أيديلوجيا الإرهاب في ميزان الشرع

مقاربة موضوعية شرعية لدحر الأفكار المفضية للإرهاب في المجتمع العربي السني العراقي
د. عبد الناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
مقدمة
      انخداع العرب السنة في العراق بالإرهاب من الظواهر التي طفت على الخارطة العراقية منذ الاحتلال وليومنا هذا، فبعد أن كان العرب السنة في العراق أبعد الناس عن الأفكار المتطرفة، أصبحت شريحة منه متأثرة به وتشكل عاهة مستديمة يصعب الخلاص منها ما لم تجفف مواردها. ويعود السبب بالضرورة إلى جملة عوامل منها الاحتلال والاستبداد التي مارسته الحكومات الطائفية المتعاقبة، والفهم السقيم لتعاليم الدين الإسلامي، والحملة الغربية المسعورة لربط الإرهاب بالإسلام…وبناء رؤية للتغيير هو التوجه الذي يبلور فكرا يؤمن بالمشاركة والتدرج في الاصلاح، والاعتماد اساسا على التغيير الشرعي والثقافي والاجتماعي ، اي على محورية اعادة بناء الانسان الصالح المصلح المقتنع بتعاليم الدين الإسلامي السمحاء وأحكامه ومقاصده وقيمه الكبرى وغيرها،كل هذه العوامل إن تضافرت تمنع توفر المناخ الملائم للعنف والتطرف. فغياب الحريات الحقيقة، وممارسة الأجهزة القمعية للحكومات التي صاحبت الاحتلال، وجرائم الميليشيات، والجهل بحقائق الشرع الحنيف، ساهمت بالضرورة إلى نشوء الإرهاب، إن أجواء الحرية تمكن من مقارعة الرأي بالرأي والحجة بالحجة، والدليل بمثله، وتوفر الأجواء المناسبة للتعبير عن الرأي والرأي الآخر تفضي بالضرورة إلى طرح الأفكار على السطح فتحاور وتناقش وينتخب السليم منها، ويطرح العليل من غير تبكيت ولا إلجاء.  ومن ثمة فإن السعي من اجل توسيع نطاق الحريات والحقوق، وبناء دولة العدل والقانون، والمجتمع التعددي، هو المقاربة الأمثل لمحاصرة الغلو والتطرف وجعله استثناء وشذوذا. فكلما ساد الغلو وانتشر، انتشرت الأفكار المتطرفة ووفرت الحاضنة للإرهاب. وفي هذا البحث نرصد حقيقة العلاقة ما بين العرب السنة والتنظيمات الإرهابية في بعده الفكري والفقهي والعقدي، ونضع أيدينا على الجرح الغائر في جسد المنظومة المجتمعية للعرب السنة في العراق ألا وهو التطرف والغلو والتكفير التي تفضي لنشوء التنظيمات الإرهابية الدخيلة على المجتمع العراقي. فمعرفة المنظومة القيمية للإسلام وفهمه بشكل صحيح وسطي معتدل، لا افراط ولا تفريط، يتناسب وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم  يسهم بتوفير المناخات الأيجابية التي تنحسر فيها الأفكار المتشددة، ويجفف ينابيع الغلو والتكفير مادة الإرهاب الأساس، ويومذاك لا نوفر المبرر لاستهداف وتدمير المحافظات العربية للسنة واستهداف أبنائهم قتلا وتشريدا. يتكون هذا البحث من تمهيد وأربعة مباحث وخاتمة، تناولت المقدمة اسباب اختيار البحث وخطته ومنهجه، وفي التمهيد شخصنا الظاهرة “الإرهاب” الخطيرة التي تهدد الأمن المجتمعي العراقي. وفي المبحث الأول تناولنا الوسطية والاعتدال التي من شأنها أن تحصن المجتمع من التطرف والغلو المفضيان للإرهاب. وفي المبحث الثاني تم تناول القيم الإسلامية التي تفضح صنيع الإرهابيين، وتبين بما لا يدع مجال للشك أن هذه التنظيمات ليست من الإسلام في شيء، بل وجدت لتشويه صورته، وتزييف حقيقته. وفي المبحث الثالث عرجنا على مفهوم الدولة بالإسلام وماهي أركانها ومنطلقاتها. وفصلنا هذا المفهوم لدى أحد العلماء العاملين في الساحة السياسية الإسلامية وتنظيره لماهية أن تكون مرجعية الدولة إسلامية في المبحث الرابع. وتضمنت الخاتمة أهم النتائج والتوصيات. ومنهجية هذا البحث الموضوعي تأريخي وصفي تحليلي تناول بعض النصوص بالنظر والتحليل على لسان العلماء المعتبرين، وهو إسهام في تجفيف ينابيع التطرف الإرهاب على مستوى النظرية.
تمهيد
        يعد انتشار الأفكار المتطرفة بين العرب السنة في مدة ما بعد الاحتلال من الظواهر الخطيرة التي تهدد الأمن المجتمعي ليس للعرب السنة فحسب بل للوضع العراقي بصفة أعم، ويعد التحدي الأخطر الذي هدد أمنهم ابتداء، ومن ثمة سمعتهم. والمتابع المراحل انتشار التنظيم الإرهابي في المجتمع العربي السني عبر سلسلة من الإجراءات التي اتخذها ابتداء من إعلانه للتصدي للمحتل ومنازلته له بالسلاح، الأمر الذي سوق لتنظيمه في المجتمع العراقي، ومن الطبيعي أن توظف النصوص من القرآن والسنة في تضليل الفهم الصحيح لمبادئ هذا الدين، فصرف الدليل لغير ما أريد منه من السهولة بمكان في أوساط المجتمعات البعيدة عن الدين في نشأتها، وإن تعاطفت مع معطياته الثرة بشكل عام، ففي ظل غياب الوعي الجمعي بحقيقة مبادئ الإسلام الصحيحة نجد من السهولة بمكان توظيف مفردات إسلامية لخدمة توجه محدد، وتنسحب هذه الرؤية بشكل كبير مع بداية الاحتلال وتكوين التنظيم الارهابي في صورته الأولى فيما سمي يومذاك بتنظيم القاعدة في وادي الرافدين. غير أن الأمر لم يطل كثيرا، وكشف المستور، وتبين لدى العراقيين بما لا يدع مجالا للشك من كون هؤلاء أدعياء، والإسلام منهم براء، خاصة بعد استحلالهم لدماء العراقيين كافة. وتجلت الصورة أكثر في استهدافهم المجتمع العراقي السني بالدرجة الأساس.
     تجدد الظاهرة في ولادة ما يدعى تنظيم الدولة في العراق والشام “داعش”، وتمكنه من أغلب المحافظات التابعة للعرب السنة يؤشر على ضياع الرؤية لدى العرب السنة مرة أخرى، ويؤكد وجود خلل كبير يؤشر بشكل أو بآخر على أن التصدي الأول لتنظيم الدولة في العراق “القاعدة” بالفعل العسكري على الأرض لا يكفي لإنهاء التنظيم الإرهابي. لذا نجد من الضرورة بمكان أن يتضافر الجهد الفكري والعقدي مع الجهد العسكري لإنهاء التنظيم الإرهابي على الأرض وفي الفكر والمعتقد، وما لم تتظافر الجهود لتجفيف منابع المخزون الفكري والثقافي المتطرف المفضي لنشوء وتكوين هذه الجماعات الإرهابية لا يجدي الفعل العسكري بمفرده. فعلى الرغم من أهمية المواجهة الأمنية والمواجهة العسكرية حفظا للأرواح والأموال و الاستقرار الذي هو شرط من شروط توفير الأمن المجتمعي، فستبقى المواجهة العلمية الفكرية هي الأساس سواء استطاعت الدولة وأجهزتها على مواجهة ودحر الإرهاب أم لم تستطع.
