الحلف الشيعي الجديد

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
         اثارت زيارة الرئيس العراقي برهم صالح الى طهران يوم 17/11/2018 عاصفة من التحليلات والتسؤلات حول طرحه لفكرة انشاء حلف يضم ايران وقطر والعراق وسوريا، وتزامنت هذه الدعوة بدعوة صادرة من الدوحة وطهران ودمشق في الوقت نفسه.
ومن جهة اخرى طرحت قبل فترة قليلة بين اوساط السياسيين والاعلاميين وبعض مراكز الدراسات، فكرة انشاء ناتو عربي لمواجهة ايران في المنطقة يتكون من مصر والاردن ودول الخليج العربي، ضد التدخلات الايرانية في المنطقة.
         ولاننا من قوم نحب التاريخ كثيرا ولدينا النزعة الفطرية للمقارنات التاريخية رغم ان التاريخ لايعيد نفسه ولا تشبه الظروف ولا الشعوب بعضها بعضا، ورغم فشل نظريات فلسفة التاريخ في تفسير واقعي للاحداث المعاصرة التي تمر بها شعوب المنطقة، ورغم عجز نظريات المؤامرة والغرف المظلمة التاريخية من الوقوف امام المحلليين الشباب الجدد، ورغم تفسيرات الجهل والقضاء والقدر والاخطاء والبيع والشراء، اصبحت كلها ظاهرة وشاخصة امام التفسيرات القادمة عن هذين الحلفين المزمعين في منطقتنا والعراق مركزهما، حلف الناتو العربي الغربي، وحلف وارشو الفارسي الشرقي.
          ولان المقارنة كثيرا ما تلخص لنا الاشياء وفيها ترتاح النفس من تعب التفكير والاستنتاج فسنقارن بين حلف ايران الشيعي الذي يبشر به رواده، وبين حلف رسم صورة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الامريكية والعالم في النصف الثاني من القرن العشرين، وهو حلف وارشو الشيوعي المنهزم في نهاية القرن الماضي.
فظروف منطقتنا تشبه الى حد كبير ظروف اوربا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث انتصار الشيوعية على الفاشية وتوابعها، يشبه انتصار التحالف الشيعي على الاصولية السنية وتوابعها، وايضا حجم الدمار الذي لحق باوربا مشابه لحجم الدمار الذي لحق بالحواضر السنية الكبرى في الشرق الاوسط، اضافة الى التهجير والتغيير الديمغرافي ورسم الحدوود والقوة النارية وعقيدة المنتصرين.
         والتشابه بين الحلفين الشيوعي والشيعي لا يقتصر على ذلك فحسب، بل يتعداها الى اسلوب التفكير حتى، فستالين والاتحاد السوفياتي اراد التخلص من عزلته التي فرضها عليه الغرب بعد الحرب العالمية الثانية فبدأ بتوسيع دائرة النفوذ السوفياتي، وكذا يفعل اليوم خامنئي والحكومة الإيرانية التي طالبت من دول او حركات مليشياوية مسيطرة عليها مساعدتها على الخروج من عزلتها. وبالتالي فهي توحي  بأنها مستعدة لفعل كل ما يلزم من اجل الحيلولة دون سقوط إيران.
وهذا المسعى الإيراني ابتداء منه هو لاستعادة مصداقيتها على الساحة الدولية وتلميع صورتها بسبب عدائها لأميركا، وعدائها لاسرائيل ولو لفظيا، مع تطبيع العلاقات مع الغرب الاوربي. ويبدو أن عودة القادة الإيرانيين إلى هذه الواقعية طمأنت الاوربيين الغربيين، الذين ينتظرون أن يروا إيران ان تبدي رغبتها في البقاء ضمن المعسكر الغربي وعدم الابتعاد عن العالم الحر، تماما كما املت انذاك من اوربا الشرقية ذلك.
من المنظورات الاجتماعية أمام الحكومة الايرانية اليوم مافعله الاتحاد السوفييتي في ربيع براغ وتقسيم برلين بجدار عالي اصبح فيما بعد رمزا للحقبة الشيوعية وسيطرة السوفييت بعد ذلك على اوربا الشرقية وبناء حلف وارشو.
وهذا الحلف لم يكن يميزه الطابع العسكري فقط بل في طريقة العيش واسلوب الحياة، فكلنا يتذكر سيارات “اللادا والمسكوفج والفولكا” كسيارات للشعب وطريقة اللبس ونوع الطعام والملكيات الشخصية الصغيرة والدعم الحكومي والتموين الغذائي وتقييد الحريات والصحافة وحقوق الانسان والولاء المطلق للزعماء والتبعية والدعم الشعبي.
