الفساد في العراق.. بين جشع الفاسدين، ومساعي الهيمنة السياسية

بقلم/ فاضل ياسين
مستشار مركز العراق الجديد
المقدمة:
الفساد السياسي: مصطلح شغل دول العالم، حكومات وشعوب، غنيها وفقيرها، لكونه آفة فتاكة، تسري مسرى النار في الهشيم.. وتأكل كل شيء تطاله..
(ولخطورة الفساد بمختلف ظواهره، فقد وردت في القرآن الكريم.. في مواضع عديدة لتوصف وتحذر من هذا الفعل الشنيع المدان، وتتوعد فاعليه بأخزى مصير، ومنها:[1]
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ [البقرة : 205]
فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ [هود : 116]
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم : 41]
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر : 26]
أما مصطلح الفساد السياسي Political Corruption فهو يعني (أي انحراف في السلطة أو المنظمات السياسية أو أي حماية غير قانونية تقوم بها بعض مؤسسات السلطة السياسية للمؤسسات الاجتماعية الأخرى، ومن أهم أشكال الفساد الرشوة والمحسوبية والتزوير في الانتخابات، وغير ذلك)[2]
واما الفساد الحكومي public squalor فيمكن تعريفه بأنه (الفساد والمخالفات والقضايا التي تظهر في الإدارات الحكومية مثل الرشوة والمحسوبية وتعطيل العمل والأتاوات وغيرها.)[3]
الدولة العراقية والفساد:
إن مظاهر الفساد ومستوياته في العراق ما قبل الاحتلال الأميركي عام 2003، كانت قريبة من حال الكثير من دول العالم الثالث، وهي مظاهر برزت مع الحروب والحصار الذي فرض على العراق. إلا أن العراق لم يكن يشغل تلك المكانة السيئة التي أخذ يعرف بها بعد عام 2003، لاسيما بعدما انسحبت القوات الأميركية رسميا منه، إذ(يحتل العراق في كل عام، المواقع المتقدمة في قائمة «منظمة الشفافية الدولية»، للدول الأكثر فسادا في العالم، وذلك نتيجة تفشي ظاهرة الفساد المالي ونهب المال العام في تشكيلات الدولة، مما أوصل البلاد إلى حافة الافلاس ووصلت ديونه إلى 125 مليار دولار، رغم الأموال الطائلة التي حصل عليها من تصدير النفط في فترة ما بعد 2003.)[4]
وأسهمت أطراف عديدة محلية وإقليمية ودولية في إنتاج مشهد الفساد بعد عام 2003، فلم يعد الامر في العراق مجرد فساد أفراد، بل شهد تحولا نوعيا ليخترق بنية الدولة عموديا وأفقيا .. وأخذ هذا المشهد يعيد نفسه بمنهجية متكررة ومتطورة في أساليبها ووسائل عملها. ولا جدال في أن الاحتلالين الأميركي والإيراني كان السبب الرئيس في انتشار الفساد وتمكين الفاسدين من السيطرة على مواقع السلطة السياسية والاقتصادية والتجارية.. الخ ، وجاءت المحاصصات الحزبية والطائفية والتعيينات العشوائية، التي قدمت الانتماء القومي والطائفي والحزبي على حساب الكفاءة والنزاهة، لتفسح المجال أمام الكثير من الفاسدين لتبوأ مناصب ومسؤوليات عليا في الدولة، رغم أنهم لا يمتلكون أية مؤهلات شخصية أو علمية تتناسب مع تلك المواقع. وجاء هؤلاء الفاسدين هذه المرة ليس بكونهم أفرادا، بل بكونهم جزءا من بنية المحاصصة الحزبية المتطلعة لتقاسم الغنائم والمكاسب.
