العرب السنة والإرهاب في العراق

د. عبد الناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
مقدمة
      رَبط العرب السنة في العراق بالإرهاب من التخرصات التي نعقت بها غربان الحكومات الطائفية المتعاقبة في العراق، ورددها أتباعهم في حملة مسعورة لتشويه العرب السنة في بُعد، وبُعد آخر لتبرير حملاتهم العسكرية التي أريد من مخرجاتها النهائية تركيع العرب السنة للمشروع الطائفي الإقصائي. وفي هذا البحث نرصد حقيقة العلاقة ما بين العرب السنة والتنظيمات الإرهابية، وأسباب تكوين هذه التنظيمات وتوفير الحاضنة الاجتماعية لها، مع بيان دور الجهات الراعية للإرهاب من الدول المعادية للشعب العراقي التي ساهمت بطريقة أو بأخرى في تكوين هذه التنظيمات ودعمها وتوفير المناخات الأيجابية لنشرها بين العرب السنة تحديدا. ويصرف مصطلح الإرهاب في عنوان هذا البحث بالغالب الأعم على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق (القاعدة) وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) باعتبار خلفيتهم المذهبية المرتبطة بالعرب السنة، أما إرهاب الميليشيات الإجرامية وعصاباتها، وأجهزة الأنظمة والحكومات الطائفية فهي أعتى على العراقيين بشكل عام، والعرب السنة بشكل أخص من غيرها إلا أنها ليست مجال تناولنا في مبحثنا هذا إلا في القليل لارتباطها في أحيان كثيرة بوجهها الآخر للإرهاب القاعدة وداعش.
     يتكون هذا البحث من مقدمة وتمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة، في المقدمة تناولت مفهوم المصطلح المراد بحثه وخطة ومنهجية البحث، وفي التمهيد بينت حقيقة اتهام العرب السنة في العراق بتوفير حواضن للإرهاب، وفي المبحث الأول؛ الإرهاب وحواضنه وأسباب نشأته، تناولت الظروف الموضوعية التي أحاطت بالعرب السنة وجعلت بعض عشائرهم وأفرادهم يتعاطفون مع التنظيم الإرهابي، ويوفرون الحاضنة الشعبية له في بادئ الأمر، قبل أن ينتفضوا عليهم بعد كشف حقيقتهم، وتناولت الأسباب الموضوعية لوجود الإرهاب أو التعاطف معه في عراق ما بعد الاحتلال. وعرجت على طبيعة المجتمعات في التعامل مع الأرهاب وكيفية تفكيك منظومته وتجنيب تعاطف الشباب معه. وفي المبحث الثاني تم تناول الصحوات التي وجدت لمحاربة التنظيم الإرهابي، وتكلمنا عن ظروف وملابسات تكوينها، وكيف تعاملت الحكومات الطائفية المتعاقبة معها، وبينا ما لها وما عليه. والمبحث الثالث؛ دعشنة العرب السنة وتدمير مدنهم، بينا كيف تعاملت الحكومات الطائفية وإعلامها في شيطنة ودعشنة العرب السنة للضغط عليهم وتركيعهم أمام المشروع الطائفي الإقصائي، وكيف سلمت مدنهم لداعش ودمرتها بحجة التحرير. وذكرت من المستفيد الأكبر من خلال سيطرة التنظيم الإرهابي على محافظات العرب السنة ومن المتضرر الأكبر منها. وتضمنت الخاتمة أهم النتائج والتوصيات. ومنهجية هذا البحث الموضوعي تأريخي وصفي تناول بعض الأحداث بالنظر والتحليل والرصد لما تعرض له العرب السنة وبينا حقيقة علاقتهم مع التنظيمات الإرهابية رفضا وقبولا، وأسباب مؤدى الرفض والقبول. وتناول البحث بالضرورة على الجهود الكبيرة التي بذلت من قبل المشروع  الطائفي لتسليم رقاب المجتمعات العربية السنية بيد التنظيمات الإرهابية التي تتناوب في استهدفها لهم تارة على أيدي داعش وأخواتها وتارة على أيدي الميليشيات وعصاباتها.
تمهيد
        يعد اتهام العرب السنة بتوفير الحاضنة الشعبية لما عرف بتنظيم الدولة في العراق والشام من أخطر التهم التي تحمل تبعاتها العراقييون ودفعوا ثمنها غاليا، ويعد التحدي الأخطر الذي هدد أمنهم ابتداء، ومن ثمة سمعتهم. والمتابع المنصف لمراحل تمكن التنظيم الإرهابي في المجتمع العربي السني، وتوظيفه لمصطلحات كتنظيم الدولة، الدولة الإسلامية، الجهاد، مقارعة الاحتلال…وغيرها يتبين له مقدار التضليل الذي مورس على العراقيين بشكل عام، وعلى العرب السنة بشكل خاص من قبل التنظيم الإرهابي أو مَن خططوا له، فاستخدام المصطلحات الجهادية في دغدغة عواطف العراقيين، واستثمار رفضهم الخنوع للمحتل الغاصب، وحقهم المشروع في التصدي للمحتل والدفاع عن الأرض والعرض،  كل ذلك ساهم بطريقة أو بأخرى في قبول هؤلاء الارهابيين بادئ الأمر، ومن الطبيعي أن توفر لهؤلاء الحاضنة الشعبية في ظل غياب الوعي الجمعي المجتمعي بحقيقتهم. وتنسحب هذه الرؤية بشكل كبير مع بداية الاحتلال وتكوين التنظيم الارهابي في صورته الأولى فيما سمي يومذاك بتنظيم القاعدة في وادي الرافدين. غير أن الأمر لم يطل كثيرا، وكشف المستور، وتبين لدى العراقيين بما لا يدع مجالا للشك من كون هؤلاء أدعياء، والإسلام منهم براء، خاصة بعد استحلالهم لدماء العراقيين كافة. وتجلت الصورة أكثر بعد تصديهم لفصائل المقاومة في المجتمع العراقي السني في الأعوام الأولى من الاحتلال، وكشفت العديد من العناصر المدسوسة أو المخترقة لهم، وتبين بشكل جلي ولائها للمحتل أو لجهات أخرى، مع غياب القيادة الواضحة المعروفة، كل ذلك مع تواتر الفعل الاجرامي البعيد عن روح الاسلام بحق العراقيين كافة، والعرب السنة المخالفين للتنظيم الإرهابي بشكل أخص، حفز أهل السنة على رفضهم والتصدي لهم بقوة السلاح، واستعانوا يومذاك بالحكومة والمحتل على حد سواء، والنتيجة أنهم طردوا هذا التنظيم ليس من حواضرهم المدنية فحسب، بل من منظومتهم العشائرية والمجتمعية.
     تجدد الظاهرة في ولادة ما يدعى تنظيم الدولة في العراق والشام، وتمكنه من أغلب المحافظات التابعة للعرب السنة يؤشر على ضياع البوصلة لدى العرب السنة مرة أخرى، ويؤكد وجود خلل كبير لا يمكن تبريره بالسياسات الطائفية التي مورست من قبل حكومة المالكي، مهما كان الاستبداد والظلم الواقع على العرب السنة من قبلها، وهو شيء كبير لا ريب، لا نبخسه بل نجد من الضرورة بمكان فضحه والتصدي له. لكنه لا يؤشر بشكل أو بآخر على أن التصدي الأول لتنظيم الدولة في العراق (القاعدة) بالفعل العسكري على الأرض لا يكفي لإنهاء التنظيم الإرهابي. لذا نجد من الضرورة بمكان أن يتضافر الجهد الفكري والعقدي مع الجهد العسكري لإنهاء التنظيم العسكري الإرهابي على الأرض وفي الفكر والمعتقد، ما لم تتظافر الجهود لتجفيف منابع المخزون الفكري والثقافي المتطرف المفضي لنشوء وتكوين هذه الجماعات الإرهابية لا يجدي الفعل العسكري بمفرده. ولا يقبل من منصف أن يحمل العرب السنة في العراق هذا الدمار والقتل الذي استشرى بهم بسبب هذا التنظيم لكونهم هم الضحية ابتداء، أضف إلى ذلك الظروف الموضوعية التي أحاطت بالتنظيم وهيأت لنشره بإمكانات دولية ومحلية وفق مخطط مرسوم له أغراضه أكبر من قدرات العراقيين أنفسهم. ويعد هذا البحث خطوة على الطريق لكشف خبايا هذا التنظيم الارهابي، ومعرفة أسباب نشوئه، وكيفية تفكيكه، وكيف انتفض العرب السنة ضده وهل من الممكن توفير المناخات المانعة لعودة هذا التنظيم وأخوانه. وفي بحوث قادمة إن شاء الله تعالى سنعمل على فضح مستوره في تعارضه مع الشريعة الإسلامية السمحاء على مستوى الفكر والأداء، ويتجلى ذلك في تحديد مفهوم الدولة الإسلامية من قبل جمهور علماء المسلمين الثقاة، وكذلك على مستوى الفعل الممارس لأعضاء التنظيم الإرهابي وقياس هذا الفعل مع تعاليم الشريعة السمحاء ومنظومتها القيمية.
