مكاسب إيران من الأزمة الخليجية، وتداعياتها على الوضع العراقي

بقلم/ فاضل ياسين

مستشار مركز العراق الجديد

المقدمـــة:

تكاد أراء المتابعين والمحللين تتفق على حقيقة أن تطورات الأزمة في الخليج العربي المتمثلة بحصار قطر من قبل التحالف الرباعي الذي يضم (السعودية، الإمارات، البحرين ومصر) قد منحت إيران الكثير من المكاسب على الصعد السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، ويمكن استنتاج ذلك بسهولة ويسر، و(تلقفت إيران الهجمة الإعلامية على قطر منذ بدايتها في 24/5/2017، باعتبارها فرصةً لتقوية مواقفها في مواجهة السعودية، وبخاصة أنّها عدّت قمة الرياض موجّهة ضدها، كما رأت أنّ الأزمة الخليجية من إفرازات هذه القمة وزيارة ترامب السعودية. لذلك، بادر الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إلى الاتصال بأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني بتاريخ 27 أيار/ مايو 2017، تحدث فيه عن أهمية الحوار المتكافئ بين الدول المطلة على الخليج. ومع انتقال الهجمة من المستوى الإعلامي إلى المستوى الدبلوماسي وإغلاق الحدود مع قطر، أعرب اتحاد المصدّرين الزراعيين الإيرانيين عن استعداد إيران لتزويد قطر بالمواد الغذائية، بدلًا من التي كانت تصل إليها عن طريق الدول الخليجية، وبخاصة السعودية. وفي 11 حزيران/ يونيو 2017، أرسلت إيران إلى قطر خمس طائراتٍ تحمل أطنانًا من الخضروات والفواكه.)[1]. وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني قد اتصل يوم 25/5/2017 بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ليؤكد له ( بأن مطارات إيران ومجالاتها الجوية مفتوحة أمام الدوحة وأن إيران على استعداد لتوسيع علاقاتها الاقتصادية، وخاصة فيما يتعلق بالقطاع الخاص. كما أرسلت إيران عدة طائرات محملة بالأغذية إلى الإمارة الصغيرة. رغم أن المواطنين القطريين الأثرياء … ليسوا في خطر من ألا يتمكنوا من تحمل أسعار المواد الغذائية المكلفة التي تستورد بحرا وجوا، إلا أن ارتفاع أسعار البضائع الاستهلاكية قد يتسبب في موجة خروج بين بعض العمال الأجانب …)[2]

ومما لاشك فيه ان الاستجابة الإيرانية لهذا الحدث المفصلي الكبير جاءت في إطار البدائل المتاحة التي وضعت أمام صانع القرار الإيراني، ويمكن القول أن الموقف الرسمي الإيراني تجاه الأزمة استند على عدد من النقاط التي (ذكرها بيان وزارة الخارجية الإيرانية، ووصفها المتحدث الرسمي، بهرام قاسمي، بأنها تعد من الثوابت الإيرانية، وهي:[3]

1- أن التوتر في العلاقات بين دول الجوار في الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة والعالم لا يصب في صالح أي بلد أو شعب في المنطقة لاسيما أن المنطقة تعاني من أزمات خلَّفها الإرهاب والتطرف فضلًا عن احتلال فلسطين على يد الكيان الصهيوني، فالتوتر يهدد مصالح الجميع من دون استثناء.

2- تطالب الجمهورية الإسلامية الإيرانية دول الجوار بأخذ العبرة من التجارب المرة التي مرَّت على المنطقة، وذلك بالابتعاد عن العواطف وتحكيم العقلانية والمنطق، وضبط النفس إلى أبعد الحدود، في سبيل تقليل حدَّة الصراع والحركة باتجاه تهدئة الأوضاع.

3- أن سبيل حلِّ الاختلافات بين بلدان المنطقة، ومن بينها الاختلافات الراهنة بين البلدان الثلاثة وقطر، لا تتأتَّى إلا عبر الطرق السياسية والسلمية والحوار الشفاف والصريح .

