العراق .. من “عسكرة” المجتمع إلى “ملشنة” العملية السياسية!

مجاهد الطائي
تبقى ظاهرة “عسكرة المجتمع” ضيفاً ثقيلاً غير مرحب به على أي مجتمع مدني ،كما ويرغب بشكل دائم برحيلها عنه بأسرع الأوقات ، بالرغم من أنها استراتيجية تعبوية تلجئ إليها الدول والحكومات الشمولية في بعض الأحيان لمواجهة عدوان خارجي أو أختلال خطير بالوضع الأمني والسلم الأهلي.
عانى العراق طول عقود من ظاهرة عسكرة المجتمع التي تتمثل بتغليب الطابع العسكري على الطابع المدني في العديد من الملفات ، بالإضافة إلى تقديم الحلول العسكرية. وتعتبر العسكرة من أهم الأدوات التي تستخدمها الأنظمة الشمولية ذات الحزب الأوحد أو الأحزاب التي تسير بمسار إيديولوجي واحد؛ لحمايتها والأستحواذ المطلق على السلطة، لكن التنظيمات الميليشياوية والشبه العسكرية في العراق تحمي مصالح خارجية وتضعف الدولة ، وقد أصبحت العسكرة في “العشيرة والقبيلة والحزب السياسي والمجتمع ومؤسسات الدولة والنظام السياسي” ظاهرة تتصف بها الدول التي تعاني من عدم الإستقرار السياسي والأمني وتفشي الفساد والرشوة وتفعيل أدوات العنف والوسائل غير الدستورية كما يجري في العراق، وفي إيران بالحرس الثوري و”الباسيج”.
ففي السابق ، كانت عسكرة المجتمع تصب باتجاه سياسي واحد لدعم النظام الشمولي والدولة بشكل أو بآخر لكن بعد عسكرة المجتمع ومشاركة الميليشيات ككيانات سياسية في الانتخابات العراقية الأخيرة 12/5/2018 م ، أنتقلت “العسكرة” في العراق من ظاهرة اجتماعية إلى ظاهرة سياسية عسكرية اجتماعية أمنية اقتصادية مركبة نسميها “الملشنة السياسية” كظاهرة متعددة وتسير باتجاهات منها ما هو متناقض ومنها ما هو منسجم طائفيا مع بعضه البعض. وقد تطورت عسكرة المجتمع إلى ظاهرة “الملشنة” المركبة والمعقدة بعد أن فككت النسيج الاجتماعي وقّوضت السلم والأمن وخلفت مدناً مدمرة وملايين الأرامل والأيتام والمعتقلين والنازحين كما خلفت تدخلات اقليمية ودولية، كما جعلت المزاج العام متوتراً وسريع الإستثارة بسبب الحالة العسكرية والأمنية السيئة وأنتشار ثقافة العنف.
أن إعلان بعض الميليشيات والفصائل عن وضع سلاحها تحت إمرة وتصرف الدولة ، يشير إلى استمرار عملها تحت يافطة جديدة ،فهي تحاول الاحتيال على السياق العراقي الجديد بالضغط الإقليمي والدولي بضرورة حل الميليشيات وأحترام الدستور ؛ فقامت بعمل إعلامي صوري بالإدعاء بفك الارتباط بين الاجنحة العسكرية والسياسية من أجل التجاوز على الضغوط إلا أنها لا تزال تعمل كميليشيات وكقوالب تنظيمية عقائدية فكرية وإن دخلت ضمن هيئة الحشد الشعبي أو أدعت الإنفصال وتشكيل كيانات سياسية مستقلة ، علماً أن إعادة تموضع جديد بدون إعادة هيكلة ولا إعادة تنظيم وتوزيع داخل المؤسسات الأمنية إنما دخلت كقوالب تنظيمة جاهزة.
لقد وجِدت الميليشيات في العراق قبل وجود الإرهاب “القاعدة وداعش” واستمرت بحجة حماية المراقد والمراجع وزوار العتبات الشيعية ، بالرغم من عدم وجود أي تهديد إرهابي آنذاك وأصبحت لاحقاً تتغذى على الإرهاب ،فأصبح الإرهاب الرئة التي تتنفس منها هذه الميليشيات، وإذا غاب عن العراق صنعته بممارساتها وإذا حوصر في المدن والسجون أطلقته ، وإذا أنتهى باتفاق إقليمي حوّلت البوصلة نحو تهديد القوات الأجنبية والقوات الأمريكية على وجه الخصوص وبدأت تنظر إليها على أنها قوات محتلة وتهدد باستهدافها كما أستهدفت داعش ، وكأن العراق ليس حليف للولايات المتحدة وموقَّع على اتفاقيات أمنية معها وشاركوا معهم بالقضاء على داعش وتحت غطاء التحالف الدولي.
