عسكرة المجتمع العراقي خطوة خطيرة نحو الهاوية

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
     واحدة من أهم سمات وميزات المجتمعات المتقدمة عالميا تتشكل في ابتعاد شارعها عن المظاهر المسلحة، وقديما كانت شرطة لندن لا تحمل معها سوى الهراوات، ولا تكاد أن ترصد في جميع المدن المتقدمة على مستوى العالم مظاهر لعجلات القوات المسلحة إلا خارج المدن، وهذا الأمر يقينا تشترك به جميع البلدان المتقدمة المستقرة في العالم بأسره، وما انتشار مصطلح مدنية الدولة إلا نقيض عسكرتها قبل أن يجنح إلى تفسير مغاير يتعارض مع الدولة الثيوقراطية.
      وبعد أن استقر حكم الأحزاب الطائفية في العراق بعد خروج الأمريكان عام 2011 وتسليم العراق لإيران على طبق من ذهب في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، شرعت الحكومات المتعاقبة على اقتفاء خطى إيران في إحكام سيطرتها على القوات المسلحة العراقية وعلى قوى الأمن الداخلي والمخابرات والاستخبارات بعد أن كانت نوعا ما في عهد الأمريكان تضم العديد من القيادات الكوردية وبعض القيادات من العرب السنة.
     وبعيدا عن الجيش العمود الفقري للقوات المسلحة العراقية، استحدث قرابة أربعة عشر مؤسسة أمنية، جل قياداتها إن لم تكن كامل قياداتها من العرب الشيعة. لم يكتفي المشروع الإقصائي في العراق بدمج الميليشيات في القوات المسلحة في العراق ولم يكتفي باستيعاب المؤسسات الأمنية كافة لأفراد تابعين لأحزابها بل أنشئت العديد من الفصائل المسلحة، ويوجد في العراق لكل حزب وكيان سياسي من المكون العربي الشيعي فصيل مسلح، وتعددت الفصائل المسلحة إلى ما يقرب من سبعين فصيل تعد 36 فصيل منها مؤثرة ولها واقع حقيقي على الأرض.
     يعد انعدام الفصل بين السلطات الثلاث في العراق وهيمنة السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، أضف إليها غياب الحكم الرشيد والحاكم العادل والعقاب الرادع عد السبب في ضعف مجلس النواب العراقي كهيئة رقابية ومؤسسات الدولة القانونية والقضائية، خاصة بعد أن هيمن المشهد الطائفي المسلح عبر الميليشيات على الساحة السياسية العراقية، الأمر الذي يجعلها خاضعة لسلطة السلاح، وشجّع هذا المسار على إحكام الأحزاب الطائفية السيطرة على الساحة السياسية عبر أجنحتها المسلحة.
        تفاديا لغضب الفئات المهمّشة في المجتمع العراقي نمت الميليشيات المسلحة بين افرادها داخل وخارج المؤسسات العسكرية والأمنية واستوعبت الأحزاب الطائفية هذه الطبقات الاجتماعية المسحوقة وأغرتها بالمال والسلاح والسلطة، وهيمنت الأحزاب الطائفية على المشهد السياسي من خلال استهداف الآخر المنافس، وبنت لها كانتونات تابعة لها داخل الأجهزة الأمنية التي تتجاوز الأربعة عشرة جهازا في العراق الجديد بعد الاحتلال.
      بعد احتلال التنظيم الإرهابي “داعش” على مساحات شاسعة من المحافظات العربية السنية وبما يقترب من 44% من الأراضي العراقية وبإسناد ومساعدة حكومة المالكي الثانية، أطلقت المرجعية فتوى الجهاد الكفائي وجمعت الفصائل المسلحة تحت راية واحدة، وعززت أفرادها في الفتوى المذكورة، وتشكل كيان عسكري من هذه المليشيات على غرار الحرس الثوري الإيراني ورديفه حزب الله اللبناني، وسمي بالحشد الشعبي بدعوى محاربة تنظيم “داعش” الإرهابي، ولم يكتفي هذا التشكيل الوليد بدوره في الاسناد بل عد بديلا حقيقيا عن القوات المسلحة العراقية وقوى الأمن الداخلي المساندة لها على الرغم من كون كل التشكيلات مسيطر عليها تماما من قبل المكون العربي الشيعي في العراق.