ومن عجائب الأمور التي تشير إلى سعة انتشار الفساد تلك التحولات في المزاج المجتمعي، إذ أننا (اعتدنا على تصريحات متماثلة لكافة المسؤولين في الدولة العراقية ، فالجميع يلقي باللائمة على الجميع والجميع ينعت الجميع بالفساد ، أو يحمل البعض البعض الآخر مسؤولية الفساد ؛ مبرئا شخصيته وذمته مما يجري ، ومن خلف الجميع تروج وسائل إعلام الجميع لهذا المنطوق، وتتباكى على المواطن وتذرف دموع التماسيح ، مثلما يتحسر ويشفق كافة المسؤولين على المواطن، وينعتونه بالمظلوم والمهدورة حقوقه.)[5]
ولعل من أخطر الظواهر المرتبطة بالفساد تلك التبدلات في المنظومة القيمية وخاصة في نظرتها للفساد والمفسدين، ومن المحزن أن اطلاق تهم الفساد لم تعد تثير احساس الخجل والحياء لدى الكثيرين من المنغمسين فيه، ومن الأمثلة الأخيرة على ذلك، أنه (… لم يكن محرجا لأحد ان يتم «طرد وزير التجارة» من منصبه بعد دعاوى فساد ضده، بل ما زالت كتلته السياسية حريصة على التأكيد أن وزارة التجارة من حصتها! كما لم يكن محرجا لاحد أن الوزير الثاني، الذي أقصي من منصبه الوزاري في إطار التقليص الوزاري عام 2015 لكنه عاد إلى منصبه السابق، قبل الانتخابات، محافظا لصلاح الدين، حكم عليه مؤخرا بالسجن ثلاث سنوات بتهم تتعلق بالفساد!)[6]
ولعل ما شهدته محافظة البصرة من هروب محافظها القيادي في المجلس الأعلى الإسلامي، ماجد النصراوي، إلى إيران، رغم وجود قرار بمنعه من السفر لتورطه بالعديد من ملفات الفساد، إحدى أقرب مظاهر الفساد. وتعيد قضية هروب النصراوي إلى الأذهان تورط بعض الأحزاب بالتستر على وزراء ومسؤولين فيها ثبت تورطهم بالفساد، بل وتسهيل تهريبهم خارج العراق لحمايتهم من الملاحقة القضائية، منهم وزير التجارة الأسبق القيادي في حزب الدعوة، عبد الفلاح السوداني، ووزير الكهرباء الأسبق ايهم السامرائي وآخرين.
إن تلك المعطيات توضح أن الحصول على المال كهدف أصبح يحظى بأولوية بغض النظر عن وسائل الوصول إليه.. وهنا يواجه كيان العراق الخيار الأخطر وهو أن ينظم المجتمع حركته منسجما مع إملاءات فساد الدولة. وهذا يعني الدمار الشامل للدولة والمجتمع وضياع حتمي للمستقبل.
 
أبرز أنواع الفساد في العراق:
بالرغم من تنوع مظاهر الفساد السياسي في العراق (الحكومي وغير الحكومي)، إلا إن هناك عناوين رئيسة يمكن من خلالها تصنيف معظم ممارسات الفساد، منها الاستحواذ على الأموال الطائلة التي مولت الأحزاب المشاركة في الحكم، والاعتداء العلني والممنهج على الأموال العامة، لاسيما الأملاك التي يفترض أن تؤول ملكيتها إلى الدولة، واعتماد الروابط القرابية والحزبية، والمذهبية، والجهوية، والإثنية، في التعيينات في وظائف الدولة. وفيما بعد طفا على السطح وضمن خانة (المال السياسي)، وظهر بصورة جلية عبر تحوله إلى أداة بيد الفاعل السياسي الشيعي لضمان الخضوع أو اللاموقف السياسي مقابل السكوت عن فسادها وخاصة تجاه بعض الوجاهات السنية!
