العراق ساحة اختيار واختبار للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط

قراءة في الجيل الرابع للحرب والفوضى الخلاقة التي شهدتها الساحة العراقية

د. عبد الناصر المهداوي

مستشار مركز العراق الجديد

مقدمة

شهدت أرض الرافدين وعلى مر الأزمان من الحروب والمعارك ما لم تشهده أي بلاد أخرى على وجه المعمورة، سواء كانت حروبا تستهدف أبناءها أم حروب بالوكالة أم حروب لإمبراطوريات ودول متنافسة تروم السيطرة على أرضه وخيراته. وكل حرب تورث أبناء الرافدين دمارا وقتلا وتشريدا لكنها لا تورثهم ذلا بل تورثهم فخرا وعزا، تتعدد الجهات المحاربة أو المتحاربة والمستهدف العراق وشعبه، وعلى مر الزمان يتعاقب أقوام إثر أقوام ويبقى العراق جمجمة العرب وكنز الرجال ومادة الامصار ورمح الله في الارض فاطمئنوا فإن رمح الله لا ينكسر كما قال الفاروق عمر رضي الله عنه. وفي عصرنا الحديث يستهدف العراق من قبل القوة العظمى في العالم أمريكيا، ويتمفصل الاستهداف في مراحل متعددة متعاقبة يفضي بعضها لبعض، من توريط النظام السابق في غزوه للكويت وضربه وتحرير الكويت من قبضته، مرورا بالحصار الخانق لما يزيد على عقد من الزمان، إلى احتلاله وحل جل مؤسساته وتسليمه للدمار والخراب بأعتى صوره، إلى تسليمه للحكومات الطائفية المتعاقبة.

مشكلة البحث

المتلمس لاستراتيجية أمريكيا في العراق يرصد من خلال استقرائه للأحداث بعدين؛ البعد الأول استخدام القوة المفرطة خاصة في الضربات الجوية التي صاحبت طرد العراق من الكويت1991م، وخلال الاحتلال عام 2003، والبعد الثاني من خلال السياسة الأمريكية في العراق ما بعد الاحتلال، التي ارتكزت على المحاصصة وتكوين دولة المكونات وتسليم العراق للأحزاب الطائفية وإشاعة الفتن والفوضى الخلاقة واستخدامها للجيل الرابع بعدذاك من الحروب. والبعدان يستصحبان التساؤلات الآتية؛

1- هل الغرض من الاستراتيجية الأمريكية في العراق نشر الديمقراطية؟؟ وهل التخلص من النظام السابق بسبب امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل؟؟ أم لها أهداف أخرى غير منظورة؟؟

2- هل الثمن لاحتلال العراق الذي قدمته أمريكيا من القتلى في صفوف جيشها، إلى ميزانية خرافية صرفت من جرائها، وصولا لسمعتها التي مرغتها المقاومة العراقية تتناسب وانسحابها الغير مسؤول من العراق وتسليمه للمشاريع الطائفية؟؟ أم أن ما وصل إليه العراق من خراب ودمار وفساد مراد لذاته أمريكيا؟؟ وإن صح هذا التقدير ما السبب؟؟

3- هل الاستراتيجية الأمريكية مسؤولة عن انتشار التنظيمات الإرهابية بشقيها داعش وأخواتها والميليشيات وشقيقاتها؟؟ وهل الفوضى التي شهدتها الساحة العراقية من تفجيرات وقتل والخصومات السياسية هي صنيعة أمريكية ؟أم محلية أو أقليمية تحقق الاستراتيجية الأمريكية؟؟

4- هل إيران المستفيد الأكبر من مخرجات الاحتلال أداة أمريكية في تحقيق مشروعها الأقليمي؟؟أم أن العلاقة ما بين إيران وأمريكيا في العراق علاقة تخادم؟؟ أم أن إستراتيجية إيران تمثل ندية للاستراتيجية الأمريكية؟؟

5- ما الذي تخطط له أمريكيا في العراق؟؟ مالذي يجري على الساحة العراقية؟؟

فرضيات البحث

الفرضية الأولى؛ إن كل ما شهدته الساحة العراقية من قبل احتلال الكويت وبعد تحريره، والحرب الأولى لأمريكيا على العراق مرورا بالحصار الذي يزيد على عقد من الزمن وصولا لاحتلال العراق 2003 والانسحاب منه عام 2011 وتمكين المشروع الإيراني فيه، وليومنا هذا مخطط أمريكي متسلسل الحلقات أدواتها الحرب بأجيالها المتقدمة والفوضى الخلاقة تمهيدا للهيمنة على مقدراته وإعادة ترسيم حدوده وفق الرؤية الأمريكية.

الفرضية الثانية؛ كلما اشتعلت الحرب الطائفية التي طحنت بالعراقيين إبان الاحتلال وامتدت لما بعده على هيئات وأشكال متباينة، وصولا للإنسحاب من العراق وتكريس وصف الدولة العراقية بالدولة الفاشلة، وتسليم أكبر من ثلث مساحة العراق للإرهاب، إزاداد المؤثر الأمريكي الذي وظف الدور الإيراني في العراق والطائفية لإحداث الفوضى الخلاقة وتمكنت الاستراتيجية الأمريكية من توظيف مخرجاتها لصالح أمركيا.

الفرضية الثالثة؛ استخدام أجيال الحروب المتقدمة والفوضى الخلاقة هي أدوات الاستراتيجية الأمريكية ما بعد الاحتلال والانسحاب، لتفتيت العراق وانهاء وجوده الواحد المتعايش بعراق تتنازعه الطائفية والإثنية، ومن ثمة تقسيمه وإذكاء الحروب والصراعات الداخلية، لإعادة ترسيم المنطقة من جديد وأن كل ماحدث للعراق هو يتخادم مع المخطط الأمريكي لأعادة ترتيب هيمنتها من غير أي مقاومة، لا بل المقاومة القديمة هي التي تستدعي الوجود الأمريكي بعد ما عاناه الشعب العراقي على يد حكومات إيرانية التبعية والتنفيذ من ويلات.

 

 

التمهيد

شهدت الساحة العراقية من الحملات العسكرية وما صاحبها من حروب ما لم تشهده أي دولة أخرى في المنطقة، وبقي العراق عبر العهود والقرون ساحة مفتوحة للحروب الطاحنة المحلية والدولية ومنذ فجر التأريخ، وعرف العراقيون البسالة والدفاع عن الوطن من القدم، كما عرف الخيانة وبيع الذمم للغزاة الطامعين. وإذا أردنا أن نتعرف عن الأسباب التي جعلت العراق ساحة للحروب والقلاقل والفتن فإننا نرصد العشرات من الأسباب لعل من أهمها ما امتاز به العراقيون أنفسهم من سمات بقيت عبر القرون محط إعجاب الأمم والدول الأخرى، وما ذاك إلا لكونهم سليلي حضارة ضاربة في القدم بما يتجاوز الآلاف من السنين. أضف إلى ذلك بلادهم الخصبة أرض الخيرات وما تملكه من ثروات، يضاف إليه موقع العراق الاستراتيجي الرابط ما بين الشرق والغرب ووقوعه على طريق الحرير التجاري الاستراتيجي وما يشكله من حلقة تماس بين الفرس والعرب والترك. فالعراق غني في موارده البشرية، وموارده الطبيعية، موقعه الجغرافي…في العصر الحديث يعد من أغنى دول العالم في مخزونه النفطي والغازي…لذا كان من الطبيعي أن يتعرض لكل ما تعرض إليه، ونجده في الأجندة الأمريكية يمثل أولوية على مستوى دول الشرق الأوسط. ونحن نعلم أن التقدم التقني والعسكري والتخطيطي للولايات المتحدة الأمريكية يتفوق على بلدان العالم الغربي بنصف قرن من الزمان. لذا نجد أن الحضور الأمريكي في العراق من القوة بمكان بحيث يتعذر عن اللاعبين السياسيين المحليين والأقليميين والدوليين تجاوزه.بقي لنا كيف أن نرصد هذا الحراك الأمريكي على الساحة العراقية من بداياته وبجميع مدخلاته لنصل إلى حقيقة مخرجاته والنتائج التي يريد أن يحققها على الساحة العراقية بشكل مباشر وغير مباشر.