    في حكومة السيد العبادي التي تنفست الحريات نوعا ما واستبشر العراقيون خيرا بولادة عهد جديد بعد الحراك الشعبي في محافظات الجنوب ضد فساد الحكومات المتعاقبة من قبلها، ومع كل ما تقدم تم تشريع قانون هيئة الحشد الشعبي وضمه للقوات المسلحة العراقية عبر مجلس النواب، بما يعزز من هيمنة أفراده على المشهد الأمني في الساحة العراقية، وتم تعزيزه بمختلف الأسلحة وبدعم من الحرس الثوري الإيراني بشكل مباشر، بما يجعله التشكيل الثالث المسلح الأقوى الموالي لولاية الفقيه بعد الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني.
      يصعب إيجاد تفسير منطقي ومقبول من خطوة تشكيل الحشد الشعبي وتقويته -بصرف النظر عن إنجازاته في حرب داعش التي لا تنكر- على حساب القوات المسلحة العراقية والشرطة الاتحادية وقوات الطوارئ وبقية التشكيلات، على الرغم من استيعابها الكامل من قبل أحزاب المكون العربي الشيعي في العراق، والتفسير الوحيد الذي في إمكانه الصمود أمام النقد والتمحيص قد يكون في اقتفاء الأحزاب المتنفذة في العراق خطى السياسة العسكرية والأمنية في إيران خطوة بخطوة، قد يكون بسبب نجاح التجربة الإيرانية في السيطرة على الشعب الإيراني وإحكام قبضة الجناح المتشدد به على حساب الإصلاحيين المدعومين محليا وإقليما ودوليا هو الواعز والمشجع للقوى العراقية المتنفذة في نمذجة التجربة الإيرانية.
    في إيران وكما يقول أستاذ العلوم السياسية الإيراني سعيد جولكار الباحث في معهد واشنطن؛ تضمّ إيران أكثر من سبعة عشر جهازاً أمنياً مختلفاً، مع ثلاث هيئات رئيسية مشتركة في الاستخبارات الداخلية، هي: وزارة الاستخبارات، وجهاز الاستخبارات التابع لـ «الحرس الثوري»، وشرطة الاستخبارات والأمن العام (“پافا”)، التي هي فرع من فروع “ناجا”. وتخضع كلّها لإشراف المرشد الأعلى بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وعلى الرغم من الصراعات على السلطة القائمة بين هذه الهيئات، إلّا أنها عادة ما تعمل معاً لحماية النظام.
   وقد تغلغلت هذه المنظمات داخل المجتمع الإيراني من خلال شبكتين رئيسيتين هما “حراسات” وجهاز الاستخبارات التابع لـ «الحرس الثوري». وأنشأت وزارة الاستخبارات فروعاً لـ “حراسات” في كل منظمة مدنية وجامعة في البلاد، وكلّفتها بتحديد التهديدات الأمنية المحتملة. ووفقاً لبعض التقارير يقوم مسؤولو “حراسات” بمراقبة الموظفين (على سبيل المثال، عن طريق رصد اتصالاتهم)، والعمل كمخبرين، والتأثير بإجراءات التوظيف والفصل من الخدمة.
   ولدى جهاز الاستخبارات التابع لـ «الحرس الثوري» أيضاً شبكته الاجتماعية الواسعة، المعروفة بموظفي استخبارات “الباسيج” (ستاد خبری بسیج)، والمنتشر أفرادها في كافة مقاطعات “الباسيج” البالغ عددها 4,000 مقاطعة. وكما هو الحال مع “حراسات”، يعمل ضباط استخبارات “الباسيج” كعيون النظام وآذانه من خلال مراقبة أنشطة المواطنين وحفظ الملفات حول الناشطين المحليين.
