السعي لقيام الدولة الكوردية في العراق وتداعياته على الداخل ودول الجوار (تركيا أنموذجا)

د. عبد الناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
مقدمة
يعد الاستفاء الذي أجري في 25/9/2017 انعطافة تأريخية كبيرة في الساحة السياسية والجغرافية العراقية، فقبول مجموع الشعب الكردي في أقليم كردستان العراق على الإنفصال بنسبة تزيد عن 92% وبمعدل مشاركة تتجاوز 72% يعد تحولا كبيرا للبوصلة الكوردية من مشاركة العرب في دولة المكونات باتجاه حق تقرير المصير وتحقيق حلم الكورد في الشرق الأوسط بعيدا عن الدولة العراقية التي ضمتهم لعقود طويلة من السنين. فمالذي حدى بالكورد خوض غمار مغامرة محفوفة بالمخاطر ولها ما بعدها…في هذه الدراسة سنحاول رصد تداعيات الاستفتاء والانفصال إذا ما وقع على واقع الكورد ومحيطهم العراقي والإقليمي بإختيار تركيا أنموذجا.
مشكلة البحث
  • هل عناد الكورد في إجراء الاستفتاء رغم كل الضغوط المحلية والأقليمية والدولية نتيجة رؤية واضحة المعالم ترنو نحو الاستقلال وتحقيق حلمهم؟؟ أم هو يبقى خيارا مفتوحا وفي الإمكان التراجع عنه إذا ما كان البديل والعوض مقنع؟؟
  • هل سينجح الكورد في المضي بتكوين دولتهم رغم التهديدات المحلية والأقليمية كافة؟ وإن كانت الجواب إيجابي فهل سيتجاوز الكورد الحصار الخانق الذي في الإمكان فرضه من قبل الحكومة المركزية ودول الجوار خاصة الثالوث المؤرق للكورد إيران وتركيا وسوريا؟؟
  • هل هناك ضمانات دولية باسناد الكورد في خطوتهم للإنفصال خاصة من أمريكيا وأوربا أم أن المصالح الدولية لا زالت مرتبطة ببغداد؟؟وبالتالي هل يترك الكورد لوحدهم أمام العاصفة أم هناك من يستطيع أن يسندهم ويفشل الحصار؟؟
  • هل سيؤدي قيام الدولة الكوردية في شمال العراق إلى زعزعة الأمن في البلد وسيدخل الكورد في حروب لا قبل لهم بها؟؟ أم سيفضي إلى تجاوز الفشل بعد أن علم الجميع أن السياسة الطائفية الخاطئة الإقصائية للحكومة الاتحادية هي التي دفعتهم لذلك؟؟ هل سيمضي العرب السنة على خطاهم في إقامة أقليم ومن بعدها ممكن أن ينفصل إذا ما نجحت التجربة؟؟
فرضيات البحث
  • يعد أقليم كردستان في شمال العراق نظام يمتلك جميع مقومات الدولة وظل مستفيدا من النظام العراق لعقد من الزمن بعد الاحتلال وتحمل تبعات فساد وفشل حكومة المركز إلا أنه في السنوات الأربع الأخيرة تعد إشكالاته ” الميزانية، رواتب البيشمركة، النفط، المناطق التنازع عليها، تعطيل الدستور….وغيرها” مع الحكومة الاتحادية كبيرة، وعجزت الحكومة الاتحادية من احتوائها مما حدى به إلى التقدم نحو حلمه في الاستقلال. الأمر الوحيد الذي يثنيه عن عزمه حل هذه الاشكالات وتعويض خسارته للسنوات الماضية وبضمانات دولية حقيقية.