إن أصل مشروع الاحتلال (الفوضى الخلاقة) يقوم على شرعنة الفساد. وفي سبيل انفاذ ذلك المشروع (لم تلتزم سلطة الاحتلال الأميركي بالقوانين الدولية التي تنظم وضع الدول المحتلة، وبالأخـص على مستـوى الحفاظ على القوانين والممتلكات العامة، لا لشيء إلا لأن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة قامت على أسس كاذبة لا يقرها القانون الدولي. بدا واضحا أن الموضوع لا يهدف إلى استبدال نظام بنظام، بل استبدال عراق بعراق آخر. بحيث يبدو العراق الذي ستنتجه الماكنة الأميركية في ما بعد عراقا غريبا عن نفسه. وهو ما حدث فعلا. لقد تمت إزالة كل الثوابت، ولم يعد العراق قادرا على إدامة زخم مقومات وجوده كدولة قادرة على الجمع بين مواطنيها وهي جزء من محيطها الطبيعي.)[7]
أن سلطة الاحتلال حين ركبت هذا النظام السياسي الجديد  كانت تفكر بالغنائم التي تعزز مكانة أتباعها الذين حددت لهم أدورا محددة في العراق. وهكذا فقد تحول العراق إلى ما يشبه البقرة الحلوب التي تلبي طلبات عملاء الاحتلال المحليين والدوليين وبصيغ لم يشهد لها التاريخ مثيلا. وحقيقة الأمر فإن غالبية رموز المعارضة العراقية السابقة، وامتداداتها الحزبية والطائفية والعشائرية التي جعلت من ارتباطاتها مع سلطات الاحتلال سلما للوصول إلى السلطة، (وجدت في نظام المحاصصة الطائفية فرصتها التاريخية للاستيلاء على ثروات البلد. من غير اعتماد ذلك النظام لم يكن في إمكان اللصوص الأميين استلام مفاتيح الخزانة العراقية. وكما يبدو فإن سلطة الاحتلال لم تجد مَن هو أكثر كفاءة في تنفيذ مشروعها في تدمير العراق من الداخل سوى أولئك اللصوص.)[8]
وارتبط الفساد في مستوياته العليا بانتشار النشاط المافيوي، أو (خلية الفساد السرية) المرتبطة برأسي السلطتين التنفيذية والقضائية على وجه الخصوص، ومن خلالهما في جميع مفاصل الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، إذ أن المظاهر المتشابكة والفعالة حتى الآن تدل على (طريقة عمل أذرع اخطبوط الخلية السرية التي تدير كل أعمال الفساد وتحقيق مآربها بهذه الطرق الماكرة وبهذا الدهاء..)[9]، وهي تعتمد في ذلك على أدوات عديدة حزبية وحكومية ومليشياوية، بل وتمتد في أحيان كثيرة حتى إلى بعض المرجعيات الدينية التي امتهنت العمل السياسي، سواء من الطامعين في الثروة أو الهيمنة الطائفية والجهوية.
ويؤكد الكثير من المسؤولين السابقين في الحكومة العراقية أن (خلية الفساد السرية التي تدير البلد وتمتلك وسائل القوة كافة، لتمكنها من عزل من يعارض مخططاتها، وتوظف من يخدم مصالحها أو في الأقل مستعد للسكوت على فسادها. .. والنتيجة هدر مبالغ طائلة صرفها العراق على كفاءاته في دراستهم خارج البلد، فضلا عن التفريط بالأشخاص الاكفاء والنزيهين الذين يشكلون عائقاً أمام فسادهم وإفسادهم.)[10]
وكان نتيجة ذلك استحالة تأسيس نظام سياسي واقتصادي اجتماعي حتى وإن كان بدرجة مقبولة، بدلا من كل ذلك قام الفاسدون بتأسيس تفاهمات بينية تقوم على الفوضى أكثر مما تستند على نظام حقيقي. وهو ما أدى إلى الانهيار الأخلاقي وتفسخ الكثير من الروابط المجتمعية التي أنتجت مختلف عصابات الخطف والقتل بالأجرة والمتاجرة بالأطفال والنساء وبيع الأعضاء البشريةـ.. ناهيك عن إحلال منطق العصابات والعرف العشائري بدل القانون العراقي في فض النزاعات بين الأفراد والجماعات.