 

1- البعد التأريخي للصراع العسكري في العراق

يعد العراق الساحة التي تتعاقب فيها الحروب كابرا عن كابر، فبلاد ما بين النهرين شهدت حروب ومعارك لدول وامبراطوريات على مدى التأريخ، فمنذ فجر التأريخ تروى المصادر التاريخية(1) وجود صراع سياسي و عسكري كبير بين الإمبراطورية الاشورية و المصرية على مناطق النفوذ و السيطرة و كان محور النزاع بلاد الشام و خاصة فلسطين، في تلك الأثناء ساند يهود المملكة الشمالية التي كانت اسمها مملكة إسرائيل الجانب المصري مما أثار حفيظة سنحاريب ملك آشور الذي صمم على إخضاع تلك المنطقة فقام بحملة على المملكة الشمالية في عام 697 قبل الميلاد , فحطم هيكلها و شرد أهلها و قام باعمال القتل و السبي في أهلها ، و أخذهم سبياً إلى آشور و انتهى بذلك ذكر المملكة الشمالية ، و بقيت المملكة الجنوبية يهوذا فتره من الزمن و ثم حاول الآشوريين اسقاط مملكة يهوذا أيضا بسبب عدم قبولهم دفع الجزية إلى ملك آشور فلم يتمكنوا. وبعد سقوط مملكة آشور تصارع البابليون و المصريون فتمكن البابليون من هزيمة المصريين وإخضاع تلك المنطقة بالكامل، فحاصر الملك نبوخذ نصر مدينة أورشليم في عام 586 قبل الميلاد و دمر هيكلها و سبى عددا كبيرا من اليهود و مع هذا السبي انتهى أي وضع سياسي جغرافي لليهود في المنطقة. وعبر التأريخ شهدت الساحة العراقية حروب طاحنة بين القبائل العربية والفرس قبل الإسلام، ومع الفتح الإسلامي تمكنت الجيوش العربية الإسلامية من طرد الفرس من العراق، وبعد انتهاء دولة فارس، ودخول الفرس بالإسلام توارث الدولة الفارسية البويهيون ومن بعدهم الصفويون الذين مع دخولهم الإسلام فالبعض منهم توارثوا كراهية الفرس للعرب فكانوا في الغالب يتحالفون مع أعداء الإسلام ضد العرب والمسلمين. ففي الدولة العباسية وكما يقول المؤرخ ابن كثير : ” وكان الوزيرُ ابنُ العلقمي يجتهدُ في صرفِ الجيوشِ ، وإسقاطِ اسمهم من الديوانِ ، فكانت العساكرُ في أخرِ أيامِ المستنصرِ قريباً من مائةِ ألفِ مقاتلٍ .. فلم يزلْ يجتهُد في تقليلهم ، إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف. ” ثم كاتب التتارَ ، وأطمعهم في أخذِ البلادِ ، وسهل عليهم ذلك ، وحكى لهم حقيقةَ الحالِ ، وكشف لهم ضعفَ الرجالِ “(2) فاستبيحت الدولة  العباسية على يد المغول والتتار . وشهدت بغداد أعتى مجزرة في التأريخ يتناقلها أبناؤهم ليومنا هذا. وشهدت الساحة العراقية باعتبارها مهد الحضارة الإسلامية صراع نفوذ دول كالدولة العباسية والدولة الأموية….ز وشهدت حروب طاحنة ما بين البويهيين والسلاجقة، وما بين الدولة العثمانية التي حكمت العراق لقرون وبين الدولة الصفوية…وصولا إلى العصر الحديث الذي شهدت به الساحة العراقية أكبر حربيين على مستوى العالم بعد الحروب العالمية الأولى والثانية.. وهما حرب الخليج الأولى التي سميت من قبل العراقيين بالقادسية الثانية تأسيا بحرب القادسية الأولى التي حرر بها المسلمون بلاد الرافدين من الحكم الفارسي. وكأن النظام الحاكم في العراق يومها يستدعي التأريخ في مفارقة غير مسبوقة، فالحرب العراقية الإيرانية استمرت ثمان سنوات عجاف قدم العراقيون من جرائها ما يقرب من مليون ضحية، وليتها كانت الخاتمة بل شهدت الساحة العراقية بعد غزو العراقيين للكويت عام 1991م حرب الخليج الثانية فطردوا من الكويت ودمرت وشردت القوات العراقية المسلحة في حرب غير متكافئة وتعرض العراق يومها لحصار خانق طال بما يزيد عن عقد من الزمان. وفي عام 2003م تم احتلال العراق من القوات الأمريكية التي هيأت لاحتلاله بضربات جوية وصاروخية شلت من قدراته العسكرية على الرغم من بسالة بعض القوات المسلحة العراقية خاصة في معارك البصرة ومعركة المطار في بغداد إلا أن النتيجة حسمت للقوات الأمريكية التي أنهت القوات المسلحة العراقية للنظام السابق وأجهزته الأمنية كافة، حلت الجيش العراقي واعانت على استباحة مؤسسات الدولة كافة، وأصلت لأخطر قضية غير مسبوقة من قبل وهي انتاج الفوضى العارمة في العراق؛ سلب، قتل، خطف، تفجير…إلخ رغم مسؤوليتها القانونية والأخلاقية عن البلد بعد احتلاله بقوة السلاح. لم تتصور القوات الأمريكية أنها ستواجه مقاومة شرسة من العراقيين بعد أنهت الجيش العراقي الأسطوري الذي استطاع أن يحشد ما يقرب من المليون عسكري طيلة السنوات التي سبقت الاحتلال خاصة بعد خروجه من الحرب العراقية الإيرانية شبه منتصر لاجبار إيران على وقف المعركة حين قال الخميني يومذاك تجرعنا كأس السم  في إشارة إلى إكراه ألجأه لوقف القتال في 8/8/1988، اليوم الذي لا ينساه العراقيون والإيرانيون على حد سواء. فالمقاومة العراقية “بصرف النظر عن صوابية موقفها من عدمه، وكذا الحال بصرف النظر عن مخرجاتها التي وظفت واستفيد منها من قبل إيران وأحزابها الطائفية التي حكمت العراق” كبَّدت الاحتلال ثمنا باهضا لم تتكبَّده القوات الأمريكية منذ الحرب الفيتنامية. ففي تصريحات وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” قدم الجيش الأمريكي 4408 قتيل وما يزيد عن32000 جريح وكلفتهم ميزانية الحرب ما يقرب من 770 مليار دولار(3) من خلال هذه الخسائر التي تمثل الحد الأدنى المصرح بها يبقى السؤال المطروح؛ هل من المنطق بمكان أن تترك أمريكيا العراق لغيرها بعد كل هذه الخسائر مالم يكن لها في البلد مخطط آخر؟؟

 

2- أجيال الحروب  والجيل الرابع

عرف الكاتب الأمريكي ويليام ليند الأجيال الأربعة من الحروب على النحو الآتي (4):

– حرب الجيل الأول: هي الحرب التقليدية بين دولتين لجيشين نظاميين وآخرين كالخبير العسكري. ويعرفها الكاتب الأمريكي ويليام ليند أنها حروب الحقبة من ١٦٤٨ ولغاية ١٨٦٠ حيث عرفت بالحروب التقليدية بين جيوش نظامية وأرض معارك محددة بين جيشين يمثلون دول في حرب ومواجهة مباشرة.

– حرب الجيل الثاني: يعرفها البعض بحرب العصابات (Guerrilla) والتي تمولها دول كالتي دارت في دول أمريكا اللاتينية. ويرى ليند أنها شبيهة بالجيل الأول من الحروب التقليدية، ولكن تم استخدام النيران والدبابات والطائرات كما فعل الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى.

 

– حرب الجيل الثالث: يعرفها البعض بالحروب الوقائية أوالاستباقية (Preventive war) كالحرب على العراق مثلاً، ويرى ويليام أنها تطورت من قبل الألمان في الحرب العالمية الثانية وسميت حرب المناورات وتميزت بالمرونة والسرعة في الحركة واستخدم فيها عنصر المفاجأة، والحرب من وراء خطوط العدو.

 

– حرب الجيل الرابع: اتفق الخبراء العسكريون على أن حرب الجيل الرابع هي حرب أمريكية صرفة، طورت من قبل الجيش الأمريكي وعرفوها بـ”الحرب اللامتماثلة” Warfare .حيث وجد الجيش الأمريكي نفسه يحارب “لا دولة” بعد اعتداءات ١١ سبتمبر 2001. بمعنى آخر هي محاربة تنظيمات منتشرة حول العالم، وهذه التنظيمات محترفة وتملك إمكانيات ممتازة، ولها خلايا خفية تنشط لضرب مصالح الدول الأخرى الحيوية كالمرافق الاقتصادية وخطوط المواصلات لمحاولة إضعافها أمام الرأي العام الداخلي بحجة إرغامها على الانسحاب من التدخل في مناطق نفوذها ومثال على هذه التنظيمات: القاعدة، حزب الله.