  • يعد أقليم كردستان المنطقة العراقية الوحيدة التي حققت أمنا وازدهارا على حساب بقية المحافظات المتخلفة الأخرى، لذا حثت هذه التجربة التي مرت بمخاض عسير في بدايتها على رفع سقف حلم الكورد في إمكانية ولادة دولتهم حتى لو كانت ولادة قيصرية، مع اعتبار الفشل الذريع الذي باءت به الحكومات الطائفية المتعاقبة على حكم العراق وسلمته من نار إلى نيران أخرى. ومع تصاعد نبرة المركز الطائفية وارتمائها يوما بعد يوم في أحضان إيران أيقن الكورد بأن الفرصة مؤاتية وأنهم سيعذرون لكونهم سيبررون الاستقلال بتطرف وطائفية وفشل الحكومات العراقية التي قادها التحالف الوطني الإقصائي.
  • أن الكورد ومنذ العقد الأخير من القرن العشرين يسعون للوصول إلى قيام دولة لهم لذا كانت تحالفاتهم مع أمريكيا استراتيجية حتى بات الأمريكان المدافع الأكبر عن منطقة كردستان أقليما كان أم تحقق الحلم فأصبحت دولة، كما أن مسعود وحزبه استطاع وبما يزيد عن ربع قرن أن يثبت أن الأقليم عامل مساعد على تحقيق الأمن وصمام أمان بالنسبة للجارة تركيا وارتبط مع تركيا بعلاقات وطيدة وله خبرة برجاحة عقل النظام في تركيا، لذا ففي حساباتها في الإمكان إعادة هذه العلاقة خاصة إذا ما أثبت للكورد الأتراك أن قياسهم مع كورد العراق قياس مع الفارق، لكون تركيا تحكم بحكم رشيد ودولة ديمقراطية على وجه الحقيقة وهناك عزم على حل المسألة وفق رؤية الحزب الحاكم في تركيا خاصة إذا ما أصبح النظام فيها رئاسي، فرجب طيب أردغان بحكمته يستطيع استيعاب المعارضين الكورد وأن يشركهم في الحياة السياسية وهم مواطنون من الدرجة الأولى ولا هم له في مناطقهم سوى خدمتها، خلافا للرؤية الإقصائية لنظام الحكم في العراق.
  • يعي الكورد أن خطوتهم هذه ستبارك من عموم العرب السنة في الداخل من الذين لا يدينون بالولاء لإيران، هذا فضلا عن وجود مئات الآلاف من العرب السنة مقيمون في كردستان وسيكونوا حليفا ومدافعا عن الأقليم بقدر الكورد وقد يزيد لكون جموعهم فارين من الاستهداف الطائفي لميليشيات إيران، وإن رجعوهم إلى محافظاتهم يعد انتحارا. وقد تشجع التجربة الناجحة للأقليم كوردستان العراق تكوين أقليما للعرب السنة، أو قد يدفعهم إلى التحالف مع الدولة الكوردية وضم المحافظات العربية السنية لها خاصة إذا ما أقدم الحشد الطائفي على مغامرة لا تحمد عقباها في الهجوم على الأقليم.
أولا؛ ما الذي دفع الكورد لهذا الإنفصال.