4- أن استخدام العقوبات كأداة في عالم اليوم، رغم عدم جدواها، مذموم ومنبوذ وغير مقبول.

5- أن السيادة الوطنية ووحدة أراضي الحكومات المستقلة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية واحترام الحدود المعترف بها دوليا، تعد أصولًا أساسية وجوهرية في الحقوق والعلاقات الدولية وعلى جميع الأطراف احترامها.)

وفي المجمل فقد جاءت خطوات إيران في استجابتها للحدث الخليجي متسمة بالهدوء والاتزان، واختارت أن تمد يد العون لقطر بدون أية دعاية سياسية، وربما يكون ذلك بطلب قطري. خاصة بعدما تأكد لديها أنها أمام شرخ خليجي كبير كانت تتوقعه وتنظره منذ سنوات، ليشكل ضربة في الصميم للدعاية المعادية لها المستندة إلى عامل وحدة الصف الخليجي، وأنها أمام فرصة حقيقية لابد من استثمارها إلى أبعد حد ممكن.

 ولا جدال في أن (ما يحدث في الخليج وما بين دوله امر خطير ومثير للقلق. فلم يسبق ان وصلت العلاقات ما بين دول مجلس التعاون الخليجي الى هذا المستوى من التنافر والتباعد والحدة المتصاعدة)[4] ، بالرغم من الكثير من الجهود الإيرانية السابقة لتفتيت الجبهة العربية الخليجية المعادية لها منذ إعلان تأسيس مجلس التعاون عام 1981. مرورا بأحداث الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988) ومن ثم احتلال العراق عام 2003 وانتهاءً بالقمة الأميركية الخليجية التي سبقت الأزمة الراهنة. (ان ما يحدث والخشية من تصعيدات أكبر ودخول اطراف خارجية منتفعة من هذا التوتر لابد وان يذكرنا بحوادث وتوترات نتجت عنها حروب لم يدفع ثمنها الا المواطن العربي ناهيك عن تبديد الثروات العربية على شراء الولاءات والسلاح وبعد ذلك تكاليف اعادة بناء ما دمرته هذه الحروب.)[5]

 

 

هل أن الأزمة الخليجية تستهدف إيران؟:

أشارت تقارير عديدة إلى أن الأزمة القطرية – انما تستهدف قطر في الظاهر – لكنها  تستهدف تركيا في نهاية المطاف-، وهو أمر أدركته إيران، بل ربما هي من بين أطراف عديدة عملت على وقوع الخلاف بين تحالف الدول الأربع من جهة وتركيا وحليفتها الخليجية من جانب آخر. في وقت لم تتأثر فيه المصالح الإيرانية في دول الخليج، فعلى سبيل المثال(يعيش في الإمارات .. قرابة 800 ألف إيراني؛ يمتلكون أكثر من 400 مؤسسة كبرى ما بين بنوك وشركات ومؤسسات. أما ترامب الذي دعا لعزل إيران، فإنه، وفور عودته للولايات المتحدة الأمريكية، فقد وقع على سلسلة عقود مع إيران بقيمة 22 مليار دولار تقضي بتزويدها بطائرات بوينغ وقطع غيار. إذا، ليست الحرب على إيران ولا مقاطعتها هما السبب في الأزمة الخليجية المفتعلة، رغم محاولة دول الحصار الإيحاء بذلك من خلال مطالبتهم قطر بقطع أو تخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إيران.)[6] ثم جاء الدليل القاطع الذي لا دليل بعده وهو موافقة ترامب على تمديد العمل بالاتفاق النووي مع إيران بالرغم من كل التصريحات والتغريدات الهجومية التي أطلقها على وسائل التواصل الاجتماعية. علما  (أن العقوبات الأمريكية مفروضة على إيران منذ أكثر من ثلاثين عاماً ولم تزد إيران إلا قوة وإصراراً على تنفيذ سياساتها ومشاريعها العسكرية والنووية. وقد لاحظنا أن إيران طورت مشروعها النووي وهي تحت العقوبات الأمريكية، فكيف إذاً ستؤثر فيها عقوبات ترامب الجديدة الكوميدية …؟. كما أن إيران في هذه الأثناء تمكنت من فتح ممر تاريخي يربط طهران ببغداد بدمشق ببيروت بمباركة أمريكية؟ ومن سلم العراق على طبق من ذهب للإيرانيين لا يمكن أن يقف في وجه تمددهم إلى سوريا والوصول إلى البحر المتوسط… فلو لم تكن أمريكا راضية على المشروع الإيراني بالوصول إلى المتوسط لحرقت طائراتها خلال ساعات كل القوات الإيرانية والعراقية والسورية التي كانت تحاول فتح المعابر السورية أمام الخط الإيراني إلى دمشق وبيروت من عدة نقاط سورية… كما أن السعودية اتفقت مع الإيرانيين على استقبال الحجاج الإيرانيين في مكة بالترحاب، بينما راحت تضيق على الحجاج والمعتمرين القطريين.)[7]، بعد ذلك لا داعي للعجب من وضع الارتياح الإيراني من تطورات الوضع الإقليمي الخليجي.

