إعمار المحافظات السنية بين الاستحقاق الناجز وافلاس الخزينة

د. سامي الجنابي

مستشار في مركز العراق الجديد

بعد الانتهاء من معركة الموصل يتجلى التحدي الأكبر أمام الحكومة العراقية ناجزا لايحتمل التأخير ،الا وهو اعادة اعمار المدن التي شهدت المواجهات والمعارك الطاحنة التي دمرت المساكن والمحلات والبنى التحتية .

الخزينة العراقية تكاد تكون فارغة جراء عمليات القتال في السنين الماضية ،والتي استهلكت أمولاً ضخمة في شراء المعدات القتالية والذخائر والأسلحة ، والرواتب الباهضة التي تدفعها للمقاتلين من القوات المسلحة النظامية وكذلك قوات الحشد الشعبي.

وفي دراسة لمعهد كارينج : كشفت موازنة 2017، التي أقرها البرلمان مؤخراً، عن عجز يوازي 18 بليون دولار. وفي نيسان/أبريل توقّع البنك الدولي أن يشكل العجز حوالى 14.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العراقي. علاوةً على ذلك، تساهم عمليات الاقتراض أو المساعدات المالية في تمويل 22 في المئة من الإنفاق العام. كما تُخصّص 25 في المئة تقريباً من النفقات للأنشطة العسكرية، منها تمويل قوات الحشد الشعبي. كما تدور خلافات بين السياسيين السنّة والشيعة والأكراد حول حصة كل مجموعة مسلّحة من هذه الأموال (1).

ومن ناحية اخرى  تعاني الحكومة العراقية من مديونية ضخمة جراء الفساد المالي والاداري وانعدام التخطيط العلمي والمهني الناتج عن الخبرة والتخصص في ادارة المال. ففي ندوة أقامها معهد التقدم للسياسات الإنمائية، الذي يشرف عليه النائب و وزير التخطيط السابق مهدي الحافظ، في العاصمة بغداد مؤخراً، وحضرها خبراء ومتخصصون في الشؤون المالية والاقتصادية، دعوا الحكومة خلالها إلى الكشف عن تفاصيل الديون الداخلية والخارجية المترتبة بذمة العراق، وصرح الدكتور مهدي الحافظ، الذي أدار الندوة، أن “قروض البنك الدولي وبنك التنمية الإسلامي والاتحاد الأوروبي واليابان، إضافة إلى الديون التقليدية لبعض دول الخليج، تقف شاخصة في التعاملات المالية الخارجية للعراق”، مؤكداً أن “ديون العراق تزيد على 100 مليار دولار”.(2)

يطرح عجز الموازنة المذكور في اول المقال أسئلة حول قدرة الحكومة على تنفيذ عمليات إعادة إعمار تقدّر كلفتها بين 14 و25 بليون دولار. وحتى اليوم، تنتظر مناطق سبق أن حُررت من قبضة الدولة الإسلامية برامج الإعمار واستئناف العمل في الخدمات. وتطيل وتيرة إعادة الإعمار البطيئة معاناة النازحين العراقيين هرباً من القتال. فيتعذّر عليهم بناء حياتهم من جديد وكسب رزقهم. وبالتالي قد يؤدي الغضب الشعبي من غياب الخدمات، مع الوقت، مشاكل جديدة للحكومة العراقية (3) .

تدمير البنى التحتية للمحافظات السنية يعتبر من التحديات الكبرى امام عودة المهجرين الى مناطقهم ،وعلى سبيل المثال يذكر محافظ نينوى السابق أ.أثيل النجيفي  ما تعانيه مدينة الموصل ومستشفياتها من دمار فيقول :

كانت الطاقة التصميمية لمستشفيات محافظة نينوى حتى عام ٢٠٠٩ هي ٢٥٠٠ سرير وأحالت محافظة نينوى بالتعاون مع وزارة الصحة مشاريع بطاقة  ١٢٠٠ سرير مابين ٢٠٠٩ – ٢٠١٣ .

وجميع هذه المشاريع اما مدمرة الان او تحتاج الى اعادة تأهيل. وهذا يعني أن القطاع الصحي في نينوى بحاجة لأكثر من 1.25 مليار دولار لإعادة ٣٧٠٠ سرير الى الخدمة .

وللقناعة بعدم قدرة الدولة العراقية على توفير هذا المبلغ خلال سنوات قليلة، فعلى وزارة الصحة ومحافظة نينوى أن تحدد إمكانياتها والمواقع التي يمكن أن تتولى تأهيلها خلال السنتين القادمتين حسب إمكانياتها من الموازنة المتوفرة  وتطرح الباقي على المنظمات الدولية والقطاع الخاص المحلي والدولي للاستثمار(4).

والمجتمع الدولي لاسيما الدول المانحة يجب أن تولي إعمار العراق والمحافظات السنية نفس الرعاية التي توليها لبلاد اخرى، والتي تشهد ذات المشاكل والحروب التي يعيشها العراق كما هو الحال مثلا في اليمن الشقيق.

