ما الفارق الذي في إمكانه أن يعد نقلة نوعية في أداء السيد عادل عبد المهدي؟

د. عبد الناصر المهداوي
مركز العراق الجديد
من الاحتلال وليومنا هذا ونحن في تكرار وتدوير لجميع مفاصل العمل السياسي العراقي، وما أن نلمح معلما من معالم الإصلاح والتغيير يرنو من بعيد إلا وهجمت عليه جيوش الظلام من الطائفيين والفاسدين ليدرسوه بين أنقاض وركام الفعل الفاسد الذي ران على قلوب العراق والعراقيين سواء بسواء، قد يكون التعميم آفة إلا أن الواقع السياسي العراقي لا يسعفنا باستثناءات إلا في حدود ضيقة، لذا ومع بداية لعهد جديد وإرادة جديدة للنهوض بالواقع العراقي في مفاصله كافة لا بد من الحكومة الجديدة ومجلس نوابها في دورته الرابعة من الاسهام في صناعة حدث يحقق للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي العراقي نقلة نوعية من لون جديد قد يكون معها الماضي الفاسد جزء من التأريخ بما تُضمن ارتداداته نسيان سنوات البؤس للعراق والعراقيين.
نحن في هذه العجالة وللوصول لصناعة حدث جديد مزلزل له تداعيات وارتدادات إيجابية تنسي العراقيين البسطاء مأساتهم لا بد من التفكير في مدخلات جديدة للعملية السياسية بما يضمن معالجة الإخفاقات، ويسدد العمل الجاد القادم بعيدا التكرار والاجترار. وحث الحكومة للقيام بأداء يعد مميزا من نوعه ولونه ويحوي بين جنباته حلا حقيقيا للمشاكل الداخلية في العراق ويسهم في تحقيق نقلة نوعية للمجتمع العراقي، تسهم في تطويره واستقراره على المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة، وقبل الولوج في فكرة مشروع نقترحه على الحكومة الجديدة لا بد من تشخيص سريع للساحة السياسية والاقتصادية والمجتمعية العراقية بشكل سريع ومقنع وخاصة في السمات التي بات يعلمها جميع العراقيين، لا فرق بين سياسييهم وعامتهم.
الواقع العراقي اليوم ونتيجة تعاقب الفساد والطائفية على الحكومات ومن الاحتلال وإلى اليوم مزري على الأصعدة كافة، فالطبقة السياسية باتت معلومة من الجميع أنها في أغلبها طبقة طفيلية تعتاش على دماء الشعب العراقي. والوضع الاقتصادي ريعي بالدرجة الأساس وانتهت أحلام القطاع الخاص وأغلقت المعامل والمصانع والمتاجر في غالبها، بل الميزانية التشغيلية ولجميع الحكومات كانت على حساب الميزانية الاستثمارية، والاستيراد اليوم هو المنقذ للعراق من أزمات السلع والحاجات التي لا غنى عنها لجميع المواطنين، مع اعتبار غياب الأمن الغذائي في حده الأدنى في العراق.
الراتب هو ملاذ الأسرة العراقية، وحركة السوق تعتمد عليه بالدرجة الأساس والمتاجر والمحال تقليدية لا ابداع ولا تجديد فيها. وحركة التوظيف الجديدة مرتبطة بمافيات الفساد في الوزارات والدوائر القطاعية التابعة لها، كما هو الحال مع الدوائر التابعة للإدارات المحلية في جميع المحافظات. الموضع الأشد قساوة يكمن في تباين طبقي جديد للمجتمع العراقي، فهناك مواطنون لهم صلاة جيدة مع أحزاب حاكمة بسبب تداعيات الأوضاع وتقلباتها في العراق نجد لهم امتيازات كبيرة، فقد ترصد لفرد واحد ثلاثة أو في أحيان أربعة رواتب، ولا تجد فردا آخر قد يكون من لونه وجنسه ومذهبه لا يملك قوت يومه، لذلك على المدى البعيد لا نستبعد أن تتجذر هذه الطبقية وتتباين المستويات ويشابه العراق البلدان الأخرى التي يتمايز بها مجتمعهم إلى طبقات مخملية وأخرى مسحوقة. وحتى مؤسسة الرعاية الاجتماعية يعتريها الفساد والخلل وهي لا تتعدى أن تكون إهانة لفقراء العراق على حساب متمكنيهم.
للخروج من ويلات المجتمع العراقي وما عاناه وما يعانيه من قبل ومن بعد، لا بد من إيجاد آلية تحكم من خلالها الحكومة العراقية توزيعا عادلا للثروة العراقية ولجميع مستويات الشعب العراقي. لذا سنقترح مشروع للدراسة يعتمد هذا المشروع شراكة حقيقية للحكومة مع شعبها بمفاصله كافة، ممكن أن يكون علاجا بعد أن يتم إصلاح بعض الملفات الأشد حساسية. خلاصة المشروع أن تعتمد الحكومة العراقية آلية جديدة للتعامل مع الميزانية العراقية، تعالج من خلالها مفاصل الفساد كافة من القيام بمشاريع فاشلة إلى التعامل وظيفيا بين مختلف أبناء الشعب العراقي.