المبحث الأول
  • الإرهاب؛ حواضنه وأسباب نشأته
1-1 البيئة الحاضنة للإرهاب وتفكيكها
        يقينا لا يستطيع أي تنظيم مسلح ما العمل على الأرض ما لم تتوفر له الحاضنة الشعبية، وتوفر الحاضنة يعني بالضرورة بادئ الأمر تعاطف هذه الحاضنة مع فعل التنظيم، وقبولها بتبريرات التنظيم الإرهابي مرتبط بادئ الأمر عن ما أعلنه من تصدي للمحتل، أو فيما بعد للحكومات الطائفية التي أذلت المكون العربي السني في العراق. لكونه لم يفصح عن نواياه قبل أن يتغلغل في المجتمعات التي تتناسب وتوجهه ويتمكن منها، أي أنه تمسكن في البداية حتى تمكن، وبعد تمكنه لا يستطيع المجتمع العربي السني الخلاص منه بسبب الفعل الإجرامي للتنظيم وتكميمه الأفواه . يقول د. عمار علي حسين(1)  متكلما عن الإرهاب ؛ هذا المصطلح صار الأكثر تداولاً واستعمالاً في أيامنا ، بعد أن بلغ الإرهاب مداه، وانتقل من “الكر والفر” تحت جناح من السرية والكتمان إلى الإعلان الظاهر عن نفسه، والمباهاة الصاخبة بما يفعل من قتل وتدمير، وتطور وتحور من جماعات وتنظيمات موزعة على أرض دولة واحدة أو داخل إقليم واحد منها إلى أخرى عابرة للحدود ومتواجدة في بلدان عدة. وبوسعنا أن نتحدث عن بيئة اجتماعية، أو سياق اجتماعي، يساهم أو يسهل تفاعل وانتشار أفكار وتصرفات معينة. فإن كان الأمر يتعلق بالإرهاب، نجد أن وسطاً اجتماعياً يكون أكثر تقبلا واحتضاناً له، كفكر منحرف وممارسات مدمرة، من وسط اجتماعي آخر، يستهجنه ويلفظه. لكن علينا أن نفرق في هذا المضمار بين ثلاثة مستويات لهذه البيئة، على النحو الآتي:
أ ـ البيئة المنتجة للإرهاب: حيث يتفشى الجهل والفقر ويضعف تواجد الدولة بمختلف مؤسساتها وخدماتها، ويندر أو ينعدم وجود تنظيمات أو أحزاب تعتنق أفكاراً مدنية، يسارية أو يمينية، بينما يشتد تواجد أنصار الجماعات الدينية المتطرفة، التي تنفرد بالناس، وتكون هي وسيلتهم الوحيدة لتلبية الطلب على المعلومات والمعرفة الدينية.
وهنا يسهل على هذه الجماعات القيام بعملية “غسيل مخ” لكثير من الأفراد، يتم تجميعهم أو تكتيلهم حول الأهداف التي حددها قادة الجماعات المتطرفة، الذين يتخذون من أعمال العنف، وعلى رأسها الإرهاب وسيلة لتحقيق أهدافهم.
ب ـ البيئة المنسجمة مع الإرهاب: وهي بيئة لا تنتج الإرهاب، لكن إن جاء إليها إرهابيون يجدونها مهيأة للتعاطف معهم أو مساعدتهم في مواجهة الدولة دون التزام بتبني أفكارهم أو حتى الانضمام إلى صفوفهم. ويحدث هذا في المناطق الطرفية المهمشة التي أهملتها الدولة، خاصة أن التنظيمات الإرهابية يروق لها أن تنشط في المناطق أو الأطراف البعيدة عن قبضة الدولة، والتي هي في الغالب الأعم بعيدة عن المركز. والشواهد على هذه البيئة في العراق كثيرة فأغلب محافظات العرب السنة تندرج في تفاصيلها تحت هذا العنوان الكبير “التهميش والإقصاء”.
 ج ـ البيئة الموظفة للإرهاب: وهي بيئة لا تنتج الإرهاب ولا تنسجم معه بالضرورة، إنما توظفه لخدمة سياسات معينة. ومن هنا يمكن لأصحاب المصلحة أن يصنعوا إرهابيين أو حالة إرهابية يستعملونها كفزاعة للداخل، بغية تأجيل المطالبة بالإصلاح، أو للخارج الذي يعلن حرباً لا هوادة فيها على الإرهابيين.
     هذه البيئات الثلاث في تدرجها تشكل ما يطلق عليه “البيئة الحاضنة” للإرهاب، لكن التفرقة بين تلك الدرجات مهم في وضع خطط مواجهة الإرهابيين، سواء بالمبادأة والهجوم أو التمترس والدفاع، وقبل كل ذلك الرؤى الفكرية البديلة التي تنظر إلى الإرهاب باعتباره عملية تبدأ من الأذهان. وفي العراق تمكنت الحكومات الطائفية وبامتياز أن تسهم في صناعة الحواضن عبر تهميشها واقصائها لمكون كامل عن الفعل السياسي، عبر برنامج ممنهج لاستهداف العرب السنة وبالتالي صار من الضرورة توفر الحاضنة لكل معادي للدولة من قبل المجتمعات الرافضة للسياسة الطائفية التي تستهدفهم في عقر محافظاتهم، وتستفزهم بالشعارات الطائفية، وفي أحيان كثيرة يعمد منتسبي قواتها الأمنية بالانتقاص من رموز العرب السنة ومعتقداتهم في محافظاتهم في سيناريوا إذلال المجتمع العربي السني، ومن الطبيعي أن لانعمم، فالتعميم خلل، غير أن رصد سلوك شائن لعشرة أفراد من آلاف يعد شديد الوطأة على مجتمع كامل، ولايعكس بالضرورة توجه الدولة، لكنها تتحمل تبعاته لكونها هي من جندت هؤلاء واحتضنت الغث والسمين في صفوف قواتها الأمنية، خاصة في عمليات دمج ميليشيات الأحزاب الطائفية  في القوات المسلحة الرسمية والمؤسسات الأمنية.
      ولتفكيك هذه البيئة المنتجة للإرهاب لا بد من إصلاح الواقع السياسي ابتداءا، ومن ثمة لا بد من توفير الأمن الفكري المحصن للفرد والجماعة من الوقوع في شرك الأرهابيين، وإذكاء الوعي الفردي والجماعي من خلال التعريف بقيم الدين الإسلامي العظيمة ، ونشر الصورة الصحيحة للتدين بعيدا عن الغلوا والتظرف من جهة، ومن التحلل والتميع من جهة ثانية. يقول سعد بن عبد القادر القويعي(2) في سياق البحث عن إجابة شافية عن التساؤل المرير، حول سر انضمام من خدعوا إلى التنظيمات الإرهابية، نرى بأن التطرف سبب رئيس في الميل عن جادة الاستواء في الفكر، والسلوك، وفي التصور، والممارسة، والذي يولد داخلياً على مستوى الفهم المنحرف، ثم يترجم خارجياً إلى السلوك المتطرف بمستوياتها الثلاث، وذلك من خلال البيئة المنتجة للإرهاب، والبيئة المنسجمة مع الإرهاب، والبيئة الموظفة للإرهاب.
