العمل الانجيلي “الانغلو – ساكسون” لصنع العراق الجديد…

الدكتور مهند يوسف
مستشار المركز العراق الجديد
المقدمة:
ان مركز العراق  واهميته بين الدول العربية يدعو الى تكريس جديد للمصادر المادية والبشرية لتقوية العمل الانجيلي في  هذه المنطقة الاستراتيجية لان الامة اليوم اصبحت مشهدا لصراع روحي قد يظهر حاسما في قلوب شعبها وعقولهم ولذلك فان العمل الانجيلي فرصة سانحة وابواب مفتوحة اذا ما حشدنا القوى لدعمه وبعثه من جديد [1].
“ومما لايعقل ان هذه البلاد الغنية جدا في تقاليد الكتاب المقدس والتي هي ذات اهمية عظمى في استراتيجيتها تترك بدون عمل انجيلي فعال ولان العمل فيها عظيما جدا يتطلب اكثر من طائفة واحدة للقيام به لهذا دعيت الكنائس المشيخية والمصلحة عبر البحار ليشكلا ارسالية متحدة للعمل داخل العراق. واستجابت لهذه الدعوة  الكنيسة المشيخية عام 1924 في الولايات المتحدة الامريكية والكنيسة الانجيلية والمصلحة والكنيسة المصلحة في الولايات المتحدة الامريكية لتودي الشهادة بواسطة الارسالية المتحدة في العراق والتي تالفت من عشرة اعضاء وكانت اقامتهم في بغداد والموصل وكركوك والحلة ودهوك” .
ولان دراسة التاريخ والثقافة البريطانية – الاميركية حول تشكيل الافكار في تاسيس دولة العراق الحديثة قد اختفت من المدارس ومناهج الثقافة العامة اليوم فان الكثير من القارئين لا يعلمون مدى الصلة العميقة بين العمل الانجيلي وتاسيس الدولة العراقية الحديثة والذي يعد من اكبر المواضيع من حيث الاهمية الاستراتيجية او التنسيق المشترك او من حيث بعده التاريخي او بعده الجيو- سياسي في العصر الحديث.
ان العالم الحديث بشكله الحالي هو من صناعة كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة الامريكية – وهذا ما كتب في الميعاد – وان الولادة، والصعود، والانتصار، والدفاع، والنمو المستمر والتجدد في السلطة يجب ان يكون نحو الاتجاه الانجلو- امريكي على الرغم من الاستمرار في المعارضة والصراع. وانه يجب ان تسود ارادتهم على المستويات العسكرية والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، أولا مع المملكة المتحدة الرائدة، ثم مع الولايات المتحدة الامريكية بتولي تقدير طبيعة صياغة العالم وانها قد خلقت للتعامل مع هذه المشاكل .

  • وصف النظام الانكلو – ساكسوني
لوصف الانغلو- ساكسوني في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الامريكية نرى ان الوصف لا يشير الى التركيب العرقي ولكن الى ثقافة الانغلو – ساكسون والتي تختلف في  ذلك عن العالم اجمع وحتى عن بقية دول الغرب.
” فالميعاد” يرى ان الثقافة الانغلو- ساكسونية ونجاحها في جميع أنحاء العالم كانت بسبب احتوائها على عناصر مختلفة والتي منها : ببطء تطور النظام السياسي الليبرالي وقابليتها للتوافقية، والتكيف، والابتكار؛ ومسامحة التقاليد الدينية البروتستانتية والتي اصبحت بما فيه الكفاية داعية لاستيعاب مختلف الطوائف الدينية الاخرى وقبولها الفصل بين الكنيسة والدولة مع الاحتفاظ بشعور ديني قوي.
وان النظام الراسمالي المشغول بالثروة المادية ليس في حد ذاته فحسب وانما بسبب “الشغف” من اجل تحقيق النمو، ومن اجل الانجاز، ومن اجل التغيير. وكذلك كانت الاستراتيجية التي اخترعتها  في البداية البحرية الهولندية في استخدمها كلا من حرية العمل التي قدمتها والوصول بسهولة الى بقية العالم للتلاعب بتوازن القوى. وجعلت من هذه العناصر السالفة في حد ذاتها قوة من اجل التغيير. ودعمت وعززت الاشكال الاخرى من الديناميكية وازدهار الذات.
وخلال القرون ألاربعة الاخيرة من التاريخ، من اليزابيث واوليفر كرومويل ولوول مارت الى جورج دبليو بوش فقد ميز الانغلو- ساكسوني صاحب الحساب في الغنى والمثير للاعجاب ببعض الاشياء كاستخدامهم الالفاظ المشتركة امثال “الرب الحامي” وبنفس القدر بالنسبة للعمل والدافع للمشاريع المشتركة.
          ومن الاشياء الاخرى المثيرة والمتميزة في الثقافة الانغلو- ساكسونية انها تقلل من السمات المشتركة للبلدان الغربية في الوقت الذي تركز فيها على اعتراف الغرب بنصيبه في الميراث الاغريقي والروماني. كذلك الحال بالنسبة للتعليم والذي كان له سطوة  خلال قرون في المملكة المتحدة، فتعليم الطبقة الحاكمة البريطانية قد تألفت بصورة ساحقه من الدراسة بعلوم اللغات اليونانية واللاتينية والثقافة السامية واللغة العربية.
كما انه يعطي اهتماما ضئيلا لاي بصمة ايجابية لها، ويركز على النواحي السلبية والمعقدة للحداثة والتنوير ومن قبل على الثورة الفرنسية على عقول المثقفين في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الامريكية وألمانيا واوروبا ككل, والتأثير الضار الذي نتج بعد ذلك في تحديد معالم تاريخ العالم الحديث .

  • القسوة صفة النظام الانكلو – ساكسون
ما تم من بناء للديمقراطيات الراسمالية الرئيسية المشكلة للعالم الحديث اليوم يتبين طريقة تعامل كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة الامريكية مع النظام والسلوك الدولي، ومن دون اوهام او عاطفة.
فمصطلحات تطلق على دول بعينها والتي منها “الطمع والجبن والغطرسة والرضا والكسل، والاستقامة” لم تكن تستخدم في فنون السياسة من قبل وقبلهاوما نتج من اعمال تجاهها مارسها هذا الحلف الانغلو – ساكسوني باقل ما يقال عن اعمال ناتجة عنها بالحماقة والجريمة لتلك الاخطاء والجرائم التي ارتكبوها في العالم بشكل عام وفي منطقتنا والعراق بشكل خاص.
هذه القسوة كما يتضح في تعاملات البلدين مع بعضهما البعض وفي علاقاتهما مع بقية العالم, يتبين في وقوف المملكة المتحدة والولايات المتحدة الامريكية الى جانب الحلفاء او شركائهم الاوربيين الاخرين وما يقومون به بشكل غير لائق، وعلى اساس حسابات تحكمها فقط المصلحة الذاتية والمعروفة بالخطب الاعلامية بما تسمى “العلاقة الخاصة”.
فنجد مثلا ان العلاقة الخاصة تلك جمعت الولايات المتحدة وبريطانيا والتي تمثلت باكمل صورها في الحرب العالمية الثانية حينما كان البلدان على نحو اوثق من أي وقت مضى وقد جمعتهما انذاك الصداقة الشخصية بين فرانكلين روزفلت وتشرشل وعلى الرغم من الجهود العظيمة التي بذلتهما اطراف كثيرة في الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا الا انه كان تفكيك الامبراطورية البريطانية هو الهدف الامريكي المهم اثناء ومباشرة بعد الحرب.
ان عواقب انتصار الانجلو- سكسون في خلق النظام الراسمالي ليشمل العالم كله. ينظر اليه اساسا كانتصار ناتج عن تطبيق وجذب بعض المبادئ والقيم ولكن في هذه الحالة – حالة المنتصر وفقدان الذاكرة- ينظر بقية العالم الى النجاح والسلطة الانغلو- ساكسونية على انها استندت على نتائج “معارك طويلة ومريرة لرسم مستقبل العالم” وان الحضارات في العالم تعيش معا في حالة من الالفة لم يسبق لها مثيل بسبب هذا ” المجتمع الليبرالي الرأسمالي” الذي يفرض افضلياته على بقية العالم.
الا انه في كثير من المجتمعات في انحاء العالم ينظر الناس بمرارة واستياء الى هذا النظام الخطير الذي زعزعت به. اذ بعد فرض الالفة بالقوة، فان الولايات المتحدة الامريكية ستواجه ادارة نتائجها كاولوية مهمة بالنسبة لسياستها الخارجية للمستقبل المنظور.
هذه القوة بتطبيق تلك السياسة في منطقتنا العربية وفي العراق بشكل خاص سيرسم مستقبل العلاقة الاشمل بين الاسلام وبين الجماعات الاصولية البروتستانتية المتطرفة والتي تحمل تشابه لافتا لبعض الجماعات الاصلاح في المنطقة من حيث العودة الى المصادر الاصلية للايمان، والتنديد بالانحرافات والإسهاب والتاؤيل كمصادر اخرى للايمان.
 فالبروتستانتية تمثل حركة الواقع وبعد فشلها المتكرر لكن بمرور الزمن ستكون القوة الحاسمة في تطوير الليبرالية والديمقراطية الانجلو- امريكية في الأجلين المتوسط والطويل، وربما ان نفس عملية التكيف هذه قد تحدث في الحركات الاسلامية في منطقتنا ولعل التجربة الايرانية ومحاولة تجديدها وخلقها في العراق ولبنان ابرز دليل على هذه النظرة.
