ماهي سبل النهوض بالواقع العراقي المأزوم في ظل الحكومة الجديدة؟

د. عبد الناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
      يعد العراق من أكثر الدول التي عانت من الحروب في التأريخ المعاصر، ولعل الأنظمة المستبدة التي ختمت القرن العشرين بفواجع تنتقل ما بين القادسية الثانية والأنفال والحصار وأم المعارك ووو…إلخ، وورث النظام الشمولي بعد احتلال العراق نظام طائفي شوفيني من لون آخر، انتشر من خلاله الإرهاب بصوره القبيحة كافة، من تنظيم الدولة “القاعدة” وصولا لداعش إلى الميليشيات المسلحة الخارجة على القانون وعصابات الإجرام بألوانها كافة. وأدى ضعف الدولة وأجهزتها الأمنية التي بنيت على الطائفية إلى اختراق المنظومة الأمنية من قبل ميليشيات وعناصر توالي أحزابها على حساب مهنيتها ودورها في الحفاظ على الأمن.
     بعد احتلال العراق في 2003 لم تشهد الساحة المجتمعية العراقية أي خلل أمني مع اعتبار غياب تام لأجهزة الدولة الأمنية بألوانها كافة، وبقيت المحافظات العراقية لم تشهد أي خرق لشهور طويلة يسير فيها الراكب بين المحافظات غير وجل ولا مرتاب. وبسبب الغياب المستمر لرجال الأمن وخاصة بعد أن تعرض المحتل لعمليات عسكرية تستهدف قطاعاته من مختلف تيارات المجتمع الرافضة للاحتلال والتي ترى في مواجهته عسكريا واجبا وطنيا، حينها فقط شهد الشارع العراقي خللا أمنيا بشيوع عصابات الجريمة المنظمة ثم تحولت هذه إلى عصابات طائفية تقتل على الهوية وتعود خلفيتها لمختلف مكونات الشعب العراقي سواء بسواء.
    المشهد السياسي العراقي لم يستثمر بهامش الحرية التي اتيح للعراقيين بعد انتهاء الحكم الشمولي ومجيء الاحتلال، بل سعى كل مكون من المكونات على تثبيت أركان ممثليه السياسيين وبالتالي أن يستفيد من الواقع الجديد بمزيد من المكتسبات ويومها لم تبدأ الحرب الطائفية. في عام 2006 وبعد تفجير المرقدين في سامراء اشتعلت نيران الفتنة الطائفية وانتشر القتل على الهوية، ومد الإرهاب عنقه من خلال تنظيم القاعدة والميليشيات المسلحة الخارجة على القانون، لم يحسم المحتل المسألة الأمنية بل وجد فيها فرصة للعب على أوتار الطائفية وإشغال الفصائل المسلحة بقتال بعضها البعض، بل ودعم فصائل كانت تقاتله في الأمس القريب، ولعب المحتل على الحبال كافة، بل سعى إلى تكريس الطائفية في مؤسسات الدولة بعد أن سمح للميليشيات التي ساهمت في احتلاله للعراق أن تندمج في القوات المسلحة العراقية التي بنيت على أساس طائفي وغاب وغيب من أغلب قطاعاتها العرب السنة عن قصد أو جهل بمآلات الأوضاع .
      بعد خروج المحتل وحصد غلة المقاومة لصالح إيران والمشروع الطائفي التابع لها، وتولي حكم المكون العربي الشيعي لمفاصل الدولة كافة سياسيها وأمنيها بالشراكة مع المكون الكردي في بداية الأمر مع تمثيل خجل للمكون العربي السني سياسيا وعسكريا، عمدت الحكومات المتعاقبة على استهداف رموز السنة في الاتجاهين السياسي والعسكري بشقيه القوات المسلحة العراقية وقوى الأمن الداخلي التي تفرعت إلى ما يقرب من أربعة عشر مؤسسة أمنية، وبعيد عن التفاصيل التي كثرت فيها الكتابات والتشخيصات باتت الأحزاب التابعة للمكون العربي الشيعي مهيمنة على المشهد بأبعاده السياسية والأمنية والاقتصادية كافة.
      توالت نكبات العراق يوما بعد يوم نتيجة التفرد والهيمنة على القرار السياسي والأمني في ظل أجواء وتحديات محلية وإقليمية ودولية كبيرة، ظهر تنظيم “داعش” الإرهابي كشركة مساهمة كبيرة وسيطر على أراضي شاسعة تقدر ب 44% من الأراضي العراقي بمساهمة ومساعدة الحكومة يومها بعد أن هربت مجرمي وعتاة التنظيم من السجون العراقية، كما أسهم مكتب القائد العام للقوات المسلحة بهذا الاحتلال حين أصدر أوامر بسحب القطعات العسكرية والقوات المتجحفلة معها وبما يقدر بأكثر من ثلاث فرق عسكرية، وترك كامل تجهيزاتها وأسلحتها للتنظيم الإرهابي. ولا زالت تداعيات تحرير هذه الأرض من تنظيم وعصابات “داعش” باقية لساعة كتابة هذه الكلمات.