     إن عقلية الشباب التي تتشكل في فترة المراهقة، إذا ما شكلت وفق نسق أحادي متشدد، يرفض التعايش مع الأنساق المجتمعية الأخرى، فإنها تخفي حينئذ في طياتها تهديدات متطرفة، وإرهابية كامنة؛ لأن الإشكالية تكمن في ارتباطها بالدلالة التي يحملها الخطاب، وهذه الدلالة تنطلق من بنية بيئية متطرفة، -وبالتالي- طرح إشكالية تتجاوز خطابياً الفعل وردّ الفعل، إلى معادلة التطرف، والإرهاب. فالحاجة الماسّة إلى وعي دقة المرحلة، تقتضي إدراك جاذبية الأسلوب الذي يستخدمه تنظيم داعش في مخاطبته، وحداثته؛ كونها أحد أهم الأسباب الجاذبة للشباب للانضمام إلى تنظيم داعش، حيث يستخدم التنظيم في ذلك جيوشًا إلكترونية من شباب العشرينيات، الذين لديهم خبرة في استخدام أدوات التواصل الاجتماعي، وصياغة الرسائل الجاذبة للشباب عبر فيديوهات مصورة، ومعدة باستخدام تقنيات هوليوودية متطورة، تظهر تسجيلات لتدريبات التنظيم، ومقاطع مزعومة لانتصاراته.
1-2 الأسباب التي ساهمت في توفير الحاضنات الارهابية في العراق؛
 
 أولا؛الاحتلال
        يعد الاحتلال السبب الأول والرئيس للإرهاب بصورة مباشرة وغير مباشرة، ولعلنا لا نجافي الحقيقة إذا ادعينا أن الاحتلال هو من خطط للفوظى الخلاقة وساهم بتوفير الأجواء المناسبة لاستقطاب الإرهابيين من كل حدب وصوب، ودفع المجتمعات العربية السنية للتعاطف مع حملة السلاح ظنا منهم أنهم مقاومون للاحتلال، وهو الذي جعل من العراق مرتعا خصبا للإرهابيين،  من خلال جملة من الإجراءات التي اتخذها وأهمها؛
  • حل الجيش العراقي وبقية المؤسسات الأمنية للنظام السابق له كافة، وهيأ الظروف المناسبة لنشر الأسلحة والمعدات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة له بمتناول عامة العراقيين. أنهى منظومة الدولة العراقية التي بنيت قرابة نصف قرن من الزمن. بحجج واهية.
  • العمل بقانون بريمر وتكوين مجلس الحكم وتهميش السنة وتمثيلهم بعدد لا يتناسب وحجمهم الطبيعي. وتكريس مصطلحات جديدة العرب السنة، العرب الشيعة،الكورد، التركمان. وغيرها.
  • نهاية النظام والحكم في العراق، وهو على ما عليه كان يوفر الأمن لجميع العراقيين وخاصة العرب السنة، باعتبار أنهم من شكل الحكومات المتعاقبة من عشرينيات القرن الماضي، باعتبار المعتقد عند الشيعة الإمامية قبل تكوين عقيدة ولاية الفقيه فقد كان العمل بالسياسة عندهم محرم ما لم يظهر المهدي.
  • انتهاكات حقوق الإنسان في السجون الأمريكية، خاصة أحداث أبي غريب وغيرها، ومن الإنصاف الإشارة إلى عدم وجود أي قياس ما بين الفعل الإمريكي وما فعلته العصابات الإجرامية المخترقة للأجهزة الأمنية في الحكومات الطائفية التي حكمت بعد الاحتلال.
  • المظاهر الاستفزازية وتجول القوات الأمريكية بأسلحتهم في داخل المحافظات وحوادث القتل المباشر للأبرياء بسبب تعرضها لنيران المقاومة أو شكها في وجود استهداف لها.
  • ما عاثته القوات المسلحة للشركات الأمنية الأمريكية واستهتارها بأرواح المواطنيين الأبرياء في حوادث متعددة، وليس ما فعلته شركة بلاك ووتر وقتلها للأبرياء عنا ببعيد فقبل أيام برأت المحكمة أحد أفرادها المتهم بقتل سبعة عشر عراقي بريء.
  • الانسحاب الأمريكي غير المسؤول وتسليم العراق للأحزاب الطائفية وتمكينها وسيدتها إيران من رقاب العراقيين كافة. والعرب السنة منهم خاصة مع اعتبار العداء القديم في حرب الثمان سنين بين العراق وإيران. ترتب على ذلك استهداف كبار العسكريين الذين شاركوا في الحرب على إيران وخاصة الطياريين منهم.
ثانيا؛ الحكومات الطائفية التي تعاقبت في حكم العراق بعد الاحتلال(حكومة الجعفري، حكومة نوري المالكي في دورتين، حكومة العبادي)
وأهم ممارسات الحكومات المتعاقبة التي ولدت ردة فعل عنيفة لدى جهور العرب السنة وساهمت بأن يتعاونوا مع التطرف هي؛
  • القتل، الفردي والجماعي على أيدي القوات الأمنية أو من خلال العصابات الإجرامية التي تسيرها الأحزاب الطائفية أو من خلال المليشيات المسلحة الخارجة عن القانون والمخالفة للدستور، أو من خلال التحقيق والتعذيب وصولا للقتل. وكل ماذكر عليه شواهد وأدلة بالآلاف ذكرت بدراسات مختصة ونشرت وعممت كثيرا.
  • الاعتقال ومادة أربعة إرهاب، وكأنها كما ذكر عنها مادة أربعة سُنة، فالاعتقالات العشوائية، والاعتقالات الممنهجة، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان بالتعذيب والسجن دون تقديم للمحاكمة، وتأخير تقديم أوراق المعتقليين، وحشر العشرات من السجناء في غرف لا تتسع إلا لأربعة أو أكثر بقليل، حتى باتت السجون والمعتقلات تعذيب بذاتها لا يستطيع الإنسان في الخارج الدخول فيها دقائق، فضلا عن سنين يقضيها المعتقلون وفي أحيان كثيرة من غير أن يعلموا جريرتهم إلا لكونهم عرب سنة مؤثرين.
  • التهجير والنزوح…تعددت الأسباب التهجير واحد… الهدف إما يكون تغييرا ديمغرافيا لهيمنة مكون على حساب المكونات الأخرى، أو يكون لأذلالهم لشعور المقابل بالنقص، والخسيس إذا ولى لا ترجوا منه خيرا، خاصة لذوي الوجاهة والاعتبار المجتمعي السابق إذا دار الزمان عليهم وملك رقابهم لحاسد أو حاقد .
  • هدم المدن، واستهداف البنى التحتية للخدمات البلدية والصحية والتربوية، وأستهداف المساجد والجوامع، واستهداف المباني الشخصية والبيوت والعمارات والمحال التجارية. وذلك بسبب الأعمال الحربية ضد داعش أو غيرها. وفي كثير من الأحيان يتم انهاء التنظيم الإرهابي المسيء وطرده من المدن العربية السنية وتستغل المليشيات الأوضاع فتفجر المساجد والأبنية من غير أي تبرير ولا حساب.
  • التهميش والإقصاء، وهي سمات ملازمة للسياسات الطائفية فهيمنتها على القرار السياسي والأمني بالدرجة الأساس يعد حكرا لإحزابهم الطائفية، ومشاركة الآخرين “الكورد والعرب السنة” يكون إما تابعا أو في مؤسسات خدمية لا اعتبار كبير لها.” مثلا في محافظة سنية بأغلبيتها مع وجود أقلية من العرب الشيعة والكورد والتركمان فيها أربعة عشر مؤسسة أمنية ثلاثة عشر مؤسسة يقودها ضباط من العرب الشيعة، وفقط دائرة الدفاع المدني “الإطفائية” يقودها ضابط عربي سني. حتى في الدوائر المدنية تجد الموضوع ذاته بدرجة أخف.
  • الأزدواجية بالمعايير؛ يسيء العربي السني يعد إرهابيا ويعاقب، يسيء العربي الشيعي يعذر وأحيانا يكافئ، يتظاهر العرب السنة يعدون فقاعات يجب أن تهنى أو ينهون، يتظاهر العرب الشيعة ويحتل مجلس محافظة أو برلمان يعد حق مشروع لهم. فساد المسؤولين الشيعة وتخريبهم للاقتصاد والتنمية والإعمار يغض الطرف عنه، مخافة لمسؤول عربي سني يبتغي فيها الصالح العام يحاكم على النزاهة ويشهر به. مرة سأل محافظ أحد القادة العسكريين الكبار على مستوى البلد، عن سبب اعتقال مدير ناحية سني عليه مذكرة، وعدم اعتقال قائمقام شيعي عليه مذكرة…أجاب مازحا لكون الأول سني الآخر شيعي…وكان جوابه عين الصواب وإن ارتدى بثوب المزاح…وفي أحيان يتبجح بالأمر.