1-3 المسار التاريخي
للتاريخ ربما سيكون له راي اخر اذا ما نظرنا اليه من زاوية اخرى الى هذه العلاقة التي تريد رسما جديدا للعراق الحديث اذ لايمكن باي حال من الاحوال نسيان او تجاهل المشاعر الاسلامية بشكل عام خلال القرون الثلاثة الماضية وكيف عمل خلالها الغرب النصراني القوي على قتل الوحدة الاسلامية والمتمثلة بالخلافة الاسلامية العثمانية وواد كل محاولات النهوض المادي والعقلي وتدمير كل جهود التجديد الفكري والثقافي الشرقي الإسلامي.
ان وتيرة التغيير التي سادت على السياسة الانغلو – ساكسونية الجديدة تجاه منطقتنا كانت اكبر وأسرع واكثر بكثير من تلك التي تحاول ان تتخذ مواقف اكثر وسطية واعتدالا . فالمملكة المتحدة والولايات المتحدة الامريكية خلقت هذا العالم الحديث بمسببات عدة الا انه ينبغي على الولايات المتحدة اليوم ان تعتمد سياسة اخلاقية وان تكون استراتيجيتها واقعية، وعلى اساس من التفكير اللاهوتي الذي يجمع بين القلق الاخلاقي وقبول واقع السلطة والحصافة في ممارسته.
ان اعتماد الواقعية الاخلاقية في السياسة الخارجية، واعتماد نهج الفئات البروتستانتية الانجيلية الاميركية الطموحة في “مستقبل السلام والازدهار للبشرية” لها جذور تاريخية تعود الى زمن فتح العثمانيين القسطنطينية عام 1453 حين عين السلطان محمد الثاني كينادوس بطريرك الارثوذكس اليونانيين وسيطا بينه وبين الرعايا المسيحيين واصبح مسئولا عنهم وعن دفع الجزية للسلطان.
ومع توالي الزمان اعترف الباب العالي بموجب فرمانات كان يصدرها بالطوائف الكاثوليكية والارثوذكس القائمة في دولته .  لقد أتاح هذا النظام ونظام الامتيازات التي كانت تتمتع به فرنسا ودول أوربية أخرى فرصة للتدخل في شؤون الدولة العثمانية تارة بدافع سياسي وطورا بحجة حماية الاقليات غير الإسلامية واصبح لفرنسا الحق في إيفاد المرسلين الكاثوليك للتبشير بين مسيحي الدولة بينما انتهجت السلطات العثمانية سياسة عرقلة نشاط الإرساليات البروتستانتية ولكن بسبب مساندة الدول الأوربية الكبرى للدولة العثمانية في قهر محمد علي ، اخذت الدولة العثمانية تغمض عينيها عن النشاط البروتستانتي.
إذا كانت فرنسا تدعم الكنائس الشرقية الكاثوليكية وشجعت روسيا الكنائس الارثودكسية فأن إنجلترا وحتى يكون لها دور في التسابق الدولي رعت الطوائف البروتستانتية ورعت المبشرين البروتستانت الوافدين من إنجلترا وأمريكا. هذا وبجهود السفير البريطاني في اسطنبول ـ السر سترافورد كاننج ـ حصل البروتستانت المنشقون من الطائفة الأرمينية الغريغورية على الاستقلال عام 1849  وانضم إليهم فيما بعد البروتستانت السريان واليونان وكونوا الطائفة البروتستانتية ” بروتستانت جماعتي ” ثم حصلوا في عام 1850 وبجهود ممثلي بريطانيا وبروسيا والولايات المتحدة الاميركية على الاعتراف الرسمي بالطائفة التي شملت أتباع جميع الكنائس البروتستانتية كالمشيخية والأسقفية والميثودستية والابرشانية.
في العقد الثالث من القرن التاسع عشر تجول في بلاد الشرق الأوسط توافد المبشرون من جمعيات وهيئات بروتستانتية إنجليزية وأمريكية لدراسة أحوال السكان وتوزيع الكتاب المقدس والقيام بالوعظ ثم أخذت هذه المؤسسات تنشئ لها مراكز ومحطات رئيسية وفرعية في هذه المنطقة بهدف تحويل أبنائها إلى البروتستانتية. ولتحقيق أهدافها استخدمت الوسائل التبشيرية التقليدية كافتتاح المدارس للبنين والبنات وإنشاء المكتبات والمستوصفات والمستشفيات وتشييد دور العبادة وغير ذلك من الفعاليات الدينية والثقافية .
  • الدخول البروتستانتي الى العراق
في العراق كانت هنالك مسيرة طويلة من العمل الانجيلي حيث بدأت الكنائس الحديثة والتي هي حصيلة حركة الاصلاح الانجيلي بالعمل في الداخل العراقي وكان اول من زار شمال العراق مرسلون من قبل المجمع الامريكي للمفوضين وكانوا مرتبطين بعملهم هذا في سوريا وتركيا وغربي ايران. ففي عام 1833 أوفد مجلس الوكلاء الأمريكي للإرساليات الأجنبية المبشرين جوستن بركنز والدكتور اساهل جرانت مع زوجتيهما الى اورميا في غربي إيران حيث أسسا فيها محطة رئيسية ومنها امتد نشاط الإرسالية ليشمل جبال كردستان والموصل. فبدأ مجمع الارساليات الامريكي عمله في ارمي عام 1835. وقبل 1840 بدأ القس تشليز عمله في الموصل من الجمعية الارسالية المسيحية حيث كان ترجمانه انذاك السيد رسام المشهور والذي اصبح فيما بعد القنصل البريطاني في الموصل.
في 1841 تسلمت إرسالية المجلس الأمريكي محطة الموصل حين قابل د. جرانت المار شمعون مرات عديدة كما زار الموصل مع بركنز وبناء على توصيتهما افتتح المجلس الأمريكي محطة في الموصل في 1841, وفي عام 1842 وصل الموصل القس جورج برس بادجر ممثل رئيس أساقفة كانتربري ـ ومطران لندن للعمل بين النساطرة والكلدان وراح يبذل أقصى جهوده لجذب الكنيسة الاثورية الى الانكليكانية وأبعادها عن المنشقين الأمريكان والكنيسة الكاثوليكية وكذلك لأحداث انشقاق بين صفوف الكلدان الذين تحولوا الى الكنيسة الكاثوليكية إلا انه فشل في جميع محاولاته. وبعد اربع سنوات زار د. جرانت الموصل وراى ماوصلت الية جهود التبشير فيها وفي نفس الوقت قررت الجمعية الارسالية المسيحية انسحابها من الموصل عام 1842. وحلت محلها إرسالية الكنيسة الأسقفية في الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت بإشراف القس هوراتيو ساوت كيت المقيم في استنبول ولفشلها في مهامها عاد المجلس الأمريكي ليؤسس في 1850 الإرسالية الاثورية التي شملت منطقة عملها ولايات الموصل وماردين وديار بكر وقد ظلت هذه الإرسالية التركية الشرقية وبذلك أصبحت الموصل ” محطة بالاسم والزيارة ” وخلت من المبشرين المقيمين لكن يزورها مبشرون متواجدون في المنطقة بين حين وآخر.
أما الأسباب التي عرقلت مساعي المبشرين البروتستانت فعديدة منها ان فرمان صدر عام 1850 وقضى باعتراف الدولة العثمانية بالطائفة البروتستانتية اعترافا رسميا الا إن أهالي الموصل لم يستفدوا منه إذ استمرت الطوائف التي كان البروتستانت ينتمون إليها سابقا تقاومهم بحرمانهم من الكنيسة وتفرض عليهم جزية باهظة الى ان صدر فرمان 1854 الموجه الى باشا الموصل والقاضي بوجوب حماية البروتستانت كما ان أقارب المتحولين إلى البروتستانتية وأصدقائهم كانوا يقاطعونهم اجتماعيا وكذلك كانت الخلافات بين أبناء الطائفة البروتستانتية حافزاً الى عودتهم الى كنائسهم السابقة كما كانت مثبطة لعزائم الراغبين في الانتماء الى البروتستانتية .
  • البداية كانت الموصل
استمرت منطقة الموصل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مسرحا لصراع البعثات التبشيرية البروتستانتية وتعرضت محطة الموصل الى انتقالها من إرسالية الى أخرى في فترات زمنية قصيرة اذ إن الموصل كانت تعد اول مدينة وجد فيها العمل الانجيلي فيها تربة خصبة للعمل حيث جعل المرسلون الاولون قاعدة لهم لتادية الرسالة المسيحية وتوطد العمل الانجيلي فيها ووضعوا اول نظام للكنيسة الوطنية عام 1851.
ولا تزال اقدم كنيسة بروتستانتية موجودة في العراق هي كنيسة الموصل فمنذ 1840 اقام فيها البروتستانت مكانا للعبادة ولذلك اعتبروها عام تأسيس الكنيسة في العراق ولكن انتظام الكنيسة لم يتم الا بعد ان انتمى الى الكنيسة تسعة أشخاص في 3 / 11/ 1851 وبدأ المبشرون بتدوين أسماء أبناء الطائفة وتواريخ ولادتهم وزواجهم ووفاتهم في سجل يدلنا على ان نمو الكنيسة كان نموا بطيئا.