     أما بالنسبة لـ “الباسيج” فقد أصبحت أكبر منظمة ميليشيا مدنية في العالم، إذ ينتمي إليها نحو خمسة ملايين عضو موزّعين على أربعة وعشرين فرعاً ومقسّمين على أربع فئات رئيسية، هي: الفئة العادية، والنشطة، والكوادر، والفئة الخاصة. وتشكّل المنظمة شبكة عنقودية تتألف من قواعد “الباسيج” والمقاطعات والمناطق. وبالرغم من أنّ القواعد هي أدنى مستوى تنظيمي، إلاّ أنّ وجودها البارز  في50,000) ) موقع في جميع أنحاء إيران يجعلها العمود الفقري الحقيقي للقاعدة الشعبية لـ “الباسيج”. وتتحكّم كل مقاطعة من مقاطعات المقاومة في “الباسيج” بعشرة إلى خمسة عشر قاعدة وهي موطن لقوات الأمن والقوات العسكرية المحلية. وتخضع هذه المقاطعات بدورها لسيطرة الفروع الإقليمية التابعة لـ «الحرس الثوري». وتبعاً لحجمها، تضمّ بعض المدن أكثر من منطقة تابعة لـ «الحرس الثوري».
   يقول مختصون في الشأن العراقي؛ شكل ظاهرة عسكرة المجتمع في العراق اليوم إحدى معوقات بناء النظام السياسي الجديد، فلا يمكن تصور مجتمع مستقر فيما تجري عسكرته، كما لا تنسجم المزاعم حول التحول الديمقراطي مع وجود تشكيلات ذات نزعة عسكرية تحت تسميات مختلفة، وان كانت من دون سلاح، فعدم التسلح في هذه الحالة لا يعني ان تلك التشكيلات مدنية، لأن السلاح ليس بعيدا عن متناول الأيدي، وهو متوفر أكثر من الخبز، وظاهرة التسلح في المجتمع العراقي واسعة، باتساع الرغبة الجامحة في امتلاكه، تحت هاجس حفظ الأمن الشخصي، وهذا من نتائج فقدان الثقة بالأجهزة الأمنية، التي يفترض ان تكون حماية المواطن وأمنه في مقدمة أولوياتها.
    ويؤكد هذا التوجه ما قاله بعض السياسيين العراقيين في منابر مختلفة على مستوى العالم، فقد قال الدكتور سليم الجبوري رئيس مجلس النواب السابق في محاضرة ألقاها في معهد السلام الأمريكي؛ تواجهنا مشكلة حقيقية في المرحلة القادمة تتمثل بشيوع السلاح وعسكرة المجتمع بسبب المواجهة التي خاضها العراقيون وشارك فيها المتطوعون المدنيون والفصائل المسلحة والعشائر، حيث انخرط معظم المجتمع العراقي في هذه المواجهة التاريخية. واضاف، لكننا اليوم وبعد أن أوشكنا على نهاية المعركة ازاء تحديات ومسؤوليات ألزمنا بها الدستور العراقي والتي تتمثل في الحد من السلاح خارج إطار الدولة أو دخوله الانتخابات التي يتطلب منها ان تكون ممارسة ديمقراطية ومدنية بشكل لا غبار عليه.
      ويقر عسكرة المجتمع رئيس التحالف الوطني العراقي السيد عمار الحكيم الذي وإن لم يدعوا إلى الكف عن حمل السلاح خارج القوات العراقية المسلحة إلا أنه أقر بضرر انتشار المظاهر المسلحة في المدن، ودعا الحكيم في وقت سابق إلى إنهاء ظاهرة “عسكرة المجتمع” وإخراج القوات العسكرية من المدن، مشددا على ضرورة منع ارتكاب التجاوزات من خلال استغلال الزي العسكري… بقوله؛ إننا ندعو لإنهاء ظاهرة عسكرة المجتمع، ولابد من إخراج المقرات العسكرية خارج المدن… وأضاف الحكيم؛ أن من المهم والضروري إخلاء المدن والأحياء السكنية من المقرات العسكرية والمنع من إزعاج المواطنين وارتكاب التجاوزات من خلال استغلال الزي العسكري واستخدام عجلات المؤسسات العسكرية. كما طالب السيد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري ورئيس تحالف سائرون في مناسبات عديدة حصر السلاح في يد الدولة وإنهاء المظاهر المسلحة في البلاد، الأمر الذي لاقى استحسان وزارة الداخلية العراقية ودعمها، واستهجان الميليشيات المسلحة التابعة لبقية الأحزاب المتنفذة في العراق.