      ما ذكر غيض من فيض واعتمد الباحث على عدم التدليل عليه لكونها أضحت معلومات بالسياسة العراقية بالضرورة لا يشكك بها إلا جاهل وأخبارها تتناقله الركبان…أي هذه المعلومات بالمصطلح الشرعي متواترة، بل ما خفي كان أعظم.
 من كل ما تقدم نجد بالضرورة أن تتولد ردات فعل عنيفة غير مدروسة من بعض أفراد المكون العربي السني، فينخرطوا في التنظيمات الإرهابية التي لم تعرفها الساحة العراقية حتى مع بدايات الاحتلال. وتوفر بعض العشائر العربية السنية حاضنة لهم قبل أن تنكشف حقيقتهم. ليس من قبيل الاقتناع بهم وتبني فكرتهم بل نكاية بالمحتل أو بممارسات الحكومات الطائفية المتعاقبة، كل ذلك إذا ما أخذ بنظر الاعتبار يسهم في تبني النهج الإرهابي، هذا إذا ما أضيف له عامل مهم وهو الدين،  فكل ذلك فعل باسم الدين والتدين، حينها المسألة تأخذ بعدا آخر من خلال الآتي؛
  • توظيف التدين المتطرف من قبل جهات وشخصيات اعتبارية تتنوع وتتعدد بتعدد أهدافها ورؤيتها للاحداث، فالذي يروم تشويه حقيقة الدين الإسلامي وأعداؤه كثر، يعمد من خلال منظوماته المخابراتية لاختراق الجهات الإرهابية ودفعها لفعل العنيف والمروع من الفعل الإجرامي لربطه بالإسلام وهو منه براء. لم يجد أعداء هذا الدين صورة يطعنون من خلالها بالإسلام والمسلمين كداعش وأخواتها.
  • النظام السابق ومن بقي يمثله بعد خسارته يسعى للتعويض من خلال دعم كل توجه ضد المحتل والحكومات الطائفية، حتى لو كان في صوره الإرهابية وهذا ما رصد بداية الانتفاضة التي ابتدأت بالحراك الشعبي ثم تكرس الفعل على مستوى حمل السلاح، وبعد ذاك خسروا لصالح داعش وأخواتها، ومع اعتبار أن تكوين التنظيمات الإرهابية كانت بدايته من خلال ضباط جيش سابقين، خاصة الذين كانوا يشرفون على معسكرات المتطوعين العرب، وبالظن لا اليقيين استخدوا من قبل مخابرات دولية.
  • طبيعة المأزومين من المتدينين أنفسهم تتناسب والطرح العنيف الذي يمارسه التنظيم الإرهابي، لذاك هؤلاء يعدون التنظيم الإرهابي ضالتهم المنشودة التي تحقق لهم رغائبهم النفسية غير السوية وتخرج الفعل المدمر بعد التبرير.
  • الفهم السقيم لهذا الدين، وكثرة المفتين من أنصاف المتعلمين، وانتشار الجهل بمبادئه السامية وتعاليمه السمحة وقيمه الثمينة. كل ذلك أسهم بطريقة أو بأخرى في غياب الوعي الحقيقي بما يتعلق وتعاليم الدين الإسلامي وقيمه النابذة للعنف في غير محلة.
  • انتشار ظاهرة التكفير والغلوا ، بأسباب متعددة منها ما ذكر أعلاه، ومنها بسبب البيئة التي وفرها المحتل والحكومات الطائفية المتعاقبة, وحين يكفر الإنسان فإن المعنى الحقيقي للتكفير هو استحلال دمه. وكل من يسعى لنشر القتل في الأمة لإسلامية عامة وعند العراقيين خاصة يستخدم التكفير ويوظفه.
المبحث الثاني
  • الصحوات
 2-1مجالس الصحوات
    بعد أن ظهرت حقائق التنظيم الإرهابي، وبان وجهه القبيح في استحلال الدماء على الفرية وعلى الشبهة واستهدف كل مخالفية (4)، تنبه العرب السنة على ضرورة دفع خطره عنهم وعن أبنائهم ولم يكن يومها أمامهم إلا المحتل الأمريكي والدولة الطائفية فلجئوا إليهما.تأسست الصحوات في العراق عام 2007 بدعم من الحكومة والقوات الأميركية بقيادة الجنرال دفيد بترايوس قائد القوات الأمريكية”2006-2008″ لمواجهة تنظيم القاعدة في معاقلها. ولعب تجنيد أفراد القبائل العربية السنية وبعض الفصائل المسلحة دورا بارزا في إضعاف القاعدة عام 2007 و 2008 ليصل تعداد الصحوات الى اكثر من مائة ألف انذاك.  وأشرف الجيش الأميركي على الصحوات قبل أن يسلم مسؤوليتها للحكومة العراقية  عام 2008 وفق أمر رئاسي  يحمل رقم 118  والتي وافقت على منح  20% منهم  وظائف بالشرطة والجيش، على أن تدفع للبقية  مرتبات شهرية مقابل حماية مناطقهم ضد القاعدة . ودعمت العشائر العراقية  الصحوات، ظناً منها أن ذلك سوف يوفر لها  الأمن والحماية(5). ومجالس الصحوات أثارت جدلا كبيرا في الأوساط السياسية والاجتماعية، وحار الناس إزائها بين مشجع ومكفر ومخون، والحال أن كل جهة تصدر برأيها ورؤيتها من خلال خلفيتها ابتداء، أو من خلال ما تيسر لها من معلومات قد تكون أو لا تكون دقيقة.
     وموضوع الصحوات حديث يثير الشجون، وما ذاك إلا بسبب أن الصحوات ليست جهة واحدة ولا تصور واحد ولا توجه واحد بل تنوعت وتعددت بحسب خلفيتها والبيئة المولودة منها، ففي الأنبار تكونت من تظافر جهود السياسيين السنة مع بعض شيوخ العشائر الذين شكلوا الصحوات وتصدوا للإرهاب بأسناد الجيش الأمريكي والقوات الأمنية للحكومة العراقية، وحققوا لإنجازات كبيرة على الأرض وطردوا التنظيم الإرهابي من حواضرهم وألجئوه إلى البوادي والصحارى، وحققوا أمنا نسبيا وحازوا مكتسبات الصحوات لأنفسهم، وقد لا نستطيع دفع بعض التهم التي شهدتها ساحة الأنبار باستهداف بعض الشخصيات التي لا علاقة لها بالإرهاب وبعض الفصائل المعتدلة مع القاعدة، قد تكون هذه حقيقة ومثلبة لا نستطيع الدفاع عنها، إلا أن تبرير ذلك يكون بكون الصحوات قوات غير نظامية يجمعها الحقد الدفين على جرائم القاعدة بحق أبنائهم، لذا من الطبيعي أن تتدخل النوازع الشخصية مع النوازع المشروعة في تخليص المحافظة من دنس المجرمين من أبناء التنظيم الإرهابي ومن الطبيعي أن تطفو على السطح افعال غير مسؤولة من بعض الشخصيات التي تدمج خصوصيتها مع الفعل الوطني الشعبي الرافض للإرهاب والمتصدي له.
     أما تكوين الصحوات في المحافظات المختلطة كما هو الحال مع محافظتي ديالى وبغداد فإن الصحوات استطاعت وباقتدار أن تنهي التنظيم الإرهابي من جهة، وأن تؤمن مناطقها حتى من الميليشيات الإجرامية من جهة ثانية. فبرهنت الحاضنة العربية السنية يومها بأنها هي الأقدر على دفع الضرر عنها وعن بقية مكونات الشعب العراقي، فقدمت آلاف الضحايا وأمنت المحافظات التي تشكل فيها أغلبية مع وجود مكونات أخرى، والأمن عم الجميع، ليس العرب السنة فحسب بل عم بقية المكونات المجتمعية التي تضررت من الفعل الإجرامي للإرهاب. والحكومة العراقية تعد المستفيد الأكبر من تجربة الصحوات، فلولا هذه الصحوات لم تتمكن الحكومة من بسط سيطرتها على أغلب المناطق التي كانت خاضة للإرهاب بعد أن استعصى على قواتها الأمنية، لذلك بادئ الأمر تعاونت معهم بل استخدمتهم في تحرير جل مناطق سيطرة التنظيم الإرهابي، وعد انتشار الصحوات في الأرض المحررة عامل أمن واطمئنان للمواطن العراقي، شهدت الحياة في هذه المناطق استقرارا ملحوظا، وعاد النشاط المجتمعي المحلي في تعاطيه الاقتصادي والاجتماعي، وتحررت حركة المواطن المقيدة إلى رحاب المدينة الواسعة، وتأمنت الطرقات والأحياء وانتشرت سيطرات الصحوات في جل الأماكن الحساسة، وكانوا هم من يمسكون الأرض وبأسناد من القوات الحكومية.  ومع ذلك تنبه الطائفيون على خطر يتهدد مشروعهم التوسعي الطائفي بعد تأمنت الحواضر العربية السنية بشكل كبير، فعملوا على استهداف هذه الصحوات فضيقوا عليها وضايقوها وبدأ مسلسل استهداف ممنهج من تجريدهم من السلاح بعد أن انتهى دورهم إلى تجريمهم إن لم يخضعوا للأحزاب الطائفية الحاكمة.
