وبقية احزاب ومليشيات الشيعة التي إحتضناها منذ ١٩٨٠، هيمنت إيران على العراق بعد ٢٠٠٣، وربطته بمحورها الاقليمي، وخطفته من محيطه العربي، وجّرعته كؤوس السم واحداً بعد آخر ولم تزل .
و تفيد إعترافات الخزعلي أنه قد زار إيران مع الصدر بعد٢٠٠٣ ، و إلتقوا حاج يوسف ، الضابط قي فيلق القدس ، كما إلتقوا سليماني ، و كان حاج يوسف هو المسؤول المالي و الجهادي لمليشيات إيران في العراق بعد٢٠٠٣.
وقد ذكر الخزعلي الذي يترأس عصائب الحق منذ ٢٠١٢، وله ١٥ نائبا في برلمان ٢٠١٨، أن إيران درّبت كل الجماعات المسلحة التي تقاتل في الهراق بضمنها القاعدة.
كما ذكر الخزعلي أن الحاج يوسف قد دعا مقتدى الصدر إلى عدم مقاطعة العملية السياسية ، لضمان سيطرة الشيعة السياسية و العسكرية على العراق.
و على عكس النجف التي دعت الشيعة للدخول في العملية السياسية و أفتت بعدم قتال الأميركان بعد ٢٠٠٣ ، لإحتواء التمرد السني؛
فإن إيران باشرت من جانب بدعم مليشيات سنية و شيعية ضد الأميركان ، و من جانب آخر دفعت الشيعة بقوة للدخول إلى العملية السياسية.
و قد جنت إيران ثمار هذه السياسة ، بحرق محافظات العراب السنة ، و جعل السنة إرهابيين أمام القوات الأميركية ، و أفشلت مشاركة السنة في العملية السياسية من جانب ، و سيطر  وكلائها من جانب آخر ، على القرار و المقدرات العراقية.
فأصبحت إيران هي الراعي الرسمي  السياسي و الأمني و الإقتصادي و العسكري و الديني في العراق بلا منافس ، بإستثناء إقليم كوردستان، الذي حاولوا إضعافه منذ٢٠٠٧، حتى إحتلوا كركوك وبقية المناطق المتنازع عليها في٢٠١٧.
وقد كان الدعم  الشهري لجيش المهدي يتجاوز المليون دولار شهريًا ، و أحياناً تصل لمليونين أو ثلاث ، و مثله و أكثر حال بقية المليشيات العراقية كبدر و حزب الدعوة و غيرها.
و كما دعمت إيران مليشياتها و أحزابها لتهيمن بهم على مقدرات و قرارات العراق، فإن هذا الدعم قام على سياسة تجزئة هذه المليشيات لتزيد من تنافسها في طاعة إيران.
إن تجزئة هذه الأحزاب و هذه المليشيات يجعلها تتنافس في طاعة إيران بعيداً عن بغداد، بما يجعل دور إيران مركزي في كل شأن عراقي منذ ٢٠٠٣ حتى ٢٠١٨.
دور مركزي في جعل العراق  ساحة حرب تحارب بها إيران خارج أرضها دفاعا عن نظامها، وهربا من مشاكلها الداخلية، وجسرا للمتوسط بهلالها الشيعي، ومنصة للتفاوض مع المجتمع الدولي والإقليمي
وعلى هذا المنوال  واصل الحاج يوسف توريد الأسلحة والمفخخات  والأموال للمليشيات عبر شبكة من تجار  أسلحة عبر الحدود، حتى لا تترك إيران خلف تدخلها أثراً؛
ورغم إنكار إيران، فقد رصدت أميركا كثيراً من الأدلة على  تورط إيران  بتزويد مليشيات شيعية و سنية بعبوات خارقة للدروع منذ ٢٠٠٣ ، منها شاحنات تم إعتراضها قريباً من الحدود تحمل عبوات خارقة للدروع.
و قد إحتجت أميركا دبلوماسيا لدى إيران في تموز ٢٠٠٥ ، حول تزويدها لمليشياتها الشيعية بأجهزة متفجرات على جوانب الطرق.
يقول جوزيف دانفورد قائد فيلق مشاة البحرية الأميركية ، إن إيران هي المورد الرئيس للخرطوشات المصنّعة من النحاس و القادرة على إختراق دروع المركبات و الأفراد.
وقد قال كيسي  رئيس أركان الجيش الأميركي حتى العام 2011، أن القوات الأميركية كانت قد ألقت القبض في مرات عدّة على عناصر من فيلق القدس الإيراني، ثم ما لبثت أن أطلقت سراحهم بتعليمات عليا.
كما إن جورج كيسي، قد اكد  ضلوع إيران بتفجير المرقدين في سامراء في ٢٢ شباط ٢٠٠٦ الذي أدى لحرب اهلية  بين القاعدة وجيش المهدي وسقوط محافظات السنة بيد القاعدة.
يقول كيسي، لقد تم ضبط مواد متفجرة إيرانية الصنع استخدمت في تفجير المرقدين، وتم إبلاغ رئيس الحكومة نوري المالكي عن مسؤولية فيلق القدس والميليشيات المرتبطة به عن إثارة العنف والنعرات الطائفية في العراق.
يضيف كيسي، إن إيران تستخدم الإرهاب وإشعال الطابع الطائفي كوسيلة من أجل الوصول إلى أهدافها في العراق، وأن النظام الإيراني مسؤول عن مقتل الآلاف من العراقيين.