 فبعد خمس سنوات أصبحت الكنيسة تتألف من (12) عضوا و (57) نفسا هذا ولم يكن عدد أعضاء الكنيسة في ازدياد مطرد بل كان متذبذبا بين ارتفاع وانخفاض وان عددهم حتى عام 1896 لم يزد على (60) شخصا معظمهم من السريان الارثوذكس والكلدان . وان الدوافع التي حملت هؤلاء الأشخاص الى التحول الى البروتستانتية متنوعة فمنهم من فضل معتقداتهم على معتقدات كنائسهم السابقة ومنهم من غضب على رجال الدين التابعين لكنائسهم السابقة ومنهم من ركض وراء الاغراءات الشخصية والمادية وغير ذلك من الأسباب الشخصية.
وقد بذلت عائلتا مكدويل وانسلي محاولة جديدة في اواخر القرن التاسع عشر ليقيموا في الموصل ولكن وبسبب المقاومة المحلية التي اخذت تبدو على شكل كبير من التنظيم والتهيئة ضد اي عمل تبشيري انجيلي في الموصل فكر المجمع الارسالي الامريكي بانه من الافضل تحويل قاعدتهم من الموصل إلى جبال الاكراد في ارمي.
حينها شرعت الإرساليات التبشيرية بتأسيس دور العبادة والمدارس وغيرها من المشاريع كانت تقوم بإدارتها وبالصرف عليها وبتقديم المنح للبروتستانت المعوزين ولكن بعد الاعتراف بالبروتستانت كطائفة في الموصل صدرت فرمانات بتعيين الوكيل المالي ورئيس لإدارة الطائفة وكثيرا ما كانت الإرساليات تساهم بدفع رواتب لمثل هؤلاء الأشخاص وتقدم المساعدات المالية لبناء دور العبادة ومشاريع الطائفة فمثلا قدمت إرسالية المجلس الأمريكي مساعدات قيمة لبناء الكنيسة المعروفة بأسم ” مار سماق ” وملاحقها في الموصل.
وظل هذا الوضع قائما حتى عام 1892 حينما تسلم مجلس الكنيسة المشيخية في الولايات الأمريكية إدارة المحطة وذلك لغاية عام 1898 ويجدر بنا هنا أن نشير الى ان منطقة نشاط الإرساليات البروتستانتية الوارد ذكرها كانت محصورة بالمنطقة الشمالية من العراق وما جاورها ولا تشمل المنطقتين الوسطى و الجنوبية .

  • الدخول الى بغداد
في بغداد كانت الارساليات اليسوعية السبتية وشهود يهوة تعمل بنشاط في بعض المناطق المحيطة ببغداد وفي داخلها ايضا. حيث ساعدت هذه الارساليات بالاعمال الخيرية إلى جانب عملها التبشيري والذي كان ممزوجا بالتاكيد بالنشاط الطبي والتعليمي. فالى أواخر القرن التاسع عشر كانت الإرساليات العاملة في المنطقة الشمالية أمريكية تتبع النظام المشيخي بينما الإرساليات التي وفدت الى بغداد كانت من إنجلترا تتبع الكنيسة الانكليكانية .
ابتدأ العمل الإنجيلي في بغداد في نهاية 1829 بوصول المبشر الذائع الصيت ” انتوني غروفز “وهو من جماعة الاخوة البليموتيين. وحقق هذا المبشر بعض النجاح إذ افتتح مدرسة لأبناء الأرمن وبناتهم وباشر بعلاج أمراض الأسنان والعيون دون أن يلاقي مقاومة من السلطات الرسمية ولكن سرعان ما ساءت الامور من حوله اذ تفشى مرض الطاعون في 1831 بشكل مروع لم يسبق له مثيل وقضى على ثلثي سكان بغداد بما فيهم زوجة غروفز وابنه وعدد من منتسبين الإرسالية بحيث اضطر بعد فترة قصيرة الى غلق الإرسالية ومغادرة بغداد
خلت بغداد من المبشرين البروتستانت حتى عام 1844 حينما وصلها أحد المبشرين الموفدين من جمعية لندن لنشر المسيحية بين اليهود هذا ولم يقتصر نشاط هذه الجمعية على بغداد بل امتد ليشمل المدن التي كان يسكنها اليهود مثل الحلة والبصرة والموصل . وافتتحت هذه الجمعية معهدا في بغداد لتلقين اليهود مبادئ الديانة المسيحية البروتستانتية أنشأت مكتبة و مطبعة ومصلى ولكن بالرغم من العمل المتواصل لمدة تزيد على عشرين عاما فان عدد اليهود الذين تم تحويلهم إلى البروتستانتية لم يتجاوز عدد أصابع اليد .
     لكن نواة الكنيسة الانجيلية في بغداد تكونت بفضل استعانة المرسلون ببعض افراد الطائفة في الموصل ومن هؤلاء تكونت هذه الكنيسة حيث كانوا يمارسون نشاطهم في حقول التبشير إلى جانب التعليم والتطبيب وهكذا فتحت جمعية الارسالية الكنسية  C M S  في اواخر القرن التاسع عشر كنيسة بغداد الانجيلية. فالنازحون إليها من الموصل وماردين وسرت وديار بكر شكلوا مع العوائل الأرمينية الساكنة فيها نواة كنيسة بغداد البروتستانتية وكان يرعاها القسس الإنجليز أو نوابهم الوطنيون ويقيمون الخدمة الدينية وفقا للطقس الأسقفي في مجمع الإرسالية. لقد عززت هذه الإرسالية موقف البروتستانت في الموصل وبغداد باستقدام معلمين من ماردين لخدمة الكنيسة والمدارس وأيتام الى ميتم الإرسالية في الموصل [2].
في عام 1883 بدأت الجمعية الإرسالية الكنسية عملها في بغداد وبعد مضي خمس سنوات أسست ” الإرسالية العربية التركية” التي بالإضافة الى بغداد، تسلمت الموصل من الإرسالية المشيخية وقد واصلت نشاطها الى أن أبعدت السلطات الحكومية منتسبي هذه الإرسالية الى خارج العراق لنشوب الحرب العالمية الاولى واشتراك الدولة العثمانية بالحرب ضد الحلفاء.

2-1 نشاطاتهم في العراق
كانت قد أنشأت هذه الإرسالية مشاريع متعددة في مناطق عملها ففي بغداد افتتحت مدرسة مدة الدراسة فيها أربع سنوات عرفت بـ ” المكتب البروتستانتي ” وكانت تدرس فيها العربية والإنجليزية والتركية والعلوم العامة وكانت هيئتها التعليمية تضم نخبة من حملة الأقلام ومعلمين قديرين ومبشرين أفاضل .
وقد تخرج فيها طلاب تسنى لهم مواصلة الدراسات العليا واصبحوا أطباء أو صيادلة أو تقلدوا مناصب مرموقة في الدولة.  وبلغ عدد طلابها عند غلقها في 1915 (120) طالباً اغلبهم من أبناء الجالية البروتستانتية والباقي من الطوائف والأديان الأخرى .
          وافتتحت الإرسالية مدرسة ابتدائية للبنات في بغداد كما افتتحت مدرسة للبنين وأخرى للبنات في الموصل وأنشأت مكتبة لبيع الكتب المقدسة في الموصل علما بأن في بغداد كانت المكتبة تملكها جمعية الكتاب المقدس أما نشاط الإرسالية في حقل الطب فمنذ 1886 افتتحت عيادة خارجية طورتها الى مستشفى صغير اصبح في 1915 يضم 33 سريرا وعيادة خارجية. ولقد كان في نية الإرسالية بناء مستشفى صغير اصبح في1915  يضم 32 سريرا وعيادة خارجية.  كذلك كان في نية الإرسالية بناء مستشفى واسع وحديث الا انه نشوء الحرب العالمية الأولى اوقف المشروع . وعلى غرار هذا المستشفى افتتحت الإرسالية في الموصل مستشفى ذات 24 سريرا خدم فيه أطباء وصيادلة وممرضات عراقيون بالإضافة إلى الأجانب .
وزيادة إلى نشاطهم التبشيري السابق ذكره فقد أولت هذه الإرسالية التعليم اهتمامها البالغ. فبعد إن أسس الدكتور ستاوت 1924 مدرسة تضم ستة صفوف ابتدائية وخمسة صفوف ثانوية اضيف اليها فيما بعد قسم داخلي نالت هذه المدرسة شهرة واسعة واعتبرت من أرقى مدارس عصرها حتى أن الجامعات الأمريكية في أمريكا أو في الشرق الأوسط اعترفت بشهاداتها وقبلت خريجيها في الدراسات العليا إليها ولكن لظروف طارئة اضطرت إلى غلق أبوابها في 1949. أما مدرسة البنات فقد تم افتتاحها في 1925 وعهدت ادارتها إلى السيدة تومس التي ظلت في منصبها ثمانية عشر عام طورت خلالها المدرسة من ابتدائية إلى متوسطة إلى إعدادية الفرع الأدبي وفي عهد خليفاتها انتقلت المدرسة إلى بناية حديثة في المنصور أضيفت إليها دراسة الفرع العلمي.