 

 

3- الجذر التأريخي لحروب الجيل الرابع

 

ظلت الحروب تدار بتكتيكات متعارف عليها خلال عقود القرن العشرين، إلى أن حدثت عدة حوادث تنبه لها “أندرو مارك” في مقالة شهيرة في عام 1975 حول أسباب انتصار الدول الضعيفة على الدول القوية(5). وكان يتحدث بشكل مباشر عن سبب هزيمة الولايات المتحدة في حربها في فيتنام، وضرب أمثلة متعددة من تاريخ صراعات كبرى تنتهي بانتصار الأضعف مادياً وتسليحياً. وترك سؤالاً للاستراتيجيين وهو كيف تنجح الولايات المتحدة في علاج هذه المعضلة؛ لأنها دائماً ما ستكون الأقوى عسكرياً واقتصادياً وقد تنتهي بها الأمور إلى الهزيمة؟ هناك عوامل متعددة ذكرها “أندرو مارك” وكانت الأساس لما اصطلح على تسميته “الحروب غير النمطية”، التي لا يكون الحسم فيها لمن يملك قوة نيرانية أكبر. وإنما يكون الحسم فيها لمن هو على استعداد لمزيد من المعاناة أو تحمل تكاليف أعلى، وعادة ما يكون الأضعف أكثر استعداداً لتحمل الخسائر في الأرواح من الأقوى الذي عادة ما يكون أكثر انفتاحاً وديمقراطية بما يجعل خسائره البشرية والمادية أداة ضغط عليه في الداخل. كما أن الأضعف عادة ما تكون له ارتباطات قوية بجهات أجنبية تكون صاحبة مصلحة في استمرار الصراع، كما أن العقيدة القتالية في كثير من المعارك تكون محدداً مهماً لثبات الأضعف، كيف تتصرف القوى الكبرى والحال كذلك؟ كيف تردع قوة أضعف منها لا تخشى الهزيمة ولديها ميول انتحارية؟ ما الفائدة إن كان السلاح الذي تملكه هو قنبلة ذرية وأسرتك مخطوفة في كهف في جبل؟ وكانت الإجابة هي أن نجعل العدو يقتل نفسه بنفسه. لماذا أقتله، وهو يمكن أن ينتحر؟ لماذا أوحده ضدي، وانقسامه في مصلحتي؟ لماذا أطلق عليه الرصاص والقنابل، في حين أنني لو استثمرت واحداً بالمائة من التكلفة على الإعلام الخبيث والشائعات المضرة لتمزقه كل ممزق؟ ومن هنا انطلقت الفكرة وبدأت وانتشرت. حتى نقترب أكثر من مفهوم حروب الجيل الرابع نتطرق إلى تعريف أحد أبرز منظريها حين قال” سوف يكون واضحاً تلاشي الفرق بين نقطتي الحرب والسلام، وسوف تكون الحدود غير واضحة، وربما إلى حد عدم وجود ساحات القتال أو جبهات، بل إن التمييز بين “المدني”و”العسكري” قد يختفي تماماً” ما يعني في مجمله أننا بصدد حرب غير تقليدية ساحاتها الحقيقية بعيدة عن ميادين القتال التقليدية، بل هي في العمق المجتمعي بحيث يتمحور الصراع حول الثقافة والقيم والروح المعنوية والاقتصاد والبشر والأخلاق والتماسك الاجتماعي.

وقد استٌخدم هذا المصطلح “الجيل الرابع من الحروب” لأول مرة في عام 1989 من قبل فريق من المحللين الأمريكيين (6)، من بينهم المحلل الأمريكي ويليام ستِرغِس ليند لوصف الحروب التي تعتمد على مبدأ اللا مركزية بشكل واضح وصريح، هي حروب اخترعتها أمريكا لزعزعة استقرار الدول دون حاجة إلي شن عدوان خارجي عليها‏.‏ هذه الحروب لا تستهدف تحطيم القدرات العسكرية وانما نشر الفتن والقلاقل وزعزعة الاستقرار وإثارة الاقتتال الداخلي.

يقول الباحث إبراهيم الشهابي عن الحروب التي أسماها بالتفكيك الساخن(7) الأجيال الجديدة من الحروب … هى حرب يتم فيها احتلال عقلك لا احتلال ارضك … وبعد ان يتم احتلالك ستتكفل أنت بالباقى … ستجد نفسك فى ميدان معركة لا تعرف فيها خصمك الحقيقى … انها حرب ستطلق فيها النار فى كل اتجاه … لكن يصعب عليك ان تصيب عدوك الحقيقى … وبالأحرى هى حرب من يخوضها يكون قد اتخذ قرار بقتل كل شيئ يحبه …انها حرب تستخدمك انت فى قتل ذاتك وروحك … وفى النهاية ستجد نفسك كنت تحارب بالوكالة لصالح رجل جالس فى مكان أخر اختار أن يخرج مشهد سينمائى جديد لفنون الانتحار الجماعى …حرب المنتصر فيها لم يدخلها ولم ينزل الميدان، وذلك بالظبط التوصيف الطبيعى لحالة حاملى السلاح في ميدان الدماء الموجود بطول المنطقة وعرضها.
والجيل الخامس من الحروب أو ما يسمى الجيل الرابع المتقدم، يستخدم العنف المسلح عبر مجموعات عقائدية مسلحة وعصابات التهريب المنظم والتنظيمات الصغيرة المدربة صاحبة الأدوار الممنهجة، حيث يستخدم فيها من تم تجنيدهم بالتكنولوجيا المتقدمة.. والسبل الحديثة لحشد الدعم المعنوي والشعبي..والاختلاف بينها وبين الجيل الرابع هو أن الجيل الرابع كان يعتمد على تقنيات حرب اللاعنف، لكن الجيل الخامس يستخدم العنف بشكل رئيسي معتمداً على التقنيات الحديثة ويُقصد بالتكنولوجيا المتقدمة الأسلحة المتطورة، والتي استخدمت ضمن تكتيكات حرب العصابات، مثل الصواريخ المضادة للدروع والطائرات، والعمليات الانتحارية، ونصب الكمائن، والأعمال الإرهابية ومهاجمة مدنيين أو هجمات انتحارية من أجل تحقق الأهداف بإستنزاف وإرهاق الجيوش وإرغامها علي الانسحاب من مواقع معينه وفى الصين مثلاً تم استخدام هذه التقنيات في مظاهرات حاملى السكاكين حيث ارتكب مهاجمون مسلحون بسكاكين، مجزرة حقيقية قتل فيها 30 شخصا في محطة للقطارات جنوب غرب الصين، في عملية لا سابق لها و”إرهابية” على حد وصف الشرطة الصينية.

 

 

4- الفوضى الخلاقة صناعة أمريكية في العراق

     تعد الحملة الأمريكية التي جعلت من أحداث 11 أيلول عام 2001 ذريعة لها من أشرس الحملات العسكرية في العصر الحديث وخاصة في القرن الحادي والعشرين، ويقينا كانت لهذه الحملة أهداف كبيرة رئيسة وثانوية وبمجملها تبتعد عن كونها ردة فعل طبيعية لما وقع عليها من إرهاب. وبعيدا عن التبرير تتمحور أهداف الحملة الأمريكية بثلاثة أبعاد رئيسة؛ البعد الأول دولي يتمثل بتحقيق الاستراتيجية الأمريكية وفق النظام الدولي الجديد الذي يتناسب وتفردها بالقوة وفرض رؤيتها ونظامها وجعل العالم أحادي القطب من حيث القوة ، والثاني اقتصادي يتمثل بتحقيق الأمن الاقتصادي الأمريكي وتوفير الممرات الآمنة للطاقة وخاصة الغاز والتضييق على الهيمنة الروسية في تصدير الطاقة لأوربا قلب العالم. والثالث أقليمي يتشكل عبر تغيير الخريطة القديمة للشرق الأوسط بخريطة جديدة تتناسب والرؤية الأمريكية في توفير الحماية لربيبتها “إسرائيل” والهيمنة على منابع النفط وخط مرور الغاز. وبعيدا عن البعدين الدولي والاقتصادي التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيقها كونها لا تمس بحثنا هذا، فإن المحور الأقليمي يتبلور في انهاء الشرق الأوسط القديم وقيام شرق أوسط جديد وفق القياس الأمريكي تنهي من خلاله منظومات دولية وغير دولية، وتنشأ منظومات بديلة تحقق لها رؤيتها، فالتبجح باستهداف إفغانستان والعراق لكونهما تشكل تهديدا للأمن الدولي عبر توفير ملاذات آمنة للإرهاب في إفغانستان. وباحتمال امتلاك أسلحة الدمار الشامل في العراق ما عاد يقنع أحدا، خاصة بإدعاء الطرف الأمريكي في بداية الحملة العسكرية بكونه يحمل معه حرية الشعوب ونشر الديمقراطيات في هذه البلدان التي أتعبها الاستبداد والظلم على حد تعبير الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الكبير. بل نجم عن الاحتلال الأمريكي للعراق بلاء ما بعده من بلاء لم يشهده العراق من قبل فخلال عقد وما يقرب من نصف عقد من الزمان عُدَ العراق دولة الفاشلة في أبعادها كافة. ولا حاجة لسرد الفشل والذي كبل الدولة وجعل من العراق ساحة للحروب بالوكالة وساحة تتنافس فيها المليشيات الإجرامية والتنظيمات الإرهابية في ظل عجز الدولة عن إنقاذ البلد حتى في الحدود الدنيا لكونها باتت معلومة للجميع ولا يختلف حولها حتى جزاري العراق.