   مثلت ولاية السيد العبادي متنفسا بعد أن توالت انتصارات القوات الأمنية على التنظيم الإرهابي، وتنفس العراقيون بعض الشيء، غير أن الواقع البائس لآثار الحكم الطائفي لا يزال يهيمن على المشهد، وشهد الشارع الجنوبي حراكا شعبيا ضد فساد الطبقات الطائفية الحاكمة، وساندتها توجهات المرجعية الدينية في النجف بفتوى عدم تجريب المجرب، واستطاع الشارع السياسي العراقي بعد انتخابات 2018 على الرغم من الخلل التزوير التي منيت بها الانتخابات من تجاوز أعراف فاسدة في تشكيل الحكومة واختيار الرئاسات الثلاث وغيرها.
    عد انتخاب الرئيس صالح ورئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي فرصة للتغيير على الرغم من المقاومة الشرسة التي يبديها الفساد والفاسدون ضد نجاح التجربة الجديدة بحلتها الجديدة، فاختيار الرئاسات الثلاث كانت غير تقليدية، ولم تتمكن المحكمة الاتحادية الفاسدة من تفسير الكتلة الأكبر حسب هواها وبالتالي أفلح ضغط الشارع العراقي في كسر الأطر التقليدية التي انتجت منظومتها الفساد والفاسدين. وفي هذه المقالة نحتاج للإسهام في إسناد الحكومة الجديدة على الوجهة التي توليها للخروج من الأزمات المستحكمة التي ورثها الاحتلال والطائفية والفساد أجنحة المكر الثلاث في العراق الجريح الذي نأمل بعلاجه جميعا.
       تعد تجارب الأمم والشعوب وتراكم خبراتها ذخيرة حية لا تنتهي تستفيد منها الحكومات التي تسعى للإصلاح، ولعل تجربة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية من التجارب الحية التي يمكن القياس عليها والاستفادة من معطياتها، عندما ألقت أميركا قنبلة ذريّة على هيروشيما أكبر مدن التجارة اليابانية ودمرت 90% من المدينة، وتلتها بإلقاء القنبلة الثانية بعد ثلاثة أيام على ناغازاكي (أكبر الموانئ البحرية وأكثرها نشاطاً صناعياً وإنتاجاً للذخائر والسفن والمعدات العسكرية والمواد الحربية) نهضت اليابان من كبوتها وخسارتها بأعوام قليلة بشكلٍ فاق التوقع، لتجعل العالم مذهولاً بحجم التطور الذي وصلت له، فخلال واحد وسبعين عاماً أصبحت رائدة العصر الحديث، وبامتلاكها عقولاّ ناضجة وفكراً متقدماً حوّلت كارثتها المدمرة إلى أعظم إنجازات البشرية، مثبتةً أن العقل البشري أقوى من أيّ عملٍ تخريبي.
       قبل الهزيمة بشهر كان هناك شابان مسئولان منفصلان تمامًا عن الواقع الياباني، يراقبان اليابان وهي تنهار والولايات المتحدة توشك على دكها بالكامل والأرض الطيبة تتحول لأرض خراب ورعب، فما كان من الشابين وسط كل ذلك إلا أن يفكرا في كيفية إعادة تأطير هذه الخسارة بشكل يعود على اليابان بالنفع. قبل شهر من الاستسلام رأى (سابورو أوكيتا ويونوسوكي جوتو) أن الهزيمة آتية لا محالة وستجلب معها انهيارًا اقتصاديًا لا مفر منه، كان الاثنان يعملان مهندسيْ كهرباء في العاصمة الصينية بكين، لكنهما بعد انتهاء الحرب عادا إلى طوكيو ليباشرا التحضير لجلسات نقاشية أولية يتم فيها وضع خطة لتجاوز ما سيحدث اقتصاديًا، عقد الاجتماع الأول يوم 16 أغسطس لعام 1945 (بعد الهزيمة بيوم واحد فقط)، وفيه تمت مناقشة اتفاقية “بريتون وودز” التي كانت وقعت قبل الجلسة بعام في الولايات المتحدة ونتج عنها تثبيت الدولار كعملة قياسية وإنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
     بمرور الوقت تحولت الجلسات من جلسات خاصة لجلسات عامة يحضرها أكاديميو وسياسيو اليابان لمناقشة إعادة الإعمار، وتولى أوكيتا وجوتو مهمة تلخيص نقاط كل جلسة نقاشية وتحويلها لتقرير كامل، بعد فترة أخرى تبنت الحكومة الجلسات رسميًا وضمت وزارة الخارجية اللجنة إليها تحت مسمى (لجنة المسح الخاصة).