تداعيات الأزمة الخليجية في الوضع العراقي:

إن انفجار الأزمة واستمراريتها له تداعيات تتعدى نطاق الدول المنغمسة فيه لتطال ملفات عديدة كالاتفاق النووي الإيراني والوضع في سوريا والوضع في العراق، وغيرها. وإيران بما تمتلكه من خبرة واسعة وممتدة في شؤون الخليج مدركة للكثير من خفايا الأزمة الخليجية، وهي تعلم أن الولايات المتحدة تسعى من ضمن ما تسعى إليه إلى استنزاف دول المنطقة عموما ومنها استنزاف إيران ولي ذراعها في العديد من القضايا الساخنة، ولذلك هي تدرك أن الأمريكان غير جادين بطرح حلول واقعية لاحتواء الأزمة وانهائها، إذ أن (وزارة الخارجية الأمريكية، التي كان يكفيها أن يصدر أي مسؤول فيها تعليماته وأوامره لدول الحصار وستنتهي الأزمة وتعود مياه الخليج لمجاريها، لكن تصريحاتها المتناقضة والفضفاضة في كثير من الأحيان، تذكرنا بتصريحات أمريكية مشابهة، صدرت في بداية الثورة السورية السلمية، التي أرادوا لها أن تتحول إلى مستنقع يستنزف الجميع وبشكل لا أخلاقي، أسهم في تعميق معاناة الشعب السوري، ليجعل منها مأساة القرن.)[8]

مما لاشك فيه أن المكاسب الاستراتيجية الإيرانية في العراق من الضخامة والأهمية بحيث لا يمكن لإيران إلا أن تصارع من أجلها في نطاقات عديدة، ومنها النطاق الخليجي، ومن المؤكد أن إيران ولأعوام مضت كانت ( تستغل الفرص لتوسيع نطاق تأثيرها الإقليمي، وقد وجدت طرقاً عديدة، من لبنان إلى سورية والعراق (وغيرها)، لترسيخ وجود طويل الأمد في الدول العربية المجاورة، مستفيدة لتحقيق ذلك من القوى المحركة المحلية داخل هذه الدول. ففي لبنان والعراق، استثمرت إلى أبعد مدى المنافسة الداخلية بين القادة السياسيين المنتمين إلى طوائف ومكونات مختلفة، إذ يضع كل منهم مصلحته الشخصية، إلى جانب مصلحة مجتمعه الطائفي، قبل المصلحة الوطنية، وهو ما أفرز بالمحصلة استدامة وجود دولة ضعيفة في هذين البلدين، وبالتالي جعلهما أكثر عرضة للتدخل الأجنبي من دولٍ مثل إيران.)[9]، خصوصا في ظل انشغال القوى الإقليمية والدولية في صراعات لأخرى على شاكلة الأزمة الخليجية الراهنة.

