حوليات قادسية الحرب العراقية الايرانية وتجرع السم

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
كانت الحرب العراقية – الإيرانية، إحدى اشد الحروب دموية منذ الحرب العالمية الثانية والأشد فتكا في التاريخ المعاصر في الشرق الاوسط، لكنها لم تجذب انتباه الرأي العام العالمي إلا بعد ان تعرضت مصالح الغرب فيها للخطر، وباتت تسمى أزمة الخليج، بعد تهديد العراق لطريق النفط الدولي.
وهي ليست المرة الأولى التي تصرف فيها الدول الغربية الكبرى بنظرها عن وجود حرب محدودة ومسيطر عليها ويمكن ادارتها بين بلدان من العالم الثالث. فخصومات بلاد الشرق المسلم طويلة وهي اول ما تؤذي اهله، وبالتالي فان قتال الجارين وبين بلدين نفطيين غنيين لم يكن يعني الغرب الا بقدر النفط والنفط فقط. يضاف اليه ان الحرب هذه هي في الحقيقة أسواقا حقيقية لمبيعاتها من الأسلحة، ثم بعد ذلك يكون الغرب هو مستقبل اعادة الاعمار ويكون بالنسبة للسكان المحليين هو المستقبل الموعود.
والداعي لاستذكار تلك الايام والكتابة عنها ليس من باب الرفاهية الفكرية او لتذكير الاجيال الشابة التي تعد اليوم النسبة الغالبة لمجتمعاتنا وهي لم تدرك او لم تكن واعية لايام تلك الحرب فحسب وانما وبالدرجة الاساس اننا نشهد هذه الايام تخصرات واحداث مشابهة لما كانت قبيل تلك الحرب، وكأن العرب والعجم لايتعلمون من تاريخهم الحي حتى.
إن الثمن الاجتماعي والإنساني الذي دفع لهذه الحرب بالغة الضخامة بحيث لايمكن ايجازها او تعريفها حتى. فحياة مئات الآلاف من الرجال ومن خيارهم، ومن المدنيين، ومن ضحايا قصف المدن بالصواريخ ومدرسة بلاط الشهداء في الدورة، وجامعة بغداد في باب المعظم، وساحة سعد في البصرة والكثير  الكثير من الأهداف الاخرى غير العسكرية.
ووفقا لمعدل من تقديرات شتى، فإن اكثر من مئة ألف عراقي واضعاف مضاعفة من الايرانيين لقوا حتفهم، بينما بلغ عدد الجرحى والمعوقين والمشوهين اكثر من الضعفين وفرضت على الشعبين تضحيات هائلة، مع تدمير شبه شامل للبنى التحتية الصناعية مع انهيار كاريثي بالنسبة للاقتصاد.
في بداية الحرب 4 ايلول 1980 نجح العراق من السيطرة والدخول الى عمق ايران بعد ضربة جوية مدمرة في 22 ايلول 1980، لكن ومنذ تموز 1982 وماساة المحمرة وعبادان وعبور نهر الكارون، نجحت إيران بتوطيد مواقعها، ودفعت القوات العراقية إلى خارج حدودها، لا بل نقلت الحرب إلى أرض العراق، وباتت جمهورية خميني أكثر فأكثر تصميما على مواصلة هجمتها حتى النصر الكامل.
 ورفضت ايران أي شكل من التسوية او قبول التفاوض طيلة فترة الحرب واستمرت بالهجمات المتعددة منذ عام 1982، لكن لم تمكن تلك الهجمات من تأمين النصر الحاسم لإيران، بالرغم من بعض النجاحات المحدودة. فعلى امتداد الجبهة، بطول 1200 كلم قامت ايران بهجمات منتظمة لتمنع تحشيد القوات العراقية، فكانت عمليات رمضان في تموز 1982 باتجاه البصرة، ومسلم بن عقيل في تشرين الأول 1982 على منطقة مندلي، ومحرم في تشرين الثاني 1982 على ميسان، ولم تتمكن من بلوغ أهدافها. واصطدمت بالمقاومة المكلفة الشرسة والباسلة للقوات العراقية.