مهندسة الفوضى الخلاقة في العالم وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كواندليزا رايس (8) تعترف من أن الغزو الأمريكي للعراق وإفغانستان لم تكن لنشر الديمقراطية. وتكمن أهمية هذا الاعتراف لكونها صاحبة “نظرية الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط”، التي نراها تتجسد امامنا حروبا، ودولا فاشلة، وتهجيرا، وتقسيمات طائفية. السيدة رايس التي خدعت الكثيرين من الكتاب والمفكرين العرب من خلال تبريرها للحربين المذكورين آنفا (افغانستان والعراق) بالحديث عن تحويلهما إلى جنتين للديمقراطية وحقوق الانسان والرخاء الاقتصادي، اعترفت في محاضرة لها القتها في معهد بروكينغ الأمريكي “ان الولايات المتحدة لم تذهب الى غزو أفغانستان عام 2001، والعراق عام 2003 من اجل تحقيق الديمقراطية، بل للإطاحة بحركة طالبان التي وفرت ملاذا آمنا لتنظيم “القاعدة”، وحكم الرئيس العراقي صدام حسين في بغداد الذي كنا نظن انه كان يعيد بناء ترسانة من أسلحة الدمار الشامل. لا شك ان هذا الاعتراف جاء متأخرا ولكنه على درجة كبيرة من الأهمية لانه يقدم تفسيرات دقيقة، وواضحة، لما يجري حاليا من عمليات تفتيت للدول القطرية، خاصة في العراق وسورية واليمن وليبيا، تحت عنوان الديمقراطية وحقوق الانسان. وقد يُخال للبعض أنّ نظريّة الفوضى الخلاّقة هي من إبداع المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي فانها ستزول بخروجهم من دوائر السلطة في واشنطن، أو أنها مجرّد خطة عسكريّة سياسية وضعها بعض المختصّين في الاستراتيجية الدولية، ولكن الحقيقة أنّ هذه النظريّة قد أُعِدَّ لها منذ السبعينيات من القرن الماضي وبالأساس في أوساط العلماء والمفكّرين(9).

دخل مصطلح (الفوضى الخلاقة ) القاموس السياسي في العقدين الاخيرين، ويتميز بقدر كبير من الالتباس والتاويل يصل الى حد التحايل والتلاعب اللفظي لوصف حقبة سياسية تاريخية صاخبة ، وبمسار خارج المالوف الطبيعي للخطاب السياسي – الفكري التقليدي ، عبر بناء نسيج من المتقابلات المختلفة للمصطلحات تهدف الى تحقيق استراتيجية معينه ومنهج لادارة المصالح الامريكية والغربية في المناطق التي تتركز فيها تلك المصالح . فالفوضى الخلاقة هي خلاقة بالنسبة لمصالح امريكا والغرب ، وغير خلاقة ، بل مدمرة بالنسبة للاوطان والشعوب، وهذا المصطلح ينشط في حيز العولمة الرأسمالية وصعود الليبرالية الجديدة وهو يجمع بين متناقضين متقاطعين هما (فوضى وخلاقة) ويفهم من المصطلح ان عنصر الافكار الرصينة والمنظمة والايديولوجيات الكبرى فات اوانها ، وعلى المجتمعات ان تسلك ممرات كثيرة للوصول الى جزيرة الاستقرار . كما ويمثل مصطلح الفوضى الخلاقة احد اهم المفاتيح التي انتجها العقل الاستراتيجي الامريكي في التعامل مع القضايا الدولية ، حيث تمت صياغة هذا المصطلح بعناية فائقة من قبل النخب الاكاديمية وصناع السياسة في الولايات المتحدة ، وعلى خلاف مفهوم الفوضى المثقل بدلالات سلبية كعدم الاستقرار اضيف اليه مصطلح اخر يتمتع بالايجابية وهو الخلق او البناء، ولا يخفى خبث المقاصد الكامنة في صلب مصطلح (الفوضى الخلاقة) لاغراض التضليل والتمويه. ولعل أبسط تعريف للفوضى الخلاقة هو أنها حالة سياسية أو إنسانية يتوقع أن تكون مريحة بعد مرحلة فوضى متعمدة الأحداث، فهي احداث متعمد لفوضى بقصد الوصول الى موقف او واقع سياسي يرنو اليه الطرف الذي احدث الفوضى(10) … وعلى ضوء ذلك طور نظرية (الفوضى الخلاقة) أحد أهم المحاضرين في وزارة الدفاع الأمريكية وهو البروفيسور (توماس بارنيت) فقد قسّم العالم إلى من هم في القلب أو المركز (أمريكا وحلفائها) ، وصنف دول العالم الأخرى تحت مسمى دول (الفجوة) أو (الثقب) حيث شبهها بثقب الأوزون الذي لم يكن ظاهرًا قبل أحداث 11 سبتمبر. و يذهب (بارنيت) إلى أن دول الثقب هذه هي الدول المصابة بالحكم الاستبدادي، والأمراض والفقر المنتشر، والقتل الجماعي والروتيني، والنزاعات المزمنة، وهذه الدول تصبح بمثابة مزارع لتفريخ الجيل القادم من الإرهابيين. وبالتالي فإن على دول القلب ردع أسوأ صادرات دول الثقب، والعمل على انكماش الثقب من داخل الثقب ذاته. فالعلاقات الدبلوماسية مع دول الشرق الأوسط لم تعد مجدية؛ ذلك أن الأنظمة العربية بعد احتلال العراق لم تعد تهدد أمن أمريكا، وأن التهديدات الحقيقية تكمن وتتسع داخل الدول ذاتها، بفعل العلاقة غير السوية بين الحكام والمحكومين. ويخلص (بارنيت) إلى أن تلك الفوضى البناءة ستصل إلى الدرجة التي يصبح فيها من الضروري تدخل قوة خارجية للسيطرة على الوضع وإعادة بنائه من الداخل، على نحو يعجل من انكماش الثقوب وليس مجرد احتوائها من الخارج، منتهيًا بتخويل الولايات المتحدة القيام بالتدخل بقوله:(ونحن الدولة الوحيدة التي يمكنها ذلك).(11) بهذه الفلسفة لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دورا غير مسبوق دوليا في التدخل بشؤون الدول الأخرى بشكل مباشر أو غير مباشر، المباشر قد يكون على هيئة احتلال أو القيام بضربات جوية أو تعقب جماعات محددة داخل الدول كما فعلت وتفعل في العراق وإفغانستان واليمن وسوريا والصومال وباكستان وغيرها. وقد تتدخل بشكل غير مباشر عبر دعمها لعملائها في داخل هذه البلدان وهذا ما حذت حذوه في بلدان العالم العربي التي شهدت حراكا شعبيا أطاح بمستبديها كمصر وتونس وليبيا وغيرها.للتدليل على التدخل غير المباشر زار أحد قيادي الثورات التي سميت بالربيع العربي السفارة الأمريكية في بلده لعلمه بمساعيها وتأثيرها، فأرسل من قبل السفارة للمختص بشأن بلده، والآخر نصحة بالتعاون مع شخصية سياسية ليبرالية معروفة في بلده، فاستجاب لهذه التوصية وتعاون مع هذه الشخصية على تشكيل الحكومة، فنجت بلاده من فوضى عارمة اجتاحت البلدان الأخرى. أما تقييمنا لهذا الفعل هل هو حكمة أم خنوع؟ فبتقديري الأيام هي خير من يجيب على هذا السؤال لكون السياسة بالغالب لا تبنى على المبادئ بل تبنى على تحقيق المصالح، واجتهاد هذا القيادي أن يترفق بأبناء شعبه وأن يتعامل مع الواقع المؤثر في الساحة على مستويها الدولي عبر أمريكيا والمحلي عبر النخب المثقفة التي يختلف معها فكريا ولها حضور في الشارع السياسي.أما التجارب التي بنيت على المبادئ كما حدث في مصر فقد كان ثمنه آلاف الضحايا وخراب البلاد وتخلفها وعودة الخصام ما بين الحكومات التي جيء بها بإنقلابات عسكرية وجموع المعارضة المدنية التي تبني استراتيجتها على حركة الشارع السلمي. وكذا الحال مع التجارب التي جعلت من المعارضة أن تحمل السلاح وتدافع عن منجزها بقوته، وجَرت الخراب والدمار في معركة غير متكافأة بين جموع الثائرين وقوة لها جذر في الحكومة السابقة، وتؤيدها منظومة دولية كبيرة ومنه واقع حال ليبيا. في دراستنا هذه لسنا بصدد تصويب أحدا أو تخطيئه بل عرض ما ممكن أن تفعله القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن هذه الدراسة لا تجعل من الفعل الأمريكي قدرا غلابا…أبدا، بل مقارعة الحجة بالحجة والدليل بمثله والسلاح بمكافئه ضمن الطاقات المادية المحدودة في الحياة الإنسانية “ضمن عالم الأساب” ووفقا للسنن الكونية الجارية، لعل الله تعالى يحدث بعد ذلك أمرا.