   ولا يقبل من منصف أن يحمل العرب السنة في العراق هذا الدمار والقتل الذي استشرى بهم بسبب هذا التنظيم لكونهم هم الضحية ابتداء، أضف إلى ذلك الظروف الموضوعية التي أحاطت بالتنظيم وهيأت لنشره بإمكانات دولية ومحلية وفق مخطط مرسوم له أغراضه أكبر من قدرات العراقيين أنفسهم. ويعد هذا البحث خطوة على الطريق لكشف خبايا هذا التنظيم الارهابي، وفضح مستوره في تعارضه مع الشريعة الإسلامية السمحاء على مستوى الفكر والأداء، ويتجلى ذلك في تحديد الفهم الصحيح لهذا الدين من خلال المنهج الوسطي المعتدل البعيد عن الغلو والتكفير، وكذلك على مستوى الفعل الممارس لأعضاء التنظيم الإرهابي وقياس هذا الفعل مع تعاليم الشريعة السمحاء ومنظومتها القيمية. ومن خلال المعرفة الحقيقية لطبيعة النظام الإسلامي المعتبر وعلى لسان العلماء العاملين في الحقل الإسلامي، فتم التركيز على أثنين من العلماء الذين تبوؤوا مناصب رفيعة في الدولة، واعني بهم الدكتور سعد الدين عثماني الذي شغل من قبل منصب وزير الخارجية في الحكومة المغربية، واليوم هو على رأس الحكومة في المغرب. والشخصية الثانية هو الأستاذ محمد يتيم الذي يشغل وزير الشغل والادماج المهني. ويمتاز المغاربة بالواقعية والقراءة الدقيقة للساحة السياسية، ولهم تجربة ناجحة في احتواء الخلاف ما بين الحركة الإسلامية من جهة والنظام الملكي الحاكم في المغرب من جهة ثانية.
المبحث الأول
الوسطية والاعتدال الحصانة الحقيقة من الإرهاب
    الوسطية ومشتقاتها ودلالاتها تكررت في القرآن الكريم بالعديد من النصوص، وكذا الحال مع أقوال الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وأقوال العلماء الثقاة . لا بل أنشئت لها مؤسسات وهيئات وتناولتها جامعات ومراكز دراسات وغيرها. وفي هذا المبحث سنناقش واحد من الكتاب المبدعين الذي تناول الوسطية بشيء من التقعيد والتأصيل والتأطير، واختيار هذا العالم له دلالته المقصودة بهذا البحث الذي يعد التجربة المغاربية من التجارب الناجحة في ميدان العمل الإسلامي الحركي، خلافا للتجارب المشارقية التي اصطدمت بموروثها الفكري مع واقعها الاجتماعي والسياسي، والتي ولدت التطرف والغلوا بإرادة أو من غير إرادة. ولعل أحفاد الطاهر بن عاشور والفاسي وغيرهم أن يسعفوا تجاربنا المتعثرة بفيض من علمهم وتجربتهم الثرة لنستفيد منها في معالجة كبواتنا في المشرق العربي الإسلامي. يقول المفكر المغربي محمد يتيم (1) في تعريف الوسطية؛ الوسطية بما هي خاصية للإسلام عقيدة وشريعة ونظاما ليست وصفة جاهزة أو خاصية مكتسبة بإطلاق للأمة أو لهذه الجماعة أو تلك، بل هي موضوع اجتهاد وجهاد متواصلين للعمل باستمرار وفق القاعدة الذهبية التي أشار إليها الحديث النبوي الشريف: “لا إفراط ولا تفريط”.
الوسطية لا تتحقق الا من خلال جهاد واجتهاد دائمين، جهاد علمي وفكري، وتربوي وثقافي وجهاد عملي على مستوى آخر، مما يقتضي أن يقوم في الأمة باستمرار مجددون عدول ينفون عن الإسلام غلو الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين. يمضي الاستاذ يتيم في تعليل أن إقامة الوسطية والاستقامة عليها يقتضي؛
    -أن تتواصل في الأمة مقومات البناء الوسطي والمراجعة الاستباقية وألا تتوقف.
– تجديدا يقوم بها مجددون عدول جماعات وأفراد ينفون عن الإسلام غلو الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين
– فقه مواكب مستحضر للقواعد الأصولية حتى لا يتحول التجديد إلى تفريط أو تسيب وتصالح مع الواقع الفاسد بدعوى تجنب الغلو والتطرف.
-فقه يرد فروعها إلى أصولها وجزئياتها إلى كلياتها ومتشابهاتها إلى محكماتها وظنياتها إلى قطعياتها حتى يتألف منها جميعا نسيج واحد مرتبط بعضه ببعض، متصلة لحمته بسداه ومبدؤه بمنتهاه.
تحديد محاور البناء الوسطي المعتدل عند الأستاذ يتيم يحدد خارطة التوجه الوسطي المعتدل ومع ذلك فإنه لا يكفي لإدامة زخم الفهم الصحيح لهذا الدين بل لا بد منه ويكمل بمنظومة فقية تحصن الفقية من الانزلاق في مهاوي الغلوا. انطلاقا من ذلك فان انواع الفقه اللازم من أجل جعل ممارسة الوسطية ممارسة حية في الواقع الإسلامي هي على الشكل الآتي )2)؛
أ ـ فقه الأولويات: فالاختلال على هذا المستوى يؤدي في نظرة المسلمين لأمور الدنيا أو أمور الدين إلى تقديم ما حقه التأخير وتأخير ما حقه التقديم، بينما يعلمنا صاحب الرسالة عليه أزكى الصلوات أن الأعمال درجات، وتأخير ما حقه التقديم وتقديم ما حقه التأخير مظنة للحياد عن الوسطية والاعتدال ومدعاة الانجرار الى الإفراط والغلو .
ب ـ فقه الموازنات: وقوام هذا الفقه الموازنة بين أقدار المصالح والمفاسد، فإذا حدث تعارض بين المصالح والمفاسد وجبت الموازنة بحيث يكون درء المفسدة مقدما على جلب المصلحة وبحيث تكون الموازنة بين خير الخيرين من أجل تحصيل أعظمهما وتفويت أدناهما وبين شر الشرين من أجل تحصيل أدناهما وتفويت أعظمهما. والاختلال في هذا الفقه مظنة للإنكار فيما لا يستوجب الإنكار ، ومزلة للافهام والانزلاق نحو التكفير وإخراج المسلمين من الملة كما حدث مع الخوارج
ج ـ فقه المقاصد: وقوام هذا الفقه النظر في علل الحكم وتجنب النظرة الظاهرية في نهج النصوص، فالقرآن جاء بالأحكام معللة سواء تعلق الأمر بالعبادات أو بالمعاملات، ومن ثم وجب البحث دوما عن مقصود الشرع من الحكم الذي ساقه. وقد حددها الأصوليون في خمسة أو ستة أصول وهي: حفظ النفس والعقل والدين والعرض والنسل والمال ومنهم من زاد على ذلك ومن نقص. وكثير من أنواع الغلة إنما ضعف نظر في مقاصد الشريعة وفقر في فهم علل الأحكام
د. فقه النصوص: وهو فقه يقوم على التمييز بين الظني والقطعي، وبين المحكم والمتشابه، وبين ما يحتمل تفسيرات عدة، وما لا يحتمل إلا تفسرا واحدا، والتمييز في السنة بين ما هو للتشريع وما ليس للتشريع، وما هو للتشريع الدائم والتشريع المؤقت. وغياب هذا التمييز قد يدفع التشدد فيما حقه التسيير والتخفيف ووالإنكار فيما ينبغي ان يحمل على المصالح المرسلة ومنطقة العفو التشريعي وأمور الدنيا التي تركت لتقدير البشر
ه ـ فقه المآلات: إذ لا يكفي معرفة الحكم الشرعي واستخراجه (تنقيح المناط)، بل لا بد من استحضار مآلات هذا الحكم في الواقع وهل يحقق مقصود الشارع من تنزيله أم يترتب عليه عكس مقصوده (تحقيق المناط).
و. فقه الواقع: وفقه الواقع هو الفقه الذي يمكن من تنزيل الأحكام الشرعية ومقاصدها مراعاة لأولويات واستحضارا للمقاصد وللمآلات ومراعاة أيضا للموازنة بين المصالح والمفاسد
ويشمل هذا الفقه على المستوى السياسي اليوم عدة أنواع من الفقه منها:
– الفقه بتاريخ الأمم وتاريخ الأمة الإسلامية
– الفقه بالتاريخ السياسي الإسلامي المعاصر: ونقصد بالأساس دراسة التجارب السياسية الإسلامية المعاصرة والاعتبار بأسباب الإخفاق والنهوض، والوقوف عند عوامل وأسباب الانتكاس وعوامل النجاح في التجارب الحركية والسياسية والحزبية المعاصر، ودراسة الخصوصيات التاريخية والسياسية لكل بلد على حدة ولطبيعة نظامه السياسي. هذا النوع من الفقه يحتاج الى اعادة الاعتبار للعلوم الاجتماعية المساعدة على فهم الواقع وتنزيل أحكام الشرع ومقاصده في الواقع انطلاقا من ” القوانين الاجتماعية ” او ” السنن ” التي تحكم المجتمعات الانسانية صعودا وهبوطا ، او ” قواعد العمران البشري ” التي وضع أسسها العلامة عبد الرحمن بن خلدون .