           اما بالنسبة إلى الفرائض الدينية فان الجالية البروتستانتية في بغداد كانت تؤدي بعد الحرب العالمية الأولى في كنيسة سانت جورج الانكليكانية في الباب الشرقي ولكن بعد أن تسلمت الإرسالية المتحدة في العراق حقل بغداد أخذت هذه الجالية تصلي مع المرسلين الأمريكان أما في دور سكناهم أو في جمعية الشبان المسيحيين إلى أن تسنى لهم بمساعدة هذه الإرسالية بناء كنيسة لهم في السنك في 1930 وكان يرأس الصلاة أما أحد القسس الأمريكان أو أحد شيوخ الطائفة. هذا وبعد تهديم كنيسة السنك لغرض تنظيم شوارع المنطقة، أهدت الحكومة العراقية أرضا واسعة في بارك السعدون شيدت عليها الطائفة كنيسة واسعة ومرافق اخرى وقد تم افتتاحها في 1954 وتسلم شؤون الطائفة الدينية القس المصري حليم توفيق جيد إلى 1995 وذلك بإشراف مجلس الطائفة المنتخب.
2-2 البروتستانت في الجنوب
في المنطقة الجنوبية للعراق والتي فيها انفردت بالتبشير البروتستانتي، الإرسالية العربية المؤسسة في ولاية نيوجرسي الأمريكية ، فمنذ 1891 أسست محطة في البصرة ومنها انطلقت إلى مدن أخرى. وفي السنوات اللاحقة افتتحت محطة في العمارة وأخرى في الناصرية كما امتد نشاطها ليشمل البحرين والكويت ومطرح ومسقط وقطر وقد ظلت هذه الإرسالية عاملة في جنوبي العراق حتى عام 1962.
     ولم تكن مهمة المرسلين في أول عهدهم سهلة الاداء إذ لاقوا معارضة شديدة من الآهلين ومقاومة عنيفة ومن قبل السلطات التركية ولكن بعد نجاح الاتحاديين في الاستيلاء على الحكم في 1908 تحسنت أوضاعهم ولذا اخذ عددهم يزداد ونشاطاتهم تتنامى في المجالات المختلفة وفيما يلي موجزها [3]:
  1.  دور العبادة : حتى عام 1913 كان المرسلون يقومون بالفرائض الدينية أما في منازلهم أو في إحدى مؤسساتهم إلا أنهم شيدوا في تلك العام كنيسة صغيرة على أرض الإرسالية التي امتلكوها. وفي 1945 أقاموا كنيسة صغيرة أيضا في مدينة العمارة ظلت قائمة حتى 1959 .
  2.  بعد أن قدم بعض المرسلين الخدمات الطبية البسيطة أنشاؤا في 1911 مستشفى لنسنج التذكاري ولكن بعد اندلاع الحرب العالمية الاولى واحتلال بريطانيا للبصرة والعمارة توجه المرسلون للعناية بالجنود البريطانيين الى ان وضعت الحرب اوزارها.
وبعد البصرة في الجنوب العراقي افتتح المرسلون المصلحة في امريكيا عام 1889 كنيستين واحدة في البصرة وواحدة في البحرين امتد العمل إلى العمارة والكويت وتمركز العمل في البصرة والكويت والعمارة والبحرين ومسقط , حيث افتتحت ثلاث كنائس في مسقط – عمان عام 1887 واسس زويمر عام 1910 اول مستشفى في الكويت , وفي عام 1931 بنيت اول كنيسة مسيحية في الكويت ولم يكن فيها اي مسيحي واحد .
اما في البصرة  فكان عدد النفوس المسيحية التي اعتنقت المذهب الانجيلي عام 1931 يبلغ عددهم حوالي 350-340 واكثرهم مهاجرون من ديار بكر وماردين والبلدان العربية الاخرى وبنيت لهم كنيسة عظيمة لهم عام 1931؟.
لقد ازدهرت الطائفة البروتستانتية في العراق في مستهل القرن العشرين لا سيما بعد أن نزحت إليه عائلات بروتستانتية من ماردين والمناطق المجاورة لها كما نزحت إليه عائلات اثورية وارمنية حلت في مخيمات اللاجئين في بعقوبة ايضا.

2-3 البروتستانت والعراق الجديد
كانت كنيسة الموصل كما سبق وان ذكرنا تتبع الطقس المشيخي ولكن بعد أن تسلمت الجمعية الإرسالية شؤونها أصرت على إتباع الطقس الأسقفي وبما ان راعي الكنيسة رفض ذلك وعينت أحد البروتستانت الوطنيين ليقوم بالخدمة الدينية والإشراف على شؤون الطائفة الرسمية والمكتبة ثم عهدت هذه المهمة الى المس مارتن التي اضطلعت بها الى أن غادرت العراق بسبب نشوء الحرب العالمية الأولى .
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى واحتلال العراق من قبل الإنجليز ونشوب ثورة العشرين قررت الكنيسة الانكليكانية عدم استئناف نشاطها في العراق لئلا تتعرض مؤسساتها الى الفشل بسبب تنامي الشعور الوطني المعادي لبريطانيا .
وفي عام 1922 شعرت “جمعية الارسالية المسيحية الأمريكية” بانها مضطرة ايضا إلى الانسحاب مرة اخرى وهكذا بقي العمل الارسالي الانجليكاني في العراق إلى ارسالتين هما “الارسالية العربية للكنيسة المصلحة في امريكيا” في البصرة والتي بدات نشاطها قبل عام 1900 وامتدت إلى العمارة عام 1910 وفي الخليج العربي والارسالية المتحدة التي تقرر في نيويورك في 1923 تأسيسها باسم ” الإرسالية المتحدة فيما بين النهرين” التي عرفت فيما بعد بـ ” الإرسالية المتحدة في العراق ” والتي تعمل لحساب الكنيسة الارسالية اللوثرية الشرقية والتي تعتبر المسؤلة عن العمل التبشيري الانجيلي في شمال ووسط العراق حيث لديها مقرات في شقلاوة واربيل. وتشكلت لجنة فعالة للتعاون بين الارسالية المتحدة والارسالية العربية واتفقتا على تبادل وتدارك الامور والبرامج المشتركة وتوثيق الوحدة الروحية بين هذه الكنائس.
لقد شهدت الإرسالية خلال عملها في العراق أحداثا اقتصادية وسياسية جساما وتغييرات اجتماعية وثقافية على الصعيدين العالمي والوطني آثرت على خططها وفعالياتها منها الأزمات الاقتصادية والكساد العالمي في الولايات المتحدة الأمريكية في (1929 ـ 1933 ) التي أدت الى انخفاض المساعدات المالية التي كانت تتلقاها لتنفيذ برامجها ومخططاتها.
فقد ادى الدور التخريبي والفتنة التي كانت للارساليات البروتستانت دور كبير في قيام ثورة وعصيان بعض الاثورريين في شمال العراق عام 1933 وفشلها قد وضع أعضاء الإرسالية في موقف حرج.
وبعد تنامي الشعور القومي بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية وقيام ثورات مايس 1941 و14 تموز 1958 و17 ـ 30 تموز 1968 اصبح هناك فتورا في شعور العراقيين تجاه المرسلين, لا بل تولد بعد ذلك رايا معاديا لتلك البعثات التبشيرية, فالإرسالية المتحدة في العراق والتي تاسست في  مطلع القرن العشرين تغير اسمها  بعد ثورة 14 تموز 1958 إلى اسم “الزمالة العراقية ” هذا وقد أسس أعضاء الإرسالية تنفيذا لمتطلبات القوانين العراقية ” الجمعية الخيرية الأمريكية في شمال العراق ” وكان هدف الإرسالية التبشير بين سكان المنطقتين الشمالية والوسطى.
وافتتحت الإرسالية محطة في كل من بغداد والموصل ثم امتد نشاطها الى كل من كركوك ودهوك وبعشيقة واربيل والحلة وبعد ان انسحبت الإرسالية العربية التي سيأتي ذكرها من جنوبي العراق تسلمت الإرسالية المتحدة أعمالها من 1/ 1/ 1962 وأصبحت مسئولة عن العمل الإنجيلي في العراق بأجمعه الى أن أغلقتها الحكومة العراقية في 1969 في اوائل قرارات ثورة تموز باغلاق كافة الهيئات والنشاطات التبشيرية في العراق.
وكذلك الحال كان بالنسبة إلى مدرسة البنات التي تم افتتاحها من قبل الجمعية الإرسالية الكنسية في 1925 وعهدت ادارتها إلى السيدة تومس التي ظلت في منصبها ثمانية عشر عام طورت خلالها المدرسة من ابتدائية إلى متوسطة إلى إعدادية الفرع الأدبي وفي عهد خليفاتها انتقلت المدرسة إلى بناية حديثة في المنصور أضيفت إليها دراسة الفرع العلمي إلا أنه في عام 1968 تم تعريقها. واصبح في العراق ثلاث طوائف بروتستانتية إنجيلية معترف بها وهي :
  1.  الطائفة البروتستانتية الإنجيلية الوطنية
  2.    الطائفة الإنجيلية البروتستانتية الاثورية
  3. طائفة الادفنتست السبتيين
ولقد أوفدت الإرساليات خلال اعمالها في العراق اكثر من مائة مرسل ونيف توزعوا على مراكز نشاطاتها وقدموا خدمات ثقافية وطبية وإنسانية كما قدموا المساعدات القيمة الى الكنائس الإنجيلية في العراق إلى أن استقلت هذه الكنائس إداريا وماليا .