وسائل مواجهة الفساد:
كانت الدولة العراقية إلى حين تاريخ الاحتلال في عام 2003، تعتمد على (قانون الكسب غير المشروع على حساب الشعب العراقي، المرقم 15 لسنة 1958 )[11] ولكن سلطات الاحتلال أنشأت منذ البداية هيئتين معنيتين بمتابعة الفساد، وهما هيئة النزاهة، ومكاتب المفتش العام، فضلا عن ديوان الرقابة المالية، إلا أنهما لم تكونا قادرتين عمليا على مكافحة الفساد المنهجي الذي مارسته كل القوى الحزبية التي شاركت في العملية السياسية، المتناغمة مع فساد القضاء المسيس، وهو ما أدى بالنتيجة إلى تفشي الفساد حكوميا واجتماعيا، ليصبح ظاهرة عامة، وأصبح لها منظريها، الذين دأبوا بمساعي حثيثة لشرعنة سلوكيات الفساد سياسيا واجتماعيا ودينيا.
وحقيقة الأمر فإن عمليات الفساد تتم ممارستها وإدارتها والتغطية عليها على أعلى المستويات، ففي تقريرها نصف السنوي المُعلن مطلع شهر آب 2017، كشفت هيئة النزاهة عن (أنها أصدرت في الأشهر الستة الأولى من العام الحالي 880 أمر قبض في قضايا فساد بينها 13 أمراً تخصّ وزراء ومن هم بدرجتهم، فيما أصدرت 2923 أمر استقدام للتحقيق في قضايا فساد إداري ومالي، منها 28 أمراً تخصّ وزراء ومن هم بدرجتهم.)[12]
وبالرغم من كل ما يذاع عن تحسن أداء هيئة النزاهة خلال السنتين الماضيتين وتحقيقها الانجازات المهمة وغير المسبوقة في ظلِّ الاستراتيجيَّة الجديدة التي اتَّـبعتها الهيئة بُعيدَ عام 2015 ، من خلال توسع دورها الرقابي وإحالة العديد من ملفَّات الفساد الكبيرة للقضاء، وتنفيذ عددٍ كبيرٍ من عمليَّات الضبط النوعيَّة التي نجحت في ضبط مئات المُتَّهمين بالجرم المشهود، وتمكنت من استعادة المليارات إلى خزينة الدولة، ولكن يمكن القول أن تلكم الإجراءات وإن كانت غير مسبوقةٍ في عمل الهيئة، بيد أنَّها إجراءات ناقصة، إذ أنها لم تطبق على جميع المفسدين، وكانت تعتمد معايير مختلفة في التعامل معهم، بل أنها كانت تحابي الكثير من رؤوس الفساد، بل أنها في أحيان كثيرة كانت توجه المفسدين بكيفية مداراة فسادهم.
يقينا إن اتخاذ إجراءات رادعة ضد أوكار الفساد وشخوصه تسهم في الحد من دور المفسدين وتعزز هيبة الدولة والحكومة والهيئات الرقابية، وسلطة القانون ، وتشكل سداً منيعاً أمام كافة المفسدين ورادعاً لمن تسول نفسه العبث بالمال العام. ، ولكن ذلك كله يقتضي نزاهة القضاء، والقائمين عليه.. وعدم التعامل وفق منطق المساومات السياسية مع المفسدين وإفساح المجال أمامهم، لأن ذلك سيدفع الأمور نحو مزيد من التدهور ولعل حديث سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو خارطة طريق وحيدة لذلك (إنما أهلك الذين من قبلكم لأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف – أي القوي والوجيه- تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) هذا هو المعيار، وكل ما يحيد عن ذلك ليس بعلاج لأي شيء..!!
