نظام ترمب الدولي

د. عمر عبد الستار

مستشار مركز العراق الجديد

وقف ترمب وهو يخطب أمام وفود الدول الأعضاءفي الأمم المتحدة، في الدورة الثالثة و السبعين ليضع النقاط على حروف الحقبة الدولية (الترمبية) الجديدة.
و على حروف هذا النظام الترمبي الدولي الذي يهدف لعزل إيران، تحدثت إدارة ترمب مع ممثلين ٢٠٠ دولة في العالم، حتى تشكلت مجموعة العمل ضد إيران برئاسة براين هوك.
بل إن أكثر من 100 رئيس أجنبي بضمنهم رئيس الصين، إتصلوا مؤيدين قصفه لسوريا قبل عام، كما يقول مؤلف كتاب الخوف بوب وودوارد .
فقد خاطب ترمب جمهوره الأميركي امام وفود الدول بحديث معناه، ليس بإمكان أميركا أن تتخلى عن ترمب في هذه الدورة الإنتخابية، وقد نفذ ترمب أو يكاد أغلب فقرات برنامجه الإنتخابي التي عالج ولم يزل  تداعيات أزمة ٢٠٠٨ المالية.
وفقرات برنامج ترمب الإنتخابي التي يحاول أن يعبر بها ترمب من حقبة  اميركية  الى حقبة آخرى، هي بنفس الوقت أجندة ترمب التي يفرضها ترمب فرضاً على دول العالم، بل و يحولها إلى سياسات لازمة التنفيذ.
 فقد قال  ترمب لوفود دول العالم و جمهور هذه الدول من خلفهم، وكأنه جمهور أميركي أيضا، بكلام مؤداه:  بإمكان أميركا أن تتخلى عن العالم، و ليس بإمكان العالم أن يستقر  او يحمي نفسه بلا أميركا.
فتخلي أميركا عن العالم يعني الذهاب الى حروب بلاحدود بحسب نظرية المجموعة الصفرية، و على حُلفاء أميركا إذن، أن يدفعوا ضرائب الحماية و عدم التخلي، مثلما يواجه من يقف ضد إرادة اميركا عواقب و خيمة.
ولهذا يكرر  ترمب بين الحين والأخر وبشكل إستثنائي، أن على حلفاءه العرب في الخليج والكوريين الجنوبيين واليابانيين والأوروبين أن يدفعوا ثمن الحماية الأميركية.
وفي الوقت الذي يعالج ترمب بأموال الحماية عجز أميركا  التجاري وتداعيات ازمة٢٠٠٨ المالية، فان على حلفاء  اميركا أن يتعودوا على سياسات الزعيم العالمي، في موجاته الجيبية وخطاباته الأستثنائية.
وقد أكد ترامب: أن نهجه في السياسة الخارجية هو مواجهة العولمة و التمسك بالوطنية الأميركية بما تقتضيه من أولويات و خيارات قومية تراعي مصالح بلده و أمته قبل أية التزامات خارجية تفرضها الشراكة الدولية.
و هذه اول مرة: كما يقول الدكتور السيد ولد أباه، يتبرأ رئيس غربي من حركية العولمة الرأسمالية التي تشكلت و توطدت في الولايات المتحدة من حيث هي مركز الإقتصاد – العالم، بلغة المؤرخ الفرنسي فرناند برودل، منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين.
و يُضيف السيد ولد أباه، إن هجوم ترامب شمل كل دوائر العولمة من المؤسسات الإقتصادية و المالية إلى المؤسسات السياسية الدولية و المحكمة الجنائية العالمية.
و كما شدد ترمب موقفه من العولمة فقد تشدد في موقفه من إيران، الراعي الأكبر للإرهاب في العالم، كما يصفها اركان إدارته، كما تشدد ترمب مع الدول التي سقف حجر عثرة في سعي ترمب لعزل إيران، واضعا دول العالم كما وضعها بوش، معنا او ضدنا.
فلقد عصف ترمب بشعار “معنا او ضدنا”، بالإتفاق النووي، و نقل سفارة واشنطن من تل أبيب للقدس، و إنسحب تماماً من إتفاق باريس للمناخ، و فرض إعادة التفاوض بشأن إتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية مع المكسيك و كندا.
و فرض ترمب بشعار “معنا او ضدنا” الرسوم الجمركية على واردات السلع من الصين و الإتحاد الأوروبي، و أجبر حلف شمال الأطلسي على زيادة الإنفاق الدفاعي، و إستحدث أكبر خطة لخفض الضرائب في تاريخ الولايات المتحدة
كما نجح ترمب بشعار “معنا او ضدنا”في جلب كوريا الشمالية للتفاوض فقلَّل التوتر في شمال شرقي آسيا، و ربما تُسفر  هذه المفاوضات عن نزع حقيقي للسلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية.