  ففي الموصل افتتحت الإرسالية روضة ومدرسة ودار ضيافة للبنات وبعد أن شيدت بناية حديثة خصصت لمدرسة الفنون البيتية وقد ساعدت هذه الارساليات من خلال توزيعها الالات الزراعية في الحلة وبعشيقة والموصل وعمل المرسلون وزملاؤهم من العراقيين بكل هدوء على نشر الانجيل عن طريق صفوف الدرس الكتاب المقدس والعمل الشخصي وفي مخازن الكتب وغرف المطالعة في كل مركز من مراكز عملهم.
حيث ساعدت المدارس التي ارسلتها الارساليات على ترويج العمل الانجيلي بصورة فعالة فكما ذكرنا سابقا فتحت مدرسة للبنات في الموصل عام 1922 والصبيان في بغداد عام 1924 والبنات في بغداد عام 1924 وهي تحوي عام 1960 على 250 طالبة اتين من المجتمعات المسيحية والاسلامية واليهودية وتجاوز عمل الارساليات إلى الشباب وانعقدت صفوف ومؤتمرات ومخيمات للشباب وكانت ترجوا هذه المنظمات بانضمام الالوف من الشباب في العراق وإن يروا عملهم إن يحقق كل نتيجة ممكنة لخدمة العمل الانجيلي في العراق .
غير إن الكنيسة في العراق كانت بامس الحاجة إلى زعامة مسيحية وطنية مدربة ترعى الكنيسة الانجيلية ففي بغداد كان هنالك قس مصري وفي كركوك هناك فقط قس وطني واحد. لكنه بعد ذلك شُكلت هيئة مشتركة من الوطنيين لإدارة المنبر وشؤون الطائفة والقيام بالفرائض الدينية ولكن بعد أن أخذ الآهلون يهجرون الموصل لاسيما بعد ثورة الشواف اذ تضاءل عدد البروتستانت في الموصل وأغلقت الكنيسة أبوابها بينما في كركوك ازدادت عوائلهم وانتعشت الكنيسة في العقد الثامن من هذا القرن وفي بعشيقة حققت الإرسالية نجاحا طفيفاً باشرافها على أعمال الإرسالية الدانماركية إلى الشرق وتحويل بعض اليزيديين إلى البروتستانتية وافتتحت محطة لتدريب القرويين والمزارعين على أساليب الزراعة الحديثة .
وفي اربيل عملت الإرسالية اللوثرية الشرقية ومن العراقيين الذين خدموا فيها القس صادق شامي (1942 ـ 1977) وهو من اصل يزيدي وبعد انفكاكه من الإرسالية واصل عمله الكنسي بصفته الشخصية.
وفي عام 1954 عقدت الكنائس الانجيلية في العراق مؤتمرا يمثل ثلاث عشر كنيسة جمعت بين هيئات دينية وانجيلية متنوعة وخاصة بين اعضاء من الكنائس القديمة ومن عرب متنصرين وخرج هذا المؤتمر بمقترحات مهمة جعلته بداية لتاسيس كنيسة متحدة انجيلية بين سكان العراق. وفي عام 1956 صوت مجمع الارساليات العالمي للكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة الأمريكية بالاشتراك في عمل هذه الارسالية وجاء اتحاد الكنيسة المشيخية المتحدة والكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة الأمريكية بعضو جديد اليهم وهو العراق.
غير إن النجاح الحقيقي للعمل الانجيلي في بلاد ما بين النهرين كان في الكويت فبالرغم انه لم يكن هنالك انجيلي أو مسيحي واحد في بداية القرن العشرين نجد إن هناك المئات من العائلات الكويتية المسيحية بينهم عدد من الانجيليين غير قليل.
  واما شيخ الامارة فهو صديق حميم للمرسلين الانجيليين ويقدر خدماتهم العظيمة عاليا لانهم ” ادخلو نور المعرفة إلى بلادهم حين كانت في ظلام دامس” وتقوم الكنيسة بخدمة المسيحيين الذين يعملون في منطقة البترول وهذا القطر – اي الكويت – هو الجنة بالنسبة إلى باقي الدول العربية بالنسبة إلى العمل الانجيلي والجالية المسيحية هناك هي اقوى جالية[4].
 

2-4  الانجيليون في كردستان بعد 2003
خارج السليمانية في جنوب شرق كردستان العراق يقام مجمع صغير من المباني الطويلة ومن وراء الجدران الرمادية وفوق جدار عال تقف لوحة كبيرة بيضاء تلمع باللون الذهبي والأزرق السماوي مكتوب عليها بالحروف وباللغة الإنجليزية والعربية: المدرسة الكلاسيكية – الميديين. وهي واحدة من ثلاث مدارس خاصة جديدة في المنطقة التي تعلم النظرة العالمية “للمسيحية” ومن عمل الإنجيليين الأمريكيين من ولاية تينيسي. أنشأت هذه المدارس مع محطات الإذاعة والكنائس الانجيلية في شمال العراق وكلها بمباركة من حكومة كردستان وبمساعدة من دافعي الضرائب في الولايات المتحدة.
منذ الاحتلال الامريكي تولى الإنجيليين الاميركان ليس بناء المدارس فقط ولكن المطابع ومحطات الإذاعة، والمراكز النسائية، والمكتبات، والعيادات الطبية وخدمات طب الأسنان، والكنائس في شمال العراق، ومع كل الدعم والمساعدة من حكومة كردستان وتم تمويل العديد من هذه الجهود كجزء من أموال دافعي الضرائب الأميركية، من خلال توجيه وزارة الدفاع لعقود البناء ومنح وزارة الخارجية.
في أيلول 2003، بعد أربعة أشهر فقط من غزو القوات الأمريكية وإزالة النظام، تم تجميع 350 من قساوسة وزعماء الكنيسة الإنجيلية في كركوك، حيث استقبلوا بحفاوة من قبل مسعود بارزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان.
وفي ذلك الاجتماع، أعلن جورج غرانت، وهو زعيم مجموعة الخادم الدولية، والمنظمة ألانجيلية في ناشفيل عن إعداد سلسلة من المدارس المسيحية، على أن “يسوع المسيح هو الرب على كل شيء، فهو الرب على كل ملا، كل آية الله، وعلى كل إمام، وعلى كل الزعماء المهديين، فهو الرب على كامل الأرض وحتى على العراق!
تظهر وثائق وزارة الدفاع أن القيادة المركزية الأمريكية بين عامي 2005 و 2007، دفعت قيادة التعاقد العراقي المشترك الى مجموعة الدبان وهي شركة كردية لبناء مدرسة غرانت للميديين بما مجموعة  465،639 $. وقبلها بعامين، كانت هناك العشرات الآلاف من الدولارات من البرنامج التي تمولها وزارة الخارجية لشراكات الرعاية الصحية في شمال العراق أيضا في طريقها إلى مجموعة متنوعة من المشاريع والإنسانية لمجموعة الخادم الإنجيلية. وفي مقابل دعم الحكومة الإقليمية لهذا الوجود الانجيلي في كردستان، قال دوغ لايتون، وهو من ولاية تينيسي وأحد مؤسسي مجموعة الخادم، وخدم كضابط اتصال مهم مع حكومة إقليم كردستان في واشنطن أثناء سنوات حكم بوش. ومن هناك، كان يدير العلاقات العامة للأكراد وجهود تجنيد رجال الأعمال الإنجيليين للاستثمار في المنطقة.
“منذ الفترة التي سبقت حرب العراق، قام [مسعود البارزاني] وحكومة إقليم كردستان مع إدارة بوش والجناح اليميني لبناء القاعدة المسيحية الإنجيلية”، ويؤكد مركز سياسة المجتمع في واشنطون “بان كردستان العراق هو المكان الذي شهد صعود نفوذ السلطة والمال. فالبارزاني ذهب إلى السماح لهم بإنشاء المدارس والكنائس والحصول على ما يحتاجونه”. ولكن، “نظرا لصعود الأحزاب الإسلامية في كردستان والاستياء المسيحي الآثوري من تمييز التبشير الإنجيلي الأمريكي جعل هؤلاء كمن يلعبون بالنار”.
2-5 المؤمنون الأكراد
في السنوات التي تلت عام 1988 قام اكثر من 14000 لاجئ كردي بالرحيل من كردستان إلى ناشفيل، والتي تعد اليوم أكبر جالية الآن نسبة إلى عدد السكان الكرد في الولايات المتحدة.
في عام 1992، قام كادر من الانجيليين في ناشفيل من مجموعة الخادم الدولية، بما في ذلك عدد كبير من “المؤمنين الأكراد”، وتقاطروا من قاعدتهم في كنيسة بلمونت، وكنيسة ميغا بمجموعات عدة للتحضير لإعادة الاحتلال في طريقهم إلى جبال كردستان في شمال العراق، حيث فتحوا مقرا صغيرا هناك كموطئ قدم لهم. وكانت التعبئة لذلك التوجه عبارة عن طباعة عدد كبير من الأناجيل باللغة الكردية، وأكياس من النقود، والمعدات الطبية، ووضع خطة طويلة المدى لوضع كل “مملكة الأب” بين الحدود التركية والإيرانية.
ومنذ وصولهم الى شمال العراق قبل نحو عشرين عاما، اتسع وجود مجموعة الخادم العالمية، وقامت بإنشاء المكاتب والوزارات والمدارس في تركيا وآسيا الوسطى، وإندونيسيا، وألمانيا، والنرويج.