2-2 الصحوات بين مطرقة القاعدة وسندان الحكومة
    قبل الانسحاب الأمريكي تقرر تسليم ملف الصحوات للحكومة العراقية على أن تنقل رواتبهم إليها ويستوعب 80% منهم في وظائف حكومية و20% في القوات الأمنية. وفعلا تسلمت الحكومة العراقية ملف الصحوات  وشكلت مكتب ابناء العراق (الصحوات) وهو المكتب الذي يشرف من الناحية الادارية على ابناء العراق (الصحوات) وقد تم تشكيله بموجب الامر الديواني (رقم 9/س) الصادر بموجب كتاب مكتب رئيس الوزراء العدد: م.ر.ن/د2/س/14/520 في 23/4/2014 ويقوم المكتب بمجموعة من المهام الآتية؛
الأشراف على الصحوات ومتابعة أمورهم، افسخ عقود ابناء العراق الذين تثبت بحقهم مؤشرات امنية او كانوا غير ملتزمين بالعمل، اجراء التنقلات من مكان لاخر وحسب الحاجة، التنسيق مع امري القواطع العسكرية بخصوص ابناء العراق. ومن خلال الأحصائيات الآتية التي وردت في الجداول أدناه (6)
 الإحصائيات أعلاه تخص الصحوات على مستوى العراق ولمدة سبعة أعوام أو يزيد ، والمتابع من خارج المشهد قد يقول أن الحكومة العراقية منصفة مع الصحوات وأنها كافئتهم على صنيعهم ضد الإرهاب، والواقع بعيد كل البعد عن الظاهر على الإعلام فالحكومة لم تفي بإلتزامتها على جميع الصحوات بل كانت ذات إزدواجية غريبة…ففي ديالى كنموذج تعاملت الحكومة مع الصحوات بالآتي:
  • مكنت المتضررين من عوائل المنتسبين للتنظيم الإرهابي القاعدة من رفع دعاوى على أفراد الصحوات فزجت بالمئات منهم في السجون بسبب مهمتهم التي انجزوها على أكمل وجه.
  • استهدفت بعض القيادات بالقتل المباشر كما هو الحال مع مسؤولين الصحوات في بعقوبة. كما تعرض العديد من أفراد الصحوات لعمليات اغتيال على أيدي قوات حكومية تارة، وتارة أخرى على أيدي العصابات الإجرامية، أو على أيدي الخلايا النائمة للتنظيم الإرهابي من غير أن توفر لهم الحد الأدنى من الحماية.
  • استهدفت العديد من القيادات الميدانية للاعتقال بتهم واهية، أو شكاوى كيدية أو تهمة أربعة إرهاب، وكما فعلت مع قيادات الصحوة في المقدادية.
  • لم تنفذ الفقرة المتعلقة باستيعاب 20% من أبناء الصحوات في الأجهزة الأمنية. ولم تشهد محافظة ديالى فرد واحد من الصحوة من أبناء العرب السنة في الجيش أو الشرطة في حين دمجت آلاف العناصر من الميليشيات في صفوف قواتها الأمنية.
  • شكلت بالتزامن مع تسليم الأمريكان لملف الصحوات لهم مجالس الإسناد وسلمتها بالكامل بيد شيوخ عشائر ومتنفذين من المكون العربي الشيعي وزجت بالمئات بل الآلاف من أبناء المكون العربي الشيعي في صفوف الصحوات وجعلتهم يستأثرون بالمكاسب دون رجال الصحوة الحقيقيين.
  • بأوهى الذرائع تقطع مرتبات أبناء الصحوات الحقيقيين، وتجردهم من أسلحتهم ومع ذلك وبصلافة تكلفهم بواجبات أمنية ومن غير أي سلاح في أحيان كثيرة وحوادث متعددة.
  • حين يتسلل رجال التنظيم الإرهابي إلى بعض القرى التي تمكنت الصحوات من تحريرها يستهدفون القيادات العشائرية وقيادة الصحوات فيها من غير أن يتدخل الأمن أو أيا من القوات المسلحة العراقية، وهذا ما شهدته قرى ناحية السد العظيم وبعض شيوخ عشيرة العبيد.
  • استقطاب بعض القيادات وإغرائها بالجاه والمال وجعلها تابعة لحزب محدد طائفي أو لسياسي أو حكومي بما يجعلها أداة لتنفيذ أغراض طائفية…وهو ما حصل في مدينة بعقوبة من أحد الشخصيات التي أطيت مزرعة صغيرة في معسكر سعد الجهة التابعة لقيادة العمليات، وبعد مدة من الزمن تم تصفيته.
ملاحظة؛ النقاط أعلاه تتواتر أخبارها وباتت معلومة لدى جميع أهل ديالى من المطلعين سياسيين كانوا أم أمنيين، وعدم ذكر الأسماء والألقاب للحفاظ على ذويهم وإن كاتوا معروفين من الجميع. الأمر الذي جعل من تجربة الصحوات مريرة لكونها أسهمت في تحرير المحافظات من نفوذ الإرهاب وجازتها الحكومة العراقية جزاء سنمار. وهو الذي جعل قيادات الصحوات ترفض العودة إليها في حربها مع داعش، فرئيس مؤتمر صحوة العراق الشيخ أحمد أبو ريشة، قال في زيارة له لأمريكيا، إنه بحث مع المسؤولين الأميركيين تسليح الجيش والمؤسسات الأمنية في العراق لمواجهة تنظيم الدولة، مؤكدا أنه لا يريد تكرار تجربة الصحوات التي من شأنها أن تزج بالشباب في معركة غير متكافئة. وقال الشيخ احمد أبو ريشة الذي زار واشنطن على رأس وفد من عشائر الأنبار، إنه التقى مع قائد التحالف الدولي الجنرال جون ألن ومساعدي وزير الخارجية الأميركي جون كيري وأعضاء بالكونغرس الأميركي. وأوضح أن الحديث انصب على ضرورة دعم الجيش والمؤسسات الأمنية العراقية بالأسلحة الحديثة التي تساهم في التصدي لتنظيم الدولة. وقال إن المباحثات لم ” تتطرق لتجربة الصحوات لأننا لا نريد أن نزج بأبنائنا في معركة غير مدربين عليها”.(7) وحتى السياسيين من العرب السنة كانت أقوالهم مؤكدة لحقيقة ما عاناه رجال الصحوات، ففي السومرية نيوز نشرت خبرا أبدى به (8) رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، رفضه لإعادة تجربة الصحوات من دون “مشروع وضمانات”، مؤكدا أن الكثير من الشخصيات التي واجهت القاعدة سابقا مصيرها الآن في السجن بتهمة “الإرهاب” أو أنها تواجه أحكاما تصل إلى الإعدام في بعض الأحيان. وقال الجبوري في مؤتمر صحافي عقده في محافظة ديالى وحضرته “السومرية نيوز”، إنه “لا نريد إطلاقا إعادة تجربة الصحوات المؤلمة، عندما بدأ فريق يواجه القاعدة وبعد جلائها بشكل كلي وجد نفسه بعد حين مكشوف الظهر لا يستطيع ان يواجه التحديات التي تواجهه كتغلغل بعض المجاميع في الأجهزة الأمنية من الدولة واستطاعت أن تستخدم الدولة ضد من كان يواجهون القاعدة. وتابع الجبوري أن “السؤال الذي يطرح: هل نعيد مرة أخرى تجربة الصحوات فيستخدم البعض في لحظة معينة لمجرد انه واجه المجاميع الإرهابية وبعد ذلك يترك هكذا؟ أم أن هناك مشروعا نهاياته معلومة للسنة والشيعة في مواجهة الإرهاب. ومصير الذين يواجهون الإرهاب مصير معلوم، بمعنى نرتبط بالدولة أو لا نرتبط؟ هل ندعم في فترة مؤقتة لمواجهة داعش أم بشكل مستمر؟
  ويعد الدكتور سليم الجبوي من أهم سياسيي العرب السنة وله رؤية تفصيلية بما جرى في محافظة ديالى، ومع اعتبار كونه رئيس مجلس النواب لا يستطيع إعادة التجربة على ما حققته أيام قتالها مع القاعدة لكون الصحوات قدمت الثمن كبيرا.
