إيران وحركة الشباب المجاهدين الصومالية تبادل الأدوار والمصالح

 
فراس إلياس
شكلت العلاقة بين إيران والتنظيمات المسلحة بمختلف تلوناتها الأيديولوجية والمذهبية والطائفية، إستراتيجية عامة لم تحد عنها إيران منذ العام 1979، من أجل تحقيق الغاية الإيرانية العليا في التأثير والسيطرة على مختلف التفاعلات والتوازنات الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط.
ويبدو أن الرغبة الإيرانية ذهبت إلى أبعد من إقتصار رعايتها السياسية والأمنية على حركات معينة كحزب الله اللبناني أو حركة الإخوان المسلمين، أو غيرها من الميليشيات المسلحة الناشطة في مختلف المسارح الأمنية في الوقت الحاضر، لتشمل حركات أخرى مصنفة أمنيا كعدو لها، إلا أن توافق المصالح الأمنية المشتركة… جعل إيران تمد جسور التواصل معها.
والحديث هنا عن العلاقة بين إيران وتنظيم القاعدة من جهة، والعلاقة بين إيران والتنظيمات المتفرعة عن هذا التنظيم من جهة أخرى، ومن بينها حركة الشباب المجاهدين الصومالية.
تأسست هذه الحركة في العام 2004، بعد إنفصالها عن إتحاد المحاكم الإسلامية التي كانت ناشطة في الساحة الصومالية، ونظراً للجذور السلفية لهذه الحرمة، وبشكل أدق “السلفية الجهادية”، فإنها إعتمدت سياسة متطرفة مع معارضيها سواء داخل الصومال أو خارجها، ومن خلال تتبع مسار علاقاتها مع الحكومة الصومالية، سوف تتضح دموية هذه العلاقات.
ولعل التقارب الفكري الذي جمع بين مؤسس السلفية الجهادية المتمثل بسيد قطب أولاُ وعبدالله عزام فيما بعد من جهة، والثورية الخمينية التي مثلها الخميني والحرس الثوري من جهة أخرى، هي ما أباحت لإيران في الوقت الحاضر إلى توظيف هذه الحركة ضمن أدوات إستراتيجيتها الإقليمية، نظراً للمشتركات السياسية الكثير التي تربط بينهما.
حظيت منطقة القرن الأفريقي بأهمية كبيرة في المدرك الإستراتيجي الإيراني، وذلك لأسباب كثيرة، وهو ماجعل إيران توجه بوصلتها باتجاه الحركة ومنها :
  1. إيجاد موطئ قدم في هذه المنطقة وتحديداً في إريتريا وجيبوتي، من أجل التأثير على الدور السعودي والإسرائيلي هناك، هذا إلى جانب دول أخرى مثل جزر القمر وتنزانيا، التي بدأت تشهد نشاطاً إيرانياً متصاعداً.
  2. فتح طرق جديدة لإستثمار وغسيل الأموال الخاصة بالحرس الثوري الإيراني، هذا فضلاً عن تحويلها إلى ممرات لوجستية لتهريب السلاح والمعدات الحربية إلى الحوثين في اليمن عبر جانبي البحر الأحمر وخليج عدن.
  3. خلق حالة من التوازن الإستراتيجي مع إسرائيل التي تدعم إثيوبيا، من خلال تقديم الدعم لأرتيريا من جهة، ومن جهة أخرى إستغلال ميناء عصب الأرتيري للأغراض الأمنية والإستخبارية من جهة أخرى.
  4. وجدت البحرية الإيرانية في منطقة البحر الأحمر منطقة مهمة لابد من إستغلالها، من أجل تقديم الدعم اللوجستي للحوثيين في الحرب الدائرة باليمن من جهة، ومن جهة أخرى ضرب وتهديد المصالح الدولية في المنطقة من جهة أخرى.