إن ابعاد الأطراف الخليجية أو في الأقل اضعاف قدراتها على التأثير في الشأن العراقي، إنما هو هدف إيراني دائم، سواء عن طريق اشغالها بخلافاتها البينية، أو الانكفاء في الداخل أو التأثير في علاقاتها مع القوى الدولية المختلفة. إن إدامة الضغط والتأثير الإيراني في الشأن العراقي، يمكنها من ضمان استمرارية تحكمها بتوجهات الدولة العراقية في ما يسمى مرحلة ما بعد داعش ولسنوات قادمة، لاسيما عبر التأثير في نتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة، والسؤال هنا سيكون عن حجم الجهد التي ستبذله إيران لمحاولة تعزيز حلفائها المحليين في العملية السياسية العراقية.

ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن بعض المحللين يشددون على (… أن فترة شهر العسل الذي تقضيه إيران في العالم العربي تقترب من نهايتها، ولكن من غير المرجح أن يكون رد فعل هذه الإمبراطورية السابقة الطموحة هو مجرد الاستسلام.)[10] وستكون من بين المناطق الرئيسية المرشحة لتشهد ارتدادات وردود الفعل الإيرانية هي الساحة العراقية، وتحديدا المناطق العربية السنية. بهدف إرباك أوضاع المنطقة، وإعادة ترتيبها بالشكل الذي يمكنها من إدامة زخم حملتها ( لتأمين طريق إلى البحر المتوسط لتسريع العمل الذي بدأته شركاتها لشق طريق التفافية وراء الموصل إلى الحدود لربطها بالطريق إلى دمشق، بعد أن نجح تكتيك ميليشياتها عندما التفت على المنطقة التي تعتبرها واشنطن ضمن «الخطوط الحمر»، ووصلت إلى الحدود..)[11]

من الجوانب التي خدمت إيران، هو ظهور عجز دول الحصار (بإمكانياتها الكبيرة) في مختلف المجالات عن فرض إرادتها على دولة صغيرة بحجم قطر، بل وأن تنجح قطر بالتلاعب بالدول الأربع، في وقت سعت تلك الدول لتكون فيه بمثابة ( تحالف لأصحاب الإرادة والعزم بين الدول العربية التي تلعب دوراً رئيسياً في إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة، وتحقيق الأمن الإقليمي فيها.)[12] وبالتالي أحبطت الكثير من الآمال التي بنيت عليها لتحقيق تغيرات جذرية في المشهد الجيواستراتيجي الإقليمي، ومنها قيامها بتعديل الوضع القائم في العراق.

إن إيران تسعى بكل ما أوتيت من قوة لتعزيز هيمنتها على العراق ككل بعربه وكرده وبسنته وشيعته، ولكن تظل المحافظات والمدن العربية السنية هدفا استراتيجيا للأدوات الإيرانية العلنية والخفية الرسمية وغير الرسمية، لما تمثله من تهديدات بعضها قائم وبعضها محتمل للأمن القومي الإيراني. ويمكن اجمال أبرز التداعيات التي ألقتها الأزمة الخليجية وإفرازاتها على تلك المحافظات والمدن بما يأتي:

1- إن تشتت وتضارب المواقف الخليجية مقارنة بالمواقف الإيرانية الثابتة نسبيا، يعد نصرا معنويا لحلفاء إيران مقابل انتكاسة نفسية ومعنوية، وصلت إلى حد اليأس من امكانية تقديم العون الإقليمي العربي للنهوض بواقعها وإعادة اعمارها.

2- وضعت الأزمة الحلفاء الإقليميين للعرب السنة بعضهم بوجه بعض، وهو موقف خطير قد يؤدي تفاقمه إلى صراع مسلح بين الطرفين، مما يعني في النهاية خسارة أي دعم من الطرفين، يؤدي في نهاية المطاف إلى بلقنة قضية العرب السنة في العراق.

