في “يوم الاستكبار” .. حزمة ثانية من العقوبات الأمريكية على إيران مع إستثناءات

مجاهد الطائي
بدأت الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية على إيران بحرب نفسية من قبل ترمب وتهديده ووعيده بأن العقوبات الأقسى على المنتجات النفطية والبتروكيمياوية والبنوك قادمة ، وعلى عادة النظام الإيراني ورموزه يتحدى العقوبات ويزداد في ممارساته بدعم الميليشيات وداعش وتوجيهها لما يخدم مصالحه كأوراق ضاغطة مضادة على العقوبات الأمريكية ، بالرغم من أن الرئيس روحاني أبلغ الشعب الإيراني بأن الأيام القادمة قد تكون صعبة إلا أنه ألمح إلى قبول المفاوضات مع واشنطن.
تمس عقوبات الحزمة الأمريكية الثانية عصب الاقتصاد الإيراني ، إذ يمثل قطاع النفط ومنتجاته والبنوك والتحويلات المالية خُمس الاقتصاد تقريباً ، مما يعني أن هذه الحزمة المستعجلة ستكون موجعة وستُعوّل على فقدان صبر الإيرانيين والتحولات الإقليمية والدولية وأسعار النفط. هذه العقوبات القاسية يصادف إنطلاقها مناسبة إيرانية أنتهكت فيها إيران الأعراف والاتفاقيات الدبلوماسية بما يسمى “اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي” يوم اقتحام السفارة الأمريكية في طهران 1980 من قبل عناصر من الحرس الثوري الإيراني والباسيج بزي مدني واحتجازهم القسري لموظفي السفارة لـ 444 يوماً.
تذكّر الولايات المتحدة إيران بانتهاكاتها سواء للاتفاقيات الدبلوماسية والتعدي على حرمة السفارات والحصانات أو لميثاق الأمم المتحدة بتدخلاتها بدول المنطقة الأخرى، فقد وجهت إيران قبل أسابيع ميليشياتها لقصف القنصلية الأمريكية في البصرة على أثر أتهامها بدعم محتجين في البصرة بحرق قنصليتها هناك، رسالة الولايات المتحدة لإيران تقول أن الزمن مهما طال وأزدادت الانتهاكات الإيرانية فإن ذلك يُعد رصيد متناقص من شرعية النظام الإيراني على المستوى الدولي لعدم إلتزامه بالقانون الدولي وتدخلاته وزعزعته لاستقرار دول المنطقة.
قوة النظام الإيراني تكمن بردوده غير المباشرة على العقوبات عن طريق تحريك أوراقه في العراق وسوريا وأفغانستان ولبنان واليمن ، ناهيك عن إظهار الخلايا النائمة لقوى الإرهاب لتنشط هنا وهناك لإرباك الساحة السياسية والأمنية وأستخدامها لتغيير المعادلة واللعب بورقة الإرهاب التي تستدعي تعاطفاً دولياً وتقديمه كأولوية على العقوبات ضد إيران وقد تدفع للتعاون مع إيران للقضاء عليه وتجاوز العقوبات كما حصل في المعركة مع داعش في السابق.
عقوبات الحزمة الثانية مست قطاعات حساسة في الاقتصاد الإيراني ، وتسعى الولايات المتحدة إلى أن يكون النظام الإيراني بين ضغطين داخلي وخارجي ، الخارجي بالعقوبات عليها وعزل النظام ، أما الداخلي باحتمالية تفجر الوضع الإيراني من الداخل لعدم تحمله مزيداً من العقوبات التي يتضرر فيها الشعب الإيراني قبل النظام، لأن النظام يستطيع ينقل الأزمة إلى الشعب الإيراني ويُحمّل الولايات المتحدة المسؤولية ويتنصل هو من المسؤولية ويتحمل أقل الأضرار بحكم سيطرته على مفاصل الدولة والاقتصاد. العقوبات هي الضارة النافعة التي قد تجعل النظام الإيراني يغير سياساته في المنطقة وينشغل بنفسه بالاكتفاء المالي للداخل الإيراني وعدم الحصول على فائض في الميزانية يمكنه من أستخدامه في دعم الإرهاب والميليشيات خارجياً ، فقد كانت السفارة الأمريكية في بغداد واضحة من خلال كلامها حول الشروط الـ12 الأمريكية لرفع العقوبات التي تتضمن أحترام سيادة العراق ورفع الدعم عن ميليشيات الحشد الشعبي والسماح للحكومة العراقية بحلها ثم إعادة دمجها.
إدارة ترمب لا تريد الإضرار بالحلفاء والأصدقاء الأوربيين وغير الأوربيين ؛ فلجئت إلى خطوات إسترضائية وإعفاءات وإستثناءات من العقوبات لـ8 دول والتي شملت العراق بإستثناء قطاعات الغاز الإيراني والطاقة لتزويد محطات توليد الكهرباء العراقية التي أندلعت على إثر انقطاعها التظاهرات في السابق ،كما استثنت قطاع المواد الغذائية الأساسية كبعد إنساني لإعتماد العراق على المنتجات الإيرانية وعدم توفر البديل الذي يناسب أصحاب الدخل المحدود، لكن هذه الإستثناءات تتم بشرط أمريكي وهو أن يكون التعامل بالدينار العراقي وليس بالدولار الأمريكي عن طريق فتح حساب خاص لوزارة المالية العراقية عند أحد البنوك الحكومية ويتم دفع ديون العراق عن طريقه.
هناك تحركات أوربية بخصوص العقوبات الأمريكية تعوّل عليها إيران ، بالرغم من أن هذه التحركات ليست مؤيدة لإيران بقدر ما هي حماية للمصالح الأوربية من أن تطالها العقوبات الأمريكية وتتضرر جراء ذلك. أخيراً ، تعويض النفط الإيراني الذي شُمل بالعقوبات سيكون عن طريق عدد من الدول من ضمنها العراق وقد صرح وزير النفط العراقي الجديد من أن العراق يصدر 5 ملايين برميل نفط يومياً وقد يرفعها إلى 7 ملايين برميل بحلوم عام 2022 ؛ مما يعني أن العراق مستعد لتعويض الحاجة العالمية للنفط الإيراني بشكل تدريجي ،لكن يبقى التحدي الأبرز في كيفية تعامل الحكومة العراقية الجديدة والضعيفة مع عقوبات أمريكا الصديقة ضد الحليفة إيران وتداعيات هذه العقوبات على العراق خاصة وهو قد خرج من معركة منهكة مع الإرهاب ويعاني من تغوّل الميليشيات وأرتباطها بإيران.