وحين سألنا قاسم سليماني في ٢٠٠٧، لماذا تدعمون جيش المهدي لقتل السنة،  وتدعمون القاعدة لقتل الشبعة، قال بعد تردد، نحن نقاتل بذلك اميركا دفاعا عن إيران.
وبسياسة سليماني تمكنت إيران من خلال دعمها لمليشيات سنية وشيعية  لقتال الاميركان ، ان تدفع أميركا للإنسحاب من العراق نهاية ٢٠١١، دون إتفاق سلام أو إستسلام للمرة الثانية مند إنتهاء الحرب العراقية الإيرانية.
وفي٢٠١٣ أكد حسن الشمرى وزير عدل المالكي في عهده الثاني، أن إطلاق داعش من السجون ، قد تم بقرار إقليمي( حسن نصر الله)، وهو القرار الذي ضرب الثورة السورية وحراك محافظات السنة.
فقد سحب المالكي جيشه وسلّم محافظات السنة لداعش في حزيران ٢٠١٤، فكانت دورة ثانية من حرب داعش والحشد الشعبي٢٠١٤-٢٠١٨ ، بعد حرب القاعدة وجيش المهدي٢٠٠٦-٢٠٠٨.
ولولا عودة أميركا بتحالف دولي في اب ٢٠١٤ بعد أن ادى انسحابها في نهاية ٢٠١١ الى عودة داعش في حزيران ٢٠١٤، لكنا أمام عودة نسخة ثالثة من فوضى عوامل اللادولة، خاصة بعد رفض أميركا الانسحاب وتحالفها الدولي من العراق، رغم تهديد مليشيات إيران.
وهذا قد يعني أن إنتهاء عصر  داعش في ٢٠١٧ سيكون مختلفا عن عصر إنتهاء القاعدة في ٢٠٠٧، وأن عام ٢٠١٨ غير عام ١٩٨٨ أو ٢٠١١.
فقد إنتفض الشارع الإيراني،  وإنسحب ترمب من النووي، وفرض بومبيو شروطه الاثني عشر، وإنهارت العملة الإيرانية، وبدأت حزم العقوبات الأميركية على إيران، وتصاعدت إحتمالات إشتباك اميركي إيراني.
وشروط بومبيو  وحزم عقوبات ترمب قد تنتهي مع إيران بإتفاق سلام أو استسلام،بعد إشتباك أميركي إيراني محتمل،   قد ينهي حالة الحرب بين العراق وإيران من جهة، وبين إيران وأميركا من جهة آخرى.
فمليشيات إيران في ٢٠١٨ تهدد المصالح القوات الأميركية ، وإيران تتهم أميركا والسعودية بنقل الحرب الى داخلها، وأخرها هجوم الأحواز في ذكرى الحرب العراقية الإيرانية.
ومن شأن هذا الإشتباك  المحتمل أن ينعكس على علاقة النجف بهذه المليشيات المهددة بعقوبات أميركية محتملة.
فقد تجد هذه المليشيات نفسها وجها لوجه أمام النجف ، لأن النجف قد أفتت بالجهاد ضد داعش، ولم تفت بقتال الأميركان.
وبعد أن أبعدت النجف المالكي عن رئاسة الوزراء في ٢٠١٤، و قالت  إن “المجرب لا يجرب”وأن الحقوق تؤخذ بالقوة، فقد أمسكت النجف أخيرا  أو تكاد بزمام تشكيل الحكومة العراقية بعد تعثرها.
يحدث هذا في وقت تعود فيه الولايات المتحدة لسياسة شاه إيران مع العراق أثناء الحرب الباردة، من خلال دعم النجف ودعم اربيل، التي تدعو اليوم لمجلس سياسات عليا يمنع التفرد بالحكم، الذي مارسته إيران من خلال مليشياتها وأحزابها.
وإن إجتمعت النجف واربيل فقد تستقر الحكومة العراقية وتتوازن بالشراكة والتوافق، وقد تنفتح على محيطها العربي والدولي، لكن إيران قد تكون قادرة على ضرب عصفورين بحجر واحد، رغم عقوبات وشروط ترمب.
فقد تضرب إيران ضربة مزدوجة لسياسة أميركا في  دعم النجف واربيل، فتفتعل نزاع عربي كوردي في كركوك والمناطق المتنازع عليها، لتبقى مستفردة في الحكم، وهل تضع إيران النجف في عين العاصفة القادمة، لتبقى يد إيران  اطول من يد النجف؟.
وهذا قد يعني أن طريق تحرير العراق من هيمنة إيران طويل وشاق، مهما حاولت النجف ومهما عاندت اربيل، لكنه ممكن مع أربيل والنجف أن يبدأ لو:
ثار ضدها شيعة العراق وقد ثاروا، أو تشكل تحالف دولي ضد مليشيات إيران، وهذا قد يتشكل، أو تهتز الأرض تحت أقدام نظام طهران وقد إهتزت.
لكن مسيرة تحرير العراق من قبضة إيران بعد غزوها سوريا، قد تكون اطول من مسيرة تحرير العراق من قبضة صدام بعد غزو الكويت.
فقد إهتزت الأرض بعد غزو الكويت تحت أقدام نظام صدام، وتشكل تحالف دولي فحرر الكويت، وثار كورد العراق وشيعته ضده، لكنه إحتاج لتحالف  دولي اخر، فسقط بعد١٣ عاما.