      إن الكورد مكون أساسي شارك في صناعة الحياة السياسية في العراق خاصة إذا ما علمنا أنه حليف قوي للولايات المتحدة الأمريكية التي احتلت العراق وغيرته من حكم شمولي إلى نظام ديمقراطي وفق رؤيتها، وهي التي كرست الطائفية وأقامت دولة المكونات فيه، وهي دفعت الجميع لكتابة الدستور في عام 2005 وحثتهم على قبوله وفعلا تم الاستفتاء عليه ومرر بعد ملاحظات كانت للعرب السنة عليه. يقول روبرت فورد(1) كنت رئيس المكتب السياسي في السفارة الأميركية في بغداد عام 2005 أثناء المفاوضات الطويلة والشاقة بين القادة السياسيين العراقيين في شأن الدستور العراقي. وتركزت تلك المفاوضات على مسائل مثل اللامركزية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان وصلاحيات السلطة التنفيذية والتشريعية والمؤسسات القضائية. وكثيراً ما بلغت المفاوضات طرقاً مسدودة، وتحتم على كبار القادة العراقيين، أمثال مسعود بارزاني، وجلال طالباني، وطارق هاشمي، وعبد العزيز الحكيم، وإبراهيم الجعفري الالتقاء على هامش المفاوضات لتقديم تنازلات عسيرة. وكان الجانب الأميركي يحض بارزاني على قبول التنازلات وأن كردستان العراق جزء لا يتجزأ من العراق الفيدرالي. وبارزاني من المفاوضين القساة، فلقد عانت أسرته وشعبه كثيراً في العراق «البعثي» إبان حكم صدام حسين. وقال لنا في نهاية المطاف وبكل وضوح في عام 2005: «إذا ما احترمت الحكومة المركزية في بغداد الدستور الجديد، ستظل حكومة الأكراد الإقليمية جزءاً من دولة العراق». ولقد كان شديد الوضوح فيما يتعلق بالاتفاق المشروط في عام 2005. وبعد مرور اثني عشر عاماً، لم يحترم المسؤولون العراقيون الالتزامات الأساسية في الدستور العراقي. ولم يصادق البرلمان العراقي، الذي يضم أغلبية من الأحزاب الإسلامية الشيعية، قانوناً بشأن إنشاء مجلس آخر في البرلمان يمثل المحافظات والأقاليم (كما هو مطلوب بموجب المادة 65 من الدستور). كما لم تمرر الحك                    ومة في بغداد قانوناً لإنشاء المحكمة العليا الوطنية (بموجب المادة 92 من الدستور)، ولا قانوناً في شأن تنظيم أجهزة الاستخبارات الوطنية (حسب اقتضاء المادة 84 من الدستور). كما نص الدستور العراقي كذلك، في المادة 80 منه، على ضرورة موافقة مجلس النواب على تعيين كبار ضباط الجيش. وفي واقع الأمر يأمر رؤساء الوزراء بتعيين كبار قادة الجيش من دون موافقة مجلس النواب العراقي. ويحظر الدستور العراقي أيضاً (في المادة التاسعة من الدستور) تشكيل الميليشيات المسلحة، لكن الحكومة العراقية تسدد رواتب ميليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية، وفي أغلب الأحيان ما تكون لتلك الميليشيات توجهات سياسية، كما أنها تعتبر انتهاكاً صريحاً للمادة التاسعة من الدستور. ومن المثير للاهتمام، في هذا الصدد، ملاحظة حصول الأكراد على الاعتراف في مفاوضات عام 2005 بشأن قوات الأمن الكردية، المعروفة باسم قوات البيشمركة، ذلك بموجب البند الخامس من المادة 121 من الدستور العراقي. ويحمل النزاع النفطي بين بغداد وأربيل تعقيدات قانونية وسياسية عسيرة وعميقة. وتنص المادة 112 من الدستور العراقي على منح كلا الطرفين دوراً في هذا المجال، بيد أنهما لم يتفاوضا حتى الآن بشأن كيفية إدارة قطاع النفط المتنازع عليه. وأذكر أيضاً حالة القلق التي انتابت الزعماء السياسيين الأكراد في عام 2005؛ لأن حكومة بغداد، تحت رئاسة الجعفري والبرلمان بأغلبيته الشيعية، لم يحترما الالتزامات الدستورية المتفق عليها. وتعهدت الحكومة الأميركية بالمساعدة في ضمان احترام الدستور العراقي. وقلنا آنذاك، على سبيل المثال، إننا سنساعد الجانب العراقي في إيجاد طريقة لحل مسألة الأقاليم المتنازع عليها ومسألة محافظة كركوك، وفق المادة 140 من الدستور العراقي التي تنص على إجراء استفتاء شعبي في الأقاليم المتنازع عليها بحلول عام 2007، لكن ذلك الاستفتاء لم يعقد قط.
