تحجيم حزب العمال الكردستاني في السليمانية خطوة استراتيجية ام ضرورة مرحلية؟

شاهو القره داغي
مستشار مركز العراق الجديد
قررت حكومة إقليم كردستان في 25 نوفمبر إغلاق مقرات الأحزاب او المنظمات السياسية الغير مرخصة رسمياً، بموجب قرار موقع من نائب رئيس حكومة الإقليم “قباد طالباني” والمنتمي للاتحاد الوطني الكردستاني .
وبعد إصدار القرار بدأت القوات الأمنية التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني بإغلاق العديد من مكاتب الحركات المقربة من حزب العمال الكردستاني في منطقة السليمانية و خاصة مقرات حركة (حرية المجتمع الكردستاني ) القريبة من حزب العمال الكردستاني .
ويرى المراقبون أن قرار نائب رئيس حكومة الإقليم يستهدف المقرات و المكاتب التابعة للحركات القريبة من حزب العمال الكردستاني والتي نشطت في الفترة الأخيرة في المحافظة ، ويُطالب تركيا بإغلاق هذه المكاتب كشرط رئيسي لإعادة العلاقات مع الاتحاد الوطني إلى طبيعتها .
حركة حرية المجتمع الكردستاني
حركة قريبة من حزب العمال الكردستاني ، تأسس في 17 أكتوبر 2014 ، و اجرى أول مؤتمر له في السليمانية ، وتملك الحركة العديد من المكاتب والمقرات في منطقة السليمانية، بينما ليس لديها وجود في منطقة أربيل ودهوك،  و بعد تأسيس الحركة طالبت برخصة رسمية من السلطات المحلية في السليمانية ووزارة الداخلية في الإقليم، ولكن الجهات الرسمية في الإقليم رفضت هذا الطلب.
وعلى الرغم من عدم امتلاك الحركة أي رخصة رسمية في إقليم كردستان، منحت المفوضية العليا للانتخابات في العراق رخصة العمل للحركة في 19 يناير 2018 ، وبعدها شاركت في الانتخابات البرلمانية في 12 مايو الماضي، و نجحت في الوصول إلى البرلمان العراقي عن طريق الحصول على مقعد واحد باسم (يسرى رجب).
حاولت الحركة المشاركة في الانتخابات البرلمانية في الإقليم في 30 أيلول الماضي ولكن المفوضية العليا للانتخابات في الإقليم لم تسمح لها بالمشاركة .
أسباب تحجيم نشاطات حزب العمال الكردستاني في السليمانية
لم يكن الخطوة المُتخذة من قبل الأجهزة الأمنية في منطقة السليمانية ضد مقرات و مكاتب الحركات القريبة من حزب العمال الكردستاني أمراً مفاجئاً للمتابع السياسي في الإقليم.
قبل عام تدهورت العلاقات بين الاتحاد الوطني الكردستاني و تركيا بعد اختطاف عنصرين من المخابرات التركية في منطقة دوكان في محافظة السليمانية على يد مقاتلي حزب العمال الكردستاني بحسب وكالات الاعلام المحلية.
وقررت تركيا إغلاق مكتب الاتحاد الوطني الكردستاني في أنقرة ، و طرد ممثل الاتحاد الوطني (بهروز كلالي ) في 24 أغسطس 2018 و عاد إلى إقليم كردستان .
بعد الاستفتاء ونتيجة للضغوطات التي مارستها تركيا على الإقليم قررت إغلاق اجواءها امام مطارات الإقليم ، وبعد فشل الاستفتاء و عودة العلاقات إلى طبيعتها قررت تركيا إعادة فتح اجواءها امام رحلات مطار أربيل فقط دون السليمانية ، و هذا القرار يأتي ضمن الضغوطات التركية على القيادة السياسية في الاتحاد الوطني لتحجيم دور حزب العمال الكردستاني في المحافظة .
في 4 نوفمبر زار القنصل التركي في أربيل مدينة السليمانية و التقى بنجل الطالباني بافيل الطالباني ، وكشفت مصادر صحفية عن لقاء بين فاتح يلدز السفير التركي في العراق مع الرئيس العراقي برهم صالح ، وكانت النقاشات مع المسؤولين الاتراك تدور حول إعادة العلاقات إلى طبيعتها وفتح الأجواء التركية أمام مطار السليمانية من جديد.
أدركت الاتحاد الوطني الكردستاني أن فتح المجال امام حزب العمال الكردستاني في السليمانية بحرية الحركة و النشاط لن يدير فائدة للحزب و المحافظة بل سيؤدي إلى خسارة صداقة دولة إقليمية مهمة مثل تركيا ، و هذا ما دفع الحزب لقبول الشروط التركية فيما يتعلق بمواجهة نفوذ حزب العمال في السليمانية في مقابل إعادة تفعيل العلاقات من جديد.