تحت ذريعة الإرهاب توغلت الميليشيات بشكل كبير في الدولة والمجتمع والمدن وقرب الحدود وشاركت بالانتخابات وفازت بمقاعد برلمانية ضمن تحالف الفتح وتسعى لنيل حصص من المناصب الأمنية والوزارات بالرغم من مخالفتها للدستور والمضحك أن بعض زعامات الميليشيات تنادي بتطبيق الدستور وأحترام القانون!
ظاهرة “الملشنة” في العراق والتي وصل تعداد عناصر الميليشيات إلى 120 ألف مقاتل ؛غدت ضرورة لديمومة النفوذ الإيراني وقدرته على التغيير الدائم وتحريك الملفات وسيطرته على مفاصل الدولة العراقية والعملية السياسية والمجتمع مع الأحزاب المتنفذة. فتستخدم إيران الميليشيات للألتفاف على العقوبات وتهريب النفط والسلاح والعملة والمخدرات واغتيال المعارضين وإدامة وحماية سطوة الأحزاب المتنفذة بصورة غير مباشرة من خلال عمليات تزوير الانتخابات وضرب المنافسين المحتملين وإرباك الوضع الأمني عند الضرورة، فهي جهاز قمعي غير مباشر لنفوذ إيران؛ للسيطرة على أي تغيير خارج إطار المعادلة المرسومة ومن دون محاسبة لأي طرف عن أي انتهاكات أو خرق للدستور والقانون، فدائماً ما تسجل القضايا الكبرى والجرائم ضد مجهول أو تبقى تُهم وإدانة قضائية دون أن يأخذ القانون مجراه.
أن “الملشنة” ظاهرها حماية العراق من الإرهاب وداعش وباطنها إحكام السيطرة على المجتمع وإجهاض أي بوادر للتغيير خارج إطار الفواعل الرئيسية داخل المعادلة العراقية كما حصل في تظاهرات البصرة وضربها من الداخل وحرفها عن مسارها وأستهداف رموزها أو القيام بأعمال تخريبية وأتهام المحتجين بها. أن هذه الميليشيات لا تملك قرارها السياسي ولا العسكري لإرتباطها الشديد بإيران سياسيا وعسكريا وفكريا ولا تجد أي حرج بالتصريح بذلك كما تفعل ميليشيات “حزب الله العراقي” أو “النجباء”.
أن هذه الظاهرة تناقض النماذج النظمية للديمقراطية ،بل تنسفها لأن الديمقراطية عادةَ ترتبط بالقوى المدنية غير المسلحة ، وعلى أقل تقدير تلوث الملشنة أجواء الديمقراطية إن صدقنا بالرواية المشتبه بمصداقيتها حول تسليم السلاح للدولة. ولا تنسجم المزاعم حول وجود ديمقراطية وانتخابات مع وجود تشكيلات عسكرية عقائدية عابرة للحدود ، فأنتشار الميليشيات يعيق بناء مؤسسات الدولة المدنية ويعرقل عملها ويزعزع الثقة بالمؤسسات الدستورية ،فلا أستقرار للعملية السياسية في ظل وجود ظاهرة “الملشنة” وسطوتها ومشاركتها بكيانات انتخابية ودخولها العملية السياسية، ناهيك عن أنها تضعف الشعور بالانتماء لعدم قدرة أجهزة الدولة على وضع حد لممارساتها وخرقها للنظم والقوانين.
لقد أصبحت الميليشيات تعمل بشكل متشعب ،قدم في العملية السياسية كحزب سياسي وقدم بالعصابة تمارس أعمالها المعتادة ، كما لها يد في مؤسسات الدولة ويد مرتبطة بإيران، وبعض الميليشيات الحزبية مرتبطة بالأحزاب السياسية كعناصر أو مسجلين في هيئة الحشد الشعبي بشكل مؤسسي ويتقاضون رواتب من الدولة وتخصص لهم الميزانيات.
أخيراً ، إذا أراد رئيس الوزراء الجديد عادل عبد المهدي أن يعدل المسار السياسي والديمقراطي ويحافظ على ما تبقى من هيبة الدولة ويبقي العملية السياسية بدون ميليشيات، عليه أن يطبق الدستور ويخوض “معركة حصر السلاح بيد الدولة” ويقلص المنظومة العسكرية المترهلة والاعداد الكبيرة من منتسبي الأجهزة الأمنية ويضع حد للميليشيات وأنتشارها في المدن، فلم يعد العدد الكبير للقوات الأمنية له القدرة على حفظ الأمن وكما لا يتناسب مع عدد السكان ،ومن الأفضل الإعتماد على الجهد الإستخباري بدلاً عن إقامة ثكنات وسيطرات قريبة من المدن وعلى تماس مع المجتمع وهو ما وعد بتطبيقه رئيس الوزراء الجديد ولا أظنه قادراً عليه ، إلا إذا آمنت الميليشيات بالدولة والقانون والدستور وأرادت إيران الخير والاستقرار للعراق.