النظام العراقي و ازمة التقاطع الامريكي – الايراني/الجزء الثاني

د. الناصر دريد
كانت هذه تفاصيل ما اصبح يعرف لاحقا بعرض ( الصفقة الكبرىGrand Bargain )  والتي رفضت ادارة بوش ان تتجاوب معها انذاك ويبدو ان بوش كان ماخوذا بانتصاره السهل نسبيا في احتلال العراق في عام 2003 ممتلئ باوهام تحقيق كل اهدافه في الشرق الاوسط بنفس سهولة احتلال العراق !!! وكانت دول المنطقة جميعها كما يبدو خائفه من الوجود الامريكي و تشعر ان الامريكان جاؤا باجندات تتجاوز حدود العراق الى رسم خريطة جديدة لكل الشرق الاوسط ، و المفارقة ان اول اعمال المقاومة للوجود الامريكي في العراق تلقت الدعم اقليميا من الدول المحسوبه على اصدقاء امريكا ( سواء بالسلاح او التنظيم او المتطوعين او الاعلام ) في حين وقفت ايران موقفا داعما نسبيا للوجود الامريكي او بالاحرى متحاشيا الاصطدام معها, وقد اعطت ايران الضوء الاخضر لانصارها و حلفاءها بالتعاون الكامل مع الولايات المتحدة في العراق سواء من حيث الجهود السياسية ( في تشكيل مجلس الحكم ) او الامنية و العسكرية ( من خلال قوات بدر و التي كانت الذراع العسكري للمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق وهم اقرب حلفاء ايران من ماكان يسمى بالمعارضة العراقية زمن نظام صدام ) ,  الامر الذي دفع ادارة بوش الى قيامها في اذار 2004 الى ارسال رساله الى ايران ( بواسطة محمد البرادعي الذي كان وقتها المدير العام للوكاله الدولية للطاقه الذرية ) مفادها ان واشنطن ترحب بمجئ مبعوث مخول من ايران لغرض حل جميع المسائل العالقة بين البلدين , و يبدو ان ادارة بوش بدأت تحس بوطأة الورطة التي انغمست فيها في العراق مع تزايد اعمال المقاومة ضد الاحتلال داخليا و الرفض الاقليمي و الدولي الواسع لهذا الاحتلال و عدم وجود افق محدد للوجود الامريكي وعدم العثور على اسلحة الدمار الشامل الذي كان العذر الوحيد لدخول القوات الامريكية للعراق و ازدياد الصراعات الطائفية في العراق…الخ
كل ذلك ادى لادراك طهران وقياسها بدقة لبدء تغير الاوضاع  بالنسبة  للامريكان في العراق , وقرارها انها ربما تستطيع البدء بتغيير سياسة التطامن والنعومة تجاه الامريكان . كل هذا جعلها ترفض العرض الامريكي بالحوار !! وهكذا  ضاعت فرصة اول حوار  حقيقي بين الطرفين كانت فيه ايران مستعدة لتقديم تنازلات  كبيرة وملموسة بسبب خوفها من  امتداد المواجهة من  العراق اليها في 2003 مع الجيش الامريكي ( كان  الصحفي المعروف  نيكولاس  كريستوف في جريدة النيويورك تايمز  اكبر  اللائمين لادارة بوش  على  تضييع هذه الفرصة  وهو كان من كشف سر مبادرة غولدي مان ) وبالرغم  من وجود مبادرات واتصالات اخرى (مثل اللقاء الذي جرى يوم 3 اذار  عام 2003 اي قبل يوم واحد من مذكرة غولدي مان بين السفير الايراني  في الامم المتحدة انذاك ووزير الخارجية الحالي محمد جواد ظريف والدبلوماسي  الامريكي زلماي خليل زاد والذي كان وقتها يعمل بصفة المبعوث الرئاسي الخاص بافغانستان اي ان لقاء ظريف وخليل زاد ربما كان مخصصا لموضوع افغانستان حصرا ) . وخلال فترة رئاسة بوش الاولى ( والتي  انتهت  في عام 2005 ) حصلت  العديد من الصدامات  والاحتكاكات عبر الحدود العراقية الايرانية بعد ان بدات ايران  تغير نهجها  في العراق وتتبع نهجا مزدوجا يدعم  من جهة الاحزاب الشيعية في السلطة في تعاونها مع الجانب الامريكي ( واهمهم حزبا الدعوة والمجلس الاعلى واللذان شكلا عماد وزارة الجعفري الاولى )  ويدعم من جهة ثانية القوى الشيعية المناوئة للامريكان ( مثل الصدريين  الذي بدات علاقتهم بالايرانيين تنشط تدريجيا وبشكل حذر بسبب عدم وجود تاريخ مشترك مثل بقية الاحزاب الشيعية مع ايران )
