قراءة في المحور الأول من البرنامج الحكومي للسيد عادل عبد المهدي

د. عبد الناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
      في واحدة من التحليلات التي تفسر اختيار السيد عادل عبد المهدي رئيسا لمجلس الوزراء هي رؤيته التي قدمها من خلال انسحابه من هذا المضمار في بادئ الأمر، فبعد أن طرح اسم السيد عادل عبد المهدي بالإضافة إلى مجموعة أسماء للترشيح على المنصب اعتذر عبد المهدي عن التنافس وسرد مجموعة من الأسباب علل بها انسحابه في وقت مبكر بعد المصادقة على نتائج الانتخابات. الذي يعنينا هنا سرديته بأسباب الانسحاب والتي تتضمن برنامجا للعمل ساقه على سبيل الاستدلال بعدم جدوى توليه المنصب، ولعل أهم مفاصل هذه السردية تكمن في الآتي؛
  • ستعارض تلك القوى التي ما زالت تحمل عقلية الدولة الريعية، عند تطبيق اجراءات جدية للخروج من الاقتصاد الريعي لمصلحة الاقتصاد الحقيقي خصوصاً الزراعي والصناعي والخدمي.. فهناك شرائح قد تتضرر أو لن تنتفع، بينما مصلحة الشعب والبلاد تتطلب الاصلاح لمحاربة الفساد والبطالة وتقليل الاعتماد على النفط.
  • ستعارض كثير من القوى عند السعي لأن تكون المؤسساتية، وقوانين الوزارات، والانظمة الداخلية، وقانون الخدمة العامة، وسياقات عمل القيادة العليا للقوات المسلحة حاكمة، بعيداً عن اية حزبية او شخصنة.
  • ستعارض كتل برلمانية او اعضاءها، التطبيق العملي لمبدأ الفصل بين السلطات.. وسيعارض البعض منع التدخل في شؤون السلطة التشريعية، او منع تدخل البرلمانيين غير المشروع مستغلين عناوينهم في اعمال السلطة التنفيذية والقضائية.
  • سيعارض البعض دعم “الحشد” و”البيشمركة” وقوى الشرعية.. وسيعارض اخرون، عند منع “الحشد” و”البيشمركة” وغيرهما من ممارسات خارج القانون والصلاحيات.
  • ستعارض بعض الجماعات عند الدفاع الدستوري عن حقوق ساحة من الساحات، فتراه محاباة لغيرها. وستعارض اخرى عند محاولة منعها دستورياً من التمدد والتجاوز وتعطيل عمل الدولة الدستورية الضامنة لوحدة البلاد.
  • الدعوة لشفافية اعلى في اتفاقاتنا الامنية، ولإقامة علاقة الصداقة والتعاون المتبادلة بإيران وتركيا وقطر وسوريا ولبنان وفلسطين وغيرهم.
  • الدعوة لإقامة علاقة الصداقة والتعاون المتبادلة بأمريكا والغرب والسعودية ودول الخليج والدول العربية، ورفض اي تدخل بالشأن العراقي.
           من تلك النقاط التي عدت سردية السيد عادل عبد المهدي للانسحاب من المضمار التنافسي لمح العراقيون بشكل عام والسياسيون بشكل أخص ملامح رؤية ناضجة للخروج من الأزمات القاتلة التي تلازمت مع العمل السياسي في دورات البرلمان الثلاث السابقة. أضف إليها طبيعة السيد عادل الهادئة المتزنة وطروحاته السابقة التي كرست في الذاكرة السياسية تحفظاته على أسلافه في أدائهم الحكومي قد تكون عززت من فرص السيد عبد المهدي.
وبعيدا عن عفوية وتلقائية ما ساقه السيد عبد المهدي سابقا من عدمها، الذي يعنينا في هذا المقام برنامجه الحكومي الذي أعده السيد عبد المهدي وقدمه مع كابينته الحكومية للمصادقة عليه، عرض البرنامج كان جديدا بحد ذاته ولعل الطريقة التي رشح بها عبد المهدي تتناسب وعرضه لهذا البرنامج لكونها طريق عدت مختلفة كثيرا عن سابقاتها ضمن الدورات الثلاث للبرلمان الماضية، فهو لم تختاره كتلة كبيرة وفق شروط المحكمة الاتحادية بل سبقت ولادة ترشحه مخاض عسير بين التحالفات الفائزة في انتخابات شابها الكثير من شبه التزوير والتلاعب من جهة، وبين الحراك الشعبي الرافض للفساد التي تسببت به الحكومات السابقة وبإسناد المرجعية الدينية في النجف لكون جل أصحاب القرا سابقا ولاحقا في عراق بعد الاحتلال بيد الأحزاب الشيعية.