خطوات تنفيذ المشروع على مراحل تستكمل بعضها البعض الآخر، وقبل الشروع بنشرها لا بد من دراسة مفاصلها من قبل مختصين مستقلين مهنيين لا يدارون في دراساتهم سوى مصلحة العراق والعراقيين. ولعل أهم محاور هذا المشروع يكمن في الآتي؛
أولا؛ لا بد من إيجاد آلية لمتابعة تنفيذ أي خطوة عملية بعيدا عن الفساد ومافيات الدوائر الحكومية المستشرية في مفاصل الحكومة الاتحادية والمحلية للمحافظات كافة. ودعم مهنية السلطة القضائية وتنظيفها من الفساد والفاسدين، بل لمجلس القضاء الأعلى أن يتيح للجهات الرقابية المجتمعية والإعلامية بفضح وكشف مفاصل الظلم الفساد في أي مكان كان.
ثانيا؛ لا بد من تأسيس بنية تحتية للحكومة الإلكترونية والحوكمة الرشيدة تنظم القطاعات العامة في الدوائر كافة وللموظفين والعسكريين في المؤسسات الأمنية، وكافة الدوائر واعتماد آلية تدار من قبل شركات مختصة، ولا ترتبط بالأحزاب ولا بالقطاعات الأمنية ولا علاقة بها بأي جهة متنفذة، تقاطع معلوماتها معلومات الموارد البشرية للوزارات كافة وللحكومات المحلية بما يضمن مطابقة لمعلومات الأفراد 100%، وتصحح ما تلاعب منها وتتبع مجلس القضاء الأعلى بعد أن يتم تنظيفه من الفاسدين. وتعمل هذه الشركات للمعلومات كذلك على أعمال القطاع الخاص وتنظم معلومات الأفراد بها عمالا ومالكون ومساهمون. المهم إيجاد آلية تكون بها معلومات الشعب العراقي في القطاعين العام والخاص واضحة للجميع من ذوي العلاقة الحكومية والجماهيرية، وكذلك الرقابة والتدقيق.
ثالثا؛ تعتمد الدولة نظام خاص بها يستفيد من معطيات نظام العدالة الاجتماعية والنظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي، أي لأن يشجع العراق والحكومة العراقية القطاع الخاص وتدعمه، وفي القطاع العام تدعم المواطن العراقي مباشرة، أي أن يكون للمواطن العراقي بمجرد ولادته حقوق عينية مادية من الميزانية العراقية، كما تدعم الحكومة السابقة البطاقة التموينية التي اعتراها الخلل والفساد، هذه المرة تدعم المواطن العراقي بتخصيص مالي شهري يتناسب وإمكانية الدولة.
أي إن كانت ميزانية العراق الاتحادية كمثال 100 مليار $ فإن الحكومة العراقية ستشارك هذا المبلغ مع شعبها مناصفة فتوزع 50% من الميزانية كمبالغ للعائلة العراقية بشكل مباشر عبر حسابات بنكية شهريا لا يمكن بحال من الأحول التلاعب بها، وتبتعد في توزيعها بشكل كلي عن أي مواقف سياسية أو أيدولوجية أو قربها وبعدها من الحكومة أو الأحزاب بل تكون حقا مكتسبا للمواطن العراقي لا يحرم منه مها كانت الأسباب كما هو الحال مع حقوقه المدنية الأخرى. أما الذين لديهم أكثر من راتب، أثنين أو ثلاث أو أربعة رواتب فيصار إلى اختيار راتب واحد فقط ويمنع من استلام البقية مع اعتبار حصوله على مستحقه كمواطن من الشعب العراقي، طبعا نحن نتكلم على القطاع العام الحكومي.
رابعا: تعتمد الحكومة في تعويض النقص بالمال لتنفيذ مشاريع كبرى على الاستثمار الأجنبي، بعد أن تنهي ملف الفساد والفاسدين وتحكم تنفيذ الشفافية بمراحل متعددة تسهم بها الجهات الرقابية والإعلام ومنظمات المجتمع المدني مع جهات محايدة مهنية تستفيد الدولة من خبراتها حتى لو كانت أجنبية في متابعة تنفيذ خطوات الاستثمار. وقبل القيام بهذا العمل إحكام القوانيين في الاستثمار بما يجعله استثمارا جاذبا محميا من الابتزاز بألوانه وأنواعه كافة.