  صحيح أن عموم الكورد يحلمون في ولادة وطن قومي لهم على غرار البلاد التي أنشئت لأسباب قومية كالبلاد العربية وغيرها، إلا أنهم في الساحة العراقية عنصر فاعل ومستفيد من الشراكة خاصة إذا ما رصدنا قلة موارد كردستان النفطية قياسا بموارد العراق وكون العراق بلد نفطي غني بموارد طبيعية كالنفط والغاز والفوسفات وغيرها. وظل النواب الكورد بيضة القبان بالنسبة للتنافسات السياسية خاصة في مفاوضات تشكيل الحكومات، وتراكمت لهم خبرة سياسية كبيرة تجعلهم أكثر حنكة من أن يقدمون على عمل دون حسابات دقيقة. يقول الكاتب الكوردي شيركوة حسن؛ (2)  في عهد النظام السابق كان هناك تقارب كوردي شيعي وخاصة في مراحل تشكل المعارضة العراقية بعد 1991 امتد إلى بداية تشكل العهد الجديد في العراق إلا انه تلقى فيما بعد تحديات جمة نتيجة استئثار السياسيين الشيعة في الحكومات المتعاقبة بالسلطة والتفرد باتخاذ القرارات لا بل وصل إلى القفز فوق الاستحقاقات الدستورية والانتقائية في تطبيق موادها وتجاهل المادة 140 من الدستور وعدم تطبيق قانون النفط والغاز إضافة إلى جملة إجراءات تعسفية منها قطع ميزانية الإقليم المالية ورواتب الموظفين واستحقاقات البيشمركة المالية والعسكرية والارتكاز على الطائفية السياسية في التعامل وإلغاء الشراكة السياسية المبنية بالتوافقات السياسية على أساس المصالح والاستحقاقات المجتمعية للمكونات المؤتلفة للمجتمع العراقي كل هذه العوامل إضافة إلى عوامل أخرى داخلية دفعت بالقيادة الكوردستانية التي توجست الخوف من مستقبل العملية في العراق البحث عن البدائل المتاحة للحفاظ على مكتسبات شعب كوردستان واستحقاقاته فكان قرار الاستفتاء على استقلال الإقليم وفق مبدأ حق تقرير المصير.
هل سيتمكن الكورد وسط هذا الضغط الكبير محليا ودوليا من تحقيق حلمهم الذي يراودهم طيلة عقود طويلة من الزمن، فمنذ انتهاء الدولة العثمانية التي كانت لا تميز بين قوميات مواطنيها باعتبارها آخر نظام إسلامي حكم العالم ولمدة تزيد عن ستة قرون من الزمن عاش الكورد في أكنافها من غير تميز ولا اضطهاد بل كانوا يتمتعون بما يتمتع به جل مواطني الدولة العثمانية. وبعد أفول نجم الدولة العثمانية تأثر الشرق الأوسط بأوربا التي أنشئت الدول على أساس قومي كما في معادة وستفاليا، فتكونت تركيا واتسمت بالطورانية، وتكونت الدول العربية على أساس قومي وجغرافي. ولم يكن من نصيب الكورد وجود أي دولة خاصة بهم، ورصدت محاولات لتكوين الدولة الكوردية إلا أنها لم تستمر ولم يكتب لها النجاح كما هو الحال مع محمود الحفيد في العراق وهناك من رصد سبعة محاولات لتكوين الدولة الكوردية جميعها باءت بالفشل وقتل من دعا بها(3). تقول الباحثة الكوردية سوزان إبراهيم حاجي أمين في رسالة الماجستير (4) وحسب ما يذهب إليه الباحثون والمستشرقون؛ أن المسألة الكوردية هي في واقع الأمر الأكثر قدماً في النشأة موضوعياً بوصفها مقولة تاريخية وتحتاج الى جواب محدد  أي الى حل في العصر الوسيط عندما اعلنت الامارات الكوردية التي ظهرت وللمرة الاولى على مسرح الشرق الاوسط عن حقها في كيان له سيادته، ومنذ ذلك الحين أصبحت المسألة الكوردية عاملاً حيوياً في الحياة السياسة لتلك الدول الواقعة في المنطقة الغربية والتي يعيش الكورد فيها، وبمرور الوقت لعبت المسألة الكوردية دوراً مختلفاً تحت تأثير الأحداث السياسية العاصفة الجارية في المنطقة، إذ تغير مضمونها، وبرزت جوانبها المختلفة في المقام الأول، لكن نضال الشعب الكوردي في سبيل الحرية والاستقلال كان محورها دائماً… فبعد انهيار الامبراطورية العثمانية لم يتم تأسيس مستعمرة بريطانية في كوردستان، اي لم يتم استعمار كوردستان. “وقد جرى تقسيم الأمة الكوردية وكل ما يمت بصلة الى الكورد وكوردستان ريثما تختفي لغتهم من بين اللغات ويندثر تاريخهم وهذا توقع عام للتقسيم، وهكذا وضع جزء من كوردستان تحت نفوذ الدولة التركية وأُلحق جزء آخر بالدولة العراقية المنتدبة تحت الوصاية البريطانية وجزء ثالث بسورية الخاضعة للإنتداب الفرنسي، أما الجزء الرابع الذي بقى خاضعاً للهيمنة الفارسية منذ القرن السابع عشر للميلاد (1639).