  لذا يتقدم السيد عبد المهدي بمرفأ إنقاذ لبلد غارق حتى النخاع بالطائفية والفساد والإرهاب، وبالتالي هناك ضرورة لبرنامج يحد من الفساد ويفتح الطريق أمام مستقبل واعد لغد أفضل. البرنامج المقدم يحوي 121 صفحة، وهو من شقين الأول ويتضمن المقدمة والمنطلقات ومحاور المنهاج الوزاري ويقع في 32 صفحة، أضف إليها مسودة البرنامج الحكومي المعدة من قبل الأمانة العامة لمجلس الوزراء ويقع في 89 صفحة يتضمن تفاصيل ترتبط بالأداء السابق للحكومة، وقائمة إحصائية بالمشاريع المتوقفة والمستمرة من السنوات السابقة.
        الذي يعنينا اليوم أن البرنامج المعد وضع أصبعه على أكثر الجروح إيلاما في الجسد السياسي العراقي الذي لا يزال ينزف وليومنا هذا، باعتبار أن تولي السيد عادل عبد المهدي يعد فرصة للتغيير كما يقول الدكتور إياد العنبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكوفة؛ بناء على الرؤية التي يملكها عبد المهدي، والظرفية السياسية التي وفرها سلفه الدكتور حيدر العبادي، ومؤشرات الإدراك السياسي بضرورة أحداث تغيير عند قيادات سياسية مؤثرة في الشارع والأحداث. وعليه، يمكن القول إن هذه المؤشرات تشكل قاعدة أساسية لافتراض الشروع نحو تصحيح مسار العملية السياسية والسعي باتجاه إخراجها من دائرة الأزمات. ومن ثم نأمل بأن يكون النموذج الذي يقدمه عادل عبد المهدي هو نموذج القائد الذي يسعى إلى إحداث تغيير والسعي نحو بناء الدولة، وليس السياسي الذي يبحث عن مكاسب لترسيخ بقائه في السلطة.
ولاعتبار أن البرنامج فيه تفاصيل كثر كان لا بد من الكلام في هذه العجالة على المفصل الأهم فيه، ولعل استكمال بناء أسس الدولة الاتحادية الواحدة ونظامها الجمهوري النيابي الديمقراطي هو المحور الأهم في البرنامج المعد لذا تعين التوقف عنده قليلا لمعرفة تفاصيله وبعض العوار الذي لحق به نتيجة السياسات الخاطئة السابقة. فقرات المحور الأول هي؛
أ- تفعيل الدستور نصا وروحاً
ب- تفعيل قوانين الوزارات وتعديلها أو سن غيرها
ت- إعادة هيكلة مجلس الوزراء
ث- تطوير أنظمة الحوكمة بشكل جذري
ج- تقوية اللحمة الوطنية
ح- التصدي بقوة لمنع سوء استخدام الحريات والإضرار بالحق العام
    وفي هذه المقالة سنركز على التداعيات الخطيرة من جراء تعطيل الدستور في المدة السابقة ومن عام 2005 ولغاية اليوم الذي نأمل من الحكومة الجديدة بعد أن تضمن برنامجها في مفصله الأول هو تفعيل الدستور نصا وروحا، فمن الذي عطل الدستور؟ نجد أن من الضرورة بمكان التنبيه على أن الجهة الأكثر تعطيلا للدستور هي الحكومات المتعاقبة التي تعاملت مع الدستور بمعيارية مزدوجة، فالمواد التي تخدم مصالحها وتوافق رؤيتها تعمل بها، والمواد التي تضيق على أهوائها أو تفلتر أدائها تعطله، كما هو الحال مع غياب مجلس الاتحاد حسب المادة 65 وهو لم يسن لحد الان رغم اهميته وهو عبارة عن فلتر يدقق ويصفي ويصيغ القوانين الصادرة من مجلس النواب بشكل صحيح، ويتكون من عناصر كفؤة ولها خبرة في مجال القانون.
