إيرانياً .. العراق خندق رئيسي في مواجهة العقوبات الأمريكية!

مجاهد الطائي
يعتبر العراق إيرانياً من أهم مناطق النفوذ في المنطقة لاعتبارات جغرافية وسياسية ودينية ومذهبية وسكانية وأمنية واقتصادية ، وتُعوّل عليه طهران ليكون الخندق الرئيسي في مواجهة الحرب الاقتصادية التي تشنها واشنطن على إيران بهدف تغيير سلوكها المزعزع للاستقرار في العديد من دول المنطقة.
كما ترغب إدارة ترامب جعل العراق حائط السد الأساسي لمواجهة نفوذ إيران المتزايد وواحداً من أهم الدول التي تساهم بعزلها وتقليص نفوذها والمشاركة في تغيير سلوكها ، لكن الحكومة العراقية وعلى لسان رئيس الوزراء الجديد عادل عبدالمهدي، عبرت عن رغبتها بأن لا يساهم العراق بالعقوبات الأمريكية عندما صرح قائلاً “العراق ليس جزءاً من العقوبات الأمريكية على إيران وأن بغداد غير ملزمة باحترامها” جاء هذا بعد نموذج إيران الحي بقدرتها على الإطاحة بأي مسؤول يؤيد سياسة أمريكية تضر بمصالحها أو تُضيق عليها، خاصة عندما أطاحت بالولاية الثانية بمعاقبة رئيس الحكومة السابقة حيدر العبادي لمجرد أنه مال إلى الطرف الأمريكي وقال “العراق لا يتعاطف مع العقوبات الأمريكية على إيران ، لكنه سيلتزم بها حمايتةً لمصالحه”.
بيد إيران أوراق كثيرة في العراق للرد على الحكومة العراقية وعلى الولايات المتحدة وعلى كل من يساهم بوضع الحواجز أمام إيران بقدرة أذرعها بالإلتفاف على العقوبات أو ضرب أي عوامل لوجستية تساهم في تقويتها سواءً في العراق أوخارجه، وقد هدد علي أكبر صالحي أطراف الاتفاق النووي الذين وعدوا بآليات تجارية مع إيران لتجاوز العقوبات وحماية المصالح المشتركة قوله “إن لم تتحول الأقوال إلى أفعال سيكون للأمر قواعب وخيمة لا يمكن التنبؤ بها ، وإذا أنهار الاتفاق النووي فإن الوضع سيتغير وسيكون كل شيئ مضطرب”.
هذا التوتر المتصاعد سيكون العراق ساحته الرئيسية إيرانياً وأمريكياً ،وقد صاحب ذلك تلميح من قبل نائب رئيس نقابة الكهرباء الإيرانية بيام باقري بقدرة إيران على تهييج الشارع العراقي من بوابة “استيراد الكهرباء الإيرانية” حال أستبدلها بالكهرباء من دول الخليج ،بالإشارة إلى توظيف التظاهرات في البصرة لضرب العبادي الذي أيّد إلتزاماً بالعقوبات، فلإيران قدرة على الإطاحة بعادل عبدالمهدي الذي وصل إلى السلطة عن طريق توازن قلق بكابينة عرجاء لم يكتمل التصويت عليها إلى اليوم وهو ما قد يفتح أبواب الفوضى الأمنية مرة أخرى وعودة الإرهاب بفراغ السلطة.
من جهة أخرى، إن خطورة أنهيار الاتفاق النووي بشكل كامل يكمن في استخدام “أمن العراق” كورقة إيرانية تفاوضية في ملفها النووي – بعد تحسن هش خلال السنوات القليلة الماضية – بالرغم من أن عقوبات مجلس الأمن السابقة على إيران والتي رُفعت جراء توقف مشروعها النووي ،لم تكن تشمل العقوبات على دعمها للإرهاب في المنطقة لأنهم لم يتوصلوا إلى اتفاق بشأنه، إلا أن أنهيار الاتفاق سيساهم بشكل كبير في توظيف قوى الإرهاب والميليشيات في خدمة المشروع النووي ويضعها في سياق المفاوضات بشكل مباشر.
أن الحكومة العراقية الضعيفة ستكون بين الضغوط الإيرانية وميليشياتها ونفوذها من جهة ، والعقوبات الأمريكية التي قد تطالها جراء عدم إلتزامها بالإجراء ضد إيران من جهة أخرى، لكن الفواعل الرئيسية التي يمكن أن تنقذ إيران من العقوبات ليست رسمية فقط ؛ فهناك ردود على العقوبات نسمعها من ميليشيات ومراجع وأحزاب سياسية سنية وشيعية وكردية رافضة للعقوبات أو تتوعد بعدم الإلتزام بها. فمن غير المحتمل أن يتوصل العراق بفريقه التفاوضي إلى حل مع واشنطن للحصول على استثناء بعدم الإلتزام بالعقوبات؛ لأن العراق منطقة مهمة لواشنطن وترغب بعزل القرار العراقي عن الإيراني رغم الأذرع الإيرانية المنتشرة سياسيا ودينيا وميليشياويا ،وقد تنتهي مهلة الـ 45 يوماً بعد إيجاد البديل الخليجي عن المنتجات الإيرانية والغاز.
أن أذرع إيران في العراق قد تعرض البلد إلى عقوبات أمريكية تشلُّ اقتصاده وحكومته الجديدة ،من خلال المساعدة على الإلتفاف على العقوبات أو بعد الإنصياع لها، فالمعابر والمؤسسات العراقية المالية والنفطية ستكون تحت المجهر الأمريكي كما توعد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الدول التي تحتال على العقوبات بشمولها بها، فأي عقوبات على البنك المركزي العراقي أو قطاع النفط سينعكس على الملف الأمني والسياسي بشكل مباشر.
أخيراً ، أن إيران تقاتل بأذرعها في العراق والمنطقة ولا يهمهما عدم الاستقرار والفوضى وإعادة الإهارب إلى تلك المناطق، فما يهمها هو مصالحها وهي تدّخر هذه الأذرع لهذه الأوقات العصيبة التي تمر بها اليوم ولن تخسر جندي واحد إذا استخدمتها في مواجهة خصومها ، إلا أن خطورة شمول العقوبات الأمريكية على العراق تكمن في جعل الحكومة العراقية – الميالة أساساً إلى إيران – تميل إلى الكفة الإيرانية على أعتبار أن البلدان يواجهان ذات العقوبات وقد يكون ذلك جزء من خطة إيرانية لابتلاع العراق من بوابة العقوبات، وهو ما يجعل واشنطن إما تغض الطرف عن أي خرق للعقوبات على المستوى الرسمي أو تعاقب العراق اقتصاديا بعقوبات جزئية على أذرع إيران الغير رسمية.