كما إن دوام وثبات الإجراءات القانونية، أمر لابد منه، وليس اعتماد أسلوب الهبة ثم الخفوت، فالعديد من المتابعين يشيرون إلى أن «تحرك القضاء مؤخرا لملاحقة مسؤولين متورطين في ملفات وقضايا الفساد بشكل ملحوظ يرجع لعدة أسباب، منها (ضغوط الشارع والتظاهرات التي انتقدت القضاء على سكوته عن الفاسدين، ورغبة الحكومة بالتخلي عن الفاسدين الذين أهدروا أموالا طائلة ، فضلاً عن أن بعض الأحزاب تستخدم ورقة القضاء بهدف تسقيط المنافسين.. أو أن الانتخابات القريبة سببا قويا للتحرك ضد الفاسدين بهدف كسب الشارع الغاضب من نهب أمواله لصالح شخصيات وأحزاب وتنظيمات، في الوقت الذي يعاني البلد من ضائقة اقتصادية صعبة، في وقت تتوجه الحكومة إلى الخارج للحصول على قروض لسد العجز في ميزانيتها.. بعدما أدى الفساد إلى هدر المليارات التي صُرفت على المحافظات دون أن تجد أي اثر لها في عملية التنمية.)[13]
نتائج الفساد في العراق:
إن (تصرفات الخلية السرية في إدارة شؤون البلد. أدت إلى تدمير البلد وهو يُقاد بهذه العقليات التي تعمل في السر وتعادي وتقارع كل من يقف بوجه فسادهم وإفسادهم.)[14]
وإن مسارات العملية السياسية في العراق أظهرت سهولة اتفاق الفاسدين من شتى الكتل السياسية على التصدي لكل عنصر نزيه في أي من مؤسسات الدولة، (إن وجود أشخاص لا يقبلون بالفساد وبالإفساد وتحقيق مصالح شخصية للمفسدين على حساب مصلحة البلد، يعد أمرا غير مقبول ممن بأيديهم مقاليد الأمور، فالإفساد ونهب أموال البلد من قبل السياسيين اصبح هو الثقافة العامة، وهو اتفاق غير مكتوب بين الأطراف السياسية الحاكمة للبلد، خاصة ما له علاقة بالمشاريع الكبيرة التي يُمكن أن تدر عليهم عشرات  الملايين من الدولارات مما يتوقعونه من عمولات، وهو ما لن يتحقق بوجود مسؤولين من النزيهين على رأس تلك المشاريع.)[15]
وفي ظل هذا الواقع المرير ظهر الشعب العراقي والضعفاء منهم على وجه الخصوص بكونهم أبرز الخاسرين، وبذلك و (في ظل عقيدة الفساد التي تجمع في سقيفتها مختلف الأحزاب على اختلاف شعاراتها الدينية والديمقراطية والعلمانية.. الخ، لم يعد هناك مجال للتفكير في حق الشعب بالتمتع بثروته بطريقة ديمقراطية شفافة، تسيل من خلالها الثروات على هيئة خدمات في التعليم والسكن والعلاج الصحي والطرق والنقل العام والأمن والصرف الصحي والكهرباء والماء الصالح للشرب والضمان الاجتماعي.)[16]
وفي بيئة يهيمن عليها المفسدون، لم يعد ممكنا توقع أن ينتج العراق كفاءات أو أن تطرح مشاريع للخلاص من هذا الوضع المزري القائم، إذ أن الفاسدين يعارضون بأن يتحقق إنجاز كبير للبلد يرتبط باسم أي من الشخصيات النزيهة، ولذلك هم بالمرصاد للإطاحة بأي شخصية أو كيان سياسي واجتماعي يسعى للإصلاح والتنمية الحقيقية.