ان الجهل بهذه القواعد قد ينتهي بكثير من الثوار او المتحمسين الى الإفساد من حيث أرادوا الاصلاح .
 
 
المبحث الثاني
2- المنظومة القيمية في الإسلام
       مفهوم القيمة لغويا؛
      القيمة (3) : واحدة القيم ، فعله ” يُقَيِّمُ ” ، و ماضيها (قَيَّمَ ) ، وأصله الواو لأنه يقوم مقام الشيء. فالقيمة ثمن الشيء بالتقويم. تقول تقاوموه فيما بينهم. وما له قيمة إذا لم يدم على شيء.   القيام: العزم ومنه قوله تعالى: (.. إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ …) (سورة الكهف.الآية 14) أي عزموا فقالوا. وهو المحافظة والإصلاح ومنه  قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء) (سورة النساء.الآية34). وقوله تعالى:(…إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا…) (سورة آل عمران.الآية75، أي ملازما  ومحافظا و هو الوقوف و الثبات و منه قوله تعالى:(… وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا …)(البقرة، الآية 19)  أي وقفوا و ثبتوا في مكانهم. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للقيمة عن المعنى اللغوي، فهي تعني اصطلاحا: (ما قوم به الشيء بمنزلة المعيار من غير زيادة ولا نقصان) (4)، ومن مرادفات القيمة: (الثمن، والسعر، والمثل. ). وفي المصطلح؛  إن لفظة “القيمة” أو لفظة “القيم” تعتبر من الألفاظ ذوات المدلول الغني من حيث الدلالات.  ويميز لالاند Lalande في قاموسه (5) بين أربعة معان مختلفة تعود إلى أربع خاصيات للأشياء و تقوم على:
أ‌-     كون هذه الأشياء تلاقي إلى هذا الحد أو ذاك تقديرا أو رغبة شخص، أو بصورة أكثر عادية.
 ب‌-كون هذه الأشياء تستحق هذا القدر أو ذاك من التقدير.
ج‌-  كونها تلبي غرضا معينا.
د‌-  واقع جماعة اجتماعية معينة، و في لحظة معينة، يجري تبادلها  ومحددة من سلعة تتخذ كوحدة.
    ومع أن الأمر يتعلق في هذه التعريفات، بصفات الأشياء، فإن هذه الصفات يقدرها الناس، ويجري تقييمها تبعا للمنفعة التي تقدمها الأشياء للأشخاص. وعلى كل حال، فإن القول بأن شيئا ما ذو قيمة يعني الاعتراف الضمني بأن ذلك الشيء يحقق خيرا. إن التفكير في القيم هو التفكير فيما هو خير اجتماعيا أو فرديا. فالقيم إذن هي المبادئ والأسس، أو المعايير التي يرتكز عليها الفرد في توجيه سلوكه وتصرفاته على نحو محدد مرغوب. وفي توجه الباحث تعد القيمة الكبرى في الإسلام هو الإنسان، ولإنسانية الإسلام القيمة العليا لهذا الدين،  كما يقول النابلسي (6) إنّ الإنسانية إحدى خصائص الإسلام الكبرى، إنها تشغل حيزاً كبيراً في منطلقاته النظرية، وفي تطبيقاته العملية، وقد ربطت بعقائده وشعائره ومنهجه وآدابه ربطاً محكماً، فالإنسانية في الإسلام ليست مجرد أُمْنية شاعرية تهفو إليها بعضُ النفوس، وليست فكرة مثاليةً تتخيَّلها بعضُ الرؤوس، وليست حِبراً على ورق سطّرته بعضُ الأقلام، إنها ركنٌ عقدي وواقع تطبيقي، وثمار يانعة. ويؤكد حقيقة ما نذهب إليه من أن القيمة العليا الكلية هي الإنسان بما ورد من آيات الذكر الحكيم كما في قوله تعالى؛﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30]. ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ [التغابن: 3]، ﴿ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ [هود: 61]، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ  وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (الإسراء 70). وفي الحديث النبوي الشريف: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لزوال الدنيا أهون على الله عز وجل من سفك دم مسلم بغير حق. وروي بلفظ : لهدم الكعبة حجراً حجرا أهون من قتل مسلم. قال السخاوي: لم أقف عليه بهذا اللفظ ولكن روي معناه عند الطبراني. وله روايات كثيرة يعضد بعضها بعضا فترتقي به إلى درجة الصحيح لغيره، ومن ذلك ما رواه النسائي من حديث بريدة مرفوعاً : قدر المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا. وابن ماجه من حديث البراء مرفوعاً : لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق. والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو رفعه مثله لكن قال: من قتل رجل مسلم. وغيرها، ومعنى الحديث صحيح كما بينا في الفتوى رقم : 65562  والفتوى رقم : 48025 . (7) ولتلمس أعلى قيم في الإسلام بعد الإنسان نستطيع استخلاصها من سورة الفاتحة” بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1).الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)”… هذه السورة يكررها المسلم في الحد الأدنى يوميا ما يزيد عن سبعة عشر مرة، والحد الأعلى لا حد له بالنظر لتبرك المسلمين في قرائتها في كل حين. ومن السورة ممكن نستخلص القيم الآتية أولا الرحمة التي تكررت أربعة مرات، في هذه السورة بمعنى أن المولى سبحانه وتعالى قصد تكرارها بغية أن تكون واقعا معاشا في حياة الناس، وعضد هذه الرؤيا قوله تعالى “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” ( الأنبياء107) فالرحمة القيمة العليا في الإسلام بعد قيمة الإنسان وهناك مصفوفة من القيم التي اعتبرها الإسلام لا سبيل لسردها في هذا الموطن. والذي نخلص إليه في إيرادنا لهذه القيمتين الكبيرتين في الإسلام هو قياس مصداقية المنتمين للجماعات الإرهابية سواء كانوا من  القاعدة أو داعش أو الميليشيات الإجرامية التي تتشدق بنسبتها للإسلام زورا وبهتانا والإسلام منها بريء. فالفعل الملازم لعمل هذه التنظيمات الإرهابية هو القتل، والقتل على الشبهة، والقتل على الهوية، وقتل المخالفين، وترويع الآمنين والمستأمنين. ولو أوردنا النصوص من الكتاب والسنة من القطعيات ورودا ودلالة لما اتسعت لاستيعابها مجلدات إذا ما أضيفت لها آراء العلماء المعتبرين.
     يقول الدكتور محمد عياش الكبيسي؛ في بحثه الموسوم ” المنظومة القييمية ودورها في بناء الدولة” قدمه لمؤتمر الدولة الثالث المقام في اسطنبول؛ إن المنظومة القيمية ليست أحكاما تخصصية، أو اجتهادات علمية فذلك شأن العلماء والفقهاء والخبراء، كما إنها ليست قرارات قياديّة أو إدارية فذلك شأن الحكومة وأولياء الأمور وأصحاب السلطات والمسؤوليات، إنها أرفع من كل ذلك وأبسط في الوقت ذاته، إنها المعايير الكلية التي يحكم بها المجتمع على سلوك الدولة والحكومة وأصحاب الوظائف والتخصصات حكما كليا، فيفرّقون به بين الحكم العادل والحكم الظالم، وبين المفتي التقيّ والمفتي الماجن، وبين الطبيب الناجح والطبيب الفاشل، والقائد الشجاع والقائد الجبان، وكم نجح في هذا المعيار أقوام فكانوا نجوما في سماء الأمة، وكم هوى فيه آخرون، حتى الجاهلية سما فيها عنترة عنوان الشجاعة، وحاتم الطائي عنوان الكرم، وامرؤ القيس عنوان الفصاحة والبيان، وهذه كلها قيم مجتمعية تجسّدت في هؤلاء، إنها حكم المجتمع وليس حكم السلطان ولا الشهادة الجامعية، والمجتمع إنما يبني نفسه ويربّي ناشئته وفق هذه القيم بوضوح وبساطة يدركها الصغير والكبير، وحينما تضيع هذه المعايير فإن المجتمع يفقد بوصلته، ويبقى ينتظر أمر السلطان وفتوى المفتين في أبسط الأمور مما يجعله خاضعا للعبة السياسة وتجاذب المصالح والتضليل الإعلامي.
أما الدولة فإن رعاية هذه القيم وغرسها في نفوس الأجيال يُعدّ الفيصل الأول والأهم بين الدولة الراشدة التي تشعر بثقل الأمانة تجاه شعبها ومجتمعها وبين الدولة التي لا تنظر إلى شعبها إلا كجزء من مواردها وأداة من أدوات الإنتاج لديها.