واليوم وبعد سنوات من الهيمنة الأميركية في المنطقة، تسللت هذه المجموعة بشكل عميق داخل حكومة إقليم كردستان، فالائتلاف الحاكم الكردي المؤلف من مسعود البارزاني (الحزب الديمقراطي الكردستاني) وجلال الطالباني (الاتحاد الوطني الكردستاني). وبمساعدة من لايتون في مؤسسة تنمية كردستان يقومون بالمساعدة لتحقيق الاتصالات مع جماعات الضغط وأعضاء الكونجرس من الجمهوريين في واشنطن، وقد توسطت الامتيازات التجارية الدولية وعقود التنقيب عن النفط وحولت الأموال لمهامهم من وزارة الدفاع والوكالة الأمريكية للتنمية، لإنشاء سلسلة من المدارس المسيحية. في المقابل، دعمت وزارات حكومة إقليم كردستان مجموعة فريق الخادم بان تم منح الأراضي والمباني وغيرها للمدارس بشكل مباشر وبعيدة عن المجاملات. وتتميز مجموعة الخادم وشركائها بنموذجهم العسكري للتبشير (او ما يسمونه “بالحرب الروحية”) ؛ من حيث تكتيكات العمل السري مثل صناعة غطاء لعملهم أو ما يعرف “بالمملكة التجارية”[5].
فقد دخلوا البلاد لإنشاء مؤسسات علمانية على ما يبدو على أنها غطاء للتبشير؛ والتي يسمونها “برسم الخرائط الروحية” (حيث يكون سلوك الفرق من الانجيليين الكامل هو في البحث الميداني” والتي تتضمن جمع البيانات الديموغرافية والتاريخية والجغرافية على مستوى بلدان بأكملها)؛ وهذا الأمر ليس بجديد لهذه الطائفة فهو منهج كانت قد درجت عليه وسارت فيه على مدى القرن الماضي في هذه المنطقة بالتحديد وبقية مناطق العراق والشام والخليج العربي.
كذلك يجمعها العداء المتأصل للإسلام، وهدفها تحقيق السيادة “للمملكة الانجيلية” لقيادة العالم الآن (في انصهار كالفيني سلطوي جديد و “بالرسولية الجديدة للطائفة الخمسينية لجمعيات الله” واشهر المعروفين المنتمين لهذه الجمعية هي سارة بالين مرشحة الرئاسة الأمريكية الأخيرة لمنصب نائب الرئيس.
2-6 مملكة الله على ارض كردستان
 أنشأ المبشرون التابعين لمجموعة فريق الخادم بذكاء لأنفسهم أصول قيمة مع الأسر الحاكمة، كحكومة إقليم كردستان ومع بوش وتشيني وأمراء الحرب على العراق. فكانت هذه الجماعة على علاقات وثيقة مع ادارة جورج بوش: كستيفن مانسفيلد، مؤلف كتاب إيمان جورج دبليو بوش، وهو من أكثر الكتب مبيعا عام 2004 والذي يصور فيه بوش بأنه “رجل الله” في البيت الأبيض، وكان قد عمل لمدة خمس سنوات، حتى عام 2002، كراعي لكنيسة بلمونت في ناشفيل قبل أن يخدم كمؤسس لمجموعة فريق الخادم.
وقد سافر مانسفيلد الى شمال العراق مع مجموعة فريق الخادم لجلب الأناجيل وتوزيع فيلم عن يسوع، وهي وسائل عادة ما يتم استخدامها على نطاق واسع كأداة للتبشير الإنجيلي بين الأكراد. وقام مانسفيلد بمنح فرص عمل لمستشارين لمجموعة من “المديرين التنفيذيين يعملون علنا للأعمال المسيحية” ودعا أمريكا لتكون هي القدر، التي تستثمر في مشروعات التنمية في كردستان. ففي مقابلة أجريت معها عام 2002 في رابطة المسيحية الكلاسيكية في نشرة المدارس تقول ماري يعقوبيان المدرسة في المدارس الكلاسيكية إنها انضمت إلى بعثة مجموعة الخادم لأنها “لم تكتف فقط لإعداد بناء كنيسة في كل مدينة. لكن هدفها هو التلميذ والأمة وإنشاء مملكة المسيح في كل مجال من مجالات المجتمع: الحكومة، والفنون، والطب، والتعليم، والقانون، الخ”.
فبعد إظهار الإسلام “كدين يقوم على الخوف” ، تندفع يعقوبيان للحصول على “الشاهد المؤمن” حيث الرجال والنساء الذين لهم جذور في الإسلام بدؤوا يتحولون الى المسيحية !
بيانات يعقوبيان تعكس تقلب خطير للاقتناع باستثناء الاضغاء إلى الإنجيلية وعن “ملكوت الله” وهو يستبعد كل الاحتمالات الأخرى غير العلامة التجارية الأمريكية المعينة من المجتمع المسيحي، والحكم والرأسمالية.
دوغلاس لايتون هو مركز هذه النجاحات. في تقريره المنشور في كانون الثاني 2002، يؤكد على إشادة أندرو ساندلين بالتنظيم المسيحي الجديد منذ فترة طويلة وهو زميل مقرب من جورج غرانت، ودعا لايتون لشن غارات مشروعة الطموح في كردستان.
حيث يقول “وإذا أردنا دعم المبشرين، دعونا ندعم المبشرين الذين هم في جميع أنحاء العالم لاستعادة الثقافات، وليس لمجرد الفوز بالنفوس القليلة هنا وهناك”، وكتب ساندلين الى دوغ لايتون في كردستان، شمال العراق، “الى الإعداد لبناء ثقافة مسيحية: فالمدارس المسيحية الجديدة، والأعمال التجارية المسيحية الجديدة، وأكثر من ذلك، وان لا يكتفي ببناء الكنائس وانما يريد ثقافة مسيحية بأكملها “.
لايتون المشارك بتأليف كتاب، “أبانا في المملكة: الكنيسة والوطن”، في عام 2000، والذي ينص صراحة على مهمته : “إذا كان الشيوعيون والمسلمون يمكن لهم أن يقيموا الدول فان ذلك يعني حتى يمكن لنا الله من إقامة مملكته!”
في هذا الكتاب يعلن المؤلف فيه الأهداف العامة والحقيقية لحركة الحرب الروحية، وهو الجيش الذي يصف نفسه بأنه من الانجيليين في معركة ضد “الشياطين الإقليميين” لإقامة “مملكة المسيح”.
وحيث انه يرأس جهاز الاستخبارات العالمي الإنجيلي، وهي منظمة من مجموعة الحراس، الذي تنشر “خلايا الميدان” مع أجهزة الكمبيوتر المحمولة لجمع البيانات الديموغرافية في البلدان المستهدفة حاليا، كأوغندا، وكذلك في عدة بلدان في أمريكا الوسطى والشرق الأوسط، بما في ذلك العراق. وترسل البيانات إلى كمبيوتر الحارس كجزء من مشروع ضخم من كبنك معلومات لرسم الخرائط للمشروع “الروحي”.
ودفع لايتون التبشير في الشرق الأوسط إلى حدوده القانونية. ووفقا لوثائق المحكمة الألمانية، حين ألقي القبض على لايتون في عام 1993 في مدينة دهوك في شمال العراق بسبب التبشير علنا وتصريحه بأن كردستان سيكون لها “دولة كما وعدت، إذا اتبع الأكراد يسوع” وان “الإسلام لن يجلب شيئا لهم سوى الحرب والتدمير والخراب “. وكان خطابه قد أثار احتجاجات غاضبة في الشوارع، وبعد إلقاء القبض عليه، أمر بلايتون الى خارج البلاد.
ورغم ذلك سعى على ما يبدو لتدارك تلك الأحداث بتنظيمه حملة لكسب التأييد لدعم الحزب الديمقراطي الكردستاني في واشنطن حيث ألقى خطبا في مجلس السياسة الوطنية وأدلى بشهادات في جلسات الاستماع في الكونغرس، لدعم نصرة الولايات المتحدة لإقامة دولة كردية مستقلة، والاستثمار في المنطقة، وللحزب الديمقراطي الكردستاني ولا سيما للبرزاني.
 بحلول عام 1996 عاد لايتون الى كردستان وعمل حتى أواخر عام 2009، مديرا لهيئة التنمية الكردية في أربيل، وهو المشروع الذي ترعاه حكومة إقليم كردستان وبدأ في عام 2004  بهدف “تعزيز وتيسير وإقامة الأعمال التجارية وفرص الاستثمار في إقليم كردستان في العراق”.
قبل توليه منصبه في هيئة التنمية الكردية، شغل لايتون وظيفة في وزارة الصحة في حكومة إقليم كردستان، حيث كان مساعدا لوزير الصحة للعمليات الميدانية وسعى لشراكات الرعاية الصحية التي تدعمها الوكالة الأمريكية للتنمية في شمال العراق.
في عام 2008 أدمجت حكومة إقليم كردستان هيئة التنمية الكردية في كيان جديد، وهو “كردستان للاستثمار”. ومن غير الواضح ما هو الدور الذي يلعبه لايتون في هذا المكتب بعد تجديده. وفي مجلس إدارتها.
لايتون يوجه حاليا مشروعا لجولات أخرى في العراق، حيث ينظم رحلات ترفيهية لرجال الأعمال والسياسيين الأمريكيين في كردستان. وشركائه في الشركة زميله رئيس مجموعة الخادم بيل غراوي وجيسون أتكينسون، وهو السناتور الجمهوري المحافظ عن ولاية اوريغون.

