صندوق العمليات الخاصة… نحو دبلوماسية أوروبية للإلتفاف على العقوبات الأمريكية حيال إيران

فراس إلياس
شكلت عملية دخول الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية على إيران، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من التعاطي الأمريكي معها، بل والأكثر من ذلك كله، ستحمل المرحلة الجديدة متغيرات أكثر تعقيداً من المراحل السابقة، وذلك بالنظر إلى حجم وسعة نطاق هذه العقوبات، والتي دأب المسؤولون الأمريكيون يصفونها بأكبر حزمة عقوبات عبر التاريخ.
وعلى الجانب المقابل، حملت المرحلة الجديدة من العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، موجة واسعة من ردود أفعال الدول حيال الموضوع، فمابين من رحب بهذه العقوبات، وإعتبرها نابعة عن رغبة المجتمع الدولي في مواجهة سلوك إيران العدائي في المنطقة، وبأنها مسعى لإعادة إدماج إيران ككائن طبيعي في الأسرة الدولية، رأى الفريق الآخر بأن هذه العقوبات ماهي إلا تعبيراً عن غطرسة أمريكية لكبح جماح معارضيها، وعدم مراعاة للمصالح الدولية.
وجدت دول الإتحاد الأوربي وتحديداً فرنسا والمانيا وبريطانياـ في الحزمة الجديدة من العقوبات الدولية، عدم مراعاة أمريكية للجهود التي يبذلها الإتحاد في الحفاظ على الإتفاق النووي، بل والأكثر من ذلك عدم مراعاة للمصالح الأوربية في إيران، خصوصاً إذا ما أخذنا بالإعتبار بأن الإتحاد الأوروبي يأتي في المرتبة الثانية بعد الصين، من حيث إستيراد النفط الإيراني، هذا فضلاً عن تعرض الكثير من العقود الإستثمارية والتجارية والإقتصادية الأوروبية للخطر بعد دخول الحزمة الثانية من العقوبات حيز التنفيذ، والتي كانت دول الإتحاد قد أبرمتها مع إيران بعد الرفع الجزئي للعقوبات في العام 2015.
وكانت منسقة السياسات الخارجية في الإتحاد الأوربي فيدريكا موغيريني، قد أشارت في 26 سبتمبر 2018، خلال لقائها بوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وبعض وزراء الإتحاد الأوروبي على هامش إجتماعات الأمم المتحدة، بأن الأوروبيون بصدد إيجاد أو تبني خيارات سياسية للتجاوز على تأثيرات العقوبات الأمريكية، من ضمنها إنشاء صندق العمليات الخاصة أو غرفة مقاصة، من شأنها إعطاء فسحة لإستمرار إيران بالإتفاق النووي، وعدم لجوئها إلى خطوات أكثر إستفزازاً، وهو ماقد يعطي الولايات المتحدة الأسباب الكافية لإحراج الأوروبيون، ولعل هذا التوجه الأوروبي يعود في مبرراته القانونية إلى العام 1996، وذلك من خلال إعادة تطبيق قانون أصدره الإتحاد في ذلك الوقت، والذي يوفر الظرورف الحمائية الكفيلة للتخفيف من حجم التأثيرات التي قد تتعرض لها الشركات العائدة لدول أعضاء في الإتحاد الأوروبي من العقوبات الأمريكية المفروضة على دول لها علاقة مع هذه الشركات، كما يمثل هذا التدبير القانوني مخرجاً لإيران لتصدير النفط والقيام بعمليات التبادل التجاري مع الدول الأخرى التي لاتلتزم بنسق العقوبات الأمريكية، وبصورة أخرى هو نسخة معدلة من برنامج النفط مقابل الغذاء، الذي كان يعتمده العراق بعد دخوله تحت طائلة العقوبات الدولية في تسعينات القرن الماضي.