 وبين ربيع 1983 وربيع 1984، قررت ايران أن تحشد كل إمكاناتها للحصول على انتصار سريع ونهائي. فقامت بست هجمات ضخمة اسمتها الفجر وكلها فشلت ودفعت ايران خسائر بشرية هائلة، وكان هدفها كردستان العراق والانتقام من الكرد جميعا حيث هاجمت القوات الإيرانية على حاج عمران، وبنجوين وتلال أخرى في كردستان العراق، في أقصى الشمال من الجبهة.
وفي 1984، قامت القوات الإيرانية، بالنزول من جديد باتجاه الجنوب وسعت لعزل البصرة، حيث الآبار النفطية المهمة في الرميلة والقرنة والزبير ونهر عمر. وتقدم الإيرانيون في منطقة الاهوار، وقطعت الطريق الإستراتيجي الذي يربط البصرة ببغداد. وفي 22 شباط، استولت على جزر مجنون النفطية، التي تعد اكبر بئر نفطي مكتشف.
إلا أن هذه المعارك كانت دموية بشكل خاص وكانت أبعد ما تكون عن تأمين النصر لإيران. فقد أزيلت مدن ودمرت مناطق باكملها. وكان مجموع غالب جيش خميني من الاطفال ومن أعمار تتراوح بين 12-15عاما، ومجهزون بأسلحة خفيفة، فقتل مئات الالاف منهم واختلطت دمائهم مع النفط ومن اجل النفط ايضا.
فالخميني لم يضع في منظوره، إنهاء الحرب بالوسائل السلمية وانطلقت إيران منذ بداية عام 1984 في تصعيد حربي، واتجهت نحو التخلي عن الحدود الأخلاقية في الحرب، واستخدامت وسائل لم يستخدمها العراق في حربه فبدأت في 15 شباط 1984، بقصفت المناطق السكنية في العمارة والكوت والبصرة، وبغداد.
كان الغرب غير مبالي حتى ذلك الحين حول طول وثمن هذه الحرب، ومن اجل زيادة مواجهة هجمات ايران الشرسة وتصلبها امام عدم قبولها المستمر لوقف الحرب، اعلنت بغداد عن إرادتها بانعدام الأمن في الخليج العربي، وأعلنت عن منطقة محظورة تشمل الجزء الشمالي من الخليج العربي، ومهاجمة أية سفينة تقترب من الموانئ الإيرانية. وايضا قامت بغداد باشعال جبهة لبنان مع اسرائيل حتى تكف سوريا عن دعم ايران.
حينذاك بدأ الغرب بالتدخل في الحرب ليحسم وليدير وليسيطر على الحرب فقام في العلن بدعم العراق وفي السر بدعم ايران، حيث كشفت فضيحة ايران – كونترا الدعم الامريكي السخي لجيش خميني، بينما التزمت دول شاطئ الخليج الغربي الحياد في الحرب مع الدين المالي السري المسموح به من الغرب للعراق.
وبسبب الفاشية والهمجية الايرانية في الحرب وامتناعها عن القبول لوقف اطلاق النار بدأ الشرق والغرب بدعم العراق عسكريا مع بداية 1986 ليكون حسم الحرب عسكريا لصالح العراق ويقبل خميني بتجرع سم السلام ووقف اطلاق النار.
فتطور وقوي الطيران العراقي، حيث جهزته فرنسا والاتحاد  السوفياتي تجهيزا رائعا. فاضيفت طائرات السوبر إيتندار المزودة بصواريخ إكزوسيت اليه، وأيضا طائرات الميغ الجديدة، والمطاردات البريطانية من طراز هوكر هنتر، وطائرات الميراج الفرنسية. واصبح الجيش العراقي يمتلك صواريخ سوفياتية من طراز سكود ب وصواريخ س س 12 ورغم أن القوات البرية الإيرانية كانت تتمتع بتفوق عددي مهم على القوات العراقية اذ بلغ حجمها اكثر من 450 ألف جندي إيراني بمواجهة 250 ألف عراقي وبالرغم من تعب الناس، استطاع العراق اخيرا من هزيمة ايران في 8-8-1988 .