الحرب الصامتة… رؤية في قدرات إيران الإستخبارية

د. فراس إلياس
شكل العام 1979 تطوراً ملحوظاً في تاريخ الدولة الإيرانية الحديثة، والتي تمثلت بقيام الثورة الخمينية، ويمكن القول بأنها مثلت نوع جديد من التحول الجذري في منطقة الشرق الأوسط، إذ كان الفارق الرئيسي هو أن هذه الثورة شكلت رفضاً للأيديولوجية الطبقية، وخلقت أيديولوجية دينية للتحول الثوري للمجتمع، ولأول مرة في الشرق الأوسط، لم يكن رئيس الدولة الجديدة هو زعيم سياسي، بل رجل دين، حصل على لقب فخري “الإمام أو المرشد”، وقد ركزت سياسته الخارجية على إستخدام موارد العالم الإسلامي كلها، إذ كانت إيران مصممة على إحتلال مكانة خاصة في المجتمع الدولي، حيث إنضمت إلى صفوف الدول الأكثر تأثيراً في المنطقة، بحكم الأيديولوجية الدينية، والتي أعطت لمبدأ تصدير الثورة مساحة واسعة على طول الشرق الأوسط، بل نظرت إلى العالم على أنه فراغ ينبغي أن تملأه الثورة “الإسلامية” في إيران، وسخرت كل مؤسسات الدولة الإيرانية الحديثة لتحقيق هذا الهدف، ومنها وزارة الإستخبارات والأمن الوطني الإيراني.
تأسيس عام
مرت الإستخبارات الإيرانية بالعديد من المراحل التاريخية، لكي تصل إلى الصورة التي هي عليها اليوم، إذ أن الأسس الرئيسة للعمل الإستخباري في إيران، تعود إلى النصف الثاني من القرن السادس قبل الميلاد، والتي وضعت من قبل الملك الفارسي كيروش، أما الملك داريوس الأول، فقد نجح وبفضل المراكز البريدية التي أنشأها كيروش، في قمع الحركة الإحتجاجية التي شهدتها مدينة بابل، إذ نفذ عملية إستخبارية سرية أطلق عليها “Zapiros”، والتي قضت على هذا التمرد من الداخل، لتأتي الإمبراطوريات اللاحقة الساسانية والصفوية والقاجارية، لتكمل ما بدأته الإمبراطورية الأخمينية، وبدخول إيران تحت حكم النظام الشاهنشاي، برز العمل الإستخباري الإيراني في أنصع صوره، إذ تم في العام 1957 تأسيس أول جهاز إستخباري مستقل، والذي عرف بإسم SAVAK، وتم تشكيل هذا الجهاز تحت قيادة الشاه محمد رضا بهلوي، وبمساعدة وكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية CIA والبريطانية MI6، وكانت متوافقة مع الغرب في الحرب الباردة، وتطورت قدرات جهاز SAVAK بصورة كبيرة، ومن أبرز العلميات التي قام بها، هي أنها قضت على وجود حزب تودة الشيوعي، كما لعبت إسرائيل دوراً مهماً في هيكلة هذا الجهاز، على غرار جهاز الموساد الإسرائيلي، من أجل حماية نظام الشاه من التهديدات الشيوعية المحتملة، خصوصاً وأن الهدف الرئيسي من المساعدات الأمريكية التي قدمت لجهاز SAVAK، هي أن يكون أحد الأدوات الأمريكية المؤثرة ضد الإتحاد السوفيتي السابق، هذا إلى جانب توظيفه من قبل الموساد الإسرائيلي لأغراض إستخبارية في سوريا والعراق، ليتحول جهاز المخابرات الإيراني إلى وزارة قائمة بحد ذاتها عام 1984، أي بعد إنتصار الثورة الإيرانية، بأسم وزارة الإستخبارات والأمن الوطني “VEVAK “، لتتفرع إلى العديد من المؤسسات والدوائر المخابراتية لتشمل أنشطتها مختلف دول العالم، وتحت كثير من العناوين.
