نحو نظرية الدولة السنية الحديثة

د. مهند يوسف

مستشار مركز العراق الجديد

تطور الفكر السني المعاصر من نظرية الجماعة الى نظرية الدولة. سلسلة من المقالات مقدمة من مركز العراق الجديد للبحوث والدراسات.

 

2 – 4  علاقة تغيير الدولة ببناء هوية جديدة …

تاسیس الھویة السنیة ینحصر بین التاصیل الشرعي لھا والتاسیس الحضاري، الذي یتم بموجبه معرفةوبناء الشخصیة السنیة بكافة جوانبها .  والبحث عن ھذا التاسیس یستوجب طرح اسئلة، قبل البحثعن اجابات جاھزة، ذات قوالب یمكن تركیبھا واسقاطھا على الوضع الراھن.

فمن تلك الاسئلة ھل یمكن لمبادئ اھل السنة في الشرق الاسلامي من تاسیس مجتمع ودولة قائمة علىالمبادئ الاسلامیة ام على المبادئ الانسانیة العامة؟ وهل التجارب بین الامم الاسلامیة المعاصرة فيتعامل الدین مع الاخرین ممن یتخذون من المناھج المدنیة تحتاج الى اعادة النظر ام انھا اتخذت ابعادھاكافة لتكون بھذه الصورة؟ وهل تحول الفكرة الى مشروع یستوجب العودة الى التاریخ؟ وقبل ذلك يكون السؤال هل تغيير نظام الدولة معناه تغيير في الهوية؟

بناء الفرضيات حول الهوية المستقبلية لاهل السنة في العراق يجب ان تكون بحسب قواعد الصواب والنجاح والقوة والعدالة والرفاهية والاستمرارية التاريخية. وليس بحسب ما كان قديما لان تاريخنا الطويل ببساطة هو سلسلة مترابطة اثرت على مسارته عوامل محلية بامتياز اكثر مما كانت خارجية.

فطوال القرن الماضي كان هناك لبس لدى المفكرين والمؤرخين بين الوسائل والأهداف لدى الذين عاشوا وكانوا فاعلين على مستوى التاريخ ودخلوه بأعمالهم وبنتائج أفعالهم وبين صور المتغيرات التي تأسست على طول الفترة التاريخية الماضية.

فعلى المستوى الفكري والذي كان سائدا طوال القرن العشرين في منطقتنا على نحو واسع تركز التفكير نحو الحكم والقيادة نحو طريقة التغيير والتطور وصناعة الهوية، فكانت لدى البعض في إعادة الخلافة وبما تمثله من قوة الإسلام والتي ضاعت نتيجة مؤامرات الغرب وكما هو معروف كانت آخر خلافة إسلامية هي الخلافة العثمانية. بينما كان الآخرون يرون في عودة قوة القومية هي إحياء لهوية المجد القومي التقدمي من خلال عقائد محلية بامتياز مستفيدة من ارث طويل لعلوم وعادات طوال قرون طويلة .

ومنهم من اراد المزاوجة بين الهوية الاسلامية المعاصرة وبين الهوية الحضارية الغربية لميلاد وليد هجين يجمع بينهما لموازنة هذا التطور وبين تلك الأفكار، وأخرى كثيرة سادت هذه الفوضى العقلية، لتبحث من جديد عن هوية خالصة لها في مواجهة تلك التحديات الجديدة ولتبحث عن سبيل جديد يقودها الى النمو والمكانة المرموقة بين الأمم.

وبطبيعة الحال لا نقصد هنا ان ما آل إليه مصير منطقتنا المعاصر هو نتيجة لتلك الفوضى الفكرية ولا بالتأكيد هي محصلة لفكر غربي حازم ومقيد بأسس وقواعد خاصة منطقية ومرتبة بواقعية طوال القرن العشرين، ومن علاقات غير متكافئة بين قوى مستعمرة وبين قوى محلية مختلفة في الرؤى والوسائل والتفكير.

لكن تبرز اليوم ونؤكده في هذا المجال الاعتراف الكامل والحقيقي باننا حینما نتكلم عن جمھور الاسلام في العراق فنحن نعني اھل السنة  فيه فھم لیسوا طائفة وانما ھم جمھور المسلمین. لذلك توجب اختیار لغةالحوار والمبادرة بالتخطیط للعمل المستقبلي بغیة التكامل وضمن جداول زمنیة محددة وتحت مرتكزاتواضحة تعد كمشتركات مستقبلیة وتتلخص بالمصالح والثقافة والتنمیة تحدد رسم الاستراتیجیات المستقبلیة .وان تلك النظم هي نظم وطنية ومحلية بامتياز، رفعت شعار الوطنية والاستقلال رغم الأخطاء التي شابت المسيرة الحاكمة لعقود.

وهذه الميزة الوطنية كانت الركيزة السليمة في بناء المجتمع والدولة والتي تحت ظلها تم المحافظة على الأوطان بمساحتها المعروفة، واذا فقدت او استبدلت هذه السمة والميزة بسمات التطور والحداثة والعولمة او أية سمات أخرى فسوف يفقد المجتمع المحلي خواص ثباته واستقراره وحفاظه على خصوصيته. فالعولمة الثقافية أول ما تكون في فردية الأفراد بما تحملها من حرية وهذا ما كان مخالفا لمسارات تاريخ شعوب هذه المنطقة على طول تاريخها الطويل.