إن الاحتجاجات الشعبية واسعة النطاق التي شهدتها مختلف المحافظات العراقية، قد رفعت شعارات تتهم جميع القوى السياسية بالفساد، وهي وإن كانت تبدو منسجمة مع شعار السيد مقتدى الصدر (الشلع قلع) لكنها في الحقيقة تعبر عن توجهات شعبية تنذر بحراك شعبي أوسع نطاقا، وهنا يحق لنا أن نسأل (… إذا كان الجميع مفسدون فهو اعتراف واضح وفاضح بأن الجميع لا يصلحون لإدارة شؤون الدولة ، والجميع فاشلون ، والجميع يتحملون المسؤولية، فلماذا يتمسكون بالمناصب والمراكز ما داموا قد اعترفوا بفشلهم ؟ أليست هذه مفارقة مثيرة للجدل ؟ والمصيبة الأعظم أن هنالك فئات من المنتفعين يؤازرون هؤلاء المفسدين ويدعمون توجهاتهم ، ويتهيؤون لانتخابهم مرة أخرى ليعتلون سدة الحكم من جديد…)[17]
الخاتمة:
إن الفساد في العراق تحول إلى وباء مستوطن، كما (ان بنية الفساد التي حكمت لحظة تأسيس الدولة الجديدة ظلت تعيد إنتاج نفسها بأشكال متعددة وبصيغ مختلفة ،مع فارق واحد، وهو أن الفساد أصبح بضاعة عراقية بامتياز، يبدأ من الدولة نفسها ولا ينتهي بأصغر موظف في أي دائرة من دوائر الدولة، على امتداد البلد بالكامل دون استثناء.)[18]
بعبارة أخرى (ليس ثمّة ما يماثل ثقافة الفساد التي تعمّ العراق في أي مكان. إنها ثقافة منحّلة، ليست نقض سلوكيات، أو مجرّد انحرافات، أو مجموعة تجاوزات، يمكن أن تعالجها إصلاحات.. لقد غدت منظومة الفساد متكاملة ببشاعتها، وتعمّ كلّ البيئات العراقية اليوم، ولا تستوي أبداً مع قيم العراقيين وأخلاقياتهم التاريخية..)[19]
إن المواطن العراقي لم يلمس إلى الآن أية نتائج لما بات يعرف بـ(الحرب الموازية على الفساد) التي كان العبادي قد تعهّد بشنها ضد أوكار الفساد في برنامج حكومته المُقدّم في أيلول/سبتمبر 2014، وكرّر تعهّده في حزمة الإصلاحات التي أعلنها في أغسطس (آب) 2015 ، إذ أنها لم تمس كبار المفسدين من قيادات حزبه (الدعوة) وفي المقدمة منهم (نوري المالكي) .. على الرغم من اندلاع وتواصل أكبر حركة احتجاجية في تاريخ العراق، التي وكان من شعاراتها الرئيسية مكافحة الفساد وملاحقة الفاسدين والمُفسدين واستعادة الأموال المُستحوذ عليها.. هذا هو الدليل الذي سيؤكد مصداقية حملة العبادي من عدمها.
إن تحقيق استقلالية ونزاهة القضاء، واعتماده معايير واحدة أولا،  وحدها الكفيلة بمواجهة الفساد، كما إن تمكين الرقابة الشعبية على ممارسات القضاء، يقتضي توافر حرية الإعلام (كونه السلطة الرابعة)، لاسيما إبراز مخرجات عمل الأجهزة الرقابيَّة الوطنيَّة المكلفة بملاحقة الفساد، وتقييمها، فذلك من مستلزمات تحقيق الشفافيَّة التي أصبحت شعارا يرفعه الكثيرون.. بل أنها معيار معتمد للحكم على صوابية مسارات مختلف أنظمة الحكم في العالم، فمن خلاله يمكن تحديد المفسدين، وتعزيز الجرأة على ايقاع العقاب بهم وحماية الدولة والمجتمع من شرورهم.
/////////
الهوامش:
[1] أنظر القرآن الكريم، [البقرة : 205]، [هود : 116]، [الروم : 41]، [غافر : 26].
[2] د. إسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي: الموسوعة الميسرة للمصطلحات السياسية، المنوفية/ مصر، 2005، ص 316.
[3] د. إسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي: الموسوعة الاقتصادية والاجتماعية، المنوفية/ مصر، 2005، ص 376-377.