     إن المجتمعات وكذلك الدول تمرّ بمراحل مختلفة؛ الصحة والمرض، القوة والضعف، وفي بعض الأحيان يكون المجتمع قويا بمبادئه وقيمه وتماسكه، لكنّ إطاره السياسي ضعيف ويتعرّض للنكسات، وهنا يأتي دور المجتمع، كما فعل العز بن عبد السلام ومعه علماء الأمة ووجهاؤها في تصحيح الدولة المصرية ودعمها حتى وقفت بجدارة أمام المغول، أما إذا كان العكس فهنا تبرز وتتأكد مسؤولية الدولة في بناء مجتمعها وتقويته ورفع مستوى شعبها وتوعيته بحقوقه وواجباته، ورأس الزاوية في كل هذا بناء المعايير الكلية التي توحّد الرأي العام وتصون الهويّة المجتمعية، وهذا ما يفعله القادة الروّاد،
    إن الفهم الصحيح لهذا الدين مبادئه وقيمه السامية كفيلة في إذكاء الوعي العام للفرد والمجتمع ليتحصن ضد الأفكار المتطرفة المولدة للإرهاب. والفهم السقيم وتوظيف النصوص من القرآن والسنة من غير علم شرعي رصين يتيح لفهمها على الوجه الصحيح يضلل الشباب ويحرفهم عن جادة الصواب إلى خلل الانخداع بأقوال الإرهابيين. وبعد أن تناولنا قيمتين لهذا الدين سنتناول مفهوم الدولة وحكمها في الإسلام، وبعدها نرصد انموذجا من العلماء الذين نظروا للدولة وتمكنوا في عالم السياسة من الوصول لأعلى مراتب الحكم، لنزن الدعوى الباطلة للتنظيم الإرهابي مع البعد التقعيدي والتأصيلي للدولة.
 
المبحث الثالث
 3-1تأريخ و مفهوم الدولة
       لتحديد  مفهوم الدولة على مستوى المصطلح لا بد من سبر غور تأريخ مدلول هذه الكلمة، وجذرها التأريخي وارتباطها الحضاري، والحضارة بمفهومها العصري هي نشأة لبعض الأمم البائدة التي سادت وعاشت منطقة ما في تاريخٍ ما واندثرت وبقيت لها آثار تدل على هذه الأمة أو الحضارة البائدة من أدوات أو نصوص مكتوبة أو بقايا هياكل عظمية تشير لهذه الأمة التي كانت عظيمة في يومٍ ما ثم اندثرت, تعد أقدم الحضارات التي قامت على هذه الأرض منذ الأزل : حضارة ما بين النهرين ( الرافدين -العراق):أثبتت الدراسات والاكتشافات التاريخية في باب علم الآثار إن هذه الحضارة من أقدم الحضارات التي تم اكتشافها، ويعود تاريخ هذه الحضارة إلى 8000-6000 سنة ق.م، وقد أطلق الإغريق القدماء اسم ( ميسوبوتاميا ) ، ومعنى هذا المصطلح {بلاد ما بين النهرين} ، ومن أشهر الحضارات التي قامت في مهد ما بين النهرين (السومرية، الآشورية ، الكلدانية، الآكادية) و أول حضارة فعلية قامت في بلاد ما بين النهرين هي (سومر)، أعرق وأقدم الحضارات التي عرفتها الاكتشافات البشرية، والتي أصبحت تعرف بعدعام 2000 ق.م باسم ( بابل ). (8) وتعد مسلة حمورابي، ملك بابل 1792-1750 ق.م رمزا لحضارة ما بين النهرين، فهذه المسلة العالية من البازلت التي نصبها الملك حمورابي ملك بابل في القرن 18 ق.م. تشكل عملا فنيا و تاريخيا و أدبيا و أكثر الخلاصات القانونية تكاملا في العصور القديمة حيث إنها تعود لفترة سابقة للقوانين التوراتية،
 وهناك من يرى أن مملكة أشنونا الواقعة في محافظة ديالى، ناحية بهرز سنت القوانين قبل حمورابي، ففي عام1945 أعلن أمين المتحف العراقي الأستاذ طه باقر عام نبأ اكتشاف لوحين مدونين لشريعة تدعى ب«قوانين اشنونا»، حسب ما جاء في صحيفة البيان وقد دونت باللغة السامية البابلية في موقع «تل حرمل»، أما تاريخ هذه القوانين فهو غير معروف بشكل أكيد، إلا انه يسبق شريعة حمورابي بقرن ونصف القرن، وعدد موادها 61 مادة(9).
    وهناك من يرى أن حضارة وادي النيل هي من أقدم الحضارات، وتُعدّ مِصْر مَوطِناً لِأقدم الحضارات على الأرض، حيث اشتُق اسمُها من الكلمة اليونانيَّة ايجيبتوس (بالإنجليزيّة: Aegyptos)،  وفي عام 5500ق.م كانت هناك مملكتان رئيسيتان تمتدّان على نهر النِّيل، أطلق عليهما المؤرِّخون المصريون مِصْر العُليا ومِصْر السُّفلى، وفي عام 3200ق.م جُمِعت المملكتين تحت حُكم واحد، وحاكم واحد يتولى شؤونهما هو الملك نارمر والّذي يُطلق عليه مينيس، وكان هذا إيذاناً لبداية حضارة مصر القديمة.(10) وهناك حضارات قديمة أخرى كبيرة إلا أنها لا تنافس حضارتي وادي الرافدين ووادي النيل.
   تعد هذه الآراء الجذور التأريخية للحضارات التي نشأت في ظلالها دول وأنظمة وتفرعت عنها في العصور المتتابعة دول وامبراطوريات عديدة لا يتسع المجال لسردها في هذه العجالة، بل يكفي للدلالة أن نعلم أن الحكم وأنظمته موغرة في القدم وحضارتي وادي الرافدين ووادي النيل خير دليل عليها.
     وأوربا بعد أن تخلصت من حكم الكنيسة (الدولة الثيوقراطية) تحقق  أول اعتراف رسمي بالدولة الحديثة من خلال معاهدة (ويستفاليا) عام1648م التي أنهت الحروب الدينية الطاحنة في أوروبا، كما إنها قننت أسس التعامل بين الدول الأوروبية التي كانت تتكون منها الإمبراطورية الرومانية، فضلاً عن كونها أرست معالم نظام دولي جديد قوامه (الدولة القومية). وظهرت (الدولة القومية) في بعض دول أوروبا كمحصلة لمسيرة التطور الاجتماعي , والاقتصادي , والأحداث السياسية، ومن ثم انتشر هذا النمط من أنماط التنظيم السياسي إلى بقية أرجاء القارة. إذاً فالحديث عن الدولة الحديثة في دول العالم الغربي إنما هو حديث عن (الدولة القومية أو الوطنية)، أو (الدولة-الأمة) كشكل سياسي قانوني متميز عن الأشكال التي سبقته. وتتشكل الدولة وفق وستفاليا على أرض ذات حدود وسيادة ولا تتدخل في شؤون الآخرين ولا تسمح لهم في التدخل في شؤونها. وتطورت على قرون ثلاثة (1648،1748،1948) (11).
3-2الدولة لغة واصطلاحا
 
   الدولة في اللغة؛ بتشديد الدال مع فتحها أو ضمها ، العاقبة في المال والحرب ، وقيل : بالضم في المال ، وبالفتح بالحرب ، وقيل : بالضم للآخرة وبالفتح للدنيا ، وتجمع على دول بضم الدال وفتح الواو ، ودول بكسر الدال وفتح الواو ، والإدالة الغلبة ، أديل لنا على أعدائنا أي نصرنا عليهم ، وكانت الدولة لنا. يقال : اللهم أدلني على فلان وانصرني عليه . وفي حديث وفد ثقيف؛ ندال عليهم ويدالون علينا ، وكانت الدولة لنا ، والدولة : الانتقال من حال الشدة إلى الرخاء ; ومنه حديث أبي سفيان وهرقل : ندال عليه ويدال علينا ; أي نغلبه مرة ويغلبنا أخرى . وقال الحجاج : يوشك أن تدال الأرض منا كما أدلنا منها ; أي يجعل لها الكرة والدولة علينا فتأكل لحومنا كما أكلنا ثمارها وتشرب دماءنا كما شربنا مياهها . وتداولنا الأمر : أخذناه بالدول (12).