تتكون أجهزة الإستخبارات الإيرانية الحديثة من عدة مؤسسات رئيسة كوزارة الإعلام، وزارة الإستخبارات والأمن الوطني، جهاز الإستخبارات العسكرية ومكافحة التجسس، وزارة الإعلام، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، جهاز إستخبارات قوة القدس وغيرها من الأجهزة الإستخبارية الفاعلة والنشطة، وتمتلك هذه المؤسسات الخدمات والمهنيين والخبراء، مجهزين جيداً بأدوات متقدمة تقنياً من الولايات المتحدة واليابان وأوروبا، فعلى سبيل المثال، لدى وزارة الإستخبارات والأمن الوطني “VEVAK ” فريق عمل يتكون من 4000 موظف، و 30،000 عميل في أكثر من 40 دولة، وتشارك في العديد من الفعاليات الإستخبارية المحلية والدولية، إلى جانب جهاز إستخبارات قوة القدس، بما في ذلك جمع المعلومات الإستخبارية على المعارضين، ومكافحة التجسس، وجمع المعلومات عن البلدان المجاورة، وما شابه ذلك، هذا إلى جانب أن جهاز الإستخبارات العسكرية والإستخبارات المضادة، هي مسؤولة عن دعم مكافحة التجسس لكل هياكل “القوة” في إيران.
الحرس الثوري… قوة إستخبارية
إن الحرس الثوري، حاله حال الجيش الإيراني، يتمتع بالضوابط ذاتها في زمن السلم وزمن الحرب، كما أنه يتميز بتطور المعدات التقنية ومستوى الموظفين وقدراته الفائقة، وإستيعاب أفضل المجندين لوحداته القتالية، وتساعده في ذلك جامعة الإمام الحسين، وتعد قوة القدس بمثابة القوة الضاربة ضمن هيكل القوات الخاصة بالحرس الثوري الإيراني، إذ تضطلع قوة القدس بمهام تتعلق بحماية المصالح الإيرانية في الخارج، بإستخدام أساليب محددة، كما يعمل موظفي جهاز إستخبارات قوة القدس تحت غطاء قانوني “كدبلوماسيين وملحقين عسكريين”، أو كمهاجرين غير شرعيين، والمهام الرئيسة له: إجراء الإستطلاعات التجسسية، وإنشاء شبكات عملاء من خلال تجنيد الإسلاميين المحليين، وأولاً وقبل كل شيء في الشتات الإيراني في أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية وآسيا وأفريقيا، وفي البلدان التي يتأصل فيها الشيعة، اللبنانيين تحديداً، وتعتمد هذه الخدمات الإيرانية الخاصة على شبكة من المساجد المحلية، والمدارس الدينية، والمنظمات الثقافية والخيرية، وحتى شبكات غسيل الأموال والمخدرات وغيرها، إذ يساعده في هذه المهمة الأجهزة الإستخبارية التابعة لحزب الله اللبناني هناك.
فعلى سبيل المثال، لتنفيذ أكثر العمليات حساسية – كعمليات التصفية في أوروبا وآسيا، تستخدم إيران مهاجرين من لبنان لتنفيذ أعمال إرهابية، وبشكل عام تفضل العمليات الإيرانية الخاصة، الإعتماد على الأقليات القومية أو الدينية، ففي تركيا تعمل الإستخبارات الإيرانية مع الأكراد أو العلويين، وفي لبنان – مع العرب الشيعة، وفي المملكة المتحدة – مع الإيرلنديين، وفي كل مكان، ودائماً يتم إعطاء الأفضلية للشيعة أو المسيحيين على الآخرين، وكقاعدة عامة، يتم دعم الهنود الإيرانيين والطاجيك وغيرهم من القوميات الأخرى، ثم الساميون والأتراك، الذين لا يُستخدمون إلا إذا لم يكن هناك من يعتمد عليهم، وعلى هذا النحو.
وبفضل المزيج المتنوع للمؤسسات الإستخبارية الإيرانية، تتمتع إيران اليوم بنفوذ قوي في جميع دول الشرق الأوسط تقريبا، وفي العديد من الدول الأفريقية، وفي أفغانستان وباكستان وطاجيكستان، بالإضافة إلى ذلك، يمتد التأثير الإيراني إلى المنظمات والمجتمعات الإسلامية في جنوب شرق آسيا، والأمريكيتين الشمالية والجنوبية، وأوروبا الغربية.