 وبالتالي ستكون إيران مضطرة، للاستنجاد بالمثل السوفييتي حين تدخلت في العواصم التي شهدت ثورات ضد الحكم في دمشق وصنعاء وبغداد، وقسمت احيائها بالجدران الكونكريتية العالية دلالة على التقسيم. وساد المفهوم الايراني بالعيش في دول الحلف المزمع فانتشرت سيارة “السايبة” وعمت طريقة لبس السكان بما يشبه اللبس الايراني وخاصة في المناسبات الدينية من حيث انتشار السواد ونوع الملابس، وساد التشابه حتى في الطعام، فاصبحت ايران المورد الاساس للطعام لهذه الدول ونوعيته وجودته ولنتذكر حادثة الاسماك في الحلة او معامل دجاج العتبة الحسينية على سبيل المثال، اما قمع المعارضين وتقييد الحريات وحقوق الانسان والولاء المطلق للمرجعية فالامر واضح لايحتاج الى بيان.
لكن الشيء الاخطر والاعجب من هذه المقارنة بين النموذجين السوفيييتي والايراني هي العقيدة المتشددة الحاكمة لكليهما، لكن هناك فرق بينهما ليس على اساس العقيدتين الشيوعية والشيعية، وانما على اساس اعلان واظهار والايمان بالعقيدة. فالشيوعيين كانوا واضحين وصادقين باظهر عقيدتهم على طول مدى تاريخهم، بينما الشيعة فلا يمتلكون تلك الشجاعة والجسارة وان كانوا اليوم هم الحاكمين، لكنهم يزالون على مذهبهم من التقية وعدم اظهار تشيعهم الصريح للعالم. فهم لايزالون حتى اليوم يتكلمون بمنطق الوطنية والوحدة الاسلامية والمظلومية بالرغم من وضوح مقاصدهم واهدافهم.
ويعتقد النظام القائم في ايران اليوم انه يمتلك أوراقا مهمة تتيح له البقاء ومقاومة الاضطرابات الداخلية من خلال قمع المعارضين وتشييع المجتمع للدول التي ستكون تحت مظلة حلفه وهي ذات الاغلبية السنية المطلقة.
لكن الوضع الإيراني وتقويم فرص بقاء جمهورية الخامنئي على المديين القصير والطويل كلها تدل على مخاطر انعدام الاستقرار فقوى المعارضة المحلية، وتمردات الأقليات الاثنية، والانقسامات السياسية للشيعة، والتشاؤم حيال تطور الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والبطالة، والتضخم، وصعوبات الدفع النقدي، وهبوط الناتج الداخلي الإجمالي ستمنعها بالقيام والانخراط والاستمرار في مشاريع على المدى البعيد.
وسيؤدي التوتر السياسي الشديد بسبب العقوبات الامريكية على صادرات النفط الايراني، والذي زاد من حجمه الحصار الاقتصادي، إلى إجبار الحكومة الإيرانية على الاستنجاد أكثر بالبلدان القريبة منها كالعراق وباكستان وقطر. وقد يشجع العجز المالي للحكومة الايرانية على أن تضاعف هذه الحكومة من عقود المقايضة اي النفط مقابل السلع كما كانت تعمل الكتلة السوفياتية من قبل. كل ذلك، سيجعل التوجه الجديد لسياسة التوسع وإحياء مشاريع ايات الله، بوجه خاص، إيران أكثر تبعية تجاه السوق.
اذ ان مشتريات الأسلحة والتجهيزات العسكرية والامتداد التوسعي في المنطقة ونفقات المليشيات الداعمة لها ستمتص نسبة مهمة من موازنة الدولة، اضافة الى صعوبات الدفع والنقص في العملات الصعبة ستثني الجميع عن التعامل مع الجمهورية الايرانية.
وسواء قمنا بالمقارنة ام لا او صحت هذه المقارنة ام لم تصح بين الحلف الشيعي والحلف الشيوعي فسيبقى الدمار في بلادنا بسبب الحرب الاهلية ومانتج عنه من تخريب لصناعة وزراعة وانسان ومستقبل، وسيجعلان من السنين القادمة السوق المتوسعة الوحيدة في الشرق الأوسط. فهذه البلاد هي، بالنسبة للجميع، شريك مثالي، مفضل على أي نظام آخر، كما أن الرأي العام العالمي متفق على أن نظاما علمانيا يسيطر عليه الليبراليون قد يكون هو المناسب حيال المصالح المختلفة جميعها.