3- أحرجت الأزمة العرب السنة، إذ أن كل أطراف الأزمة تطالبهم بتأييد مواقفها والإعلان عن مواقف صريحة تدين الطرف الآخر، وبالتالي فأينما مالوا فثمة خسارة كبيرة تنتظرهم، ولذلك جاءت مواقفهم مائعة وغير مؤثرة.

4- جاءت الأزمة متزامنة مع عمليات تحرير الموصل، التي شهدت كوارث إنسانية هائلة، كانت تقتضي تسليط الضوء عليها، ومساءلة مرتكبيها، ومن بين هؤلاء العديد من حلفاء إيران المعروفين على الساحة العراقية.

الاستنتاجات:

تأسيسا على ما ذكر أعلاه من معطيات واحتمالات يمكن القول أننا في هذه المرحلة الحساسة من الصراع الإقليمي ( أمام انتصار إيران وهزيمة خليجية مهما كانت الدوافع والمناورات. لقد ظن العالم أن الحرب بين أمريكا وإيران ستندلع فور مغادرة ترامب السعودية، لكن الواضح أن ترامب صوّب مدافعه باتجاه إيران، وأعطى الأوامر بإطلاق النار باتجاه قطر، وأشغل الخليجيين ببعضهم البعض كي تنام إيران قريرة العين وتتغلغل أكثر في المنطقة.)[13]

وبقدر تعلق الأمر بالأزمة الخليجية فإن إيران تنتظر الحصول ( على أكبر مكاسب ممكنة من الأزمة الخليجية، اقتصاديًا وسياسيًا؛ إذ ستصبح السوق القطرية التي تستورد ما قيمته أربعة مليارات دولار من المواد الغذائية سنويًا منفذًا مهمًا لتصدير المنتجات الغذائية والبضائع الإيرانية الأخرى، خصوصا في ضوء القرب الجغرافي بين البلدين، وهو ما سيرفع حجم التبادل التجاري بين إيران وقطر، الذي لا تتجاوز قيمته حاليًا 300 مليون دولار. إضافة إلى ذلك، وبعد سنواتٍ من التوتر، سوف تطمح إيران إلى “التنسيق” مع قطر في ملفات إقليمية عديدة، لمواجهة السياسة الخارجية السعودية التي باتت تستهدف البلدين معًا.)[14]

ستؤدي الأزمة على المدى البعيد إلى تعزيز التنسيق الثنائي القطري- الإيراني في مجال استثمارات الغاز في الخليج، وهنا يشير ( وليام اينغداهل الامريكي، المختص بشؤون البترول والجغرافيا السياسية، في مجلة نيو ايسترن آوت لوك إلى أنه لا علاقة للخلاف في الخليج بالإرهاب بل له كل العلاقة بمن سيسيطر على اكبر حقل للغاز في العالم و من الذي سيهيمن على تسويقه في العالم … اذن اننا الآن في فجر حروب الغاز الطبيعي.)[15]

وخلصت العديد من التحليلات السياسية إلى أن قطر إذا ما طردت من مجلس التعاون الخليجي، كما يشاع، فسيقربها هذا من إيران، وهذه النتيجة لن تخدم أحدا إلا إيران[16] . ولعل من أبرز الهواجس الأمريكية الناشئة عن الأزمة الخليجية هو (الإخلال بالتوازن في المنطقة في سياق محاولات احتواء إيران .. إذا ما استمر الانقسام الخليجي. وتخشى واشنطن من أنه إذا استمر جيران قطر الخليجيون في عزلها، فإنها قد تلجأ إلى تعزيز علاقاتها بإيران.)[17]

 ومن جانب آخر فإننا (إذا صدقنا الرواية السعودية بأن العلاقات القطرية الإيرانية كانت أحد الأسباب الرئيسة للأزمة؛ فأولى دلالات عدم تجاوب الدول العربية والإسلامية مع طلبات المحور السعودي بالالتحاق بحملتها ضد قطر ما عدا دولا معدودة جدا، هي أن ذلك يعني فشلا ذريعا للسياسة السعودية في مواجهة إيران.)[18]