 

5- ما بين الجيل الرابع من الحروب والفوضى الخلاقة

 الجيل الرابع من الحروب  أو الجيل الرابع المتقدم كما سماه البعض يتماهى مع نظرية الفوضى الخلاقة إن لم يتكامل معها ولرصد مخرجات الاستراتيجتين الأمريكيتين لنطلع على ما قدمه البروفيسور الأمريكي ماكس مايوراينج (12) أن حروب الجيل الرابع، وهي حروب تهدف إلى تحقيق هدف مهم هو “إفشال الدولة”. حالة الدولة الفاشلة هي أساس حروب الجيل الرابع، وهي أسلوب الحرب غير النمطية Asymmetrical Warfare، وهي حروب تهدف إلى استخدام المتضادات، ونقاط الاختلاف، وتوزيع نسب السكان، والأزمات في العلاقات، والإشكالات القائمة داخل الدول بغرض تضخيمها، وتكوين حالة من انعدام التوازن بين الأطراف المختلفة دينياً أو ثقافياً أو سياسياً بما يؤدي إلى فشل الدولة. بمعنى آخر هي حرب ليس لها شكل معين أو أسلوب منهجي كما في الحروب السابقة. والواقع أن الجيل الرابع للحروب كما يعرفه البروفيسور الأمريكي ماكس مايوراينج هو: الحرب بالإكراه من أجل إفشال الدولة وزعزعة استقرارها ثم فرض واقع جديد يراعي المصالح الأمريكية. كما أن هذا الجيل مؤسس على حتمية قيام حرب بين دولة وكيان غير مركزي (كالجماعات المسلحة والإرهابية أو الدولة المارقة .. إلخ) حيث يتم استخدام أسلحة متقدمة عن بعد لزعزعة إيمان العدو بفرض الحرب والنصر، وتغيير الأنماط الاجتماعية الخاصة به، وغيرها من الطرق للتأثير على العدو نفسيًا، وبالتالي تركيع الدولة وتفتيتها ثم تقسيمها أو إلى كيانات صغيرة متحاربة، وهدم عناصر القوة فيها بواسطة دفع مواطنيها للاحتراب بعضهم مع بعض، ثم يحدث مأزق سياسي وأوضاع استثنائية من الفوضى العارمة. فتأتى الدولة القوية بحكام من المواطنين والموالين لها والممثلين لسياساتها ويضفون عليهم قدرًا من الشرعية، وادعاء بأن الهدف هو نشر الديمقراطية والقضاء على الإرهاب. وتنتهي المسرحية بتفكك تلك الدولة الفاشلة وتتعدد مرات صنع شرعية جديدة، وهي شرعية في كل مرة تتقاطع تمامًا مع المصالح الأمريكية والغربية .. ويتجذر دور العملاء من المواطنين في تلك الدولة أو قل الدويلات أو الكيانات باعتبارهم أهم آليات تنفيذ تلك الفوضى الخلاقة. إذن فهذا الجيل يعتمد على إحداث تدمير ذاتي داخل الدولة أو الجماعة المستهدفة ويفتتها ويشيع الانقسام بين طوائفها، وبالتالي ينتهي الأمر بتخليق دولة فاشلة يسودها الفوضى والفراغ. ولعل انهيار الاتحاد السوفيتي كان واحدًا من أوضح نتائج هذا الجيل الرابع وإن لم يكن وحده المسئول عن ذلك. ومما هو جدير بالذكر فإن أساليب (اللاعنف) تدخل مصاحبة للتقدم التكنولوجي المتقدم لتترك بصماتها على الدولة المستهدفة من خلال إعلام رمادي يبرر بل يحتم ضرورة استدعاء وتدخل الأطراف الخارجية بحجة تأسيس دولة ديمقراطية حديثة.(13)

 

 

6- التخادم الإيراني الأمريكي في العراق

     لعل جميع العراقيين والمراقبين الدوليين والمهتمين بالشأن العراقي يعلمون حقيقة الدور الذي تمارسه إيران في العراق، بل يعد الإيرانيون المستفيد الأكبر من إحتلال الشيطان الأكبر”على حد تعبيرهم عن أمريكيا” للعراق فجميع الحكومات المتعاقبة لا تستطيع تجاوز الدور الإيراني الذي دخل معها بقوة في جميع مفاصل عملها، استشارة وقيادة أحيانا، فعلى الرغم من هيمنة أمركيا على العراق نجد أن إيران تصول وتجول وتنفذ أجندتها وتسير حركة الحياة السياسية بعلم ورعاية أمريكيا ولا أدل على ذلك من زيارة الرئيس الرديكالي الإيراني المتشدد أحمدي نجاد للعراق كان بحماية القوات الأمريكية على مرآى ومسمع العالم أجمع. كما حركة وتفدق الأسلحة وغيرها عبر الحدود الأيرانية العراقية كان بعلم الولايات المتحدة الأمريكية…ولرصد العرقة بين الطرفين يذهب الدكتور أيمن الهاشمي (14) على وجود تعاوناً بين إيران والولايات المتحدة؛ وحقيقة العلاقة بين الطرفين هي من الحقائق المغيبة والتي هي جزء من ألاعيب السياسة ودهاليزها، ولا يمكن فهم العلاقات الإيرانية الأمريكية في الخمسة والعشرين سنة الأخيرة إلا بقراءة كتاب (رهينة خميني) الذي ألفه (روبرت كارمن درايفوس) وهو باحث فرنسي متخصص في الشؤون الاستخبارية شغل في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات مدير قسم الشرق الأوسط في مجلة (أنتلجنس ريفيو)، هذا الكتاب الذي تم تأليفه وطبعه في عام 1980م، ونسخه المتداولة قليلة جداً، ولا ندري لماذا لم يطبع مرة أخرى بعد ترجمته في أوائل الثمانينيات؟ وبعد استعراض الأدلة الكثيرة يخلص الكتاب إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر قد قام بتعمد هادئ وتدبير مسبق خبيث على حد وصف المؤلف لمساعدة الحركة الإسلامية التي نظمت الإطاحة بشاه إيران، واشتركت إدارة كارتر في كل خطوة ابتداءً من الاستعدادات الدعائية إلى تجهيز الأسلحة والذخيرة، ومن الصفقات التي تمت خلف (الكواليس) مع الخونة في جيش الشاه إلى الإنذار النهائي الذي أعطي للزعيم المهزوم في يناير 1979م لمغادرة إيران. ويمثل هذا فصلاً آخر من فصول الخيانة التي مارستها الدوائر الحاكمة في التاريخ السياسي للولايات المتحدة.

وعند رصد التعاون الأمريكي الإيراني في السنوات الأخيرة لا يفوتنا التنسيق الجاد والهادف بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإيرانية حول أفغانستان. وهو ما لم ينفه الإيرانيون فحسب، بل أكَّدوه أيضاً. وبعدها طلب الطرف الإيراني من الطرف الأميركي علناً بأن يحفظ الجميل الإيراني لقاء الخدمات التي قدَّمها في رحلة احتلال أفغانستان التي وصلت إلى درجة توفير طائرات تنقل أنصار التحالف الشمالي ضد طالبان إلى خطوط الجبهة الأمامية.

 