و عاد ترمب بشعا “معنا او ضدنا” للمملكة العربية السعودية، بعد جفاء اوباما و دعا الأمير محمد بن سلمان، إلى مأدبة غداء رئاسية رسمية، و إستقلبه إستقبال الملوك، ضارباً عرض الحائط بالبروتوكولات الرئاسية الأميركية.
 و إدرج ترمب بشعار “معنا أو ضدنا”إسم إيران على رأس الدول الراعية للإرهاب في العالم والشرق الأوسط  و أيقن إن عوامل الإرهاب في المنطقة دمى بيد طهران.
و يرى ترمب بشعار “معنا او ضدنا”أن إيران ينبغي أن تكون هي الهدف الحقيقي، حيث ستتبخر و تتلاشى تلقائياً كل عوامل الإرهاب تماماً إن تبخرت ثورة إيران، كما أختفت كل الأحزاب الشيوعية من الوجود بمجردإانهيار الإتحاد السوفياتي القديم
و وافق ترمب بشعار “معنا او ضدنا”على زيادة الوجود العسكري الأميركي بأفغانستان و غيّر مهمة الجنرال جون نيكلسون، قائد القوات الأميركية في أفغانستان، من “إستمر هناك” و هو الأمر الذي تلقاه من باراك أوباما، إلى “إكسب هذه الحرب”.
و فتح ترمب  بشعار “معنا او ضدنا”حوارا بنّاءاً مع بوتين، منذ التقاه كيسنجر في ٢٠١٧، حواراً  قد يقود بعد هلسنكي الى بناء نظام دولي جديد بترويكا دولية تجمع الصين اليهما، ثمنا لآزاحة ولاية الفقيه.
وهذه السياسات الترمبية  بشعار “معنا او ضدنا” تتجاوز حدود النزعة الإنكفائية المألوفة أحياناً في الخطاب السياسي الأميركي، بل وتجعل من شعار “أميركا اولاً” هدفا داخليا وخارجيا.
وهذا يطرح أسئلة جوهرية على مستقبل النظام العالمي و أسسه المرجعية، التي حذّر  أمين عام الامم المتحدة قبل كلمة ترمب من أن النظام العالمي يزداد فوضوية اليوم.
لكن السؤال هل ان النظام الدولي فعلا يواجه مفترق طرق، دفعت ترمب لقيادته في مرحلة خطيرة بعيدا عن الإنكفاء  الأميركي و الفوضى؟
إن الكون يتحرك و النظام الدولي يتغير،
و الدول و الهيئات و العقليات أمام  قطار ترمب الدولي منها من يتقدم او يتأخر.
فالعلاقات الدولية علم يلاحظ و يحلل و يفسير و يتنبأ بمسير  ومصير العلاقات بين الدول التي تنتقل من نظام الى آخر كلما طرأ طارئ .
 فالعلاقات الدولية تتغير  وفقا لتغير وحدات و أنماط و علاقات و محاور النظام الدولي، حين  تطرأ  عوامل تصلح ان  تكون علامة على بداية فاصلة تاريخية تنقله من حال الى آخر.
و عادة ما تكون التغيرات على النظام الدولي مُردها لتطور علمي غير متوقع تغير طبيعة النظام الدولي او تتغير أهداف رئيسة لوحدات النظام أو تغير فى نمط و شكل الصراع بين و حدات مشكّلة للنظام.
و مسالة تغير النظام الدولي الحالي وارد
وفق هذا المنظور، فنظريات عدم القدرة على السيطرة لمويزسز نعيم في نظرية نهاية القوة وتحولها واضمحلالها بثبات وببطء من الجيوش للعصابات ومن الغرب للشرق ومن الشمال للجنوب لوفرة كل شي و سهولة إنتقالها و تطور العقول، تقول بتغير النظام الدولي الحالي.
كما إن نسيم نيقولا صاحب -نظرية البجعة السوداء الذي يتوقع ما لايتوقع فيتغير النظام الدولي كما تغير سابقاً بالانترنيت و النووي وقوانين الحركة من قبل، كما يقول جمال سند في كتابه السيادة و النفوذ
في  النظام الدولي الجديد.
كما تقول به ايضا نظرية المجموعة الصفرية-لإرث بريمر الذي يقول بالفوضى و غياب القيادة العالمية و الصدام الصفري المتوقع.
