النظام العراقي وازمة التقاطع الامريكي-الايراني

د. الناصر دريد
منذ سقوط النظام العراقي السابق في 2003 ارتضت الولايات المتحدة (وهي الدولة التي قامت باسقاط ذلك النظام واحتلال البلد والتعهد باقامة نظام بديل فيه ) بنوع من الشراكة غير المعلنة في ادارة هذا البلد مع ( وللمفارقة ) خصمها بل وعدوتها الاولى في الشرق الاوسط وهو نظام الجمهورية الاسلامية في ايران . وليس سرا ان هذا النظام ومنذ حادثة احتجاز افراد السفارة الامريكية في طهران عام 1979 قد انقطعت كل صلاتة المعلنة بالطرف الامريكي ( ما زال هناك مكاتب لرعاية مصالح البلدين عبر السفارتين السويسريتين في البلدين ) وتحولت وهذه العلاقة الى نوع من العداء المعلن بين الطرفين منذ ذلك الحين .ورغم تمكن الطرفين من تفادي النزاع العسكري المباشر بينهما طوال عقد الثمانينات من القرن الماضي والذي كان مثقلا بحوادث الصدام الايراني العراقي في حرب الخليج الاولى ( الا اذا استثنينا عملية الصدام المحدود في مياه الخليج بين البحريتين الايرانية والامريكية في نيسان 1988 على اثر اصطدام الفرقاطة الامريكية صامويل بي روبيرتس بحقل الغام ايراني و قرار القوات الامريكية شن هجوم مقابل بعد اربعة ايام من الحادثة ادى الى تدمير منصة ساسان النفطية وتدمير طائرتين نوع اف 4 ايرانية و كذلك تدمير منصة سري النفطية و معها بضعة زوارق سريعة قرب جزيرة ابو موسى وقد سميت هذه العملية بعملية فرس النبي operation praying Mantis و قد سبقتها عملية الرامي الماهر operation Nimble Archer عام 1987 .,وذلك عندما قامت ايران باطلاق صواريخ على ناقلة النفط الكويتية ام في سي ايسل ستي في اكتوبر 1987 فقررت البحرية الامريكية ايضا الرد على منصات نفط ايرانية في حقل رستم النفطي والتي كانت تستخدم لاغراض عسكرية من قبل الحرس الثوري , وقبلها عملية مخلب النسر Operation Eagle Claw الفاشلة والمعروفة في ايران باسم عملية طبس لانقاذ رهائن السفارة الامريكية في نيسان 1980 وكلها كانت عمليات محددة عسكريا ومسيطر عليها ولم تتطور الى صدام او اشتباك واسع المدى )…
كما ولاينبغي ان ننسى الهجمات المؤلمة التي نظمتها اذرع ايران في المنطقة ( مثل هجوم حزب الله على السفارة الامريكية ببيروت في عام 1983 والذي ادى لمقتل 17 امريكيا او هجوم 23 اكتوبر من نفس العام الذي استهدف بناية القوات المتعددة الجنسيات في بيروت لحفظ السلام وادى لمقتل 241 امريكيا و 58 فرنسيا وثمانية لبنانيين بضمنهم منفذي العملية , ومعها ايضا هجوم ابراج مدينة الخبر بالسعودية عام 1996 والتي كانت مقر لقوات التحالف الدولي وادت لمقتل 19 امريكي وجرح حوالي ال 500 شخص من جنسيات مختلفة والتي قام بها حزب اللة الحجازي كما يسمي نفسه ) ومع كل ذلك فقد اضطر الطرفان مكرهين على التعاون فيما بينهما على اكثر من صعيد . وتذكر قضيتا افغانستان والعراق بشكل خاص في هذا المجال (حيث تعاون الطرفان على اسقاط نظام طالبان في افغانستان الذي كان خصما مشتركا للطرفين كما ساعدت ايران في دعم انتفاضة هرات في 2001 ضد نظام طالبان بالاشتراك مع امريكا وبريطانيا ) ورغم تصنيف النظام الايراني من قبل الرئيس الامريكي الاسبق جورج دبليو بوش في عام 2002 باعتباره احد اضلاع محور الشر ( Axis Of Evil ) الا انه لم يستطيع تفادي العمل معها بشكل وثيق في العراق على وجه الخصوص , وما قد لا يعرفه كثيرون , ان القيادة الايرانية قد شعرت بخطورة الاتجاه القادم بعد حادثة 11 سبتمبر .واحست ان العراق سيكون الوجهة القادمة للقيادة الامريكية في افغانستان وهو اتجاه كان يهدد بقلب الشرق الاوسط برمته رأسا على عقب ,وربما يمكن ان تكون طهران نفسها هي الوجهة الثالثة بعد كابل وبغداد ان سارت الامور كما تشتهي واشنطن .لذلك بدأ الاستعداد مبكرا في طهران للتعامل مع الواقع الجديد وكانت مشاركة المجلس الاعلى للثورة الاسلامية (الذراع الاولى للنظام الايراني في العراق قبل 2003 )
في مؤتمر لندن في ديسمبر 2002 مؤشرا واضحا على تبدلات واضحة في طهران ( كان المجلس قد رفض الاشتراك في مؤتمرات فينا ونيويورك لانهما كانا برعاية امريكية !! ) لكن في 4 ايار عام 2003 ( اي بعد اقل من شهر على الاحتلال الامريكي للعراق ) قامت الحكومة السويسرية بارسال مذكرة غير رسمية الى وزارة الخارجية الامريكية من صفحة واحدة بمساعي من الدبلوماسي السويسري تيم غولدي مان (Tim Guldimann ) وضع فيها خارطة طريق لاعادة العلاقات الايرانية – الامريكية , اكدت على استعداد ايران لتنفيذ النقاط التالية وهي اولا- الموافقة على حل الدولتين في الصراع الفلسطيني -الاسرائيلي
ثانيا- وقف الدعم للمنظمات الفلسطينية المعارضة لهذا النهج المقدم من ايران
ثالثا- الضغط على حزب الله لتحول الى حزب مدني في لبنان
رابعا – دعم الاستقرار السياسي وتأسيس مؤسسات ديمقراطية في العراق
خامسا – اخذ موقف حاسم ونهائي ضد الارهاب في كل مكان ولاسيما في ايران نفسها (في اشارة لوجود منظمات القاعدة في ايران )
سادسا- التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان عدم امتلاك ايران لاي اسلحة نووية مستقبلا
ومقابل كل ذلك تتعهد الولايات المتحدة بالموافقة على بدء حوار بين الطرفين وانهاء الجهود الامريكية للاطاحة بالنظام الايراني وايقاف الحصار وابطال المقاطعة ضد ايران واتخاذ خطوات لوقف دعم المعارضة الايرانية والاعتراف بشرعية المصالح الامنية لايران في المنطقة والاعتراف بحق ايران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية والحيوية والكيميائية. وقد اكد غولدي مان , ان هذه المذكرة اعدت بالتعاون مع صادق خرازي ( الذي كان وقتها سفيرا لبلده في باريس ) وبأن المرشد نفسه ( علي خامنئي ) موافق عليها بالرغم من عدم وجود اعلان رسمي بذلك !! وسنحاول ان نعرف مأل العلاقات الايرانية – الامريكية في العراق في الاسبوع المقبل .