في هذا الوقت الذي يتصاعد فيه التنافس الجيوسياسي بين إيران ودول الخليج … فإن استمرار الوتيرة الحالية للأزمة الخليجي، سيفاقم المنافسة الخليجية البينية وبما يفضي في النهاية إلى تحطيم مجلس التعاون الخليجي ككيان متماسك ومؤثر، وشل قدرته على مواجهة تحديات أمنية وشيكة قد تشهدها المنطقة، بما فيها التوسع الإيراني والتطرف والإرهاب[19].

من المؤكد أن التقارب الكبير بين قطر وإيران مع هذا الفارق الكبير جداً بين الدولتين في القدرات والإمكانات ستكون له تداعيات كبيرة جداً على مستقبل شعب ودولة قطر سياسياً واقتصادياً وأمنياً وثقافياً.

ومن النتائج الأخرى التي أفرزتها الأزمة، ضعف ثقة قوى النظام الدولي بالأطراف الإقليمية الخليجية، خاصة بعدما ظهر كيفية انسياق أطرافها نحو تسقيط بعضهم البعض، وبأساليب لا تنم عن أي مظاهر تجمع بين دول حليفة حتى وقت الأزمة،  ونقلا عن مسؤول دبلوماسي غربي معني بمتابعة تطورات الأزمة الخليجية فإن (الدول الغربية ومعها الإدارة الأمريكية في حالة “دهشة حقيقية” بسبب كم ونوع المعلومات الاستخبارية التي تقدم لها لإثبات كل الدول أطراف الأزمة في الخليج المشاركة في دعم وتمويل نشاطات او جماعات إرهابية…  بل هم أمام ”صدمة حقيقية” من حجم المعلومات الاستخبارية التي قدمها الخليجيون ضد بعضهم البعض … ويبدو ان الأمر يتعلق بملفات ومعلومات قدمها الإماراتيون لإثبات وجهة نظرهم بشأن مساندة قطر للإرهاب والعكس. وطالت هذه المعلومات أزمات ومحطات اقليمية مثيرة ومهمة تخص مصر وليبيا والسودان واليمن وسورية.)[20] كما ولا يستبعد أن يكون من ضمنها العراق.

ظهرت دول الأزمة جميعا بمظهر غير المكترث بثروات شعوبها من خلال الانسياق وراء رغباتها باستخدام الصفقات التجارية مقابل الحصول على مواقف دولية مؤيدة من هذا الطرف الطولي أو ذلك، (فلولا اعتقاد دولةٍ صغيرةٍ، جغرافياً وتاريخياً وبشرياً، بأن النظام الدولي يمر باضطرابٍ وفوضى، وأنه يمكن شراء ولاءات بعض دوله، كما حدث في الأزمة الحالية، وذلك من أجل كسب تأييدها أو على الأقل تحييدها. وقد رأينا جميع أطراف الأزمة منهمكين في جذب هذا الطرف أو ذاك لصالحها، مستفيدة في ذلك من حالة التشابك والتعقيد التي تؤطر العلاقات الدولية منذ عقود.)[21]، إن هذا الواقع يشير إلى حقيقة جوهرية وهي أن هذه الدول التي جعلت من نطاق إدراكها لأمنها القومي معني أساسا بأمن الأسر الحاكمة، لا يتوقع منها أن تتسع مداركها لكي تصل إلى اعتبار ما يحدث في العراق أو على الأقل في بعض مناطقه يدخل ضمن ذلك النطاق، وهو ما سيجعلها تركن إلى سياسات المهادنة مع أدوات إيران فيها، ما يعني بالنتيجة القبول بحقيقة الهيمنة الإيرانية على الشأن العراقي.