2-7 العراق دولة أخرى عند شعب كردستان
كردستان العراق كدولة لها ايضا علاقات قوية مع جيش الولايات المتحدة. فشركة بوينت 62 هي شركة فرعية للاستشارات برئاسة العقيد المتقاعد هاري شوت في الجيش الأميركي ، الذي كان رئيس هيئة الأركان لسلطة التحالف المؤقتة في شمال العراق 2003-2004، ويشغل الآن منصب مستشار أمني بارز للحكومة في إقليم كردستان.
وبوينت62 تقدم الأمن والمشورة السياسية لعدة عناصر في حكومة إقليم كردستان، وبصورة رئيسية لمكتب رئيس الوزراء ووزارة الدولة للشؤون الداخلية” و”خدمات لصناعة النفط والغاز”.
والكولونيل سكوت، الذي يبدو أن ارتدى قبعات كثيرة، هو أيضا نائب الرئيس التنفيذي لشركة  VSC للأمن، وهي مشروع مشترك مع حكومة إقليم كردستان برئاسة كيث هاء شوت، وهو لاعب جيد متصل بالحزب الجمهوري، مع جماعات الضغط كمجموعة هالي بربر لبغر ؛ وشوت يشغل الآن منصب مستشار كبير لحكومة إقليم كردستان.
في عام 2005، انضم بيل غراوي بلايتون في هيئة التنمية الكردية لإطلاق حملة ترويجية في كردستان للدعوة إن العراق دولة أخرى، من خلال سلسلة من أفلام الفيديو، والطباعة، وإعلانات الإنترنت ورسائل البريد الإلكتروني والتي يظهر فيها الأكراد مبتسمين ويلوحون بالأعلام الأميركية ويشكرون الولايات المتحدة لغزوها للعراق .
 وهذه الشركة ايضا مرشحة أيضا لفرص الاستثمار كشركات متعددة الجنسيات في شمال العراق. حيث يقوم غراوي ولايتون في جلب سال روسو، الذي يرأس روسو مارش آند روجرز، وهي شركة للعلاقات العامة تابعة للحزب الجمهوري ومقرها في ساكرامنتو. وبموجب العقد ستقوم الشركة “مقابل الملايين من الدولارات على مدى السنوات القليلة المقبلة” والمقدمة من حكومة إقليم كردستان، وفقا لروسو.
 وقبل ذلك بعام، كانت ذات الشركة هي المنتجة لحملة وسائل الإعلام المؤيدة للحرب ومرددة مزاعم ادارة بوش ان صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل وكان “له علاقات واسعة” بتنظيم القاعدة. والإعلانات توصف هجوم الديمقراطيين الذين عارضوا حرب بوش بأنه ” استعداد لتقويض التأييد للحرب على الإرهاب تدفع بأنانية لطموحاتهم السياسية الوقحة”.
أنتج غراوي أيضا شريط فيديو دعائي آخر، مختلف جدا، اسمه رحلة إلى العراق، وبتمويل من مجموعة الخادم ومصمم خصيصا للإنجيليين الأمريكيين. يظهر في هذا الشريط واحد من “المسيحيين المؤمنين وهو يلبي دعوة الله للمساعدة في نشر المسيحية إلى الشعوب العربية والكردية”.
في حزيران 2002، بدأت ادارة بوش الاستعداد للغزو الأميركي للعراق، وأعطى الكونغرس الضوء الأخضر مبلغ 3.1 مليون دولار لتمويل البرنامج التي تمولها وزارة الخارجية ومنها الشراكات للرعاية الصحية في شمال العراق، بزعم المحاولة لتحسين الرعاية الصحية في المنطقة الكردية، ولكن في المقام الأول كان خبراء السياسة في الشرق الأوسط في الولايات المتحدة، والمراقبون في المنظمات غير الحكومية المحلية ينظرون على أنها كانت وسيلة لتحقيق الوحدة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني معا تحت هيئة حكم موحدة. والذي تم التعاقد معه لمنصب مدير العمليات الميدانية لهذه الوكالة وبناء فريق المشروع هو دوغلاس لايتون.
ابتلعت هذه الشراكة ثلثي المال وهي نسبة مجموعة ميريديان الدولية، وهي منظمة غير حكومية مرتبطة سياسيا في ذلك الوقت، بزوجة رئيس الأغلبية في مجلس الشيوخ بيل فريست كمقاول من الباطن، وفقا لتحليل من جانب احد المشاركين في البرنامج. وترك حوالي 1 مليون دولار للايتون لتوجيهه شخصيا في برامج الصحة الكردية.
ووفقا لتقارير نشرتها مجموعة الخادم ومصادر في شمال العراق الذين شاركوا في البرنامج، حول لايتون الكثير منها إلى عمليات مجموعة الخادم مثل الخادم المتنقلة لطب الأسنان والعيادات الصحية، وإلى جيوب مسؤولي حكومة إقليم كردستان. واستخدم لايتون أيضا الأموال لاستئجار مكتب في وزارة الصحة في حكومة إقليم كردستان بمبلغ 1000 $ شهريا وكرشوة لحكومة إقليم كردستان الرسمي، حيث كان مساعدا للدكتور جمال عباس عبد الحميد وزير الصحة. ووفقا لمصادر المنظمات غير الحكومية فان اثنين من الذين كانوا آنذاك في كردستان، كان لايتون يسلمهم أيضا الرشاوى النقدية والمعدات الطبية لشركاء مقربين لعباس.
كان لايتون أبعد عن التعامل الذاتي واستغلال النفوذ، ويبدو أنه كانت له فكرة عملية تشغيل الفقراء. تحت قيادته، فعلى سبيل المثال، قام بإعداد الشراكة في مجال الاتصالات والإنترنت وفي العيادات الطبية والمدارس المحلية، وبعد ذلك يتعين على المنظمات أن تدفع 1000 $ شهريا لمواصلة دعم مجموعة الخادم لهم وبطبيعة الحال، لم يكن لديهم هذا المبلغ الواجب دفعه وبالتالي تبدأ عمليات الابتزاز.
بين عامي 2002-2004 كان لايتون ومجموعته يقومون بالشراكة مع  NGO. والذي كان السبب في عمله المستمر في هذه المنطقة المضطربة سياسيا، انه “قامت منظمته الغير حكومية بسلسلة من الدورات التدريبية للتمريض في جميع المستشفيات الرئيسية الثلاثة”. كذلك قام لايتون بتقديم 26 منحة كانت تكلف في المتوسط حوالي 13،000 دولار، وهذا يعني حوالي 338،000 $، وليس ما يقرب من 1 مليون دولار كما يقول أنها ذهبت الى برامج المنح “.
مايك اميتاي وهو خبير شهير في كردستان كان يعمل مع عدد من المنظمات غير الحكومية في برامج الإغاثة في المنطقة خلال التسعينات. ويشغل الآن منصب محلل السياسة العليا بشأن الشرق الأوسط في معهد المجتمع المفتوح في واشنطن كتب: “أجد أنه من المقلق أنه في ضوء الخلفية لدوغلاس لايتون وأنشطته لصالح المبشرين المسيحيين المدقعين، سيتم اختياره لإدارة برامج المساعدات الحكومية الهامة للولايات المتحدة في كردستان العراق ” .
ويقول “أنا مستاء إذ أنه على الرغم من عدم فعالية البرامج المنفذة سابقا تحت توجيه لايتون، ومعرفة نشاطه الإنجيلية، واصلت السلطات الكردية تسهيل دوره البارز في مؤسسة تنمية كردستان”، “على الرغم من التهديد الذي يتعرض له المجتمع الكردي من جدول الأعمال الخاص بلايتون المخفي”.

2-8 المدرسة الكلاسيكية ” الميديين”
اليوم المدرسة الكلاسيكية ” الميديين” تدير ثلاث مدارس في السليمانية، وفي أربيل ودهوك، وتخدم كل منها من مرحلة رياض الأطفال حتى الصف العاشر. وكل المراحل يكون التدريس فيها باللغة الإنجليزية، وهو ما يفسر، تمويل هذه البرامج من قبل الحكومة، ومن خلال وزارة التربية والتعليم، و”الكنائس خارج كردستان”.
في هذه المدارس 800 طالب يأتون من عائلات عليا وبعضهم من الطبقة الوسطى، وكثير منهم أطفال المسؤولين في كردستان. وأكثرهم من المسلمين، مما يجعلها أهدافا جاهزة لمجموعة الخادم والمبشرين.
المدارس هي جزء من خدمات المنظمة الكلاسيكية للتنمية الدولية، المحافظة والتي يوجد مقرها في مدينة ناشفيل. والذي يرعى الكنيسة والمدرسة، يوسف ماتي. ومعظم المدرسين هم من كردستان لكن هناك موظفي من منظمة التنمية الدولية الكلاسيكية ومن مدارس مجموعة الخادم ويتيح لنا هؤلاء المدرسين الدوليين تدريب المعلمين المحليين وتنظم المناهج والبرامج.
 بين عامي 2002 و 2006، ضخت مجموعة الخادم 2 مليون دولار في عملياتها الانجيلية الكردية بمساعدة الشركاء الدوليين، وهي جماعة إنجيلية مقرها في سبوكان، واشنطن. ولا سيما منظمة الأمل العالمية الإنجيلية من ولاية تينيسي، وهي التي قامت ببناء منشأة بقيمة 2 مليون دولار، واستكمال التكنولوجيا الفائقة لمقهى انترنت وأسست مركز حرية العراق. ويرأس المشروع من قبل هيذر ميرسر، الذي اعتقل من قبل حركة طالبان في آب 2001 عندما تم ضبطه بتسليم الأناجيل التبشيرية أثناء عرض فيلم يسوع.