وكانت دول مجلس التعاون الخليجية قدمت أكثر من 70 في المائة من المبالغ المالية المرصودة لتنمية اليمن؛ إذ رصد مؤتمر المانحين 15 مليار دولار لتنمية اليمن، حسب ما أوضح الدكتور عبد العزيز العويشق، الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والمفاوضات في مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

إن الحكومة العراقية عليها ان تدرك ان الخطوة الاولى لإعمار العراق يجب أن تكون بإرجاع العراق الى محيطه ونسيجه العربي لوجود الروابط العشائرية والاواصر الثقافية العربية  .

وفي هذا الصدد لابد من الاشارة الى ان حكومة الكويت قد  منحت العراق 100 مليون دولار للنهوض بالواقع الصحي في المناطق المتضررة.وقد سبق ان الصندوق الكويتي منح العراق 21 مليون دولار لدعم قطاعي الصناعة والكهرباء.

وهذه المنح وإن كانت لاتغطي الا جزءاً  يسيراً من حركة الإعمار فالتقديرات الاولية للاموال المطلوبة في اعمار المحافظات السنية تقدر ب 100 مليار دولار كما مر في تقرير سابق  ، الا أنها خطوة مباركة وطيبة وننتظر المزيد من الأشقاء الكويتيين والعرب وبقية المانحين.

مقترحات لاعادة الاعمار :

وهذه خطوات مهمة في دفع الحكومة لعجلة الاعمار بالاتجاه الصحيح :

أولا: ان تقوم الحكومة العراقية بحملة استنفار للاليات والتجهيزات الانشائية في بقية المحافظات لاستخدامها في اعمار المحافظات السنية، وقد يساهم  هذا الاستنفار والتعاون الى نوع من تطبيع العلاقات والمصالحة الوطنية، واعادة روح التعايش السلمي بين جميع المحافظات .

ثانيا : تحقيق الأمن وتشجيع المواطنين على العودة الى منازلهم مهم جداً في دفع حركة الإعمار مراحل متقدمة، فالمواطن الذي يشعر بالأمان في مدينته يدفعه هذا الشعور للعمل والمثابرة في إعادة بناء مسكنه، ومعاودة نشاطه المعيشي والتجاري ،مما يؤدي الى تحريك الاقتصاد والاعمار بشكل عام  .

ثالثا : تشجيع المنظمات الإغاثية والإعمارية للدخول الى المناطق المدمرة لتقديم المساعدات العاجلة وتيسير عملهم وحمايتهم

رابعا: أن تقوم بتعويض دور السكن ومحلات المواطنين التي تضررت جراء العمليات العسكرية، وهذا حق يكفله القانون لايجوز تأخيره ولا المماطلة فيه .

خامسا : أن تفتح باب الاقراض بلا فوائد للمواطنين ممن لاسكن لهم، وكانوا مستأجرين وذلك بتخصيص أراضٍ سكنية لهم ببدلٍ معقول.

سادسا : تشجيع رأس المال الأجنبي والعراقي في الخارج بالعودة لممارسة نشاطه التجاري والإستثماري، وتشريع قوانين مشجعة على الإستثمار، بشكل عام للعراقيين وغير العراقيين،  كما تفعل تركيا وبلدان اخرى في المنطقة.

سابعا: شركات بناء الطرق والجسور والانشاءات السكنية  التركية لها تجارب عالمية معروفة في هذا المضمار، ولقد شاهدت أحد السياسيين الروس يقول: ( إن أعظم البنايات في موسكو قرب الساحة الحمراء هي التي شيدتها الشركات التركية وأصبحت معلماً من معالم تركيا الاستثمارية والمعمارية في موسكو).

ثامنا: لابد من الاستفادة من قروض البنك الدولي في اعادة الاعمار وقد سبق للعراق ان استفاد من البنك في السنوات الماضية كما ان البنك يولي اهتماما خاصا بالعراق لاقراضه وفق شروط معينة

تاسعا :   دراسة امكانيات الحكومة العراقية وحسب الميزانية الحالية والمقبلة في تغطية ودعم اعمار المرافق والبنى التحتية في المحافظات، ثم بعد ذلك عرض هذه الدراسة على الدول المانحة، سيما دول مجلس التعاون الخليجي، والاتحاد الاوروبي والصين واليابان.

خطة الحكومة العراقية لاعادة الاعمار:

الخطة المعلنة من الحكومة العراقية لاعادة الاعمار تمتد لعشر سنوات مقبلة وبكلفة 100مليار دولار ،فقد اعلن وزير التخطيط العراقي د سلمان الجميلي على هامش لقائه المدير الإقليمي للبنك الدولي في الشرق الأوسط، ساروج كومار جها، إن “خطة إعادة الاستقرار والإعمار للمناطق المحررة ستكون في إطار خطتين تنمويتين، الأولى تمتد بين 2018-2022 والثانية بين 2023-2028”.