شكل يوضح المؤسسات الإستخبارية الإيرانية
Kamran Bokhari, Iran’s Evolving Domestic Politics, Geopolitical Futures, Feb. 11, 2016. https://geopoliticalfutures.com/irans-evolving-domestic-politics
شبكات إستخبارية متنفذة
لدى إيران العديد من الشبكات الإستخبارية في العديد من بلدان الخليج والشرق الاوسط، خصوصاً في البلدان التي يوجد فيها أقليات شيعية كالسعودية والكويت والبحرين، فخلية العبدلي الإستخبارية التي تم الكشف عنها في الكويت العام 2015، مثل واضح على الكيفية التي تعمل بها الإستخبارات الإيرانية في دول الخليج، هذا إلى جانب الدور الذي تلعبه سرايا الأشتر والمختار في إرباك الأوضاع الأمنية في البحرين، كما تنشط العديد من الشبكات الإستخبارية الإيرانية في بعض دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية أو شرق آسيا، تحت أغطية دينية وإنسانية وثقافية وغيرها، والتي تشكل بمجملها تحديات كبرى تواجه الولايات المتحدة الأمريكية، على إعتبار إن الجهد الإستخباري الإيراني وصل إلى تخوم الأمن الوطني الأمريكي، وخصوصاً في كوبا وبوليفيا وفنزويلا والبرازيل، ففي يوليو 2013، قدمت وزارة الخارجية الامريكية تقريراً إلى الكونغرس الأمريكي يزعم أن النفوذ الإيراني في أمريكا اللاتينية آخذ في التضاؤل، مشيراً إلى عدم الحاجة إلى تغيير نهج الولايات المتحدة هناك، وطعن أعضاء بالكونغرس، وخبراء أمريكيون ودوليون في الإستنتاجات الواردة في هذا التقرير، إستناداً إلى الأدلة المتزايدة على ما هو عكس هذا الإتجاه، بما في ذلك إزدياد الإتفاقيات الثنائية، والبعثات الدبلوماسية، وتعاظم وجود عملاء من وزارة الإستخبارات والأمن الوطني الإيرانية، والحرس الثوري الإيراني، وفيلق القدس، كما أن هناك دراسة سبقت هذا التقرير للكونغرس الأمريكي في العالم 2012 حول وزارة الإستخبارات والأمن الوطني الإيرانية، تشير إلى بعض الطرق والتكتيكات التي توظفها الإستخبارات الإيرانية لتوسيع نطاق عملياتها وقدراتها في أمريكا اللاتينية، ومنها أن العملاء قد يمارسون نشاطهم سراً كدبلوماسيين في السفارات الإيرانية، أو في وظائف أخرى في الشركات مثل الخطوط الجوية الإيرانية، أو فروع البنوك الإيرانية، أو حتى شركات القطاع الخاص، ومع ذلك، فإن التقرير الذي قدم بعد ذلك ببضعة أشهر من جانب وزارة الخارجية، بموجب قانون التصدي لإيران في أمريكا اللاتينية، لم يأخذ فى الحسبان الوقائع التي إضطلعت فيها إيران أو “حزب الله” في هذه المنطقة، خصوصاً في مجال الإتجار بالمخدرات وغيرها.
إذ نجحت إيران في تجنيد أغلب الجماعات الشيعية المنتشرة في دول العالم، وتحديداً الجاليات اللبنانية، وتوظيفهم في جمع المعلومات الإستخبارية عن المصالح والأهداف التي تحددها وزارة الإستخبارات والأمن الوطني الإيراني، وذلك من خلال التنسيق مع حزب الله اللبناني، ومكتب العلمليات الخارجية التابع لقوة القدس الإيرانية.
التجسس الألكتروني
عملت إيران على إنشاء العديد من الجيوش الألكترونية في داخل وخارج إيران، والتي تعمل جميعها ضمن السياسات العامة التي يضعها المجلس الأعلى للفضاء الألكتروني، ومن أبرزها الجيش الألكتروني الإيراني، وجيش الباسيج الألكتروني، والجيش السوري الألكتروني، وكتائب القسام وغيرها، والتي نفذت العديد من الهجمات السيبرانية في الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وإسرائيل وغيرها، والتي كان آخرها الهجمات التي شنتها كتائب القسام الألكترونية على بعض المواقع الأمريكية في يوم 8 أبريل 2018، رداً على الهجمات التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية على بعض المواقع الإيرانية قبلها بيوم، هذا إلى جانب الدور الذي لعبته وزارة الإستخبارات والأمن الوطني الإيرانية، في حجب العديد من المواقع الألكترونية الإيرانية منذ العام 2009 وحتى اليوم، والتي تأتي جميعها ضمن إجراءات إحترازية تقوم بها وزارة الإستخبارات، للحفاظ على سلامة النظام السياسي كما تدعي، والتي كان أخرها جهودها في حجب خدمة التلغرم عن الداخل الإيراني، والإستعاضة نيابة عنه بتطبيق “سورش” المراقب من قبلها بصورة دقيقة.