[4] مصطفى العبيدي: حملة مكافحة الفساد في العراق إصلاحات أم تصفية حسابات؟، صحيفة (القدس العربي) اللندنية / 18 آب- أغسطس 2017،  http://cutt.us/SdUb
[5]  يعقوب يوسف جبر: عاقبوا المفسدين، صحيفة (المدى) العراقية/ العدد: 3996 / 15 آب- أغسطس 2017،  http://cutt.us/PPgsd
[6] أنظر يحيى الكبيسي: الفساد في العراق: حكاية تواطؤ جماعي، صحيفة (القدس العربي) اللندنية / 17 آب- أغسطس 2017،   http://cutt.us/d88ca
[7] فاروق يوسف، دولة فاسدة في العراق.. ما أخبار المجتمع؟، صحيفة (العرب) اللندنية/ العدد: 10725 / 17 آب- أغسطس 2017،  http://cutt.us/J2gjy
[8] فاروق يوسف، دولة فاسدة في العراق.. ما أخبار المجتمع؟، صحيفة (العرب) اللندنية/ العدد: 10725 / 17 آب- أغسطس 2017،  http://cutt.us/J2gjy
[9]  محمد توفيق علاوي.. يكشف: هكذا عملت “الخلية السريّة” في الحكومة على تدمير العراق، صحيفة (المدى) العراقية/ العدد: 3994 / 12 آب- أغسطس 2017، http://cutt.us/V3ltd
[10]  أنظر محمد توفيق علاوي.. يكشف: هكذا عملت “الخلية السريّة” في الحكومة على تدمير العراق، صحيفة (المدى) العراقية/ العدد: 3994 / 12 آب- أغسطس 2017، http://cutt.us/V3ltd
[11] (في يوم 21 من شهر آب 2017 تمر الذكرى السنوية (59) لصدور قانون الكسب غير المشروع على حساب الشعب العراقي، المرقم 15 لسنة 1958 الذي يعد علامة على الوعي المبكر للمشرع العراقي الذي أصدر حينئذ حزمة من التشريعات شكلت الرؤية التشريعية للبناء المؤسسي للدولة التي تخضع لسيادة القانون ، المفارقة التي تغيب عن علم البعض ان هذا القانون مازال ساري المفعول الى يومنا هذا.  ولو اتيحت الفرصة لتطبيق القانون بالصيغة التي قصدها المشرع لما كانت لنا حاجة لهيئة النزاهة ومفتشيها وجيش موظفيها، واجراءاتها وما يفرضه عليها واقع  المحاصصة ونصوص قانونها التي مكنت العديد من المتهمين من ان يتسربوا بعيدا عن اجراءات التحقيق والعقاب.) أنظر هادي عزيز علي: قانون الكسب غير المشروع لسنة 1958 نافذ المفعول حتى الآن، صحيفة (المدى) العراقية/ العدد: 3996 / 15 آب- أغسطس 2017، http://cutt.us/LOQsa
[12] عدنان حسين: حرب العراق الموازية، صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية/ العدد: 14146  / 21 آب- أغسطس 2017، http://cutt.us/fpbI
[13] أنظر مصطفى العبيدي: حملة مكافحة الفساد في العراق إصلاحات أم تصفية حسابات؟، صحيفة (القدس العربي) اللندنية / 18 آب- أغسطس 2017،  http://cutt.us/SdUb
[14] محمد توفيق علاوي.. يكشف: هكذا عملت “الخلية السريّة” في الحكومة على تدمير العراق، صحيفة (المدى) العراقية/ العدد: 3994 / 12 آب- أغسطس 2017، http://cutt.us/V3ltd
[15] أنظر محمد توفيق علاوي.. يكشف: هكذا عملت “الخلية السريّة” في الحكومة على تدمير العراق، صحيفة (المدى) العراقية/ العدد: 3994 / 12 آب- أغسطس 2017، http://cutt.us/V3ltd
[16] فاروق يوسف، دولة فاسدة في العراق.. ما أخبار المجتمع؟، صحيفة (العرب) اللندنية/ العدد: 10725 / 17 آب- أغسطس 2017،  http://cutt.us/J2gjy
[17] يعقوب يوسف جبر: عاقبوا المفسدين، صحيفة (المدى) العراقية/ العدد: 3996 / 15 آب- أغسطس 2017،  http://cutt.us/PPgsd
[18] يحيى الكبيسي: الفساد في العراق: حكاية تواطؤ جماعي، صحيفة (القدس العربي) اللندنية / 17 آب- أغسطس 2017،   http://cutt.us/d88ca
[19] د. سيّار الجميل: منظومةٌ بشعةٌ تأكلُ العراق، صحيفة (العربي الجديد) اللندنية  / 21 آب- أغسطس 2017،   http://cutt.us/0x08u