    وبعد هذا التأريخ الطويل من السعي لقيام دولة كوردية هل سينجح المكون الكوردي بقيادة البرزاني من تحقيق الحلم بعد الاستفتاء وما نتج عنه، مع اعتبارنا للخلافات التي تطال الوسط الكوردي فضلا عن الضغوطات التي يتعرض لها من الخارج. للجواب على ذلك يتعين أن نثبت حقيقة قد لا يختلف فيها إثنان فالكورد دخلوا في صراع كبير مسلح بينهم في العقد الأخير من القرن الماضي، ولا زالت الخلافات البينية مستمرة لكن جل هذه الخلافات لا تمس حلمهم.. علمانيهم، وإسلاميهم، وملحدهم، ومتدينهم، جميعهم يستشعون وجودهم تحت حكم العرب أو الفرس أو الترك هو لون من ألوان التبعية والعبودية…لذلك موافهم على تباينهم تجاه الآخر في العراق مواقف واحدة تقريبا وجهودهم السياسية الاتحادية متقاربة ويشكلون فريق عمل قوي حتى لو كان غير منسجما أيديولوجيا… باشادة امريكية(5) جديدة لحلفائها في الشرق الاوسط الجدد قالت كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش إن الكورد هم أكثر كفاءة وتماسكا من غيرهم في العراق. إشادة رايس بالكورد جاءت على هامش تطرقها لوضع العراق في كتابها الجديد تحت عنوان “الديمقراطية: قصص من الطريق الطويل إلى الحرية”. وتقول رايس في كتابها، في إشارة إلى إقليم كوردستان، إن الكورد اظهروا أنفسهم بأنهم أكثر فعالية ومهارة في إدارة شؤونهم مقارنة بباقي مناطق العراق. وقالت “كشعب.. عانى (الكورد) منذ فترة طويلة من التمييز والاضطهاد على يد العرب وغيرهم، وحلموا بوجود كوردستان مستقلة ، وكانوا أقرب إلى تحقيق ذلك الطموح في العراق. وأصبح إقليم كوردستان كيانا يتمتع بالحكم الذاتي داخل العراق بعد حرب الخليج عام 1991. وبعد الإطاحة بصدام حسين عام 2003 عمل الكورد بكفاءة وباتت البنية التحتية في الإقليم أفضل مما هو الحال بالنسبة للعديد من مدن العراق. وفضلا عن ذلك، تقول رايس في كتابها إن الكورد أكثر المكونات كفاءة وانسجاما في عراق ما بعد صدام حسين. لكن كفاءة الكورد جعلت سياسة البلاد أكثر تعقيدا. ولماذا يجب أن تتسبب كفاءة الكورد في تعميق مشاكل العراق؟ وعلى نحو عام، فان الافتقار إلى المهارات في البلدان النامية هو مصدر المشاكل، في الوقت الذي تبذل الولايات المتحدة فيه جهدا كبيرا لحلحلة تلك المشكلات من خلال برامج بناء القدرات. وتشير رايس إلى أن كفاءة الكورد قد تعقد الوضع في العراق بسبب سياسة العراق الواحد التي التزمت بها الولايات المتحدة والقوى الأخرى. ومضت تقول إن المجتمع الدولي متحد من وجهة النظر القائلة إن العراق يجب أن يكون دولة موحدة وموحدة. وأشارت إلى أن الحفاظ على وحدة العراق يعني إخضاع الجهة الأكثر كفاءة في اربيل بإقليم كوردستان إلى الطرف الأقل كفاءة في بغداد. هذه شهادة من