وعلى الرغم من العقبات الكبيرة التي تعترض طريق الإتحاد الأوروبي في مواجهة العقوبات الأمريكية حيال إيران، فإن الإصرار الأوروبي على المضي بخطوات أكثر عملية، من أجل دفع إيران للبقاء في الإتفاق النووي، قد يدفعها إلى مواصلة جهودها في هذا المجال، ذلك كون الضرورات الأوروبية تختلف كثيراً عن غيرها، إذ يخشى الأوروبيون من أن تؤدي العقوبات الأمريكية إلى تفجر الأوضاع السياسية في إيران، وبالتالي تكرار سيناريو العراق وسوريا، مما قد يعرضها لموجة لجوء كبيرة قد تكلفها الكثير.
فضلاً عن ذلك فإن نجاح الولايات المتحدة الأمريكية في تطبيق برنامح العقوبات على إيران، يعني بصورة أخرى وضع أغلب دول الإتحاد الأوروبي أمام ضغوطات إقتصادية كبيرة، وهو مالايريده الأوروبيون، وهو ماعبر عنه بيار موسكوفيسي مفوض الشؤون الإقتصادية في الإتحاد الأوروبي، من أن الإتحاد الأوروبي يعارض قرار الولايات المتحدة بإعادة فرض العقوبات النفطية والمالية على إيران.
حقيقة الأمر أن التدابير الأوروبية بقيت حبراً على ورق، فصندوق العمليات الخاصة “SPV”، أو غرفة المقاصة “المفترض أن تكون على شكل صندوق توضع فيه قيمة مبيعات البترول الإيرانية، وتُسحب منه قيمة البضائع أو الخدمات المصدّرة إلى إيران بعيداً عن استخدام الدولار الأمريكي”، من المقدر له أن يتيح للشركات الأوروبية التي ليست لها مصالح في الولايات المتحدة، وبالتالي لا يمكن أن تتعرض لعقوبات أمريكية أن تشتري النفط الإيراني، وأن تصدّر ما تريد إلى السوق الإيرانية، ما دام سيف العقوبات لا يمكن أن يطالها، والحال أن هذا الصندوق ما زال قيد الدرس، خصوصاً في ظل رفض أو تهرب أغلب دول الإتحاد من إستضافة هذا الصندوقـ، خشية وقوعها تحت طائلة العقوبات الإمريكية، وهو ماعبرت عنه صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية عن غونترام وولف، مدير مركز الأبحاث “برويجل” الأوروبي الذي مقره بروكسل، قوله: “تصوروا أن مدير الصندوق الموعود ذهب إلى الولايات المتحدة للإستجمام ولنقُل في ميامي، ماذا سيحل به هناك؟ سيُلقى القبض عليه”، في إشارة إلى الصعوبات التي تواجه ولادة الصندوق، وفي البيان المشترك الصادر يوم 2 نوفمبر 2018 عن وزراء خارجية ومالية الدول الأوروبية الموقِّعة على الإتفاق “فرنسا وبريطانيا وألمانيا إضافة إلى موغيريني”، جاء أن هذه الدول بالتعاون مع روسيا والصين وأطراف أخرى “كثفت جهودها في الأسابيع الأخيرة” من أجل إيجاد الصندوق المذكور” وينبه البيان إلى أن “أعمالاً إضافية” يتعين القيام بها من أجل إنجازه لغرض “مساعدة وطمأنة” الجهات الإقتصادية الراغبة في إدامة علاقاتها التجارية “المشروعة” مع إيران، والخلاصة الأوروبية تشدد على وجود “عزم جماعي” للسير في هذه الأعمال حتى النهاية، وما يشبه الصدى للإعلان الجماعي، فقد قال الناطق بإسم الحكومة الألمانية شتيفن زابيرت، إن برلين “تدرس كيف ستتمكن من حماية أسس إرتباطاتها التجارية” مع إيران وحماية الشركات المتضررة من العقوبات لاعتبارها أن هذه العلاقات “مشروعة”.[1] كما صدرت بيانات مشابهة من فرنسا وبريطانيا وسويسرا، والتي تبين جميعها حجم الضرر الأوروبي من صغية العقوبات الأخيرة.