وأضاف، بحسب بيان للوزارة، أن “الحكومة تسعى لتوفير المبلغ من خلال المنح والقروض الدولية، وما يتم تخصيصه من الموازنة العامة للدولة على مدى سنوات الخطة”.

ويتولى “صندوق تمويل الاستقرار الفوري” التابع للأمم المتحدة (تأسس في 2015)، تنفيذ مشاريع فورية في المناطق المحررة من قبضة “داعش”.(5)

وأوضح تقرير لسي إن بي سي أن تنفيذ الخطة المُشار إليها تنتظر مصادقة البرلمان العراقي .و”تحتاج الحكومة التصرف في القروض بشكل يضمن عدم خضوعها للفساد المالي وهدرها في جوانب غير مُقدره، كما يجب وضع مخصصات لإنقاذ صادرات النفط العراقي ضمن برنامج الإعمار “.

وستتضمن خطة الإعمار؛ تنمية اقتصادية وإجتماعية، وإعادة تأهيل البينة التى تم تدميرها جراء الحرب، والتشييد والبناء.

ولفت التقرير إلى أنه سيتم إعمار محافظة نينوي بكلفة إجمالية قدرها 11 مليار دولار، فيما سيتم انفاق 6 مليارات دولارات على الموصل.

خسائر العراق جراء الحروب الداخلية :

والخسائر التي تكبدها العراق جراء حروبه الداخلية تقدر بمليارات الدولارات فهو ينفق 10 ملايين دولار بمعدل يومي جراء الحرب .

لقد تم إنفاق نحو 23% على الأمن من موازنة الدولة،وهناك ارتفاع حاد في معدلات الفقر يفوق 30%، نتيجة لارتفاع معدلات البطالة ،كما يوجد هبوط في الاحتياطي الأجنبي إلى أن وصل اليوم إلى 42.3 مليار، محققاً خسائر معدلها 9 مليارات سنوياً .

الاقتصاد العراقى في أرقام :

معدل البطالة يبلغ نسبته  16%،وعجز الموازنة وصلت إلى 2.7% ،وإجمالي الدين العام لبغداد يبلغ 110 مليارات دولار، وهناك 46 مليار دولار دين محلي، و64 مليار دولار دين خارجي وهنالك ارقام من الديون المعدومة أي المشكوك في تحصيلها.

ومن المتوقع بحسب التقرير المذكور أن يصل إجمالي قيمة القروض الى نحو 17.7 مليار دولار بنهاية عام 2017. (6).

هذه الارقام المخيفة عن خواء الميزانية تجعل الحكومة العراقية امام تحد كبير خلال العشر سنوات المقبلة .

وأخيرا قد طرحت بعض المواقع الالكترونية (7)خبرا مفاده ان الرئيس الاميكي دونالد ترامب قدم للكونكرس الامريكي مشروعا من مائة نقطة لاعمار المناطق المدمرة في العراق تحت عنوان “النفط مقابل الاعمار” ولم تؤكد الادارة الامريكية هذاالخبر فلذا ليس من المناسب التعليق عليه والاشادة به أو رفضه لانه غير واضح المعالم ولم يخرج رسميا  للعلن .

المبدأ المتفق عليه هو أن اموال العراق يجب أن يتصرف بها العراقيون بإنشاء لجان مختصة وتحت رقابة مشددة ، منعا للفساد والمفسدين فان لم يتيسر ذلك واصبح المال العراقي عرضة للفساد والسرقة فلا مناص من لجنة دولية تشرف على الاعمار والاموال المرصودة له .

إن اعادة الاعمار ليس بالامر اليسير ولايتم بليلة وضحاها، ولذا يجب العمل المستمر والدؤوب ،وحشد جميع الطاقات الخيرة ، وتعاون جميع المخلصين لبلوغ الهدف .

علما ان اعمار النفوس واعادة تأهيلها وازالة اثار الحرب، وتطبيب الجروح النفسية والفكرية له الاهمية القصوى التي لاتقل عن اعمار المباني والجسور  والمنشاات ، ولذا يجب ايلاء الاهتمام لاعادة العلاقات الاجتماعية والمصالحات البينية  ورعاية اليتامى والارامل والمعوقين وهذا يحتاج الى مقال وبحث يناسبه ويوفيه حقه، والله المستعان.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1)http://carnegie-mec.org/diwan/66411

(2)https://www.alarabiya.net/ar/aswaq/economy/2017/02/21

(3) http://carnegie-mec.org/diwan/66411

(4)مركز نون للدراسات الستراتيجية .

(5)http://www.rudaw.net/arabic/middleeast/iraq/240520174

(6)http://www.cnbcarabia.com/news/view/29713/100-%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B1

(7)https://arabic.sputniknews.com/world/201703011022557945-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7 %A8/