ومن هذا المعنى جاء مصطلح الدولة نتيجة لغلبتها، وإلا لما كانت دولة ، وقد ورد لفظ الدولة في القرآن الكريم في قوله تعالى : { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } الحشر آية: 7
واصطلاحا؛ تعرف الدولة بأنها ، شعب مستقر على إقليم معين ، وخاضع لسلطة سياسية معينة ، وهذا التعريف يتفق عليه أكثر الفقهاء لأنه يحتوي العناصر الرئيسة التي لا بد لقيام أي دولة منها ، وهي الشعب ، والإقليم والسلطة وإن اختلفوا في صياغة التعريف ، ومرد هذا الاختلاف إلى أن كل فقيه يصدر في تعريفه عن فكرته القانونية للدولة .
أركان الدولة؛(13)
تقوم الدولة على ثلاثة أركان هي
1 –  الجمهور
لا يتصور وجود دولة دون وجود مجموعة من البشر ، ولا بد أن ينشأ لدى هذه المجموعة ، إحساس بضرورة إشباع حاجات شتى، والتعاون على أداء المناشط المطلوبة لإشباع هذه الحاجات ، ويتكون شعب أي دولة من مواطنين يتمتعون بجنسية الدولة ، وتربطهم بها رابطة الولاء ، وأجانب يوجدون على إقليم الدولة لا تربطهم بها سوى رابطة التوطن أو الإقامة حسب الأحوال .
2 – الأقليم :
إذا وجد الشعب فلا بد له من الاستقرار على أقليم ما ، يكون مستقرا للشعب ومصدرا رئيسا لثروة الدولة ، وأقليم الدولة هو ذلك الجزء من الكرة الأرضية الذي تباشر الدولة عليه سلطانها ، ولا يمارس عليه سلطان غير سلطانها .
ويتكون إقليم الدولة من ثلاثة أجزاء، جزء أرضي ، وهو الجزء اليابس الذي تعينه حدود الدولة ، ويستعمل سطح الأرض وما دونه من طبقات إلى ما لا نهاية ، وما فوق ذلك السطح من مرتفعات كالجبال والهضاب وجزء مائي ، ويشمل المياه الموجودة داخل حدود الدولة من أنهار وبحيرات ونصيب من البحار العامة الملاصقة لإقليم الدولة ، وتسمى المياه الإقليمية ، وجزء هوائي ويشمل طبقات الهواء فوق الإقليمين الأرضي والمائي حسب ما هو محدد في أحكام القانون الدولي العام ، وقد يكون إقليم الدولة متصلا بشكل واحد وهو الغالب ، أو منفصلا كالباكستان سابقا عندما كانت تنقسم إلى قسمين شرقي وغربي حتى انفصلت باكستان الشرقية وأصبحت دولة مستقلة تسمى بنجلادش فظل اسم باكستان يطلق على باكستان الغربية .
3 – السلطة :
  لا يكفي لقيام الدولة وجود شعب معين على إقليم معين ، فلا بد من قيام حكومة تباشر السلطات باسم الدولة ، وركن الحكومة أو السلطة هو الذي يميز الدولة عن الأمة ، فالأمة تتفق مع الدولة في ركني الشعب والإقليم ، ولكنها تختلف عنهما في ركن السلطة السياسية ، وإذا ما تيسر لأمة ما أن تقيم حكومة تخضع لسلطانها فإنها تصبح دولة . ويلحق بركن السلطة ركن آخر هو السيادة ، وهو مثار لجدل بين فقهاء القانون حيث اختلفوا في ذلك على رأيين ، الرأي الأول ويمثل النظرية الفرنسية ، وتقول بوجوب وجود السيادة ، وأنه لا يمكن قيام دولة ليست ذات سيادة ، أي أن الجماعة لا تستحق وصف الدولة ، إلا إذا كانت تتمتع بالسيادة أي بالسلطة غير المقيدة في الخارج والداخل .
والرأي الثاني ، ويمثل النظرية الألمانية ، حيث لا تشترط لقيام الدولة أن توجد حكومة ذات سيادة ، ومقتضى هذه النظرية ، أن العبرة في قيام الدولة هي بوجود الحكومة التي تملك سلطة إصداره أوامر ملزمة في قدر معين من الشؤون المتصلة بالحكم ، ولو لم تكن لها السيادة بالمعنى المطلق في تلك الشؤون كافة .(14)
 
3-3 تأصيل نظام الحكم في الإسلام
 وكما يقول الدكتور عبد القادر السماري(15) في مقدمة بحثه (معايير الجودة في التنمية الشاملة للدولة المعاصرة من منظور إسلاميّ) الذي قدمه في مؤتمر الدولة الثالث” الدولة والمجتمع رؤية مقاصدية” الحكم في الإسلام من الأصول وليس الفروع، فبه ومن خلاله تُؤدّى الحقوق وتُردّ المظالم وتُعمّر الأرض ويُساس الخلق، ولقد جاءت كلمة (حكم ) في القرآن بمختلف تصاريفها أكثر من تسعين (90) مرة. والحكم المقصود في الإسلام هو:
الحكم العادل: ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾. النساء 87.
الحكم البعيد عن الأهواء: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك﴾. المائدة 49.
الحكم المرتبط بالحق: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما﴾. النساء 95.
الحكم البعيد عن صور الجاهلية وأشكالها: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾. المائدة 116.
الحكم الذي ينقاد إليه المواطنون عن طيب خاطر وقناعة: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. النساء 88.
على هذه المبادئ أسس سيد الخلق، محمد صلى الله عليه وسلم، دولة الاسلام الأولى، ومنها انطلقت بشائر النور والهداية إلى بقاع الدنيا، وعلى هذه المقاييس سُمّي عهد: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، رضي الله عنهم، بـ: عصر الخلفاء الراشدين، ذلك أنّ حكمهم كان راشدا رشيدا، يستنير بالأنوار الإلهيّة ويتلمّس التوجيهات النبويّة، وعلى هذه المرتكزات يجب أن يكون عمل الدولة الحديثة من المنظور الإسلامي. وخير ما يمكننا رصده من التجربة المغاربية هو رؤية الدكتور سعد الدين عثماني حول الدولة وفي الإمكان رصدها وفق الآتي؛
المبحث الرابع
 الدولة لإسلامية في تنظير الدكتور سعد الدين عثماني انموذجا
        يعد الدكتور سعد الدين عثماني من المفكرين المغاربة الذين لهم رؤية منفتحة ومختلفة عن المشارقة، كما تعد تجربتهم في المغرب من انجح تجارب الإسلاميين الذين تجنبوا الصدام مع الملك بل كان التصالح عنوان المشهد في حكومة ملكية دستورية رائدة. والكلام عن السيرة الذاتية للدكتور سعد الدين عثماني كبيرة (16) فهو مفكر إسلامي وناشط سياسي ومسؤول حكومي تقلد فيما سبق وزارة الخارجية في المغرب واليوم يتسنم رئاسة الحكومة المغربية. وفي المؤتمر الثاني للدولة (الدولة والمجتمع رؤية مقاصدية) المذكور سلفا، شارك الدكتور سعد الدين عثماني ببحث أسماه (الدولة الإسلامية؛ المفهوم والإمكان) وفي هذه العجالة سنختصر أهم الأفكار التي تناولها في بحثه ونرد استدلاله عليها وكما يأتي؛ شاع على نطاق واسع استعمال مصطلح ” الدولة الاسلامية ” وخصوصا في اوساط العلماء والدعاة والحركات الاسلامية. وكثر الاختلاف حول مفهومها ومضامينها في سياق التحولات التي تشهدها مناطق واسعة من العالم الاسلامي. وتحتاج مقاربة الموضوع للوقوف عند طبيعة الدولة من منظور اسلامي سعيا لتمثيل المراد الشرعي نظرا وعملا . فقد اسمهت مؤثرات عديدة في غموض النظرة وتشوش الرؤية وبروز تناقضات فاضحة في فكر المسلمين, وبقي العقل المسلم المعاصر على العموم عاجزا عن الخروج من اختلالاتها. وعلى الرغم من كثرة الدراسات وغناها في هذا المجال الا ان العديد من جوانبها المنهجية والمعرفية لاتزال في حاجة الى المزيد من الجهود من اجل التاسيس الواعي لرؤية متوازنة, وبالتالي لممارسة سياسية تنطلق من قاعدة شرعية اسلامية  صلبة, وتمتاح من مبادئها ومقاصدها , وتستجيب في الوقت نفسه لتحديات النهضة والاصلاح في العالم المعاصر. سنتوقف تباعا عند اصول وقواعد النظرة الشرعية الى المجال السياسي وطبيعة السلطة السياسية وبالتالي الى الدولة تمهيدا خلاصات التي نقترحها في هذا المجال.   