امر اخر متعلق بتغيير الهوية والذي هو احد الاسس التي تبنى عليه الهوية السنية الا وهو رموز هذه الهوية وابطالها. فعند البعض يكون الأبطال هم من يصنعون تاريخهم وتاريخ شعوبهم ولأجل ذلك يعمد المستعمر الداخلي والخارجي على طمس إنجازات هؤلاء بشكل متعمد والأساءة لهم ولذكراهم على مدى التاريخ المنظور، حيث استراتيجية تشويه الأعداء المتبعة واضحة بامتياز.

بعد ذلك ياتي التدليس على نظام الدولة، حيث يبدأ المحتل بالشروع في الاعلان فقط بالدعوة الى بناء الدولة الجديدة على أسس عصرية ومدنية كما يراها ويدعي ويصور للمجتمع والراي العام ان الدولة التي كانت قائمة قبل الغزو إنما هي دولة خارجة عن النظام الدولي بكافة المقاييس وعاجزة عن تلبية طموحات مجتمعها وتطلعاته وبالتالي فهناك ضرورة للغزو من اجل التغيير، حينذاك فان المجتمع المحلي البائس والمهزوم من تلك المعارك بكل طبقاته يصدق هذا التوجه والادعاء ومن بعد سيكون متبنيا لهذا الطرح.

المفارقة هنا ان المحتل ومن معه في هذا المشروع حينما يبدأون في بناء دولتهم العصرية هذه يواجهون سلسلة من التحديات الكثيرة تبدأ بالمستوى الإداري والقانوني والوظيفي والاجتماعي، ولذلك نراهم يعمدون في نهاية محاولاتهم الفاشلة طوال سنيين عديدة من المحاولات الى العودة الى القوانين التي كانت سارية المفعول قبل الاحتلال بعدما فشلوا في تطبيق قوانين المحتل او تجارب الأمم الأخرى وإسقاطها على هذا المجتمع المحلي.

ورغم ان هذه العودة الى القوانين السابقة وتشكيل الإدارات التجارية على نسق الإدارات السابقة فإننا نراهم رغم اعترافهم بذلك فإنهم يجدون ما يبرر لهم ذلك من إطلاق تسميات وحجج تبرر لمن حولهم فشلهم بالبناء كنجاحهم في التدمير. ولكي تستمر عملية التدمير للمجتمع بعدما دمرت إداراته يعمد المستعمر الى استخدام نصوص القوانين دون التأثر بروحها كي يبقى المجتمع أسرى نصوص لا تتطور بحسب قواعد التطور البشري السليم.

ربما كان اولئك الذين تصدوا للعمل العام وأرادوا ان يكونوا قادة لهذه المنطقة بشكل او بآخر من خلال تعاونهم مع المستعمر او من خلال الفساد بالرغم من إنهم لا يمتلكون الأهلية والمواصفات الشخصية والعلمية والتربوية لتبوئهم هذا المنصب او ذاك الا ان اعتماد المحتل عليهم يجعلهم مستمرين على أمل التغيير في المستقبل وهكذا تنتهي السنوات والعقود ويكون حال الدولة من سيء الى أسوأ.

وربما لم تتح الفرصة لعلماء الأمة ان يديروا شؤون بلادهم خلال الفترة الماضية ولكنهم بالتأكيد كان عجزهم هذا يعود عليهم بشكل مباشر خاصة حينما يتاح لهم بعض الفرص للتغيير ولكننا نراهم يعرضون عنها او يفشلون في تغيير واقعهم او من حولهم لان طغيان الجهل وسيف الباطل أمضى من مشاعل التطور التي يريد البعض من حملها.

 بعد احتلال بغداد 2003 عمل المستعمر والإدارات المحلية التي تشكلت معه واضطر الى العودة من جديد الى القوانين المحلية والتي كانت حاكمة ونافذة المفعول في البلاد قبل الاحتلال. اذ عجز المستعمر وبعد محاولات عديدة في اقرار وتطبيق قوانين بلاده او قوانين الدول الاخرى سواء كانت بريطانية او هندية او فارسية او غيرها في تطبيقها لإدارة البلاد كي يرسموا هوية جديدة لنظام الحكم في العراق، لكنهم عادوا مرغمين الى القوانين الوطنية المحلية من جديد لتطبيق ما يمكن له ضمان مصالحه في تسجيل الشركات والعلامات التجارية وحقوق الملكية وبما يؤمن موارده الداخلية في إعادة النظم في الضرائب والكمارك والتنظيم المالي للبنوك والمصارف وفي المؤسسات التجارية وغرف التجارة والصناعة والنفط وغيرها.

ولذلك فان التغيير الذي حصل في بلادنا بعد الاحتلال الامريكي لم يكن تحولا من التخلف عن النظام العالمي الى دولة عصرية متخصصة بقدر ما كان تغييرا واحتلالا بالقوة المسلحة لم تنوي البناء الجديد مع من كان معها من المحليين وانما رجعت بالجهل والفقر والفساد الى مستويات دنيا عن شعوب وأمم العالم المختلفة لأنها الضمانة الأكيدة لاستمرار مشروعها الاستعماري.

وبالتالي فان تمسك السكان السنة في العراق اليوم بهويتهم مع اختلاط الأصوات الكثیرة التي تناديبالفئویات الضیقة، ومع ظھور الإكراه السلوكي في الأقالیم التي تدعي الحریات، وتنادي بالدیمقراطیات،تبرز الحاجة إلى أسلوبٍ معاصر مرنٍ في إدارة الحیاة یستوعب المتغیرات ویتبنى منھجا إنسانیا لا قھرفيه ولا إكراه …..