          في المنتدى السياسي لموقع درر العراق يبين أن التعطيل غير الرسمي للدستور يكون من قبل المتنفذين في السلطة، فالملاحظ أن القابضون على السلطة لا يعلنون بشكل رسمي، عن وقف العمل بنصوص الدستور، وإنما تتجه إرادتهم نحو إهمال تطبيق نصوص الدستور بشكل جزئي أو كلي، أو تطبيق نصوص الدستور بشكل يتعارض مع محتواها. والمدة التي شهدت تعطيل متعسف للدستور والقوانين النافذة التي ترتكز عليه هي مدة ولاية الجعفري وولايتي المالكي المتعاقبتين، وحتى ولاية السيد العبادي مع اعتبار التغيير الملحوظ بمدة ولايته الأخيرة، خاصة في ملف حقوق الإنسان، فقبل العبادي عطل الدستور في ملف حقوق الإنسان بشكل سافر في أداء وزارة الداخلية وبقية قوى الأمن الداخلي، وبإسناد من القضاء الفاسد في غالب أحيانه، فقد انتشرت السجون السرية وتعذيب المعتقلين الأبرياء… يذكر الأستاذ الدكتور تيسير عبد الجبار الآلوسي في تقرير حقوقي أولي عن السجون السرية؛ إن فلسفة ممنهجة طائفيا تكشفها حال توزّع السجون نخصّ منها هنا السجون (السرية) تحديداً، لما تتسم به من انتهاكات وفظاعات وخروج على سلطة القانون وفروضه الإجرائية التي تحمي الحقوق والعدل.. فهي تتوزع جوهرياً على مناطق تتسم بغالبية من طائفة بعينها، بالإشارة إلى مناطق ديالى وحزام بغداد و صلاح الدين وسامراء والمناطق القريبة من المدن (المحررة) كالفلوجة والرمادي والموصل..
  ولدى منظمة ((بامرو البلجيكية)) ومنظمتا الأمنستي والهيومن رايتس ووتش وثائق عن تلك المعتقلات السرية، ومما تتسم به حالات الاعتقال كما رصدناه في التقارير المشار إليها، ظاهرة عدم تسجيل أسماء المعتقلين، وهم يُعتقلون من دون تحقيقات أو إجراءات قضائية، ومن دون وجود أركان إجرائية سليمة؛ بعدم وجود مدعي عام ولا محامين وعادة ما تتبع تلك السجون السرية، كما ذكرنا على وفق التقارير والشواهد الحية للميليشيات الطائفية بشكل مباشر بكل تفاصيلها. في حين أن الدستور في الفقرة (13) الفصل الثاني (الحريات) يشير في المادة 37
 أولاً :ـ
أ ـ حرية الإنسان وكرامته مصونةٌ.
ب ـ لا يجوز توقيف أحد أو التحقيق معه إلا بموجب قرارٍ قضائي.
ج ـ يحرم جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية، ولا عبرة بأي اعتراف انتزع بالإكراه أو التهديد أو التعذيب، وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي أصابه وفقاً للقانون.
ثانياً :ـ
تكفل الدولة حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني.
     باتت هذه المصطلحات الدستورية خجلى أمام الانتهاكات الخطيرة التي يتعرض له الإنسان في العراق، فالمعتقلات تضيق بساكنيها، والتحقيق يجري بالتعذيب والتهديد بتعذيب ذوي القربى، وتدوين الافادات تزخر بالأكاذيب والاعترافات الموهومة المنتزعة بالقسر والترهيب والتعذيب، والمحاكمات صورية ومهينة ولا تمثل الحدود الدنيا من المعايير المهنية، بل زاد الطين بلة أن القاضي في بعض المحاكم الخاصة يعذب بيديه، ويقضي في بعض الأحيان حتى من دون وجود محامي للدفاع، أما الفساد المالي الذي يعتري جهات الاحتجاز والتحقيق فحدث ولا حرج، يباع المعتقل لذويه من غير الالتفات إلى كونه مدان أو غير مدان على وجه الحقيقة.
       يكفي اليوم حكومة السيد عبد المهدي أن تكون جدية في العمل بالدستور نصا وروحا كما ذكر برنامجه الوزاري، وأولوياته في ذلك صيانة حقوق الإنسان وإنصاف المظلومين وتصحيح مسار القضاء وأداء الأجهزة الأمنية كي نحكم عليها أنها تسير على طريق الإصلاح الصحيح. فهناك العديد من المظالم التي تعج بها أروقة المحاكم ودوائر التحقيق تنتظر مصداقية الرجل فإن عمل بها فإنه سينال دعم الشعب العراقي بألوانه وأشكاله كافة، وإن رضخ للضغوط الداخلية والإقليمية والدولية وعمل بمقتضى إراداتها فسيكون رقما جديدا للفاسدين الذين حكموا العراق.