وربما كانت حوادث تحطم طائرات الدرون الامريكية من نوع  ( R Q-7 Shadow ) و( Hermes  UAV )في اوائل نوفمبر عام 2005  داخل الاراضي  الايرانية من اشهر  هذه الحوادث , وفي  2005 ومع الفترة الرئاسية  الثانية لبوش احست ايران انها  اصبحت اكثر ثقة وقوة في مقارعة الوجود الامريكي  فقررت تصدير  وجه اخر صدامي في لعبة الكراسي فيها فوصل احمدي نجاد للسلطة في اب من ذلك العام , وكان يبدو واضحا  ان عهد الصدام قادم بوضوح بين الدولتين , ومع ذلك فقد افرزت انتخابات عام 2005 في العراق واقعا جديدا فرض نفسه على الدولتين فقد حلت الاحزاب الشيعية (والمدعومة من ايران ) بالمرتبة الاولى بنسبة 46.5% من الاصوات اي انها هي من سيشكل الحكومة  والنظام برمته وهي نتيجة كانت واضحة منذ نجاح المرجعية في انهاء صيغة مجلس الحكم عبر ضغوطها المستمرة منذ عام  2003 نظرا للحجم السكاني للشيعة والاستقطاب الطائفي الواسع الذي حصل في العراق , فاصبح واضحا لدى الادارة الامريكية ان فكرة قيامها بالتغيرات واسعة المدى في البنية العراقية او الشرق الاوسطية اجتماعية  وسياسيا وثقافيا واقتصاديا قد اصبحت الان من التاريخ وانها اصبحت ملزمة بان تاخذ بنظر الاعتبار متطلبات الوضع العراقي الذي يقول ان الشيعة هم اغلبية الشعب العراقي وانهم في هذه المرحلة  مقادون من احزابهم الاسلامية والتي لها علاقات  لايمكن غلقها او انهائها مع ايران اي انه من اجل صنع نظام سياسي لادارة العراق على وجه مقبول يكفل خروجا امنا للقوات الامريكية ينبغي التعاون بشكل غير مباشر مع الجانب الايراني ,وهنا ولدت صيغة النظام العراقي القائم على تفاهم الضدين , الجمهورية الاسلامية في ايران والولايات المتحدة الامريكية وكانت هذه الصيغة كناية عن التراجع الامريكي عن مشروعها الكبير  وعن تقدم الطرف الايراني في هذه المرحلة بعد ما شهدت المرحلة السابقة تدخل جميع جيران العراق ودول المنطقة بل ودول العالم في الشأن العراقي قبل ان تنكفيء جميعها متراجعة بشكل او بأخر امام المستنقع العراقي ولا يبقى منها الا دولتان فعليا وهما امريكا وايران وفي عام 2007 حدثت ازمة القنصلية الايرانية في اربيل , وذلك عندما قامت  قوات امريكية بغارة على مبنى القنصلية الايرانية في اربيل وقامت باختطاف خمسة من منتسبيها بعد هبوط مروحياتها في فناء القنصلية وتجريد حرس القنصلية من سلاحهم ومصادرة وثائق القنصلية واجبار اهالي المنطقة بالمحيطة بالقنصلية بالبقاء في بيوتهم ( وقد تم اختطاف ثلاثة من الاهالي لمخالفتهم هذه الاوامر !! ) وقد ادانت روسيا  ورئاسة  اقليم كردستان الحادثة  باعتبارها انتهاكا لاتفاقية فينا للعلاقات  القنصلية بل وحتى في امريكا نفسها ادان جوزيف بايدن رئيس لجنة العلاقات  الخارجية في الكونغرس وقتها العمل باعتباره تجاوزا على صلاحيات الرئاسة في شن عمليات خارجية دون تفويض كما ادانت وزارة الخارجية العراقية  ايضا هذا العمل ، وبعد 305 يوم قامت القوات الايرانية باطلاق سراح اثنين من الدبلوماسيين الايرانيين ومازالت الحكومة الامريكية تحتجز الباقين حتى الان وقد عبرت  العملية عن شعور امريكي واضح بالحنق والغيظ من تنامي النفوذ الايراني المؤذي للوجود الامريكي من خلال تجنيد مختلف المنظمات الارهابية العراقية ودعمها وتسليحها للقيام بعمليات ضد الجيش الامريكي , ومع كل ذلك فقد شهدت بغداد اول لقاء بين دبلوماسين ايرانيين وامريكان  مثل الامريكان فيه سفيرهم ببغداد رايان كروكر فيما مثل  الجانب  الايراني نظيره حسن  قمي بعد قطيعة استمرت 27 سنة بين الطرفين  وكان اللقاء محاولة امريكية لايجاد حل هاديء للدعم الايراني المتزايد للجماعات الارهابية وهو امر لم ينجح بالطبع , وهنا ينبغي تسجيل قضية اساسية وهي ان ايران التي لطالما لعبت بالورقتين الشيعيتين في وقت واحد وهي احزاب السلطة من جهة واحزاب ما يسمى بالمقاومة من جهة اخرى كانت قد فقد الورقة الثانية منذ اعتزال  التيار الصدري العمل المسلح ,لكنها عادت لتنشط جماعات ارهابية جديدة تحت الارض تميزت بولائها العقائدي هذه المرة لفكر الولاية العامة الايراني الرسمي.