 (ومع عدم وجود ما يشير إلى أن حكومة قطر لديها أي خطط للرضوخ لمطالب دول الحصار، فهذا يعني بالمحصلة أن كل ما ستنجزه دول الحصار هو أنها ستقوي نفوذ إيران في الخليج؟)[22]

 (ونظرا لأن إيران وروسيا تمكنتا تقريبا من كسب الحرب الأهلية السورية، بينما انهزمت المجموعات التي تدعمها قطر وألجئت إلى الاحتماء بجيوب قاصية في الأرياف، فإن بإمكان إيران الآن أن تمارس دور اللاعب الشهم والنبيل. فهي الآن تسعى لتجاوز خلافاتها مع كل من قطر وتركيا (وهذه الأخيرة كانت هي الأخرى تدعم مجموعات من الثوار السنة حلت بهم الآن الهزائم– سواء كانت أصولية أم ليبرالية.) والآن، تخوض روسيا وإيران مفاوضات مع الثوار السوريين في أستانا، في كازاخستان، تشارك فيها بشكل فعال كل من تركيا وقطر.)[23]

خاتمـــــــــة:

من الطبيعي أن يجد ( النظام السياسي الإيراني في الأزمة الخليجية الفرصة المتاحة المناسبة لاختراق أمن دول مجلس التعاون وفي نفس الوقت لإضعاف الأمن القومي العربي.. وتوظيفها لخدمة مصالح الدولة الإيرانية وزيادة نفوذها الإقليمي..)[24]

أن ما حدث في الخليج يخدم التوجهات الإيرانية في أكثر من اتجاه، ومن ذلك «تحالف آستانة» – روسيا وإيران وتركيا – (الذي هو في حقيقته لم يكن معبراً عن تحالف لإيقاف نزف الدم في سوريا، بقدر ما كان تمهيداً دبلوماسياً لتقرير المصير السوري الذي بدوره سيكون بفعل الجغرافيا محدداً أيضاً للمصير في العراق ولبنان.)[25]، وجانب مهم من توجهات تحالف آستانة يمس مناطق العراق الغربية، ولن تجد الحكومة العراقية بداً من التفاعل معها، كما لن يجد أبناء العرب السنة بُداً من التعامل معها.

//////////

الهوامش:

[1]  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، المواقف الدولية بشأن الأزمة في الخليج… إجماع على الحل السلمي وتضارب أميركي، صحيفة (العربي الجديد) اللندنية / 16 حزيران- يونيو 2017، http://cutt.us/SwCDR

[2]  جوان كول، هل ستؤدي مقاطعة السعودية لقطر إلى دفعها لأحضان إيران؟، صحيفة (عربي 21) / 30 حزيران- يونيو 2017،  http://cutt.us/OwfmT

[3]  د. فاطمة الصمادي، كيف قرأت إيران الأزمة مع قطر؟، الوحدة الخليجية أصبحت من الماضي، مركز الجزيرة للدراسات، قطر، الدوحة، 8/6/2017، http://cutt.us/Affpf

[4]  سعد ناجي جواد، أزمة قطر وفضيحة الاعلام وبعض المثقفين العرب، صحيفة (رأي اليوم) اللندنية / 24 حزيران- يونيو 2017، http://cutt.us/LQ8pI

[5]  سعد ناجي جواد، أزمة قطر وفضيحة الاعلام وبعض المثقفين العرب، صحيفة (رأي اليوم) اللندنية / 24 حزيران- يونيو 2017، http://cutt.us/LQ8pI

[6]  خليل المقداد، الأسباب السبعة لأزمة الخليج والتصعيد ضد قطر، صحيفة (عربي 21) / 11 تموز- يوليو 2017،   http://cutt.us/4anFb

[7]  د. فيصل القاسم، الطبل في إيران والعرس في قطر، صحيفة (القدس العربي) اللندنية / 22 تموز- يوليو 2017،  http://cutt.us/2AYGB

[8]  أنظر خليل المقداد، الأسباب السبعة لأزمة الخليج والتصعيد ضد قطر، صحيفة (عربي 21) / 11 تموز- يوليو 2017،   http://cutt.us/4anFb

