عجز الاستبصار لمستقبل العراق

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
لقد وضع مؤرخوا السياسة العالمية ثلاثة شروط كمساعدة ناجحة لاي مستقبل للبلاد وهو التوصل الى فهم مشترك من قبل كل من الحكومة والشعب. اما الاخرى فان البلد يجب ان يدرك ان النظام أمر ضروري امام التهديد الخارجي او الداخلي الوشيك. اما العامل الثالث فيجب ان تكون هنالك مصداقية لهذا النظام سواء من حيث المبررات لقرارته ومصداقية لتنفيذه في الوقت المناسب. فاذا استوفيت هذه الشروط الثلاثة ، فان النظام لا يمكن له الا ان ينجح في اقناع السكان بعدم  مقاومته.
ولعل التحدي المتمثل في العراق يعد اليوم هو في اهم السياسات المتعلقة بشؤون الدفاع والسياسة الامنية في الدراسات الاستراتيجية التي تنشر على كافة الصعد لمراكز الابحاث والدراسات العالمية في هذا الوقت. وربما يكون “اختيار النصر على داعش” وخطط النجاح في العراق في تقارير فرق التخطيط العالمية وايجاد الهدف من التحول في السياسة العسكرية هو اهم سبب علني موجه ضد الوهم الذاتي والضعف، والتهديد للسلام اليوم الذي يواجهه العراق.
 فبعد ان فقدت الحكومة العراقية السلطة المعنوية وكانت مصداقيتها في الحضيض في الشرق الأوسط وفي العديد من البلدان في المنطقة بسبب عدم التوازن والانصاف في سياستها الخارجية تجاه هذه المنطقة.
يحق لنا هنا التساؤل عن ماهية هذه المعارك في العراق. فالعراقيين يجدون وحتى هذا اليوم صعوبة الفهم في جوهر هذه المعارك وهل تستحق كل هذه التضحيات والخسائر .
في بعض المؤسسات السياسية يصعب عليها فهم الاساس المنطقي وراء تبرير استمرار الحرب. فمنهم من وصفها بانها “حروب من أجل النفط ،” البعض سماها “الحروب الاستعمارية” واخرون اطلقوا عليها “الحروب بين الخير والشر” او ” الحرب ضد الارهاب” واليوم الحرب القادمة حرب الوطنية والوحدة “حرب الاكراد”.
ولكن ما هو واضح هو ان المخططين للحرب قد تجاوزوا طموحات التخلص من حكم السنة لبغداد. فكانت الايديولوجية المتقنة والتي كان معظم المخططين يتطلعون لاقامة نظام عالمي جديد وخريطة جديدة في الشرق الاوسط قد تجاوزوها ايضا.
        فأمريكا لم تقف من اجل الديمقراطية في الشرق الاوسط في الماضي ولا في الوقت الراهن في ظل هذه الإدارة او سواها، على الرغم من الخطب الرنانة لان العملية والنتائج والكلف لا يمكن التنبؤ بها لهذا البلد.
والديمقراطيات فى الشرق الاوسط تاريخيا ليست صديقة للولايات المتحدة على الاقل في البدايات وليس من الحكمة لواشنطن ان تدفع تكاليف هذا عاجلا وليس آجلا. فأمريكا هي أكثر اهتماما في التعامل مع النظام الاستبدادي في الكويت بدلا من الديموقراطية في تركيا اثناء هذا الصراع.
لقد جلبت الحروب والاحتلال للشعب العراقي وللشرق الاوسط الدمار وعدم الاستقرار والتدمير الواسع النطاق من الحرب المعلنة بدأ من نهب المتحف العراقى فى الايام الاولى للاحتلال الى ما امتد الى التدمير الكامل للمياه والكهرباء وأنظمة الصرف الصحي.
وملايين من العراقيين فقدوا بيوتهم وحياتهم ووظائفهم بين عشية وضحاها وان العديد من العراقيين وخاصة السنة منهم قد لقوا حتفهم بسبب العنف والتطهير العرقي الذي مورس ضدهم من قبل فرق الموت والذي وصل بحسب اخر الاحصائيات البريطانية الى مليون ومائتي الف قتيل خلال السنوات السابقة.
كما ان سياسة نقص الغذاء والرعاية الصحية والافتقار الى الكهرباء قد أصبح واقع الحياة. فالعراق اليوم ينتج 7000 ميغاوات من الكهرباء اليوم في حين ان حاجته اكثر من 15000 ميغا واط، وليس هناك أي امل في الحصول عليه في المستقبل المنظور.
اما العراقيون والذين شردوا داخل البلاد فيعانون من الفقر وسوء التغذية وانعدام شبكات الصرف الصحي، والوصول الى المرافق التعليمية والرعاية الصحية.
ومن هم خارج البلاد ومعظمهم من الذين فروا فيواجه معظمهم حاليا صعوبات مستعصية. فمفوضي لجنة الانقاذ والافراج الدولية توصلوا الى نتائج مهولة حول العراقيين في الخارج. ويصفون العراقيين المقيمين بانهم “الذين تعرضوا لصدمات حادة؛ حيث اسر وخطف ومورس بحقهم التعذيب أو قتل كثير من اعضاء تلك الاعداد الكبيرة من العائلات وهم يعانون اليوم من الخوف والقلق، والاكتئاب العميق.
ويشهدون ويواجهون اليوم مشاكل عملية منها تضاؤل الادخار، وعدم القدرة على تحمل تكاليف الحياة او الاسكان، وتوفر الرعاية الصحية المحدودة والقليلة او العدمية ومن أي طرق قانونية لكسب المال…. وكثير منهم يعانون ايضا بسبب الخوف من مخاطر الوضع القانوني من حيث الاقامات او في ارسال أبنائهم الى المدارس.
اما مخاطرالاستغلال والاعتداء الجنسي على النساء والاطفال فهو نوع اخر من المعاناة التي تواجه العراقيين في خارج بلادهم، والاسوأ من ذلك ، يرى الكثيرون ان لا مستقبل لهم ولا لاولادهم، وبأن حياتهم وحياة أطفالهم هي ميئوس منها.
كذلك خلصت تقارير الامم المتحدة الى ان “الولايات المتحدة لم تبد اي اهتمام بشؤون اللاجئين التي سببها الاحتلال؛ وان هذه المشكلة تسببت في ضوء حقيقة ان امريكا قد تخلت عن مسؤوليتها بشكل صارخ تجاه المدنيين الذين يقعون ضحايا للصراع.
اذن فليس من الصعب ان نفهم كيف ينظر العراقيين الى الحروب والى ما يريدونه. فالعالم قد تجاهل كليا الرأي العام العراقي في هذه الصراعات.
وفي النهاية يتولد قدرا كبيرا من التأمل في مسار الحروب حتى الآن وتكرار لخططها وبكيفية التعامل مع الحروب الدائرة والخطط الحالية والمستقبلية للعراق اكثر من التعرف الى اسباب تلك الحرب او تلك والدوافع والكذب الذي مورس من قبل الحكومات التعاقبة على البلد لتبرير قرارات خاطئة.