فالأصل الاول يكمن في أن السياسة من العاديات ومن امور الدنيا، يقسم علماء الاسلام مجالات عمل الانسان الى مجال عبادي او تعبدي ومجال عادي, لكل منهما منهج خاص في التعامل معه . ويجعل ابو اسحاق الشاطبي (ت790هجري) التميز بين المجالين من ” مقصد الشارع ” , كما  يؤكد ان الاصل في المجال الثاني المرتبط بامور الحياة العادية هو الارتباط بالمعاني والمقاصد, حيث قال : ” من مقصد الشارع التفرقة بين العبادات والعادات وانه غلب في باب العبادات جهة التعبد وفي باب العادات جهة الالتفات الى المعاني(17) . ويجعل ابو اسحاق الشاطبي افعال المسلم نوعين :الأول  ” ان تكون من قبيل التعبدات , الثاني وان تكون من قبيل العادات(18). فالتعبدي يحمل معنى الخضوع والقربة, بينما العادي قد يكون طاعة دون ان يكون قربة . ويسجل ابو اسحاق الشاطبي هذا التميز بوضوح اثناء تعرضه للمقاصد الخمسة  وعلاقتها بالعبادات والعاديات يقول ” فاصول العبادات راجعة الى حفظ الدين من جانب الوجود كالايمان والنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج ومااشبه ذلك . والعادات راجعة الى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود ايضا , كتناول الماكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات ومااشبه ذلك والمعاملات راجعة الى حفظ النسل والمال من جانب الوجود .. كانتقال الاملاك بعوض او بغير عوض , بالعقد على الرقاب او المنافع او الابضاع. وبما ان السياسة مرتبطة بمصالح النفس والعقل والنسل والمال , للفرد والجماعة , فانها تدخل صراحة في مااصطلح عليه الشاطبي بالعادات والمعاملات . وهما متمايزان عن العبادات الراجعة الى حفظ الدين . والعادات والمعاملات قد يجمعان في لفظ واحد فيطلق عليهما لدى العلماء في القواعد التي اشرنا اليها اسم ” العاديات ” . وهو ما ينتظم كل الجوانب التدبيرية لحياة المجتمع, سواء في مجال بناء السلطة وشرعيتها  في المجتمع او السياسة  الداخلية او مجالات حياة المجتمع ومعاملاته اوبناء مؤسساته وتدبيرها او في مجال السياسة الخارجية . فمبناها  جميعا المصلحة المقدرة  من قبل الفرد او المجتمع , لان الاصل فيها ” الحكم والمقاصد ” . وجعل العلماء ذلك من يسر الاسلام ومقتضى عالميته , وفي المقابل فان مجال العبادات الاصل فيه ” التعبد ” و ” الوقوف عند المنصوص “. ليس هذا التميز خاصا بابي اسحاق الشاطبي , بل هي القاعدة المعتمدة لدى كبار علماء الاسلام قديما وحديثا . ومن اصلح من عبر عن ذلك تقي الدين ابن تيمية (ت 728 هجري) بتاكيده بان ” تصرفات العباد من الاقوال والفعال نوعان : عبادات يصلح بها دينهم , وعادات يحتاجون اليها في دنياهم ” . ثم يؤكد انه باستقراء اصول الشريعة نعلم ان ” العادات التي اوجبها الله او احبها لا يثبت الامر بها الا بالتشريع . اما العادات فهي مااعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون اليه والاصل فيه عدم الحظر . ثم اوضح واحدة من اهم دلالات هذا التمييز قائلا : ” وذلك لانالمر والنهي هما شرع الله والعبادة لابد ان تكون ماكورا بها , فما لم يثبت انه مامور به كيف يحكم بانه عبادة ؟ وما لم يثبت من العادات انه منهي عنه كيف يحكم على انه محظور ؟ ” (19). …
ويركز أبو الحامد الغزالي(ت 505هـ) على المعاني نفسها عندما يؤكد بالحرف الواحد” ما يتعلق بمصالح الخلق من المناكحات والمعاملات والجنايات والضمانات، وما عدا العبادات، فالتكم بها نادر. أما العبادات والمقدرات فالتحكمات فيها غالبة، واتباع المعنى فيها نادر”(20) ومقصود الغزالي بالتحكمات هو ذات مقصود الشاطبي وابن تيمية وغيرهما بالتوقيف، أي تحديد أشكال تطبيق المقاصد الشرعية.
 ويستند العثماني بالقاعدتين الأصوليتين؛ الأصل في العبادات التوقيف حتى يرد الأذن، والأصل في العادات الأباحة حتى يرد الحضر.(21)
ويميز الشاطبي بين المجالين بعبارة أكثر تفصيلا في الموافقات فيقول” كل دليل ثبت فيها(أي نصوص الوحي) مقيدا غير مطلق وجعل له قانون وضابط فهو راجح إلى معنى تعبدي، لا يهتدي إليه نظر المكلف لو وكل إلى نظره؛ إذ العبادات لا مجال للعقول في أصلها، فضلا عن كيفياتها، وكذلك في العوارض الطارئة عليها، لأنها من جنسها، وأكثر ما يوجد في الأمور العبادية” ثم يميز الدليل الراجح إلى معنى تعبدي عن الدليل الراجح إلى معنى معقول بقوله” كل دليل شرعي ثبت في الناس مطلقا غير مقيد، ولم يجعل له قانون ولا ضابط مخصوص فهو راجح إلى معنى معقول وكل إلى نظر المكلف، وهذا القسم أكثر ما تجده في الأمور العادية التي هي معقولة المعنى، كالعدل والإحسان والعفو والصبر والشكر في المأمورات، والظلم والفحشاء والمنكر والبغي ونقض العهد في المنهيات”(22) ثم يقول ” وهذا هو المشروع لمصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، وهو القسم الدنيوي المعقول المعنى. والأول هو حق الله على العباد في الدنيا، والمشروع لمصالحهم في الآخرة ودرء المفاسد عنهم”
يستطرد العثماني في سوق الآراء والأقوال على أن العادات هي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى، خلاف العبادات التي لابد أن يكون مأمورا بها، فما لم يثبت أنه مأمورا بها كيف يحكم عليها بالعبادة. وعليه فباعتبار كون السياسة من قبيل العاديات لا العبادات فإنه ليس من الضروري في المجال السياسي البحث عن سند شرعي من النصوص لأي إجراء جديد، بل الذي عليه أن يبحث عن الدليل الشرعي هو الذي يمنع من الأجراء، لأن الأصل في المعاملات الاباحة حتى يرد الحظر والمنع من الشرع.
   هذا من جانب وجانب آخر يرتبط بكون الكتاب والسنة لم يحددا شكلا للنظام السياسي، فلم يوردا أي تفصيل عن كيفية قيام الدولة ولا عن طريقة تدبيرها، ولم يرد فيهما أي تفصيل لنظام حكم محدد المعالم. كما أن العلماء لم يتفقوا على أي شيء من قواعد “الخلافة” وتفاصيلها، ولا عن كيفية اختيار الحاكم ومدة ولايته، ومدى صلاحياته، وكيفية محاسبته وكيفية عزله، ولا عن كيفية ممارسة الشورى وعن ضوابطها ومن أصحابها، وكيف يحسم الخلاف بين رئيس الدولة والشورى، ولا تدقيق فيما يخص السلطة القضائية، ومن يتولاها وغير ذلك من القضايا ذات الطبيعة الدستورية والسياسية. وسكوت الشارع فيها مطرد، مما يعني أنه مقصود، ينطبق عليه ما ورد في الحديث النبوي” وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، ثم قرأ قوله تعالى( وما كان ربك نسيا) “مريم64” وهو حديث صححه الألباني. ويستطرد العثماني بقوله ليس من عيب في عدم الحسم أو عدم الاتفاق عليها، فهي قضايا “دنيوية” تخضع لاجتهاد البشر، وهم مفوضون في صياغتها والحسم فيها حسب ظروفهم ورضاهم.