جورج غرانت يقول حول المدارس الكلاسيكية. ان منحة المدرسة الكلاسيكية، تحدد بالضبط بما يعنيه التعليم المسيحي التقليدي. “لدينا النظرة التأسيسية هي الكلمة الغير قابلة للتغيير من الكتاب الله المقدس… نحن نسعى جاهدين لممارسة العيش وتعليم الكتاب المقدس في كل مكان، ليس فقط في مناهجنا الدراسية، ولكن أيضا في إدارتنا وموظفينا. وبالتالي يعيش الطلاب في ثقافة المسيحية التي تهيمن عليها سلطة كلمة الله.
وقد ألف مايكل غونتر، وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة تينيسي للتكنولوجيا، اثني عشر كتابا عن كردستان؛ كان الأخير، بعنوان: صعود الأكراد، وهو يتعامل مع المنطقة في عصر ما بعد صدام. وقد سمى غونتر هذه الجهود الأميركية الإنجيلية في كردستان “بالمثيرة للقلق” .يقول غونتر: “إن الأكراد هم من المسلمين، وإنهم لا يعرفون المسيحية”، ويقول. “وبينما هم اكثر تسامحا من المسيحيين فالمسلمين وخاصة هذا النوع نجده عدواني. لكني أجد أنه من الغريب أن حكومة إقليم كردستان تسمح لهؤلاء المبشرين بالعمل في كردستان”.

2-9 الكرد والسياسة المسيحية اليوم
 بيل غراوي يقول بشأن شعور الكرد الديني. “معظم الأكراد لا يحبون الإسلام”.
في كتابه ” دم القمر”، وهو كتاب نشر لأول مرة في عام 1991 يدعو غراوي الى قهر العالم الإسلامي عن طريق القوة العسكرية من أجل إحداث تحويل للمسلمين، وهو شرط واضح لتحقيق النظرة الدينية لبلده التي لا هوادة فيها.
في 1987 كان غرانت يقول وهو في الحرس: ” السياسة المسيحية القصد الرئيسي منها غزو الأرض فالرجال والأسر والمؤسسات والبيروقراطية، والمحاكم، والحكومات هي لمملكة المسيح، وهي إعادة سلطة كلمة الله العليا وعلى جميع الأحكام، وعلى جميع التشريعات، وعلى جميع الإعلانات والدساتير، والاتحادات “.
وفي محاضرة في نيسان 2004 في روتردام قال غرانت في مركز دراسات في ولاية فرجينيا، ” سوف نجعل التلاميذ يطيعون كل ما هو أمر، ليس فقط في المنطقة الضبابية من التقوى، ولكن في مجمل الحياة…. وهذه هي الولاية الثقافية والروحية والعاطفية، هي للفوز بكل شيء باسم يسوع “.
مارك بوتوك، مدير مشروع مركز الاستخبارات في ساوثرن بفيرتي لو، والذي يتتبع الحركات الاجتماعية والعنصرية لليمين المتطرف، هو على معرفة جيدة بغرانت ومدارسه، يقول، “نحن تأثرنا عميقا بأفكار بتفوق البيض”. وهو يشير، على وجه الخصوص، إلى جمعية غرانت الوثيقة مع ويلسون دوغلاس، الذي أسس الرابطة الكلاسيكية للمدارس المسيحية  وكلية ونيو سانت اندروز في يداهو، والتي تركز على المعلمين في المدارس الكلاسيكية في كردستان.
وبمشاركة ويلسون مؤلف كتاب الرق والجنوب: فخيال الكونفدراليين الجدد المتنكرين في التاريخ. يقول الكتاب لقد عوقبت العبودية الجنوبية من قبل الكتاب المقدس، وأن العبيد كانوا يتمتعون بحياة رائعة نظرا لعطاءاتهم الأبوية من أسيادهم الإنجيليين.
وان “إنتاج الرق في الجنوب هي المحبة الحقيقية بين الأجناس وأننا نعتقد أنه لم يكن موجودا في أية دولة مدنية قبل الحرب ولم يكن هناك مجتمع متعدد الأعراق مثل التي وجدت بهذه العلاقة الحميمة المتبادلة والانسجام في تاريخ العالم”.
ورغم كل ما ورد فقد بقيت القيادة الإنجيلية في شمال العراق تقف بحزم، ولا تستجيب بشكل موحد لكل طلبات التعرف عليها أما قساوسة الكنائس الإنجيلية في المنطقة، مثل كنيسة كورد سمان والكنيسة الإنجيلية الحرة، فهم اكثر تكتما حول نشر ما يقومون به من برنامج المساعدات الأمريكية، وفي الهيئة الكردية للاستثمار، وعلاقاتهم مع أفراد معينين في كردستان. هذا الموقف من قبل رجالات العمل الانجيلي في كردستان العراق يؤكد حقيقة ان الانجيليين في المنطقة يقومون بما يعرف عندهم بلعبة. وفقط الأكراد يأخذون هذا الأمر بصورة جدية.
فحكومة إقليم كردستان لا تشعر حول ما إذا كانت التقارير المكتوبة بالانكليزية للانجيليين والمرسلة الى الولايات المتحدة لن تحظى بأكثر من مجرد القراءة هناك. وربما تكون هناك نية لحكومة إقليم كردستان “برسم الخط الفاصل” بينها وبين الانجيليين في حال مواصلة جهود الانجيليين العدوانية او في حلة ضعف موقف حكومة الولايات المتحدة هناك وقلة التمويل للمشاريع الخاصة هناك.
فهناك اليوم أولوية لحكومة إقليم كردستان وهي العلاقة “اللائقة مع طهران”، إذ ان هناك حركة ارتفاع إسلامية موالية للاستجابة لأوجه التفاوت الاقتصادي بين الأكراد القليل منهم أغنياء وغالبيتهم من الفقراء العاملين، وهناك استياء كبير من ان الإسلاميين يمكنهم الاستفادة من هذه الفجوة الكبيرة في المجتمع كما هو شانهم دائما.
وفي قراءة لتعليقات لايتون في مقابلة له في عام 2003 مع مجلة العالم الإنجيلي، ظهر لايتون كبطل يدافع عن المسيحيين في كردستان، ويؤكد لايتون المخاوف بشأن الديناميكيات السياسية في عراق ما بعد صدام . يقول لايتون “الأميركيون ارتكبوا خطأ بسبب سوء فهمهم للإسلام بهم”، “فالشيعة والسنة ليسوا مثلنا، وسوف تبقى الكراهية دائما موجهة نحونا بحسب وجهة نظرنا للحكومة، والتي هي لا تعترف بالحقوق غير القابلة للتصرف”.
ان وجود شخص مثل لايتون داخل حكومة كردستان في قضايا الاستثمار والسمسرة الأجنبية في المنطقة وإقامة المدارس المسيحية بهدف التبشير للمسلمين سيجعله في موقف خطير بالنظر إلى المناخ السياسي المضطرب الحالي في العراق. “فاستقرار كردستان هش للغاية ألان”، وهذه “الدولة” الهشة الراهنة في شمال العراق بين الأكراد والآثوريين المسيحيين واليزيديين والتركمان وبعض العرب المسلمين السنة والتي أدت إلى موجة من التفجيرات والاغتيالات على مدى الأشهر القليلة الماضية .
وتركت الانتخابات الوطنية الأخيرة تقسيم العراق على طول الخطوط السياسية والقبلية والدينية وتركت دون إجابة عن السؤال الملح من هي الجهة التي ستسيطر على المناطق الغنية بالنفط التي تضم كركوك ومناطق سهل نينوى.
 القادة العسكريون الأمريكيون يقولون ان التوترات بين الأكراد والعرب هي أكبر تهديد للأمن في العراق في ظل تسارع وتيرة انسحاب القوات الأميركية. وهناك اليوم على ارض كردستان العراق الالاف من كوادر المملكة الانجيلية من الولايات المتحدة الآن في مزيج خاص مرتبط بشكل موثوق بعلاقات مع المستويات العليا من حكومة إقليم كردستان وهذه العلاقات يمكن لها أن توفر المزيد من الوقود إلى حالة قابلة للاشتعال على نحو متزايد.
المصادر والمراجع:
[1] EVANGELICAL WORK IN ARAB EAST, the christian writers fellowship, book no; V .Beirut.1960.
2- Open Source Center Report, Iraq — Provincial Elections Guide, 2009, FOR OFFICIAL USE ONLY.
 3- P. W. Singer, Outsourcing War, Foreign Affairs, March/April 2005
[1] “القس دونالد ماكنيل المرسل في الكويت ” 1960.
[2]   EVANGELICAL WORK IN ARAB EAST, the christian writers fellowship, book no; V .Beirut.1960.
[3]   EVANGELICAL WORK IN ARAB EAST, the christian writers fellowship, book no; V .Beirut.1960.
[4] EVANGELICAL WORK IN ARAB EAST, the christian writers fellowship, book no; V .Beirut.1960.
[5] للمزيد مراجعة الموسوعة التاريخية “الهلال الخصيب في الوثائق الأمريكية – الجزء الثاني”، دار الرسالة، بيروت، 2007.