المبحث الثالث
دعشنة العرب السنة وتدمير مدنهم
  • دعشنة العرب السنة
     بعد سيطرة التنظيم الإرهابي داعش على محافظات العرب السنة، مرة أخرى يتعرض العرب السنة إلى استهداف فريد من نوعه، هذه المرة سُلمت محافظاتهم  إلى التنظيم الإرهابي عن تخطيط مسبق ومعد، والمشهد هدم لمحافظاتهم، وخراب لأحيائهم، وتهجير لأفرادها، ويتم هذا المسلسل الدموي الأعتى من تسليم داعش لمحافظة نينوى وبعدها محافظات العراق السنية بالغالب، الأنبار، صلاح الدين، ديالى، حزام بغداد إلى تحريرها من التنظيم الإرهابي بفعل لا يقل إرهابا في أحيان كثيرة عن إرهاب داعش،كما حدث في الفلوجة وبعض قصبات ديالى والأنبار والموصل وصلاح الدين.. والمتابع للأحداث يجد أن احتلال داعش للموصل لم يكن من جراء أعمال عسكرية بل بقرار من الحكومة المركزية للقطاعات العسكرية بالانسحاب، ففي سيناريو يشبه انسحاب الجيش العراقي في 2003 أمام القوات الأمريكية انسحب نحو 75 ألف من عناصر الجيش والشرطة دون قتال وسلموا مدينة الموصل إلى تنظيم “داعش” وحلفائها من الفصائل المسلحة دون إطلاق رصاصة واحدة.(9). وقد يكون الهدف تحقق كما يقول الباحث مروان ياسين الدليمي (10)   فإن هذه النتيجة تقع في صلب ما كان يسعى إلى تحقيقه نوري المالكي من أجندة منذ أن كان يتولى رئاسة الوزراء، فالأجواء ما بعد تحرير الموصل أصبحت اليوم ملائمة جدا لإحداث ما كان يعد له من تغيير ديموغرافي في بعض مناطق محافظة نينوى على أسس طائفية مثل قضاء (تلعفر) الذي يتقاسمه الشيعة والسنة، كذلك بعض مناطق سهل نينوى مثل ناحية (برطلة) التي يتواجد فيها وفي القرى التابعة لها أقلية شبكية ينقسمون ايضا في تبعيتهم المذهبية مابين شيعة وسنّة هذا إضافة إلى تأمين خط بري لنقل السلاح والمليلشيات من إيران إلى سوريا بعد أن تمر قوافل الشاحنات من محافظة ديالى التي تجاور الحدود الإيرانية إلى الموصل التي لها حدود مشتركة مع الأراضي السورية.انتهت معارك تحرير الأنبار والفلوجة وشمال ديالى قبلها بثمن كبير فقد هدمت 80% من مدينة الأنبار وأقل من هذه النسبة في الفلوجة وفي شمال ديالى في ناحية السد العظيم محيت أكثر من 30 قرية من على الخارطة وانتهت معركة تحرير مدينة الموصل بهزيمة تنظيم دولة داعش وعادت سلطة الدولة العراقية إليها، وتعبيرا عن شعور سكانها بعظمة وأهمية ما تحقق من نصر كبير منحهم فرصة الخلاص من سلطة الدواعش عمت مظاهر الفرح شوارعها رغم الثمن الفادح الذي دفعته المدينة بتدمير الجانب الأيمن بالكامل تقريبا، وخسارتها لأكثر من 40 الف قتيل مدني فقط في الجانب الأيمن ، إلا أن هناك نقطتين مهمتين تستوجب التوقف عندهما، الأولى تتعلق بالأسباب التي أدت إلى سقوط الموصل عام 2014.
والنقطة الثانية تتعلق بتداعيات نتائج النصر على واقع ومستقبل السكان والمدينة. أمّا بخصوص النقطة الأولى فعلى ما يبدو أن السلطة في بغداد لم تخرج بما يكفي من الدروس لكي تتجاوز وتتلافى وتستبعد ما كان له صلة في انهيار العلاقة ما بين الجيش العراقي وبقية الأجهزة الأمنية مع سكان الموصل وادارتها المحلية نتيجة سوء تصرف وفساد الكثير من عناصر الجيش والأجهزة الأمنية مع المواطنين (هذا مااشار اليه تقرير لجنة سقوط الموصل البرلمانية) فالتجاوزات التي حصلت بعد التحريرخاصة في الجانب الشرقي (الأيسر) من المدينة والتي يتحمل مسؤوليتها عناصرمسلحة تنتمي إلى فصائل الحشد الشعبي (كتائب سيد الشهداء) قوامها من المكون الشَّبكي الشيعي الذي يقطن خارج مركز المدينة وتحديدا في منطقة سهل نينوى كانت قد وصلت إلى حد الاشتباك المسلح في منطقة المجموعة الثقافية مع عناصر حرس نينوى المكلفين بحفظ الأمن داخل المدينة وهذا ما يبعث رسالة قلق وعدم اطمئنان حول مستقبل الأمن والأمان لدى سكان الموصل ،كما يمنح الفرصة مرة أخرى للإرهابيين لكي ينفذوا من هذه الثغرة ليعاودوا نشاطهم في التفجيرات والاغتيالات وابتزاز المواطنين. اما النقطة الثانية المتعلقة بنتائج النصر فإنها مرتبطة بدرجة كبيرة بقضية دعشنة العرب السنة التي نجح الإعلام الرقمي في ترويجها وكسبها إلى درجة بات فيها من الصعب عليهم أن يرفعوا صوتهم احتجاجا على سوء الأوضاع المعيشية التي يعانون منها أو أي تجاوزات قد تقع عليهم من قبل عناصر محسوبة على السلطة المركزية لأنهم وحسب أجندة هـذا الإعـلام(11):
 – كانوا حواضن للدواعش مما مهد الطريق لسقوط المدينة.
– أساؤوا إلى كرامة الجيش العراقي في وقت سابق لمّا رموا عناصره بالحجارة ساعة هروبه من المدينة عندما سقطت تحت سلطة الدواعش.
– لم يعلنوا اية صورة من صور المقاومة المسلحة ضد الدواعش طيلة الأعوام الثلاثة التي كانوا فيها خاضعين لسلطتهم.
– لم يدافعوا عن الأقليات التي تم تهجيرها من المحافظة بل ساهموا فيها واستولوا على بيوتهم وأملاكهم.
– لم يشاركوا في القتال إلى جانب القوات الحكومية والحشد الشعبي في معركة تحرير الموصل.
كل هذه الأسباب التي هي بمثابة اتهامات تم الترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي تضع الموصليين من العرب السنة في عنق الزجاجة، بما تجعلهم يشعرون بالانكسار والذل رغم فرحتهم بالنصر على الدواعش.
بهذه المغالطات توج نصر خلاص الموصل من التنظيم الإرهابي، والمستهدف هو المكون العربي السني بشكل مباشر والنتيجة كانت تدمير الموصل وقتل عشرات الآلاف وتهجير مئات الآلاف، في المقابل لم يدفع ثمن الخيانة وتسليم المحافظة للإرهاب أي مسؤول سياسي عراقي أو مسؤول أمني، مسرحية العرب السنة والإرهاب فاعلة وجاذبة في آن واحد، فدعشنة العرب السنة واخضاعهم للمشروع الطائفي الإقصائي تمضي بغير عوائق تذكر.
فالعرب السنة في العراق قُدموا قرابين على اعتاب المشروع الطائفي من غير ظهير يحميهم، ولا ظل يستجيرون به من لهيب الحمم الطائفية المسعورة التي أتتهم من الشرق بعد أن كانوا البوابة الحامية للدول العربية أمام حمم بركان إيران.