 ويستمر العثماني في ايراد النصوص المرجحة لما ذهب إليه ومع ذلك يحدد الآتي؛ فإذا كانت السياسة مفوضة للاجتهاد البشري، فهذا لايعني كونها خالية من أي قيد شرعي، فهناك الواجبات الدينية، والمحرمات الدينية التي يلتزم بها تدينا، وهناك المبادئ والمقاصد التي تؤطر حركته الفكرية والعلمية في السياسة. وهذا يشمل ما أطلق عليه بعض علماء الإسلام بالسياسة الشرعية. وعرف مصطلح السياسة الشرعية العديد من العلماء، ويعد تعريف أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي(ت 513هـ) الأشهر فيقول” بأنها مايكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم و لا نزل به الوحي”  وكيفها  بأنها ما وافق الشرع وليس ما نطق به الشرع. فقد رد على من قال ” لا سياسة إلا ما وافق الشرع” بأنه إن كان يعني بذلك؛ لا يخالف  ما نطق به الشرع فهو صحيح، وإن أراد  أنه لا سياسة إلا ما نطق به الشرع، فغلط وتغليط للصحابة (23).
 ويؤكد ابن القيم (ت751هـ)  على أن السياسة الشرعية إما صحيحة أو فاسدة. والفاسدة ليست من الإسلام بينما الصحيحة وهي العادلة فإنها تعتبر جزءا منه. يقول ” فلا يقال؛ إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به،  بل جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله. وفي مكان آخر استنكر ابن القيم حصر طرق معرفة الحق فيما ورد في النصوص،  ويعيب على أناس تشددوا، فسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، مع علمهم وعلم غيرهم قطعا أنها حق مطابق للواقع، ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع. والسبب أنها غير واردة في النصوص، فظنوا أنها منافية لما جاء به الرسول، والصحيح أنها إنما ” نفت ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم، وهو فهم غير سليم انتجه لديهم ” نوع تقصير في معرفة الشريعة وتقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر. وذهب ابن القيم إلى أن الله سبحانه بين” بما شرعه من الطرق أن مقصود إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له”.(24)
 ومقصوده أن كل ما استخرج به العدل مقبول في الدين لا مخالف له. وبالمقابل فإن كل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل. (25)
 ويستمر العثماني في تأصيل ما ذهب إليه عبر التدليل عليه من فعل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم  فيقول؛ إذا كانت السياسة من العاديات، ومن الدنيويات، ومنطقة مفوضة للجهد البشري، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ملأها في عهده بهذه الصفة. لذلك اعتبر كبار نظار الإسلام وعلمائه أن تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية  متمايزة عن تصرفاته التشريعية “الدينية”. فقد أسس في المدينة بعد الهجرة نظاما سياسيا، ومارس عمليا المسؤولية السياسية واتخذ القرارات في مختلف المجالات التي تقتضيها تلك المسؤولية. لكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل ذلك بوصفه مبلغا عن الله للأحكام الشرعية والدينية، ولكن بوصفه وليا للأمر ومسؤولا سياسيا يتخذ القرارات بالنظر للمصلحة المراد تحقيقها. وهذا ما نظر له العديد من العلماء وفي مقدمتهم الأصولي المالكي شهاب الدين القرافي(ت 684هـ) بالتأكيد على تمايز المقامات التي تصدر عنها التصرفات النبوية، في عمل تأسيسي يعتبر معلمه بارزة في توضيح العلاقة المركبة بين الدين السياسة في عهده صلى الله عليه وسلم وبث ذلك في العديد من كتبه مثل موسوعة الفقه “الذخيرة”، وكتابه المشهور بالفروق، ثم في كتاب خاص بالموضوع هو “الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام”.
   وهكذا فقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم السياسة باجتهاده، ونظره في الحجج والبينات أو في المصالح العامة، فهيبالتالي تصرفات مدنية. ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يشاور فيها أصحابه، وقد ينزل عند رأيهم، كما أنهم قد يراجعونه في ما يقرره فيها دون نكير. فهي قرارات وتشريعات فوضت له صلى الله عليه وسلم بالصفة السياسية، وتحمل طابع النسبي المرتبط بالزمان والمكان والظرف. وهي تصرفات غير ملزمة لأي جهة تشريعية أو ذات سلطة بعده صلى الله عليه وسلم لأنها تنزيل على واقع خاص وظروف مخصوصة. ولا يجوز الجمود عليها بحجة أنها “سنة”، وإنما يجب على كل من تولى مسؤولية سياسية أن يتبعه صلى الله عليه وسلم في المنهج الذي هو بناء التصرفات السياسية على ما يحقق المصالح المشروعة. لذلك فإن ابن قيم الجوزية لما أورد نماذج من تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين بالسياسة الشرعية في كتابه ” الطرق الحكمية”، أوضح أن هناك من يخطأ ويعتبرها تشريعا عاما للأمة، يقول؛ والمقصود أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة يختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكل عذر وأجر، ومن اجتهد في طاعة الله ورسوله فهو دائر بين الأجر والأجرين.(26).
 يبني العثماني العمل السياسي وفق أربعة أصول فيقول؛ هذه الأصول هي التي تبنى عليها في رأينا المقاربة الشرعية للسياسة، من حيث التصور ومن حيث التطبيق. ولها عدة مقتضيات مؤثرة على تصور الدولة إسلاميا، نقف عند أهمها؛
  • التمييز بين الأمة السياسية والأمة الدينية: فأمة الدين تجمع بين أفرادها رابطة الأخوة العقدية والإيمانية، وأمة السياسة تتكون من أشخاص يجمعهم وطن سياسي واحد، ولو كانوا ذوي عقائد وانتماءات مختلفة. واستدل بوثيقة المدينة على ما ذهب إليه.
  • التمييز بين السياسة وبين مرجعية النظام القانوني. سند السلطة ومشروعيتها وآليات ممارساتها قضايا سياسية انطلاقا من التعريفات المعتمدة للسياسة.بينما طبيعة النظام القانوني أو مرجعيته ليست في الحقيقة قضايا سياسية، بل هي نتيجة لممارسة مقتضياتها. فالأمة هي مصدر السلطة في الدولة المدنية، وهي صاحبة السلطة “التشريعية” أو التقنينية من خلال ممثليها.
  • التمييز بين التشريع القانوني بمفهومه المعاصر والتشريع الديني. أكد القرآن الكريم على أن التشريع في الدين حق خالص لله، وأنكر على من ينتحلون هذا الحق… فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله تعالى، أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك اتخذه شريكا لله، شرع له من الدين ما لم يأذن به الله.(27) . ويستعمل لفظ التشريع حاليا بمعنى آخر، وهو التقنين أو وضع القوانين وهي مجموعة من القواعد العامة المجردة الملزمة التي تضبط العلاقات في المجتمع. وهو مفهوم مستحدث بمعنى التشريع الدنيوي، أو الإجراء ذو الطابع السياسي لتحقيق مصالح عامة، وتسمى السلطة التي تملك صلاحية ذلك بالسلطة التشريعية. وتتكلف السلطة التنفيذية بالسهر على إنفاذ تلك القوانين ولو بالقوة، ولها حق إيقاع الجزاء على مخالفتها… ومن أمثلة هذا النوع في الفقه الإسلامي ما يسمى بعقوبات التعازير، وهي عقوبة متروكة لأولي الأمر في المجتمع ضمن الجرائم التي لا حد فيها ولا كفارة ولا قصاص يحددونها حسب أحوال المجتمع وظروفه وما يحقق المصالح الشرعية فيه. وهي عقوبات مفوضة إلى رأي الإمام. (28)
  • التمييز بين المبادئ السياسية في الإسلام وأشكال تطبيقاتها عبر التأريخ. لقد فوض الشرع للأمة في كل ما يتعلق بتفاصيل نظام الحكم، أو تحديد نواحيه التطبيقية، فليس هناك في وسائل بناء السلطة وآليات ممارستها على الصحيح من آراء العلماء المسلمين.(29)
 ويستمر العثماني في دراسته محددا تساؤلا عن أي مفهوم للدولة الإسلامية؟؟ فيجيب عليه بثلاثة محاور، الأول يتكلم به عن مفهوم الدولة في الفكر السياسي المعاصر، ويتناول فيه مقتضيات توفر الدولة على الشخصية المعنوية والقانونية ويحدد لها ثلاثة أموروهي الأهلية القانونية، الذمة المالية المستفلة،  الوحدة والاستمرارية. والمحور الثاني يرتبط بعلاقة الدولة الإسلامية بالأمة الإسلامية.  ويحرر مفهوم الأمة في القرآن الكريم مفهوم مركزي وتأسيسي، وضع له إطار وخصائص أهمها؛ تعد أساس الرابطة بين أفراد الأمة دينية عقدية. ويحدد طبيعة العلاقة المبنية على الأخوة فيها. ويحدد المهمة والدور المناط بها. والمحور الثالث يتناول فيها إشكالية كون الخلافة الإسلامية هي نموذج الدولة الإسلامية المنشودة. ويصل من خلال ذلك في أن التجارب التاريخية للمسلمين بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ليست إلا فهما لتلك المبادئ وتطبيقا لها وليست ملزمة لأجيال المسلمين بعدهم.