تجسس صلب
بالنظر إلى طبيعة التقنيات الإستخبارية التي تعتمدها الإستخبارات الإيرانية، فإن قدرتها على جمع المعلومات السرية ستظل محدودة، كما أن التقنيات اللوجستية التي تعتمدها في إطار عمليات تقديم الدعم لعناصرها الإستخبارية في الخارج، تضع الكثير من الأسئلة حول فعالية عملياتها الإستخبارية، وتحديداً إذا ما نظرنا إلى أن إيران تميل إلى العنف في عملياتها الإستخبارية، وهو مايجعل من هذه الحالة ماركة مسجلة بأسم العلميات التي تقوم بها العناصر الإستخبارية الإيرانية في الداخل أو الخارج، كما أن هذا النوع من العمليات الإستخبارية تكون سهلة الكشف من قبل الوكالات الإستخبارية الأجنبية، مما قد يعرض كل الشبكات الإستخبارية الإيرانية في الخارج لعمليات الكشف والملاحقة من قبل الوكالات المحلية.
ومثال ذلك ما أعلنت عنه مؤخراً الإستخبارات الفرنسية في يوم 2 أكتوبر 2018، من أن الإستخبارات الإيرانية تقف خلف الهجوم المحتمل على مؤتمر للمعارضة الإيرانية في مدينة فيلبانت قرب باريس يونيو الماضي، وأضافت “…وراء هذا، كان هناك تحقيق طويل ودقيق ومفصل أجرته أجهزتنا، ومكننا من التوصل إلى هذه النتيجة، وهي أن المسؤولية تقع دون شك على عاتق وزارة الإستخبارات الإيرانية”، وفي وقت لاحق جاء في بيان مشترك لوزارات الخارجية والداخلية والإقتصاد الفرنسية “أحبطنا محاولة هجوم في فيلبانت يوم 30 يونيو، حادث بمثل هذه الخطورة على ترابنا الوطني لا يمكن أن يمر دون عقاب”، وإتخذت فرنسا، بناءً على ذلك، إجراءات رداً على المخطط المزعوم، تمثلت بتجميد أصول مملوكة للإستخبارات الإيرانية وأخرى لمواطنين إيرانيين إثنين هما أسد الله أسدي وسعيد هاشمي، كما إستهدفت أيضاً وحدة سرية تابعة للإستخبارات الإيرانية.
ومن خلال كل ماتقدم يمكن القول بأن الفاعلية الرئيسية التي أظهرتها وزارة الإستخبارات الإيرانية، كانت ضمن المجال الحيوي الإيراني “العراق، سوريا، الخليج العربي، القوقاز، تركمانستان، أفغانستان، باكستان، طاجيكستان”، أما خارج هذه الحدود الجغرافية فقد واجهت وزارة الإستخبارات الإيرانية تحديات صعبة للغاية، سواءً على مستوى العناصر البشرية أو الأهداف الإستراتيجية، بل يمكن الإضافة أيضاً أن وزارة الإستخبارات الإيرانية نتيجة لمثل نقاط الضعف هذه، فإن إيران عمدت إلى إيلاء الكثير من المهام الإستخبارية لقوة القدس، على إعتبار أنه الجهاز الوحيد القادر على الموائمة مابين العمليات الإستخبارية والأمنية في آن واحد، وذلك بحكم طبيعة العلاقات التي يمتلكها مع العديد من الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، وهذه الميزة هي التي جعلت النظام الإيراني اليوم يولي جهاز الإستخبارات التابع لقوة القدس وبالتعاون مع جهاز إستخبارات حزب الله اللبناني، أهمية كبيرة للعمل في ساحات الشرق الأوسط، فيما ينصرف جهد وزارة الإستخبارات والأمن الوطني الإيراني، نحو ساحات أخرى لا تشهد عمليات مسلحة بالمستوى الذي تشهدم منطقة الشرق الأوسط اليوم، إذ تكفي الإشارة إلى أن من يمسك الملف الأمني في العواصم الأربعة (بغداد، دمشق، صنعاء، بيروت)، هم ضباط سابقين في فيلق القدس الإيراني، لندرك طبيعة التقسيم الإستخباراتي الذي تعتمده إيران حالياً، بحيث أصبحت وزارة الإستخبارات اليوم تأتي بالمرتبة الثانية بعد جهاز إستخبارات قوة القدس من حيث الأهمية والتأثير.