3-2 هشيم المحافظات المستعر
    سارت نيران داعش في المحافظات العربية السنية كما تسير النار في الهشيم، ففي مفارقة تأريخية غير مسبوقة تسيطر داعش على مدينة الموصل بالكامل ومحافظة صلاح الدين إلا من قضاء سامراء وبعض القصبات، ومحافظة الأنبار بأغلب مدنها وخاصة الفلوجة الذي يعد من أكبر الأقضية في العراق من حيث النفوس، وكان يمثل رمزا عربيا سنيا في تصديه الأسطوري للجيش الأمريكي، وسيطر التنظيم الإرهابي في ديالى على نواحي السعدية وجلولاء والسد العظيم وقرى شمال قضاء المقدادية وبعض قرى قضاء الخالص، ووصل لحزام بغداد…بما يعني أن التنظيم الإرهابي سيطر فعليا على ما مقداره 40% من مساحة العراق باعتبار أن الأنبار لوحدها تبلغ ثلث مساحة العراق مع بقية مناطق سيطرة داعش فإن الحصيلة هو ما يزيد عن 40% من الأراضي العراقية سقطت بيد داعش. وجميع الدلائل والقرائن تشير إلى تواطئ الحكومة العراقية مع مخطط أقليمي هيء لهذه السيطرة(12) مبكرا. وبعيدا عن المهاترات الجوفاء التي ينشغل بها الآخرون عن أسباب تمكين رقاب العرب السنة من قبل التنظيم الإرهابي داعش، سواء كان بمخطط محلي أو أقليمي أو دولي، فالمنظومة التي استهدفت بنية المجتمع العراقي واحدة مترابطة لها أيدي في الداخل وسند أقليمي ودولي في الخارج. وبعيدا عن الاستماع للنقل أو إعمال العقل في من تسبب بهذه الجريمة الكبرى التي تعد في العراق “جريمة العصر”، لنرصد ماذا جرى بعد هذه الجريمة؟ ومن المستفيد؟ ومن المتضرر؟ وبعدها لنترك الحكم للمتلقي.
أولا؛ أكبر ردة فعل كانت هي من قبل المرجعية الدينية للعرب الشيعة في إطلاق فتوى الجهاد الكفائي من قبل المرجع السيستاني في محافظة النجف. فعلى غير عادة المرجع الكبير السيد علي السيستاني التي كانت فتياه في الجهاد في سبيل الله مشروطة، عندما سُئل بالنص هل الجهاد في سبيل الله واجب؟ أجاب بالنص ؛ الجهاد مع المعصوم (عليه السلام) أو نائبه الخاص واجب وهو حكم شرعي.(13) أي أن المرجع الديني الأعلى للعرب الشيعة في العراق يربط أمر الجهاد مع المعصوم أو نائبه الخاص وهذا الأمر يعد عقيدة الشيعة الأثني عشرية في العراق قبل ولادة ولاية الفقيه، التي عدد كبير من علماء الشيعة يرفضونها. ومع أن الفتوى التي أطلقها سماحة السيد علي السيستاني في ما عرف بالجهاد الكفائي لم يشر إلى وجود كتلة مسلحة خارج إطار الدولة وليومنا هذا كانت فتوى السيستاني هي الانخراط في القوات المسلحة العراقية، وفي حوار (14) نشره موقع الكوثر؛ وجه احد مقلدي المرجع السيستاني سؤالا بقوله، إنه في عام 2014 عندما سقطت الموصل ومناطق واسعة اخرى من العراق بيد “داعش” دعوتم في الجمعة الى الدفاع الكفائي، ومنذ ذلك اليوم تم تحرير العديد من المناطق وامكن دفع المخاطر عن كثير من المدن، فهل تلك الدعوة ماتزال قائمة ام ان بإمكان المتطوعين الرجوع الى اعمالهم الاعتيادية؟. واجاب السيد السيستاني قائلا، بحسب مكتبه: “قد افتينا بوجبوب الالتحاق بالقوات المسلحة وجوبا كفائيا للدفاع عن الشعب العراقي وارضه ومقدساته، وهذه الفتوى ماتزال نافذة لاستمرار موجبها، بالرغم من بعض التقدم الذي احرزه المقاتلون الابطال في دحر الارهابيين”. من هذا النص نخلص أن السيد السيستاني لم يشر إلى تكوين هيكل عسكري خارج إطار المؤسسات العسكرية للدولة العراقية مع اعتبار عقيدته من قبل بضرورة الجهاد مع وجود المعصوم أو نائبه، فمن أين جاء تشكيل الحشد الشعبي الذي شرعه مجلس النواب مع أنه يتعارض مع الدستور العراقي في الفقر”ب” من المادة التاسعة (15) فمن المستفيد من هذه المؤسسة العسكرية التي قننت على الرغم من مخالفتها الصريحة لنص الدستور العراقي. يقينا المستفيد هو المشروع الطائفي الإقصائي الذي يسعى لنمذجة الحرس الثوري في إيران ويبرر لوجوده في العراق ويدافع عنه، فقد نشر موقع قناة العالم “إيرانية ناطقة باللغة العربية” ما يأتي تحت عنوان فتوى الجهاد الكفائي رؤية عميقة للمرجعية الدينية؛ فإن المرجعية الدينية في النجف الاشرف كانت لها رؤية ثاقبة وعميقة، وقراءة استشرافية دقيقة وصائبة لمآلات الامور بعدما اجتاحت عصابات “داعش” نينوى ومناطق أخرى في العاشر من شهر حزيران/يونيو 2014. وهي-اي المرجعية الدينية-استندت في رؤيتها الى جملة حقائق، منها(16):
-ان الواقع التي تعيشه المؤسسة العسكرية العراقية، من حيث تعدد الولاءات واستشراء الفساد، وضعف-او غياب-العقيدة القتالية، يجعل من غير الصحيح التعويل عليها بالكامل لخوض معارك غير تقليدية في ظل ظروف صعبة ومعقدة، ومع عدو مستميت، لذلك لا بد من اشراك الحالة الشعبية-الجماهيرية في الحرب ضد “داعش”.
-عدم وضع حد لتنظيم “داعش”، وكبح جماحه بشكل سريع سيؤدي الى تقدمه وتمدده، بحيث يصعب في مراحل لاحقة مواجهته والتغلب عليه، خصوصا حينما يصل الى العاصمة بغداد والمدن المقدسة.
-ينبغي ان لا يقتصر الدفاع عن مكوَّن معين وعدم الدفاع عن مكوَّن اخر، ولا عن مدينة دون اخرى، بعبارة اخرى لابد ان ينظر الى العراق والعراقيين الذين يستهدف تنظيم “داعش” بنظرة واحدة، اذ على الشيعي ان يقاتل لحماية السني والكردي والتركماني والمسيحي والايزيدي والشبكي على حد سواء، وهكذا بالنسبة لأي مكون آخر….وعلى ضوء ذلك، فإن الحشد الشعبي بات يشكل رقما صعبا ومؤثرا ومهما في اية معركة ضد “داعش”، مثلما يشكل الجيش رقما صعبا ومؤثرا ومهما لا غنى عنه، واذا بدا للوهلة الاولى بالنسبة للبعض ان الحشد الشعبي يحمل هوية مذهبية شيعية، او هكذا حاولت بعض الاطراف الداخلية والخارجية الايحاء بذلك، فإن انخراط أبناء العشائر السنية في محاربة داعش، والمسيحيين والايزيديين والشبك والتركمان، فضلا عن الاكراد، اما في اطار الحشد الشعبي، او بالتوازي والتنسيق والتعاون معه، جعل صورة العراق المتنوع تبرز واضحة وجلية في ذلك العنوان الكبير.
من كل ما تقدم نستطيع القول أن المستفيد من وجود داعش هو من أراد تشكيل الحشد الشعبي ويجعلها قوة قد تفوق قوة الجيش وبقية المؤسسات الأمنية في مفارقة وظفت الفتوى الشرعية بغير ما أريد لها.
