المرجعية الشيعية في النجف ومفارقة اخرى

فضيلة الشيخ حسين المؤيد

بعد أربعة عشر عاما من الخراب و الشقاء و المآسي الكارثية في العراق ، و بعد تدمير الحجر و البشر و القيم و تمزيق النسيج المجتمعي العراقي ، و بعد الويلات التي حلت بالعراق و العراقيين بفعل الطائفية التي هيمنت على الساحة جراء سيطرة القوى الدينية و السياسية الشيعية لا سيما تلك المرتبطة بإيران ، و بعد المعاناة القاسية التي اكتوى بنارها أهل السنة و الجماعة في العراق ، تطل علينا ما يسمى بالمرجعية الدينية ( الشيعية ) و على لسان ممثلها الرسمي المدعو عبد المهدي الكربلائي ليقول باسمها و في خطبة الجمعة إن التعايش السلمي ضرورة يفرضها الواقع و أنه لا بد من التعامل مع التعددية الموجودة في البلد بعدالة تامة و أن الجدل و إثبات الرأي يجب أن لا يمس احترام الآخر و أن لا يخل بالتعايش السلمي .
من المؤكد – و ليس عندي شك في ذلك – أن هذا الكلام لم يطلق الآن بدافع موضوعي و عن رؤية ذات مصداقية ، فهذه المرجعية الفاسدة المفسدة كانت و لا تزال من أهم أسباب ما جرى في العراق من فتن و خراب و مآسي بما يجعلها مجرمة بحق العراق و شعبه و يفرض محاكمتها لتنال جزاءها العادل ، و إنما أطلقت هذه المرجعية هذا التصريح من باب رفع العتب و تحسين صورتها القبيحة و التماس الذريعة و العذر و تبرئة نفسها من الجنايات التي كانت من أهم أسبابها.
ربما تحسب هذه المرجعية المغرورة أنها تستطيع تحقيق هذه المرامي ببضع كلمات يطلقها ممثلها الرسمي و ينتهي كل شيء ، و فاتها أن شريحة الوعي و الرصد في الشعب العراقي هي شريحة واسعة و أن التاريخ سجل حافل بالوقائع و الحقائق ، و أن الإنسان العراقي كما يقولون في العراق ( مفتح باللبن ) .
علمابأن هذا الخطاب تطلقه المرجعية في الوقت الذي تستمر فيه الممارسات الشيعية المخلة بالتعايش السلمي و على مختلف الأصعدة ، و يتم إطلاقه بعمومية خالية من أية ضمانات تنفيذية و كأنه مجرد نصيحة وعظية و ليس على غرار الفتاوى و التعليمات الطائفية التي أصدرتها هذه المرجعية بصفة إلزامية .
هل الآن أصبح التعايش السلمي ضرورة يفرضها الواقع ؟ و هل الآن وجب التعامل مع التعددية الموجودة في العراق بعدالة تامة ؟ و هل الآن أصبح واجبا احترام الآخر و عدم المساس بمقدساته؟ لماذا لم يكن التعايش السلمي ضرورة قبل ذلك ؟ و لماذا لم يكن نهجا تفرضه هذه المرجعية على أتباعها و على القوى التي سيطرت على الساحة في العراق بفعل تمكين المحتل الذي كان لهذه المرجعية دور كبير في تسليطه على الرقاب بفعل اختيارها لمسالمته و رفضها مقاومته و تبرير ذلك بما سمته المواجهة السلمية التي كانت تعني التعايش السلمي مع الإحتلال ، بل هي اختارت التعايش السلمي معه في الوقت الذي انقلب المكوّن الشيعي في ظل تعليماتها على قواعد التعايش التي كانت سائدة بين مكونات الشعب العراقي قبل الإحتلال ضاربة بجذورها أعماق التاريخ .
أين كانت هذه المرجعية عن ضرورة التعايش السلمي حينما ضربت مبدأ المواطنة عرض الحائط و فرضت مبدأ المحاصصة ؟ أين كانت هذه المرجعية عن التعامل مع التعددية بعدالة تامة حين شهد العراق ظاهرة إقصاء السنة و تهميشهم ؟ و أين كانت هذه المرجعية عن تلكم المعاني حين كانت مساجد أهل السنة تُحتل أو يتم تخريبها أو الإعتداء عليها؟ أين كانت هذه المرجعية عن تطبيق العدالة التامة مع سجناء و سجينات أهل السنة و من يذهب ضحية المخبر السري و من يتعرض للخطف و الإبتزاز ؟ أين كانت هذه المرجعية حين اعتصم أهل السنة سلميا مطالبين بالحد الأدنى من حقوق المواطنة فلم يُستجَب لهم و هوجموا بالسلاح و نالهم من القتل و الإعتقال و الفتك ما نالهم ؟ و أين كانت هذه المرجعية من جرائم الميليشيات و العصابات الشيعية التي أهلكت الحرث و النسل ؟ و أين كانت هذه المرجعية من الخطاب الطائفي الشيعي و ما يتضمنه من سب لصحابة النبي صلى الله عليه و سلم و أمهات المؤمنين و طعن علني في قصائد اللطم في المناسبات الشيعية و في المواكب و المنابر و المسيرات التي تجوب شوارع المناطق السنية و الكتب التي تطبع أو توزع تهاجم مقدسات السنة و تستفز مشاعرهم ؟ و هل من العدل الفتك بالسنة بذريعة داعش ؟ أو فتح الحسينيات و المقار الشيعية في المناطق السنية التي لا وجود فيها للشيعة ؟و هل من التعايش السلمي إطلاق عنان ميليشيات باسم الحشد الشعبي تصب حقدها الشيعي على أهل السنة ؟ و هل من العدل منع النازحين من الرجوع الى مناطقهم و بيوتهم و محالهم في جرف الصخر و غيرها ؟ إن القائمة طويلة و طويلة جدا و ذات تفاصيل تستوعب مئات المجلدات سيأتي الْيَوْمَ الذي تفتح فيه . لكنني أقول لهذه المرجعية لم يَعُد العراق يطيق تدخلك بل حتى وجودك فيه ، و لن يسمح العراقيون بأن يتحكم فيهم شخص مجهول يعبر الحدود من بلاد فارس لتتم صناعته على عين الغرب فيدعمونه ليلعب باسم الدين أدوارا تعود على العراق بالوبال و يتحكم بمصير أهل البلدالأحرار الأصلاء.
على شيعة العراق أن يدركوا أن حريتهم في الرجوع في الفتوى الفقهية في شؤونهم الفردية الى مرجعية أجنبية لا تسوِّغ لهم و لا لها التدخل في الحياة السياسية للعراق لأن هذا الشأن يرتبط موضوعيا بالإنتماء الوطني و السيادة و الإستقلال و هو الشيء السائد في كل دول العالم طبق المعايير السياسية و القانونية و أن الزعامة على البلد لا يفرضها مكوّن مستقويا بالعامل الدولي و الإقليمي و إنما تنشأ من عقد إجتماعي في داخل الإطار الوطني للدولة و الشعب .