خبيرة دولية قد نتحفظ على رؤيتها للموضوع باعتبار خلفيتها التي أساءت للعراق وأهله لكنها بالضرورة تعكس واقعا مؤيد على الأرض ولجميع المراقبين فليس في الإمكان قياس محافظات العراق الغير خاضعة لأقليم كردستان بمحافظات أقليم كردستان كمؤشر للأداء لساسيي الطرفين. لذا فمن المتوقع أن يكون اتجاه الكورد الجديد قد أسقط ما في أيدي سياسيي الحكومة الاتحادية بما يشي لربما بتفوقهم مستقبلا بالمعركة الدبلوماسية وتقديم مقدمات مقبولة في المجتمع الدولي لمخرج دولتهم المنشودة.
ثانيا؛ الواقع الاتحادي للحكومة العراقية ودوره في دفع الكورد للإنفصال.
 لو رصدنا الأداء الحكومي على مستوى السلطات الثلاث؛ التنفيذية ممثلة بالحكومة، والتشريعية ممثلة بالبرلمان، والقضائية ممثلة بمجلس القضاء الأعلى وبقية المحاكم، لوجدنا هذا الأداء من السوء بمكان بما يجعل العراق يسير نحو الهاوية. فالحكومة ممثلة برئيس مجلس الوزراء والوزراء بغالبيتهم على مدى الحكومات المتعاقبة تسير من فشل إلى فشل أكبر منه، فلم يقم أي رئيس لمجلس الوزراء وعلى مدى سنوات ما بعد الاحتلال بانجازات حقيقية توفر الأمن والاستقرار وتؤمن الخدمات الأساسية بحدودها الدنيا للمحافظات غير المرتبطة بأقليم، بل غالب الأداء يسير وفق مخطط أجنبي لاستهداف مكون كامل وتهميش وإقصاء نخبه كافة، ومعاقبة مئات الآلاف من أبنائه بدون وجه حق، فتجد المعتقلات والسجون تعج بهم لا لجريرة إرتكبوها بل بسبب أوامر تلقاها أصحاب القرار الأمني، فمؤسسات الدولة سُخرت لخدمة أهواء ومطالب قوى خارجية ووفق أجندات مشبوهة. ولم يكن هم الحكومات والمتنفذين بها إلا أمر واحد هو الحفاظ على المكتسبات الطائفية في العراق والهيمنة المطلقة على القرار فيه، ومن ثمة تنفيذ المخطط الطائفي الذي يستهدف البلد، وهو مؤشر خطير يتعرض له البلد من الاحتلال وليومنا هذا ويمضي على قدم وساق وليس في الإمكان استدراكه او التصدي له بالظروف الموضوعية التي تحيط بالقضية العراقية ضمن الوقت الحالي، وهذا التوجه يقرأه الكورد قراءة صحيحة فالمحطة الأولى استهداف العرب السنة وبعد الإنتهاء منهم لابد من التوجه نحوهم، وهو ما لاحت بوادره في السنوات الأربعة الأخيرة بعد أن تم اقصاء العرب السنة من المشهد بشكل كبير ولم يبقى لهم إلا ديكورات تجمل العملية السياسية. حتى بعد القيام بالاستفتاء تجري المفاوضات مع التحالف الوطني فحسب،  فلم يدع أحد من العرب السنة لذلك استهجنت الكتلة النيابية لتحالف القوى العراقية الموضوع بشكل رسمي(6) فقد أعربت الكتلة النيابية لتحالف القوى العراقية، الأحد، عن استغرابها من استبعاد العرب السنة وعدم دعوتهم لحضور المفاوضات التي أجراها وفد اقليم كردستان خلال زيارته لبغداد بشان الاستفتاء