وفي معرض تناول العثماني لانماط الحكم الإسلامي عبر العصور يخلص إلى نتيجة تعد خلاصة المحاور هو مصطلح ” الدولة الإسلامية”  الذي شاع في العصر الحديث استعماله للتعبير على نموذج الحكم السياسي الذي يفترض أنه يحقق المقصود الشرعي، مؤكدا أن هذا المصطلح جديد، لم يرد في النصوص الشرعية، ولا في كتابات الفقه أو الفكر السياسي في الحضارة الإسلامية…. ووأغلب من يستعملون عبارة ” الدولة الإسلامية” يربطونها بجعل الشريعة مصدر القوانين، وقد خلصنا إلى أن بناء الدولة هو بناء سياسي، وليس بالضرورة مرتبطا بطبيعة النظام القانوني أو مرجعيته التي ليست في الحقيقة قضايا سياسية.
وخلاصة ما ذهب إليه العثماني؛
إذا سلمنا بعدم وجود نموذج شرعي محدد للحكم، ولا نظام سياسي إسلامي محدد، فالمعول عليه هو المبادئ والمقاصد التي اتا بها الدين لتكون هداية للفرد والجماعة. فأي نظام تحققت فيه تلك المبادئ والمقاصد فهو مقبول شرعا. وإذا قارنا بين تلك المبادئ والمقاصد وبين المعايير التي تبنى عليها ما يصطلح عليه اليوم بالدولة المدنية، فإننا نجد العديد من التوافقات، فالمعايير التي تجعل الدولة مدنية على الراجح خمسة وهي؛تمثيلها إرادة المجتمع، وكونها دولة قانون، وانطلاقها من نظام مدني من العلاقات يقوم على التسامح وقبول الآخر، والمساواة في الحقوق والواجبات، وقيامها على المواطنة بغض النظر عن دين الفرد أو عرفه أو سلطته، مع مساواة جميع المواطنين فيها وإلتزامها بالديمقراطية والتداول السلمي على السلطة…
فالدولة في المفهوم الإسلامي لا تتنافى في فكر سعد الدين العثماني في شيء مع مفهوم الدولة المدنية، بل تؤسس لها على مختلف المستويات، وتمكن الشعوب المسلمة من تأسيس دول مدنية بمرجعية إسلامية، تتنوع حسب اختلاف ظروفهم واجتهاداتهم، وتستفيد من الحكمة البشرية واجتهادات التجربة الإنسانية.
 
الخاتمة
     تعد الظروف الموضوعية” الاحتلال ، السياسات الطائفية، الجرائم الميليشياوية…وغيرها” التي أحاطت بالعرب السنة بعد الاحتلال السبب الرئيس التي دفعت بعض العشائر العربية السنية للتعاطف مع التنظيم الإرهابي “القاعدة، داعش”. وبعد أن كشف المستور وعرفت حقيقته، انتفض العرب السنة ضد التنظيمات الإرهابية وطردتها من محافظاتهم بعد أن قدمت الثمن غاليا، وتعرض أبناؤهم للقتل والتهجير والاعتقال، وهدمت مدنهم. ولم تفعل الحكومات الطائفية لهم إلا ما يزيد من مأساتهم. وهذه الدراسة تسهم في بعض تناولها تشخيص الأسباب التي أوجدت الإرهاب، وكيفية تفكيك منظومته الفكرية، باعتبار أن الانتصارات العسكرية قد تنهي الإرهاب على الأرض ألا أنها لا تنهي خلاياه النائمة وأفكاره المتجذرة في بعض النفوس. فمعرفة أعلى القيم الإسلامية يعني بالضرورة تعرية التنظيم الإرهابي من دعوى إسلاميته، بل تكرس أن هذا التنظيم وجد وصنع لضرب الدين الإسلامي وتشويه صورته في الداخل العربي الإسلامي وفي الغرب بشكل أخص. ونشر الوسطية والاعتدال كفيل بتحقيق الفهم الصحيح لهذا الدين وتحصين المجتمع من الأفكار الهدمية التي رافقت تكوين ونشأة التنظيمات الإرهابية على أساسها، فالتوصية الرئيسة تكمن في نشر الاتجاه الوسطي المعتدل وعدم التضييق عليه، لكون فشل مشروع الاعتدال يخدم انتشار الأفكار المغالية والتطرف البيئة المثلى للإرهاب. وكذلك تناول هذا البحث مفهوم مرجعية الدولة الإسلامي ليكشف زيف وبهتان دعوى التنظيم بتشكيل الدولة الإسلامية في العراق والشام.فإقامة الدين هو المأمور به من قبل الشرع وذلك يكون على الذات وعلى الحكم، لذا نجد أن الدولة المدنية التي يقام فيها الدين وتكون مرجعيتها الشريعة الإسلامية هي التي تعبر عن النظام الإسلامي الصحيح. والتوصية اللأساس أن يتعقب العلماء الجذور الفكرية للتطرف ويعالجوها قبل أن تنمو نموا سرطانيا يأكل جسد الأمة الإسلامية ولات ساعة مندم.
الهوامش والمصادر.
1-                د. محمد يتيم،  في ملخص الورقة المقدمة في مؤتمر ” دور الوسطية في مواجهة الإرهاب وتحقيق الاستقرار والسلم العالمي” عمان يومي 15 ـ 16 مارس 2015https://www.facebook.com/AlsfhtAlrsmytLlastadhMhmdYtym/posts/947759768588038
8- سلمان النداوي، ماهي أقدم الحضارات في العالم، موقع موضوع، 21/9/2014.
                                       http://iraqonana.com/2016/10/19
9-http://mawdoo3.com
10- ينظر د. عمر عبد الستار، critical analysis of the Turkish-lranian competition in Iraq between 3003-2013_Master degree in international relations. page 3-7-18
11-  جمال الدين بن منظور، لسان العرب ، دار صادر بيروت- لبنان،ط3، 1993، مادة دول.
12-http://nehroes.blogspot.com.tr/2011/12/blog-post_12.html
13- المصدر نفسه.
14- أحمد اسماعيل زيد، لو آمن أهل الكتاب، ص20-21
                  http://www.islamland.com/books/view/13399
15- د. عبدالقادر السماري، معايير الجودة في التنمية الشاملة للدولة المعاصرة من منظور إسلاميّ، الذي قدمه في مؤتمر الدولة الثالث” الدولة والمجتمع رؤية مقاصدية”، اقيم في اسطنبول 2015م.
16- ينظر http://www.scoopmaroc.ma/index.php/reportages/5394-2017-03-17-21-22-49 .
17- ابو اسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، دار الفكر العربي، بيروت لبنان،3/138.
18- أبو إسحاق الشاطبي، الاعتصام، تحقيق محمد رشيد رضا، دار المعرفة للطباعة، بيروت لبنان2/79.
19- تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، مجموع الفتاوى الكبرى، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم،مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة1416هـ- 1994م،  29/16-17 .
20- ابو الحامد الغزالي، شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل/203.
21- ينظر ابن تيمية، مجموع الفتاوى ، مصدر سابق  29/16-17، 21/535-539.
22- ابو اسحاق الشاطبي، الموافقات، مصدر سابق 3/235.
23- ابن القيم الجوزية، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق نايف بن أحمد الحمد، مجمع الفقه الإسلامي، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، جدة، ط1، 2428هـ- 2008م. ص29.
24- المصدر نفسه /30-31.ذ
25- ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، الدمام، السعودية، ط1، 1423هـ، 2003م، 4/337.
26- ابن القيم، الطرق الحكمية، مصدر سابق/47.
27- تقي الدين أحمد بن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، تحقيق  ناصر بن عبد الكريم العقل، دار عالم الكتب، بيروت لبنان،ط1، 1404هـ، 1984م، 2/579.
28- أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، غياث الأمم في إلتياث الظلم، تحقيق عبد العظيم محمود الديب، دار المنهاج، جدة السعودية، ط3، 1432هـ، 2011م/351.
29- ينظر أبو الحسن علي بن اسماعيل الأشعري(ت 324هـ)، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق نعيم زرزور، المكتبة العصرية، ط1، 1426هـ، 2005م، 1/21.