ثانيا؛ المتضرر الأكبر هم العرب السنة وما عانوه من قتل وتهجير ونزوح وانهاء الحكومات المحلية لهم واستهداف قادتهم ومواطنيهم على حد سواء، من ضمن المقالات السلبية المغرضة التي أرادت توصيف المشهد على الساحة السنية وتشويه صورتهم وتكريس سلبيتهم ما ذكره عبدالغني علي يحي(17)؛ ان الحرب في المناطق السنية قادت الى تدمير البنية التحتية للسنة، وبتدميرها اصبحت حكومات السنة المحلية تقف على ارضية رخوة هشة. ولا ننسى ان تعددية الولاءات للسنة العراقيين لدول عربية وتركيا وقسم لأميركا جعلتهم يفقدون الاستقلالية في القرار، وصاروا في وضع سبق وأن عاشه الفلسطينيون في الماضي بل والى الآن الى حد ما، اذ اشتدت الخلافات بينهم بعد كل اشتداد لها بين الدول الموالين لها. اضيف الى ما ذكرت من الأسباب، تغلغل المخابرات الايرانية في صفوف القادة السنة وشرائها لضمائر الكثيرين منهم، ولا يغفل عن البال ان النكسات والانهيارات في الشعوب غالباً ما تدفع بالسكان اما إلى مغادرة الأوطان او الارتماء في احضان الأعداء…والقول ينسحب على السنة العراقيين في ارتماء الكثير من قادتهم في احضان المخابرات الايرانية. كما ويرد سقوط الحكومات المحلية السنية في العراق ايضا الى أمور عدة لعل من اهمها ان القادة السنة في العملية السياسية أو خارجها تصرفوا بعقلية الحكومات الام السابقة 1921– 2003 سيما الجمهورية. فعلى مدى الاعوام بين 2003 والى انهيار حكوماتهم المحلية هذا العام 2017، تحكمت بهم عقلية معاداة الديمقراطية التي تجسدت في عدم المشاركة في العملية السياسية في البدء وكذلك في الاستفتاء على الدستور عام 2005 ولقد حلموا طوال الفترة تلك بالعودة الى الحكم في العراق، في حين كان حرياً بهم ان يتقدموا بمطلب فيدرالي او استقلالي لمثلثهم السني.
    يعد هذا الاستشهاد وإن كان غير محايد على جملة من الحقائق التي ترتبط وثيقا بالقيادات السنية المحلية وحتى المركزية منها، فمنهم من لا يملك رؤية، ومن منتم شرائه من قبل مخابرات أجنبية، ومنهم من يحلم بعودة النظام السابق. فيهم مشارك للعملية السياسية وفيهم معارضا لها، منهم يمدح الديمقراطية ومنهم من يقدح بها….ألخ. هذا الشتات والضياع الذي لحق بالعرب السنة إنسحب على قياداتهم السياسية والأمنية والمجتمعية، حتى بات رأب صدعهم طمع في غير مطمع. لذا فإن المتضرر الأكبر من كل مالاقاه العرب السنة من ويلات الإرهاب بصنوفه كافة هم العرب السنة أنفسهم وقادتهم على رأس المتضررين.فالضغوظ النفسيةالكبيرة التي توالت عليهم بسبب السياسات الطائفية من جهة، والأعمال الحربية بسبب الإرهاب من جهة ثانية، والمؤامرات المحلية والأقليمية والدولية من جهة ثالثة نتجت عن مكون موزع ما بين المقابر والمحاجر والمهاجر، فكيف يستقيم لهم أمر ومن ينتشلهم من ضياعهم وسلبيتهم بمشروع جامع مكافئ؟؟ هذه تحتاج إلى أسفار للإجابة عنها لا بحوث محدودة.
الخاتمة
    مما تقدم ومن خلال استعراض ما تعرض له العرب السنة من بلاء بسبب الإرهاب نخلص إلى النتيجة الأهم وهي عدم وجود مقبولية لدى المجتمعات العربية السنية في العراق قبل الاحتلال والحكومات الطائفية لأي جهة إرهابية، بل كان العرب السنة من الوعي بمكان بما يجعلهم محصنين من هذه الجماعات وأفكارها لحين الاحتلال، وممارسات الحكومات الطائفية المتعاقبة عليهم التي أوردتهم المهالك وجعلت البعض منهم يستجيرون بالنار من الرمضاء. ومع ذلك وبالرغم من الآلاف الذين قدموا ضحايا بسبب هذا التنظيم المجرم، يواجهون حملة إعلامية مسعورة لدعشنتهم، وهو مراد لذاته من قبل المشروع الطائفي الإقصائي لترويضهم وإخضاعهم عبر سلسلة من الأحداث والنكبات المتوالية باستخدام وجهي التنظيمات الإرهابية داعش (تنظيم الدولة…) وماعش( الميليشيات الإجرامية…).وأهم نتائج تسليم المحافظات العربية السنية لداعش هو نمذجة الحرس الثوري الإيراني بمؤسسة الحشد الشعبي الذي قنن في مجلس النواب على حساب الدستور العراقي، وهو خطوة على طريق نمذجة حكم ولاية الفقيه في إيران. وما لم يتدارك العرب السنة أنفسهم بمشروع خلاص يوحدهم ويحفظ أبنائهم سيظلون تحت سطوة المشاريع المقابلة، وسيبقون أيتام على موائد اللئام. وأهم عناصر هذا المشروع المخلص قيادة جماعية، ومرجعية سياسية شرعية، وملاذ آمن، وركن ركين بعد الله تعالى، ونعني به رعاية دولية وأقليمية. ويوم يتحقق لهم ذلك سيكونوا من القوة بمكان بما يجعلهم يتشاركون وطنهم العراق مع أشقائهم من العرب الشيعة والكورد والتركمان وغيرهم.
الهوامش والمصادر
  • د. عمار علي حسن، ثلاثة مستويات: البيئة الحاضنة للإرهاب.. منتجة ومنسجمة وموظفة موقع الروابط، مركز المستقبل للابحاث والدراسات المتقدمة، 29/5/2015 .  http://rawabetcenter.com/archives/ 7554
2-               سعد بن عبدالرحمن القويعي، تفكيك البيئة الحاضنة للارهاب، موقع إيلاف، 26/7/2016.  http://elaph.com/Web/NewsPapers/2016/7/1099906.html
  • ينظر لسان العرب، مادة (قوم).
  • في قرية من قرى قضاء المقدادية التي سقطت بيد تنظيم الدولة عام 2006، جائت إمرأة إلى إمام مسجد القرية الذي انخدع بادئ الأمر بالقاعدة وكشف حقيقتهم فيما بعد، فقالت وهي تنوح من أين آخذ حق ابني “ولدها مقبول في الكلية العسكرية وعمره 18 سنة وذبحه أفراد التنظيم”، فأخذ بيديها امام المسجد ودخل على قيادة التنظيم الإرهابي فقال لهم إنكم تدعون أنكم دولة، من يأخذ حق غدر ابن هذه المرأة. ولم تك جريرة الشاب الا إنه قبل في الكلية العسكرية.فدفع حياته ثمن لهذه الحثالة التي سميت نفسها تنظيم الدولة. والحوادث على قتل الأبرياء على أيدي التنظيم لا تعد ولا تحصى ولا يضاهيهم في جرائمهم إلا ميليشيات الغدر الطائفية.
  • ينظر http://aliraqnews.com/ .
  • ينظر http://www.iraqnr.com/Home/?page_id=36 .
  • http://www.sahwataliraq.com/sahwataliraq/morepage/more670.html .
  • ينظر http://www.alsumaria.tv/news/ .
  • يراجع المبحث الرابع من حرب الأبادة للباحث، نشر على موقع العراق الجديد،
https://www.newiraqcenter.com/ .
    واحدة من القرائن التي ساقها أحد المسؤولين من العرب السنة أنه إلتقى بالقنصل الإيراني بلقاء عرضي في مناسبة تخص التحالف الكردستاني في محافظة السليمانية قبل سقوط الموصل بيد داعش بستة أشهر، فأخبره بأن الموصل ستسقط قريبا بيد داعش، ونقل هذا المسؤول هذا الخبر لمجموعة من السياسيين العرب السنة، والباحث سمع بأذنيه هذا الخبر منه قبل سقوط الموصل بستة أشهر.
  • موقع سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني، الاستفتاءات، الجهاد، http://www.sistani.org/arabic/qa/0429/ .
  • الكوثر، المرجع السيستاني الفتوى في الجهاد الكفائي ما تزال قائمة،7/4/2017 ، http://www.alkawthartv.com/news/73613 .
  • الدستور العراقي، المادة (9)
    أولا :
    أ ـ تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي ، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييز أو اقصاء وتخضع لقيادة السلطة المدنية وتدافع عن العراق ولا تكون اداة لقمع الشعب العراقي ولا تتدخل في الشؤون السياسية ولا دور لها في تداول السلطة .
    ب ـ يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج اطار القوات المسلحة .
  • قناة العالم، فتوى الجهاد الكفائي رؤية عميقة للمرجعية الدينية، 22/6/2015. http://www.alalam.ir/news/1710829 .
  • عبد الغني علي يحي، انهيار الجكومات المحلية السنية في العراق، ميدل ايست أون لاين، 11/8/2017. http://www.middle-east-online.com/?id=254342 .