لقد عرفت وأيقنت إيران أنها لا تستطيع أن تغزو العراق وأن تفوز به، فيتعين أن تقوم بهذا قوة أخرى. وعدم قيام الولايات المتحدة بغزو العراق واحتلاله في عام 1991م سبب خيبة أمل هائلة لإيران بعد أن إفتضح دورها في ما سمي بإنتفاضة الجنوب 1991. والحقيقة أن السبب الأولي لعدم قيام الولايات المتحدة بغزو العراق آنذاك كان معرفتها بأن تدمير الجيش العراقي من شأنه أن يجعل من إيران القوة المهيمنة بين القوى المحلية في الخليج العربي. وكان من شأن غزو العراق أن يدمر توازن القوة العراقي ـ الإيراني الذي كان الأساس الوحيد لما اعتبر استقراراً في المنطقة. أما تدمير النظام العراقي فلم يكن من شأنه أن يجعل إيران آمنة فحسب، إنما كان من شأنه أيضاً أن يفتح آفاقاً لتوسعها. يقول الدكتور محمد العبيدي (15) إن المساعدات التي قدمها الإيرانيون لقوات الإحتلال في العراق كثيرة، وأهم ما حصلوا عليه في العراق هو موافقة السيستاني بإصدار فتواه للشيعة العرب العراقيين بعدم مقاومة الإحتلال، إضافة إلى تعاونهم الوثيق مع الأمريكان… أما دور السفير الأمريكي في العراق زلماي خليل زادة فقد كان كبيرا، فالرجل قد عينه بوش مسؤولاً عن جنوب غرب آسيا والشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي وكذلك المبعوث الأمريكي لأفغانستان وإلى التنظيمات العراقية العميلة التي ساعدت في الغزو على العراق وسلموهم السلطة فيه بعدئذ. والسؤال الآن هو لماذا هذين البلدين؟ فبغداد تبعد عن كابول بـ 1424 ميلاً. والجواب هو أن هذه الأميال لها إسم، ألا وهو إيران … فهل يكون إسم إيران هي مفتاح اللغز؟؟؟ وبالمناسبة، فإن زلماي خليل زادة هو الذي إختار حامد قرضاي لرئاسة أفغانستان، وهو الذي إختار أعضاء النخبة الأفغانية التي إنتخبت قرضاي لهذا المنصب بعد إحتلال أفغانستان، كما وهو الذي إختار مجموعات العراقيين الذين أقاموا مؤتمر لندن سئ الصيت قبل الحرب على العراق والذي عقد بحضوره. ونزيد القارئ علماً بأن خليل زادة هو أحد أركان الحركة الفاشية الشتراوسية من اليمين المتطرف والذي تتلمذ على يد أحد قادتها…  والمعروف عن خليل زادة أنه كتب في عام 1988 دراسة مهمة للإدارة الأمريكية دعى فيها لتقوية إيران وإحتواء العراق، كما كتب مقالاً في عام 1989 لصحيفة لوس أنجيليس تايمز بعنوان “مستقبل إيران كبيدق شنطرج أو كقوة للخليج” أشر فيها الأسباب الرئيسية التي على الولايات المتحدة الأخذ بها لشن حرب على العراق والتي من بينها ذكره “إن خروج العراق منتصراً على إيران سيجعله القوة التي لا تنازع في المنطقة، ولذا يجب عمل شئ ما لعدم حدوث ذلك”. كما أشار خليل زادة أن إيران قد عانت بعد الحرب مع العراق من قصور ستراتيجي وأنها بحاجة إلى درجة من الحماية !!!

ولعل القارئ يقول إن الادلة المساقة تمثل توجه معادي لإيران وهذا كلام منطقي والرد عليه من خلال عرض وجهات نظر أخرى فما أورده مركز الأئمة (16) في هذا الإطار، نشر “مركز الأمن الأمريكي الجديد”Center for a New American Security، دراسة تحت عنوان: “ذوبان الجليد البطيء.. اختبار إمكانيات التعاون مع إيران بعد الاتفاق النووي”، والتي أعدها ثلاثة من الباحثين في المركز، وهم: “إيلان جولدنبرج” Ilan Goldenberg، و”جاكوب ستوكس″ Jacob Stokes، و”نيكولاس هراس″ Nicholas A. Heras، تناولوا خلالها أبرز الافتراضات المحتملة حول الاتفاق النووي مع إيران، والعقبات التي تعترض التعاون بين واشنطن وطهران، والفرص المحتملة للتعاون بين البلدين، وأبرز توصيات الدراسة لدعم هذا التعاون… وتعد أفغانستان المثال الأكثر بروزاً للتعاون بين إيران والولايات المتحدة بعد عام 2001، عندما ساعدت طهران واشنطن في إسقاط حكومة طالبان… وأدى ظهور تنظيم “داعش” وما حققه من تقدم في العراق وسوريا، إلى إيجاد مصلحة مشتركة بين طهران وواشنطن، تتمثل في منع تفكك العراق، والعمل على هزيمة هذا التنظيم. تعد هذه الدعوة مضحكة من قبل الطرفين لكون تمكن داعش من ما يزيد على 40% من مساحة العراق كان بمساندة الطرفين بشكل مباشر وغير مباشر وهو ما أشرنا إليه في دراسات سابقة لا حاجة إعادتها (17). وتمكين داعش من مناطق العرب السنة حقق على مداه المصالح الإيرانية بتكوين الحشد الشعبي توأم الحرس الثوري الإيراني وتدمير مناطق ومحافظات العرب السنة لمزيد من الهيمنة عليها والتأثير في مواطنيها.وحقق كذلك المصالح الأمريكية بتبرير وجود تحالف ستيني ضد الإرهاب والهدف منه العودة إلى العراق لحماية الكورد كما يدعي والحقيقة هي لجني الحصاد الذي خلفته الفوضى الخلاقة ومخرجات الجيل الرابع الذي صنعته في العراق.

وذكرت صحيفة شؤون خليجية (18) عن إطلاق أمركيا لليد الإيرانية في العراق، وتعزيز الغطاء الأمريكي للعدوان الإيراني بإعطاء إيران الصفة الشرعية فيما تفعله من إرهاب، “كشفت الخطوة المفاجئة التي أفصح عنها التقرير السنوي الصادر عن جيمس كلابر، مدير الاستخبارات الأمريكية، برفع إيران وحزب الله اللبنانى من (قوائم الإرهاب) أسرار جديدة، يبدو أنها ستخرج للنور والعلانية قريبًا فيما يخص ملف المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة دول (5+1) وعلى رأسهم الولايات المتحدة… ورجح مراقبون تقديم تنازلات وتبادل مصالح بين الطرفين الأمريكي والإيراني وهو ما ذكره الرئيس الأمريكي باراك أوباما علانية بطلبه تجميد إيران لبرنامجها النووي لعشر سنوات بدون تدميره أو تفكيكه للقدرات النووية وبنيتها التحتية… أن المصالح المشتركة بين أمريكا وإيران بإضعاف السُّنة، وثورات الربيع العربي التي برز فيها قوى سنية وَحَّدت الطرفين… ويُعدُّ رفع إيران وحزب الله من قوائم الإرهاب وما يكشفه من احتمال وجود صفقات غير معلنة تهديد واضح لدول الخليج العربي، التي تعاني من التمدد الإيراني والجماعات المتشددة والميلشيات الشيعية المدعومة من إيران خاصة بالعراق واليمن ليس هذا فحسب، بل ينذر بسباق للتسلح النووي في حالة عدم شمول الاتفاق على تدمير البرنامج الإيراني، والنص فقط على مجرد تجميد مؤقت، ويطرح تساؤل: هل ترى الولايات المتحدة أن شراكتها مع إيران لها الأولوية على حساب شراكتها مع دول الخليج.

 

 