وإنطلاقاً من هذه الضرورات الأمنية وجدت إيران في حركة الشباب المجاهدين الصومالية الحصان الذي يمكن أن تمتطيه لتحقيق أغراضها الإستراتيجية، حيث صدرت العديد من التقارير الأممية الخاصة بفرض عقوبات على الحركة منذ العام 2012، والتي أشارت بمجملها بأن إيران تستغل الحركة في أنشطتها الإرهابية التي تضر بأمن البحر الأحمر، ومن هذه الأنشطة قيام إيران بتوظيف الحركة في تهديد الملاحة البحرية الدولية بصورة عامة، والأمريكية بصورة خاصة، من أجل إجبار الولايات المتحدة الأمريكية على نقل جزء من أسطولها البحري المرابط في مضيق هرمز إلى هناك.
فضلا عن تقديم إيران الدعم لعمليات القرصنة التي تقوم بها الحركة، إلى جانب إستخدام الحركة في نقل الأسلحة عبر مهربين إلى داخل الأراضي الفلسطينية، لحركة الجهاد الإسلامي وحركة الصابرين، بعد قيام مصر بغلق إغلب المعابر الحدودية مع قطاع غزة.
إذ يجد الحرس الثوري الإيراني وإنطلاقاً من “عقيدة الجهاد البحري المقدس”، في الحركة الأداة التي تضرب بها النفوذ الدولي في منطقة باب المندب، فبعد فرض عقوبات دولية على تجارة الفحم الصومالي في العام 2012، والذي تستخدمه الحركة في دعم عملياتها المسلحة، قامت إيران بتسخير الكثير من سفنها لتصدير الفحم الصومالي إلى الأسواق العالمية، مستخدمةً العلم الإيراني عليها، وفي مقابل هذا تقوم الحركة بتوريد مادة اليورانيوم إلى إيران، والذي تستخدمه بدورها في دعم أنشطتها النووية.
إذ تعد الحركة من أكبر موردي اليورانيوم إلى إيران، وذلك بعد سيطرتها على الكثير من مناجم اليورانيوم في الصومال، وهو ما كشف عنه وزير الخارجية الصومالي يوسف عمر برسالة بعث بها إلى السفير الأمريكي في مقديشو “ستيفن شولترز”، والذي أشار بها بوضوح إلى أن الحركة تورد ما نسبته 10% من إحتياجات إيران من مادة اليورانيوم الذي تستخدمه في برنامجه النووي.
بل والأكثر من ذلك كله يجد الحرس الثوري الإيراني في الحركة عنصراً مؤثراً حيال النفوذ التركي والأمريكي في العاصمة مقديشو، من خلال توظيفها في ضرب مصالحهما هناك.
لاشك في أن إيران تدرك جيداً القيمة الإستراتيجية التي تمثلها هذه الحركة، في تغيير مسار العمليات الأمنية في منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا تحديداً، فقد شهدت الأونة الأخيرة توجهاً سعودياً وإماراتياً نحو هذه المنطقة، وهو ماقد يزيد بالمقابل من القيمة العملية لهذه الحركة في النسق العقيدي الإيراني.
فالتوجه الإيراني نحو القارة الأفريقية إكتسب زخماً كبيراً منذ تسعينات القرن الماضي، وهو ماسهل لها إنشاء روابط أمنية مع العديد من الجماعات المسلحة في هذه المنطقة، ولنا بالدور الذي تلعبه إيران في توظيف جماعة الزكزاكي في نيجيريا أبرز مثال على ذلك، هذا إلى جانب دورها في السنغال ومالي وغيرها من الدول الأفريقية.
إذ تتميز إيران برعايتها للعشرات من المليشيات والجماعات المسلحة، والتي تنتشر في ساحات مختلفة من منطقة الشرق الأوسط، دون أن يكون هناك أدنى إعتراف رسمي بها، وهو ماجعل الدور الإيراني يتمتع بحيوية كبيرة، رغم الضغوط الدولية المتصاعدة ضده، فالذي يميز النموذج الإيراني اليوم، وإنطلاقاً من قاعدة العلاقات الهجينة التي تربطه مع العديد من التيارات والجماعات التي تتشابه وتختلف معه مذهبياً وفكرياً وأيديولوجياً، هو أنه قادر على تحريك أي جبهة يواجه فيها نسقاً ضغطياً متصاعداً، وهو مالا تتمتع به أية قوة أخرى على المسرح الإقليمي.