وما يزيد بدوره من صعوبة تطبيق هذا المشروع، هو ما أعلنت عنه شبكة “سويفت” لخدمة التراسل المالي، ومقرها بلجيكا، إنها قررت تعليق وصول بعض البنوك الإيرانية إلى نظام التراسل الخاص بها، من أجل الحفاظ على إستقرار النظام المالي العالمي وسلامتها، وفي بيان مقتضب، لم تتطرق “سويفت” لذكر العقوبات الأمريكية التي أعيد فرضها على بعض المؤسسات المالية الإيرانية يوم الاثنين، في إطار جهود الرئيس دونالد ترمب الرامية لإجبار إيران على الحد من أنشطتها النووية والصاروخية والإقليمية، وقال بيان “سويفت” الذي نقلته “رويترز” إن تعليق وصول البنوك الإيرانية إلى نظام التراسل هو خطوة “مؤسفة”، لكنها “إتخذت لمصلحة الإستقرار وسلامة النظام المالي العالمي الأوسع نطاقاً”، وذكرت “رويترز” أن قرار “سويفت” عدم التطرق إلى ذكر إستئناف العقوبات الأمريكية يعكس على الأرجح حقيقة أنها عالقة بين متطلبين تنظيميين متناقضين، فالإدارة الأمريكية أبلغت “سويفت” بأنها تتوقع منها الإمتثال للعقوبات، وأنها قد تواجه عقوبات من واشنطن إذا لم تمتثل لها، وعلى الجانب الآخر، يحظر على “سويفت” القيام بذلك بموجب قانون الإتحاد الأوروبي المعروف بإسم قانون الحجب، والذي قد يعرضها لعقوبات أوروبية إذا إمتثلت للقانون الأمريكي.[2]
مما لاشك فيه بأن الإتحاد الأوروبي يستحضر اليوم التداعيات الدولية التي أفرزها نظام العقوبات الأمريكية على العراق خلال الألفية الأولى من القرن الحادي والعشرين، والتي أوقعت المنطقة بالكثير من التحديات الأمنية والسياسية التي تعاني منها اليوم، وهو ماقد يجعل من هذه العقوبات بمثابة تهديد مستمر لنظام الأمن الأوروبي.
فالصراع مابين الرؤية الأمريكية والأوروبية للتعامل مع إيران، هو من جانب أخر صراع مابين مدرستين فكريتين، الأولى تجد في إستخدام القوة والعقوبات سبيلاً إلى جعل إيران كيان عضوي مسالم في المجتمع الدولي، أما الثانية فتجد أنه عبر الإتفاق والتفاوض يمكن تهذيب السلوك الإيراني، من خلال ربطه بالمؤسسات الدولية، أي أننا أمام صراع مابين حجج المدرستين المثالية والواقعية في العلاقات الدولية.
ومهما كانت رؤية المدرستين، إلا أنهما يصلان إلى نفس الغاية النهائية، وهي إيران بدون برنامج نووي تهديدي، وهو ماعبرت عنه مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والذي شددت على أنه بالإمكان معالجة السلوك الإيراني، وذلك من خلال الإبقاء على الإتفاق النووي الحالي، وتعزيزه بإتفاق أخر أكثر شمولية ودقة وأهمية، يتناول السياسات الإقليمية والنشاطات الصاروخية الإيرانية.
[1]  ميشال أبو نجم، “اختبار” لقدرة الأوروبيين على مقاومة تدابير ترمب، جريدة الشرق الاوسط، العدد ( 14588)، في 06 نوفمبر 2018.
[2] “سويفت” تعلّق التعاملات مع مصارف إيرانية، جريدة الشرق الأوسط، العدد ( 14588)، في 06 نوفمبر 2018.