7- الدور الإيراني في العراق والتوظيف الأمريكي له

يعد إحتلال العراق في 2003 فرصة تأريخية للنظام في إيران في ترسيخ نفوذه في العراق عبر الحكومات الطائفية المتعاقبة، فسارعت بالإعتراف بها ودعمها ورفدها بالخبرات المطلوبة وتوطيد العلاقات معها، وهو ما أعطى لطهران موطئ قدم في العراق. إذ عملت على ترسيخ القاعدة التي بدأتها الولايات المتحدة بتعزيز النهج الطائفي في اقتسام السلطة. وذلك من خلال قيامها بجهود واسعة في إزالة الخلافات العالقة بين التيارات الشيعية من أجل ضرب عصفورين بحجر واحد(19)، الأول يتمثل في الحفاظ على أغلبية شيعية تأتي بحكومات حليفة لإيران، والثاني في كسب ولاء مختلف التيارات الشيعية على اعتبار أن إيران هي الوسيط المتوقع في أي خلاف شيعي-شيعي قادم. وتلك هي المهمة التي خوّلت إيران لعب دور في إعادة تأهيل الجيش العراقي والتنسيق معه وتوقيع العديد من الإتفاقيات الأمنية. واستكملت إيران تنفيذ استراتيجيتها في العراق من خلال محاولة التحكم في العملية الإنتخابية العراقية عن طريق حلفائها العراقيين أنفسهم. وأول الإنتقادات جاءت على خلفية استبعاد عدد كبير من المرشحين السُنة البارزين قبيل انتخابات 2010 بموجب قرارات هيئة المساءلة والعدالة، التي تهتم بتطبيق العزل السياسي الذي أُقرّ بحق أعضاء البعث السابقين، بعد ما قيل أنه جهود قيادات شيعية بارزة مرتبطة بطهران. وتواصل الدور الإيراني بعد انتهاء الإنتخابات لتتدخل في مرحلة تشكيل الحكومة، واتضح ذلك بعد توافد قادة سياسيين عراقيين إلى طهران في احتفالات عيد النيروز، وهي الزيارات التي تزامن معها إعراب نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي يومذاك، عن قلقه بشأن المحادثات التي تجريها قيادات سياسية عراقية بطهران من أجل تشكيل الحكومة. وما أثار الإنتباه إلى جدية ما صرّح به نائب الرئيس هو حضور الرئيس نفسه إلى طهران بعد أيام قلائل على إيفاده وزير خارجيته للقمة العربية في سرت الليبية (2010). وهذا الموقف يدلل كثيراً على مدى النفوذ الذي تمكنت إيران من الحصول عليه في العراق حتى تسبب في خروج تصريحات قوية من وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك حول محاولة إيران للتأثير على الإنتخابات العراقية. ولم تسلم الشؤون الخارجية للعراق من التدخلات الإيرانية شأنها في ذلك شأن التدخلات في الشؤون الداخلية، فقد اعترضت على الإتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة المتعلقة بتحديد وضع القوات الأمريكية وانسحابها من العراق، ولهذا اضطر المالكي للذهاب إلى طهران، في محاولة لطمأنة نظام طهران، والتعهد بأن ينص الإتفاق النهائي على منع الولايات المتحدة من مهاجمة إيران انطلاقاً من الأراضي العراقية.لم يقتصر الدور الإيراني على التغلغل في الحكومات الطائفية التي قادت العراق بعد الاحتلال بل تعدتها بالتدخل في مفاصل الدولة كافة،عبر منظومة مؤسساتها المختلفة في وسائلها والمتحدة في أهدافها فالمخابرات الإيرانية ومنظومة وزارة الخارجية تختلف جذريا في سياستها عن الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس بقيادة الجنرال سليماني، مع اعتبار أن الطرفيين يسعيان لتحقيق مصالح النظام الإيراني وإن كانت وسائلها متياينة، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على قدرة النظام الإيراني باللعب على كافة الأصعدة وبنظام معقد يصعب فهمه في أحيان كثيرة، فقد رصد بالدليل القطعي مسؤولية جهات موالية لإيران عن تفجيرات شهدها الشارع العراقي الشيعي الذي يفترض حرص إيران على الحفاظ عليه ودعمه الأمر الذي يقف إزائه المراقب بحيرة وتردد…وغيرها من الأمثلة كثير، هذا فضلا عن أن الاهتمام الخارجي يفترض أن يكون من نصيب الخارجية الإيرانية وجهاز المخابرات على اعتبار التخصص الموضوعي، بينما في إيران نجد أن الحرس الثوري الإيراني منشغلا في التدخلات الخارجية للدول الأخرى، كشفت دراسة أجرتها منظمتان أوروبيتان مقرهما بروكسيل، عن الدور التخريبي للحرس الثوري الإيراني في 14 دولة بالشرق الأوسط في السنوات الـ30 الماضية، وقالت الدراسة التي جاءت في 56 صفحة، إن كبار الضباط بالحرس الثوري، بدأوا التدخل في شؤون الدول الإقليمية بشكل ممنهج، وزاد هذا التدخل في العام 2013 عقب التوقيع على الاتفاق النووي مع الغرب. وأوضحت الدراسة الصادرة عن الرابطة الأوربية لحرية العراق التي يرأسها ستروان ستيفنسون، أن هناك أكثر من 70 ألف جندي في سوريا يعملون نيابة عن الحرس الثوري (20). وليس أدل على سير الأحداث في العراق على خطى سياسية إيران من تشريع قانون الحشد الشعبي في البرلمان العراقي خلافا للدستور العراقي الذي يمنع تشكيل قوى مسلحة خارج القوات العراقية المسلحة النظامية (21) ويعد الحشد الشعبي تشكيل طائفي يسير على خطى الحرس الثوري الإيراني وملهمه قائد قوات القدس الجنرال قاسم سليماني، ويدل على ذلك ما  كشفته مصادر سياسية(22) ان هناك خطة “إيرانية” لتحويل الحشد الشعبي الى حرس ثوري عراقي.واضافت ان اوساطا عراقية تداولت سيناريو خطة إيرانية لتحويل الحشد الشعبي إلى حرس ثوري عراقي على شاكلة الحرس الثوري الإيراني ورفع أعداد منتسبيه وتحسين تسليحه والارتقاء بهيكلته.وتابعت إن رئيس هيئة الحشد فالح الفياض ونائبه أبومهدي المهندس شرعا بالفعل في العمل على تلك الخطّة ومناقشتها مع خبراء إيرانيين. وسبق للفياض أن طالب البرلمان ورئيس الوزراء حيدر العبادي بتغطية مالية لقرابة مئة وخمسين ألف منتسب للحشد الشعبي، بينما المعروف أنّ التعداد الرسمي لعناصر الحشد عند إقرار قانونه في نوفمبر من العام 2016 لم يتجاوز الثمانين ألف عنصر”على حد قول المصادر”.وبتجاوز عدد الحشد عتبة المائة ألف عنصر يقترب من نصف عدد قوات الجيش العراقي، وهو أمر يرى فيه ساسة وعسكريون عراقيون أمرا خطرا يمهد لتحجيم دور القوات التابعة لوزارة الدفاع ولجعل الحشد بديلا عن المؤسسة العسكرية .وأشارت المصادر إن قادة الحشد يخططون لجعله قوّة عسكرية أساسية ونوعية لا سيما وأن لديه (دوائر تخصصية متقدمة على مستوى الاستخبارات والهندسة العسكرية والطبابة والاتصالات وحتى على مستوى العمليات النوعية والعمليات الخاصة، وهو في ذلك يناظر جهاز مكافحة الإرهاب من ناحية القدرات)، وفق ما جاء في بيان سابق أصدره فالح الفياض. ولم يستبعد مسؤول أمني عراقي سابق تحدث طالبا عدم التصريح بهويته أن تنفذ إيران مخططها بتوأمة الحشد مع الحرس الثوري، واصفا الحشد بأنه الابن الأصغر للحرس الثوري كون الابن الأكبر هو حزب الله اللبناني.وقال إن هناك خطة إيرانية ينفذها سياسيون شيعة وقادة فصائل قريبون من إيران وقاسم سليماني قائد فيلق القدس لتوأمة الحشد مع الحرس الثوري، وقد بدأت ملامحها الأولية بالترويج لفكرة تماثل الأدوار التي ينفذها الحشد والحرس الثوري الإيراني. كل هذا السباق الحثيث للِّحاق بركب القيادة الإيرانية يجري على مرأى ومسمع القيادة الأمريكية التي تعيد الكرة مرة أخرى في تقوية نفوذها في العراق من غير أن تعارض التوجه الطائفي الذي يسير على خطى إيران، بل بعد أن عاثت المليشيات الطائفية ربيبة إيران والتنظيمات الإرهابية صنيعة لإيران في العراق فسادا(23) من غير أن تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية بها بل تركتها ليتعرف عليها الشعب العراقي وشعوب المنطقة، وبعد ذاك تجعل أمريكيا من نفسها المنقذ والمخلص للعراقيين … من بغداد أراد  الجنرال ماتيس التأكيد للعراقيين أن قفزة نوعية في مستوى التعاطي ستتخذها الإدارة الأميركية الجديدة ستعجل في التأسيس لشراكة طويلة الأمد مع العراق تأخذ طابع التحالف الاستراتيجي بين البلدين، الذي سيحول العراق إلى إحدى أهم الركائز التي ستعتمد عليها حركة التغيرات المقبلة على المنطقة والتي ستحدد دور بعض الدول وطبيعة نظامها، ولذلك تعمد ماتيس الإشادة بالانتصارات التي يحققها الجيش العراقي ضد الإرهاب، ونوه بالتقدم الكبير الذي حققته القوات المسلحة العراقية في السنتين الأخيرتين وبتضحياتها وتمتعها بسمعة جيدة.(24) وعليه، من الطبيعي أن يربك هذا التوجه الأميركي الجديد طهران ويزيد من نسبة توترها، فالسمعة السيئة تلاحق ميليشياتها الطائفية المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي، وقرار واشنطن دعم الجيش العراقي في المرحلة التي بدأت تفقد السيطرة على قراره يشكل انتكاسة فعلية لنفوذها في العراق، فلم تنجح طهران منذ كارثة الموصل وقرار المالكي المشبوه بانسحاب وحدات الجيش أمام هجوم «داعش»، في تأسيس قوة عسكرية موازية تتحول مع الوقت إلى بديل عن الجيش الوطني، الذي بات الآن يتمتع بشرعية شعبية ورسمية من كل المكونات العراقية، حيث يرتفع احتمال تصادمه مع الميليشيات الطائفية، خصوصًا بعد انتهائه من حرب الموصل وما بعد «داعش»، وهي ميليشيات باتت تمثل المصالح الإيرانية في العراق، وتشكل ذراع طهران السياسية التي تتسلط من خلاله على القرار السيادي العراقي. لن يكون الساكن الجديد في البيت الأبيض مترددًا كأوباما، كما يعرف الجنرال ماتيس أنه أقل حذرًا في ردات فعله من زميله بترايوس، لذلك سيصعب على الجنرال قاسم سليماني التعامل معهما بالطريقة نفسها التي تعامل فيها مع أسلافهما، فماتيس لن تدفعه التحرشات الإيرانية إلى التراجع عن قراراته، ومن المرجح أن يرد على رسائل سليماني بالمثل وأكثر. فيما خسرت طهران كثيرًا من مصداقيتها ويشار إليها كأحد أهم عوامل عدم الاستقرار في العراق، تأتي زيارة ماتيس لبغداد في مرحلة أصبحت فيها واشنطن تشكل الضمانة للعرب السنة، ويتعمق تحالفها مع الأكراد ليصل إلى مستوى الشراكة، بينما تنقسم النخبة الشيعية بين خيار الدولة وخيار الميليشيات، فتصبح الفرصة متاحة أكثر أمام رئيس الوزراء حيدر العبادي وفريقه العسكري والأمني في اتخاذ خطوات جريئة وصعبة، تخرج العراق من التجاذبات الإقليمية وتعيده إلى موقع الاهتمام الدولي، إذا استطاعت الدولة العراقية ومؤسساتها الخروج بأقل الخسائر من المواجهة الإيرانية الأميركية المحتملة، التي سيكون العراق واحدًا من ساحاتها.