[9]  أنظر لينا الخطيب، شهر العسل الإيراني على وشك نهاية غير سلسة، صحيفة (الحياة) اللندنية / 6 تموز- يوليو 2017،   http://cutt.us/pAsso

[10] لينا الخطيب، شهر العسل الإيراني على وشك نهاية غير سلسة، صحيفة (الحياة) اللندنية / 6 تموز- يوليو 2017،   http://cutt.us/pAsso

[11] د. وحيد عبد المجيد، طريق إيران إلى البحر المتوسط، صحيفة (الاتحاد) الإماراتية / 28 حزيران- يونيو 2017، http://cutt.us/EBJPF

[12] د. عبد المنعم سعيد، في فنون بناء التحالف، صحيفة (الشرق الاوسط) اللندنية/ العدد: 14106 / 12 تموز- يوليو 2017، http://cutt.us/6QUNr

[13] د. فيصل القاسم، الطبل في إيران والعرس في قطر، صحيفة (القدس العربي) اللندنية / 22 تموز- يوليو 2017،  http://cutt.us/2AYGB

[14] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، المواقف الدولية بشأن الأزمة في الخليج… إجماع على الحل السلمي وتضارب أميركي، صحيفة (العربي الجديد) اللندنية / 16 حزيران- يونيو 2017، http://cutt.us/SwCDR

[15] أنظر أ. د. كمال مجيد، انتقال الحرب من سوريا الى الخليج، صحيفة (رأي اليوم) اللندنية / 12 تموز- يوليو 2017، http://cutt.us/79sdr

[16] أنظر إيران وتنظيم الدولة يستفيدان من الأزمة الخليجية، موقع (الجزيرة. نت) / 3 تموز- يوليو 2017، http://cutt.us/UmrQr

[17] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فوضى الموقف الأميركي وتداعياته المحتملة على الأزمة الخليجية، صحيفة (العربي الجديد) اللندنية / 20 حزيران- يونيو 2017، http://cutt.us/U887D

[18] صابر كُلْ عنبري، إيران والأزمة الخليجية، موقع (الجزيرة. نت) / 11 تموز- يوليو 2017، http://cutt.us/7WLtt

[19] أنظر مراد يشلتاش، من أجل فهم الاستراتيجية التركية تجاه أزمة الخليج الجديدة، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، قطر، 19/6/2017، ص 6.  http://cutt.us/MsZP7

[20] أنظر صدمة ودهشة في اوساط غربية بسبب “كم ونوع المعلومات الاستخبارية  التي كشفها الخليجيون “نكاية ببعضهم”، صحيفة (رأي اليوم) اللندنية/ 19 تموزيوليو 2017  ،http://cutt.us/mnqXO

[21] خليل العناني، منطقة الخليج وفوضى النظام الدولي، صحيفة (العربي الجديد) اللندنية / 17 تموز- يوليو 2017، http://cutt.us/IuZG5

[22] أنظر جوان كول، هل ستؤدي مقاطعة السعودية لقطر إلى دفعها لأحضان إيران؟، صحيفة (عربي 21) / 30 حزيران- يونيو 2017،  http://cutt.us/OwfmT

[23] جوان كول، هل ستؤدي مقاطعة السعودية لقطر إلى دفعها لأحضان إيران؟، صحيفة (عربي 21) / 30 حزيران- يونيو 2017،  http://cutt.us/OwfmT

[24] أنظر د. إبراهيم بن محمود النحاس، قادة قطر أداة لخدمة السياسات الإيرانية الهدامة، صحيفة (الرياض) السعودية / 12 تموز- يوليو 2017، http://cutt.us/s2TjV

[25]  د. عبد المنعم سعيد، في فنون بناء التحالف، صحيفة (الشرق الاوسط) اللندنية/ العدد: 14106 / 12 تموز- يوليو 2017، http://cutt.us/6QUNr

//////////////