وعلى الرغم من إغلاق مكاتب حركة حرية المجتمع الكردستاني في محافظة السليمانية ، إلا ان الحركة قامت بإجراء مؤتمر موسع بمشاركة 150 عضو في كركوك دون أي تدخل من القوات الأمنية في المدينة  في 1 ديسمبر 2018، وهذا ما يُثير الشكوك أمام سياسة الحكومة العراقية في التعامل مع حزب العمال الكردستاني ، وعدم اتخاذه إجراءات فعلية لتحجيم نشاطات الحزب و منحه الرخصة الرسمية للعمل والمشاركة في البرلمان العراقي عن طريق منظمات تابعة له، بالإضافة الى التنسيق الموجود في سنجار .
سيناريو الصدام المسلح
بعد قيام القوات الأمنية بإغلاق مقرات حركة حرية المجتمع الكردستاني، قام مسلحين من انصار حزب العمال الكردستاني بمهاجمة مقر للاتحاد الوطني الكردستاني في قضاء سنجار بمحافظة نينوى و إنزال علم الاتحاد من المبنى.
تاريخياً و بعد لقاء الزعيم الراحل جلال طالباني بالرئيس التركي تورغوت اوزال في عام 1992 لترتيب انضمام إقليم كردستان العراق إلى تركيا و إنهاء المشكلة الكردية في تركيا ، وبعد عودة طالباني إلى الإقليم ، قام الاتحاد الوطني و شريكه الديمقراطي الكردستاني عن طريق البرلمان بإصدار قرار يقضي بطرد حزب العمال الكردستاني من إقليم كردستان لتجنب التهديدات التركية و حماية الإقليم .
حزب العمال الكردستاني رفض الانصياع لقرار برلمان الإقليم ، وهذا ما دفع الاتحاد الوطني و الديمقراطي الكردستاني في أكتوبر 1992 بمهاجمة مقرات حزب العمال الكردستاني بشكل مشترك و اندلاع المعارك بين الطرفين ودفع العمال الكردستاني نحو جبال قنديل ، وكان أول مواجهة عسكرية بين الاتحاد الوطني و حزب العمال الكردستاني.
في الوقت الحالي من الصعب توقع حدوث مواجهة مسلحة لأن الطرفان يربطهم علاقات إيجابية مع إيران، و ليس في مصلحة طهران أن يندلع الحرب على حدودها وخاصة في هذا الوقت الحرج الذي يعاني فيه النظام الإيراني من وطأة العقوبات الاقتصادية الامريكية وهي بحاجة لتصدير السلع و المواد الغذائية إلى العراق و تعتمد بشكل كبير على محافظة السليمانية و تحتاج لاستقرار هذه المحافظة لدوام نشاطاتها الاقتصادية .
بالإضافة إلى التغييرات الكبيرة الحاصلة في الإقليم وفي موازين القوى بين الأطراف الكردية ، وعدم وجود قوة عسكرية قوية لحزب العمال في محافظة السليمانية تستطيع مواجهة الاتحاد الوطني الكردستاني التي تمتلك نصف قوات البيشمركة في حكومة الإقليم وتمتلك الأسلحة المتطورة بالإضافة إلى الدعم الأمريكي و الدولي .
مكسب تركي و تراجع إيراني
بعد إجراءات الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية ضد المكاتب و المقرات التابعة لحزب العمال، صرح القنصل التركي في أربيل “هاكان كاراجي” بأن قرار الاتحاد الوطني بإغلاق مقرات حركة المجتمع الكردستاني قرار (مهم)، وف حال عالجت الاتحاد الوطني مسألة الإرهاب، فإن العلاقات بين الاتحاد الوطني و تركيا سوف تتحسن أكثر”.
بينما ذكرت بعض المصادر أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية على طهران ، والضغط الأمريكي على الأطراف العراقية لمراجعة علاقاتهم مع إيران ، تُشكل الدافع الرئيسي وراء قرار الاتحاد الوطني لإجراء مصالحة مع تركيا و إعادة العلاقات ، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية و التجارية للاتحاد الوطني مع تركيا، بعد التأكيد التركي مطالبها السابقة بإغلاق مقرات حزب العمال في السليمانية كشرط رئيسي لإعادة العلاقات السياسية و التجارية وفتح اجوائها امام رحلات مطار السليمانية.
من المتوقع أن يكون قرار الاتحاد الوطني الكردستاني بتحجيم نشاطات حزب العمال الكردستاني في محافظة السليمانية و مناطق نفوذه قراراً استراتيجياً من الحزب ، وخاصة بوجود أصوات داخل قيادة الحزب تؤيد إغلاق المكاتب التابعة لحزب العمال في السليمانية وتحسين العلاقات مع تركيا فيما يصب في مصلحة السليمانية ، وعدم القبول بتشكيل أي خطر على استقرار السليمانية او اتخاذه مركزاً لتشكيل أي تهديد على تركيا و الحفاظ على العلاقات الودية و تطويرها ، بينما يرى آخرون أن هذه الخطوات قد تكون مجرد ضرورة مرحلية لإرضاء تركيا لإعادة فتح اجواءها امام رحلات مطار السليمانية بالإضافة الى إعادة تفعيل العلاقات التجارية لتجاوز آثار العقوبات الاقتصادية الامريكية على إيران لكون تركيا البديل الأقرب و الأنسب للاتحاد الوطني الكردستاني بعد إيران .