في أواخر عام 1945 ظهرت المسودة الأولى لتقرير الجلسات الشامل، ثم ظهرت المسودة النهائية في مارس من 1946، ثم خضعت لتعديلات لتظهر نسخة التقرير النهائية في سبتمبر من نفس العام وكان عنوانها (المشكلات الأساسية لإعادة إعمار الاقتصاد الياباني)، تناول التقرير المشكلات والتحديات التي تواجه الاقتصاد مع توصيف دقيق جدًا للوضع الداخلي، ثم وضع إستراتيجية عامة لمواجهة كل المشكلات، ثم في مرحلة التقرير الثالثة وضعت توصيات التحرك لإعادة الإعمار بالتفصيل، مثل التقرير مثالًا بليغًا متداولًا حتى الآن على العقلية اليابانية الخلاقة، ومازالت اليابان تعمل ببعض توصياته الاقتصادية حتى لحظتنا هذه.
من هذه التجربة الثرة نستطيع أن نستقي من معطياتها أن المحرك الأول للنهوض من الواقع العراقي البائس يكون من خلال التحرر من العقلية التقليدية المستحكمة بالقرار في العراق لعقد ونصف من الزمن، ولنتخلى عن المنظومة الطائفية البشعة التي أحرقت العراق والعراقيين، ولنتيح الفرصة أمام العقل العراقي المبدع أن يشخص الحاضر بعد تقييم التجربة الماضية من الاحتلال وليومنا هذا، ويبني رؤية واضحة للنهوض بالواقع العراقي على الأصعدة كافة من خلال استراتيجية وطنية شاملة تعتمد المواطنة والعقل العراقي المبدع للنهوض في المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة.
      يحتاج مجلس الوزراء الجديد إلى حملة كبيرة تحشد فيها العقل العراقي الكبير للنظر في إمكانية الخروج من أزمات العراق إلى إفق الإصلاح المنشود على المستويات كافة، من الموازنة العامة إلى المشاريع الكبرى التي يحتاجها البلد إلى ملف الإنسان وإصلاح منظومة حقوقه المهدورة، نحتاج إلى منتديات وندوات وورش تستكتب المختصين في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية كافة. نحتاج أن نحرر الواقع العراقي المكبل بعناصر الفساد والمافيات على الأصعدة بمختلف توجهاتها لصياغة رؤية واقعية شاملة للإصلاح تشارك به الحكومة الشعب العراقي على مستويات التنظير والتنفيذ، نحتاج إلى فعل جديد يعالج البطالة والفقر والأمية في المجتمع كما يعالج مافيات الفساد في دوائر الدولة ومؤسساتها الأمنية، نحتاج إلى نظام مدني بعيدا عن عسكرة المجتمع، يكون فيه رجال الأمن ملاذ الخائفين لا جزار العراقيين، نحتاج أن نتحرر من تبعية الآخرين لكونها تحقق مصالحهم ولا تحقق مصالح العراقيين.
        إمكانية النهوض بالواقع العراقي المأزوم ممكنة جدا، شريطة أن نترك الماضي بآفاته كلها، ونتوجه بالحاضر نحو مستقبل واعد تعتمد المواطنة بدل المكونات، وتضع القاضي العادل في مكانه المناسب، وتختار رجال الأمن بمهنية عالية بعيدا عن السياسية والساسة، نحتاج للشفافية المقننة التي يحميها القانون، نحتاج الحفاظ على الحريات في البلاد وتجريم انتهاك حقوق الإنسان بما يتناسب والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نحتاج لتغيير سبيل الاستثمار الحكومي باستثمار مختص عالمي يتحمل مسؤولية أعماله، نحتاج إلى النهوض بالواقع الاقتصادي للفرد العراقي بموضوعية وتقنين مدخلات المال ومخرجاته بعيدا عن جيوب الفاسدين، نحتاج أن يستشعر المواطن العراقي البسيط بوجود حق له في ميزانية الدولة بشكل شفاف ومباشر ومحمي من سلطة الفاسدين بأشكالهم وألوانهم كافة.
      جل الاحتياجات المذكورة يلفا من خلال الكلمات السابقة نستطيع تلبيتها عبر إعمال العقل العراقي الجمعي المختص بخطوات أربع؛ تقييم الماضي، تشخيص الحاضر، بناء رؤية وطنية لمنطقة الوصول، وضع استراتيجية وطنية شاملة لتنفيذ هذه الرؤية على المديات المختلفة، يسهم بتنفيذها الشعب العراقي بمؤسسات الدولة المختصة ومراكز الدراسات والبحوث والجامعات والمؤسسات الأكاديمية، وتستفيد من جل التراكم الخبري للموظفين الخبراء المختصين في الوزارات ودوائر الدولة الاتحادية والمحلية كافة.