خامسا؛ تحقيق الشفافية الكاملة الكلية عبر التطبيقات الحديثة للحوكمة الرشيدة وإعطاء صلاحيات كبيرة لمنظومة المتابعة الوطنية والأجنبية، الوطنية تكون عبر الجهات الرقابية بعد أن يتم تنظيفها بشكل كبير، والإعلام الذي يعطى صلاحيات الدول المتقدمة ويكون حرا مهنيا بعيدا عن الفساد والفاسدين، ومنظمات المجتمع المدني التي أهملت وباتت واجهات أخرى للأحزاب الفاسدة والشخصيات الطفيلية.
سادسا؛ اعتماد توزيع الثرة بعدالة على عدد نفوس العراق من غير أن يتأثر بوجود إقليم أو محافظة غير منتظمة بإقليم بل يكون التعامل واحد مع جميع المواطنين من غير أن نلتفت إلى هوياتهم وخلفياتهم الدينية والمذهبية والعرقية والسياسية والمجتمعية، أي محاربة جميع ألوان الاستغلال الغير مشروع على أس أساس كان.
سابعا؛ يتم التعامل بين الوزارات كافة مع الحكومات المحلية بتكامل الأدوار وتبادله أي أن تكون للحكومات المحلية اختصاصاتها بمراقبة الوزارة المعنية عليها، والعكس كذلك أي أن تكون الوزارة في أدائها في المحافظات تابعة لمراقبة الحكومات المحلية مع الجهات الرقابية كافة في هذه المحافظات، بمعنى آخر أن يتم دراسة اختصاص كل وزارة في أدائها لمهامها في المحافظة بالتعاون كتنفيذ بينها وبين الحكومات المحلية على أن تضمن الوزارة أداءا أمثلا للحكومة المحلية في مجال اختصاصها، والعكس صحيح أن تمارس الحكومة المحلية مراقبة أداء المشاريع الاستثمارية الكبيرة للوزارة في مجال المحافظة الجغرافي، مع اعتبار الشفافية واطلاع جميع مؤسسات المتابعة والرقابة بما فيها الإعلام ومنظمات المجتمع المدني ومن قبلها الجهات الرقابية الرسمية. أما القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية فيتعين استقلالها وابتعادها عن أي عمل أو صلة بسياسي أو اقتصادي بل لها واجباتها بعيدا عن خوض غمار الحياة السياسية، مع اعتبار ترشيدها وترشيقها وحصر السلاح بيدها فحسب.
ثامنا؛ تشجع الحكومة الاستثمار بألوانه وأشكاله كافة، مع دعم القطاع الخاص ودعم المواطنين بمشاريع صغيرة بضمان استحقاقاتهم الفردية من ميزانية الدولة في تنشيط القطاع الخاص والمشاريع الصغيرة التي ستنعشها عائدات المواطنين وحصتهم من الموازنة العامة.
تاسعا؛ إيلاء الإعلام مسؤولية كبيرة وتحصينه بقوانين صارمة للحفاظ على حريته واستقلاله وسعيه في الرقابة كسلطة رابعة على الوجه الحقيقي الذي يخدم العراق والعراقيين، ودعم الإعلام المستقل وحمايته من هيمنة السلطة وابتزاز الأحزاب المتنفذة والسلطات الأمنية الفاسدة.
عاشرا؛ إعادة تنظيم مؤسسات المجتمع المدني أسوة في مواقعه في العالم المتحضر، وإعطاء هذه المنظمات صلاحيات تتناسب ومهامه والحرص على استقلال ومهنية أدائه بعيد عن أن يكون أداة في يد الطامعين والفاسدين، ولا أن يكون عينا للدول الطامعة على مقدرات العراق وخيراته، بل أن يكون المجتمع المدني مفصلا من مفاصل العلاج والرقابة المجتمعية المستقلة المحمية، كما أن يمارس مهامه في تطوير وتأهيل المجتمع العراقي بما يعيده إلى صدارة الأمم والشعوب.
قد يقول قائل إن هذه المحاور قد لا تكون جديدة على الذاكرة العالمية وحتى العراقية في بعض صفحاتها، بل قد تكون مكررة ومتداولة وبالتالي لم يأتي هذا المقال بجديد، وهذا الكلام في عمومه صحيح، أضف إليه كونه سلوكا معتمدا في الدول الغربية الحديثة التي تضمن للمهجر في بلادها مقومات العيش بكرامة، ونحن نتوقف هنا تحديدا ونقول على حكوماتنا أن توفر مقومات العيش الرغيد لأبناء شعبها وليس بكرامة فحسب، وموارد بلادنا حَرية لأن تكون أداة في رفاهية أبناء شعبنا قبل أن تشق طريقها إلى جيوب الفاسدين، أو قبل كل اعتبار آخر. ونسعى لتثوير ذاكرتنا المعرفية لإذكاء الوعي العام من خلال التركيز على بعض الأفكار بطريقة منهجية لعلنا نسهم ولو بكلمة من مواساة شعبنا العراقي وعلاج آلامه وأتراحه كل من موقعه.