 

 

الخاتمة

مما تقدم يتبين للمتابع الدقيق أن التوصيف الأمثل للعلاقة ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية في العراق علاقة متأرجحة ما بين التفاهم والتعاون وصولا للتماهي…وما بين التنافس والتخاصم وصولا للتقاطع والتنافر… وهي بمجملها للمحلل المتابع تدور في فلك الاستراتيجية الأمريكية في إعطاء إيران موطن قدم في العراق راسخ مع تكريس كون العراق من الدول التي تشهد حكومات فاشلة طائفية فاشية نتجت عن حكمها حروب طائفية وتفجيرات دموية وتهجير مكون كامل وإحراجه كي تكون أمريكيا دوائه بعد أن كانت داءه. فتعود مرة أخرى لانقاذه بعد أن خرجت مسرعة كنتيجة طبيعية للخسائر الفادحة التي لحقت بها من جراء مقاومة هذا المكون لاحتلالها للعراق. في حين تبدوا إيران وجميع أتباعها الذين تعاقب حكمهم للعراق أنهم هم من تسبب بحرق العراق وتدميره ونهب خيراته وتسليمه للإرهاب بوجهيه التنظيمات الإرهابية داعش وأخواتها والميليشيات وعصاباتها الإجرامية. وهذه حقيقة الفعل الإيراني في الساحة العراقية التي وظفت الحتلال الأمريكي لتحقيق مصالحها من جهة، وكانت هي بذاتها أداة بيد الاستراتيجية الأمريكية من جهة ثانية. والضحية هو الشعب العراقي الجريح الذي قدم ما يزيد عن المليون شهيد ونزوح ثلاثة ملايين مواطن وتهجير أكثر من هذا الرقم عن بلاده، هذا فضلا عن الخراب الذي حل بالبلاد بعد العباد من تدمير وتخلف لعشرات السنين وهدر مليارات الدولارات كانت تكفي لبناء بلاد العالم العربي برمته وليس العراق فحسب. والأمل معقود بعد الله بنواصي العراقيين الشرفاء أن يستدكوا ما فاتهم في الوقوف بوجه العدوان الصارخ على بلادهم، والتعامل بحكمة مع أبناء شعبهم، وتفويت الفرص على المتصيدين في المياه العكرة، والنظر البعيد لمصالح العراق وفقا لنواميس الكون وضمن المتعارف عليه في العلاقات الدولية التي تجعل منه في مصاف الدول المتقدمة. وبعد ذاك تمضي العشر العجاف وترنوا عشر خفاف على العراق وشعبه الجريح على حد تعبير المحلل السياسي د. عمر عبد الستار إن صحت رؤيته بأن الدور القادم لأمريكيا تعمير ما خربته على يد إيران، وأخماد ما حرقته النيران، وعودة المهجرين، وارجاع النازحين، وتأجيل الانتخابات وتعديلها وفق المعايير الدولية المتعارف عليها، وبدأ صفحة جديدة تكون من خلالها أمريكيا ملاذ العراقيين الآمن بعد أن مسحت سوءتها بإيران. والتوصية الأساسية لهذا البحث هي تكرار آخر عبارة للدراسة… الفرصة متاحة أكثر أمام رئيس الوزراء حيدر العبادي وفريقه العسكري والأمني في اتخاذ خطوات جريئة وصعبة، تخرج العراق من التجاذبات الإقليمية وتعيده إلى موقع الاهتمام الدولي، إذا استطاعت الدولة العراقية ومؤسساتها الخروج بأقل الخسائر من المواجهة الإيرانية الأميركية المحتملة، التي سيكون العراق واحدًا من ساحاتها.

 

 

 

الهوامش والمصادر

 

 

2-ابن كثير، البداية والنهاية : 13/202

3-ينظر رياض الكفائي، الجيل الرابع من الحروب،http://alhorrriato.blogspot.com.tr/2017/05/blog-post_4.html .

4-درع الوطن، الجيل الرابع من الحروب …أبعاد وانعكاسات وتهديدات، مجالالجيللة عسكرية و اتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة في دولة الإمارات، http://www.nationshield.ae/home/details/files/الجيل-الرابع-من-الحروب#.WZ0w6rpuKUk .

5-المصدر نفسه.

6-إيهاب شوقي، الجيل الرابع من الحروب،2013،

http://www.anntv.tv/new/showsubject.aspx?id=78634 .

7-إبراهيم الشهابي، الجيل الخامس من الحروب(التفكيك الساخن)، 2015،

http://www.elbalad.news/1202868 .

8-نجلاء شمس الدين،  كونداليزا رايس صاحبة “الفوضى الخلاقة” تعترف بأن غزو بلادها للعراق وأفغانستان لم يكن من اجل نشر الديمقراطية.

https://beiruttime-lb.com .

9-ينظر https://www.dorar-aliraq.net/threads/329738 .

10-سياسة الفوضى الأمريكية، الأصول الفكرية والأبعاد الدولية والإقليمية، شبكة ضياء للمؤتمرات والدراسات، http://diae.net/14063 .

11-المصدر نفسه.

12-محاضرة ألقيت في معهد دراسات الأمن القومي في “إسرائيل”، المؤتمر السنوي لأمن نصف الأرض الغربي، فلسطين المحتلة،13/8/2012. https://www.youtube.com/watch?v=NflXhHWC-7Q .

13-د. ضياء الدين زاهر، رؤية مستقبلية,الحروب غير التكافأة,الجيل الرابع وما بعده،25/11/2014،  http://www.acrseg.org/21410 .

14-د. أيمن الهاشمي، ملف إعلامي عن التدخل الإيراني في العراق حقيقة أم وهم، http://mokarabat.com/s849.htm .

15-د. محمد العبيدي، التعاون الإيراني الأمريكي في إحتلال العراق حقائق دامغة، http://articles-to-read.blogspot.com.tr/2005/02/1_18.html .

16-مركز الأئمة، نقلا عن
Ilan Goldenberg, Jacob Stokes and Nicholas A. Heras, Slow Thaw Testing Possibilities for Cooperation with Iran After a Nuclear Deal (Washington, Center for a New American Security, January 2015).

عرض مُوجز لدراسة تحت عنوان: “ذوبان الجليد البطيء.. اختبار إمكانيات التعاون مع إيران بعد الاتفاق النووي”، والصادرة في يناير 2015 عن “مركز الأمن الأمريكي الجديد”، وهو مؤسسة بحثية أمريكية مستقلة تهدف إلى تطوير سياسات قوية وعملية في مجال الدفاع والأمن القومي.

http://al-aema.com/ . وينظر https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/ .

17-ينظر https://www.newiraqcenter.com .

18-ينظر سامية عبد الله، أسرار رفع إيران وحزب الله من قوائم الإرهاب الأمريكية، صحيفة الشؤون الخليجية، http://alkhaleejaffairs.org/c-.  وينظر: http://iswy.co/e. .

19-صلاح عبداللطيف، التدخل الإيراني في العراق,التأريخ والواقع والمستقبل ، https://www.ida2at.com/iranian-interference-in-iraq-history-and-the/

20-ينظر https://www.suhf.net/yemen/ .

21-الدستور العراقي، المادة 9، الفقرة ب.

22-شبكة أخبار العراق، خطة لتوأمة الحشد مع الحرس الثوري الإيراني،24/8/2017، http://aliraqnews.com .

23-علاقة حزب الله اللبناني بالعراق جاء صريحا على لسان حسن نصر الله في لقاء متلفز ذكر به بصراحة استنجاد القيادات العراقيه به لتزويده بمقاتلين قادة لهم خبرات وتجارب قتالية ميدانية، ويدل التخادم ما بين حزب الله وتنظيم داعش على صلة الطرفيين بإيران أضف إلى ذلك التصريحات والانتقادات الإيرانية التي تستهدف التحالف الدولي لقطعه الطريق على الحافلات التي تقل داعش بحماية حزب الله، ينظر د.عمر عبد الستار،الاتفاق القنبلة، مركز العراق الجديد، https://www.newiraqcenter.com/ .

24-مصطفى فحص، ماتيس في بغداد هل يقلم أظافر طهران، موقع المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة، 22/2/2017، https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/ .