و حتى يحصل ما لا يتوقع وفق نظرية البجعة السوداء، فان نظرية المجموعة الصفرية قد تأتي في سياق تخلي أميركا عن دورها الذي قد  تؤدي للصدام الصفري.
كما إن نظرية نهاية القوة تتناغم مع ما يجري في المنطقة و العالم منذ ظهرت ولاية الفقيه، فإنتشرت عوامل اللادولة الدينية المسلحة العابرة للحدود الوطنية.
‏و بعيداً عن إيران  ولاية الفقيه التي قد تتحول من عدو الى حليف أميركي محتمل بعد إزاحة نظامها الثوري، فإن الصفقة الأمريكية المُحتملة بشعار “معنا او ضدنا”مع الصين و روسيا هي: أعطيكم ما تشاؤون من الأدوار، لكن تحت سقف أنني أن أميركا هي القوة الكبرى وأن اقتصادها يجب أن يبقى مسيطراً.
و ترمب و هو يضع دول العالم بين خيارين، أما معنا او ضدنا، قد ربط الصين بقطاره الإقتصادي فلافكاك، ووضع روسيا بين خيارات ثلاث لا رابع لها.
إما أن تُنسق روسيا مع أميركا لإخراج إيران من سوريا و التوجه نحو القرار ٢٢٥٤، او مواجهة حرب إيرانية إسرائيلية، او الغرق في فوضى سورية مع إيران و بشار، كما يقول جيمس جيفري.
فعلى أبواب إخراج إيران من سوريا قد تتمكن روسيا من إرتقاء  سلم الصعود الدولي من دولة فوق إقليمية، الى مرتبة عضو دولي في ترويكا دولية جديدة، فهل يفعلها بوتين ام يغرق في الوحل السوري،  كما فعلها من قبل السوفيت في افغانستان؟
ليس هذا إستنتاجاً او إستشرافاً لإتجاه البوصلة الدولية فحسب، بل هو ما أكده توماس غراهام مستشار هنري كيسنجر و مصادر اوروبية مسؤولة .
ففي دوائر  الأكاديميا و السياسة و الإعلام الأوروبية و الأميركية تسود اليوم حالة من الوجوم و التوجس لوجود نقاط تماثل كبيرة بين الأوضاع التي يمر بها العالم اليوم و أوضاعه التي سادت قبل الحرب العالمية الثانية.
فقد أدت تلك الظروف الى تحالف سوفيتي أميركي ضمن دول الحُلفاء ضد دول المحور، كما قد تؤدي ظروف اليوم الى ترويكا دولية لمواجهة مشكلة مماثلة في الشرق الأوسط.
و قد أكد توماس غراهام إن إنشاء نظام أمن في أوروبا  والشرق الأوسط من دون روسيا أمر مستحيل و أنه لا مصلحة لروسيا  في هيمنة إيران على الشرق الأوسط.
و أضاف أن روسيا و أميركا بحاجة إلى توازن قوى في المنطقة بين إيران و إسرائيل و السعودية و تركيا.
و ختم غراهام حديقه بالقول أن الترويكا الدولية الجديدة التي تلعب دوراً هاماً جداً في السياسة العالمية خلال السنوات العشرة القادمة هي أميركا، روسيا، و الصين.
و كما غراهام، فإن مباحثات صناع القرار الغربيين خلف الأبواب المغلقة مع موسكو تتمحور  أيضا حول ثلاثة عروض أميركية و ألمانية و أوروبية لبوتين للتخلي عن الأسد ودعم مفاوضات سلام حقيقية لإعادة الإستقرار إلى سوريا.
و أن العروض المقترحة تشمل ضماناً غربياً ببقاء روسيا في قواعدها العسكرية بشواطئ سوريا إضافة الى الدعم المالي في إعمار سوريا، و إعتراف الغرب لروسيا أنها قوة لا يمكن حل مشكلة بالعالم بدونها.
و ولادة هذه الترويكا الدولية الجديدة قد يُعدُّ أول إعتراف غربي واقعي بدور روسيا كدولة عظمى منذ نهاية نظام ثنائي القطبية و تزعم أميركا للنظام الدولي الأحادي.
و ولادة هذه الترويكا الدولية تُعدُّ أيضا، إعترافاً غربيا ًو إن (بتحويلة مؤقتة) من نظام دولي أُحادي القطبية الى نظام دولي ثلاثي الأقطاب.
تحويلة أميركية مؤقتة، لأن النظام ثنائي القطبية كان تحويلة مؤقتة أيضا، إضطرت لها أميركا لمواجهة المانيا هتلر، كما تضطر أميركا اليوم لترويكا دولية لمواجهة إيران.