المزمع اجراؤه، يوم غد الإثنين، وقال رئيس الكتلة النائب صلاح مزاحم الجبوري، في بيان تلقت /موازين نيوز/ نسخة منه، إن “اجتماع الوفد مع قيادات التحالف الوطني حصرا وفي مقره مع استبعاد واضح لشريك اساسي في العملية السياسية الا وهم العرب السنة يؤشر خللا في الرؤية وقصور واضح في تناول هذا الملف المهم والخطير ويدفع بالتكهن بعدم حسن النية لان هذا الموضوع وطني وحيوي في المقام الاول ويهم جميع ابناء الشعب العراقي على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم ويهم السنة بشكل خاص فيما يتعلق بالمناطق المتنازع عليها تحديدا (7). مع اعتبار أن التماس مع الأخوة الكورد في المناطق المتنازع عليها هو مع العرب السنة حصرا وأن المحافظات العربية السنية هي التي تحاذي أقليم كردستان العراق في حدوده التي تتجاوز 1800كم .
لم يستشعر العرب السنة هذا الظلم والحيف من الحكومات الطائفية التي حكمته فحسب بل المكون الكوردي أيضا له مخاوفه وهذه المخاوف ممتدة في أعماق الزمن، يقول نزهت حالي مدير وكالة حماية كردستان (8) أن الدولة العراقية على مر التاريخ لم تقم بواجبها الأساسي والذي هو حماية مواطنيها، بل كانت باستمرار تشكل تهديدا رئيسيا على مواطنيها وبالأخص على شعب كوردستان، شعبنا على مر تأسيس هذه الدولة جرب كل طرق التعايش مع الحكومات المتعاقبة وجميع أنواع الحكم مثل نظام الولايات في العصر العثماني،  والانتداب البريطاني، والملكي، والجمهوري، وأيضاً الحكم الدكتاتوري، وفي الآونة الأخيرة جرب النظام الديمقراطي. وقد أجري العديد من المفاوضات والاتفاقيات مع الحكومات المتعاقبة، ولكن لم ينفذ أياً منها. ففي أي وقت تصبح الحكومة المركزية قوية كانت تهاجم كوردستان حتى في بعض الأوقات اتفقت مع الدول الأخرى على محاربة الكرد، مثلاً: في سنة 1963 اتفقت مع الحكومة السورية وهجموا على كوردستان، وفي سنة1975 اتفق العراق مع شاه إيران ضد الثورة المشروعة لشعب كوردستان بدلاً من أن يأتوا ويعطوا حقوقنا.
وإذا كانت دولة لم تنفذ الدستور عبر14 سنة، ودولة قد قطعت ميزانية إقليم كوردستان، وحكم فاشل أسهم بظهور ونمو الإرهاب وولادة منظمة ارهابية كداعش وأكثر المتضررين منه هو شعب كوردستان، إذ أصبحت نسائه سبايا تباع في أسواق الموصل والرقة وحتى الآن زهاء 1778استشهد من البيشمركة في الحرب ضد هذه المنظمة الارهابية العالمية وجرح 10157 بيشمركة وحتى الآن هناك من يفكر في حكومة الأغلبية وتقوية المركز وتزداد طائفيتها يوما بعد يوم، فهل هناك فرصة للبقاء في هذه الدولة؟ وهذه المنطقة دائماً كانت مليئة بالمشاكل ومشاكلها لن تحل ولا تنتهي قريباً، لذلك لا نستطيع انتظار المستقبل ومصير مجهول. وأيضاً استقلال كوردستان سيكون مدخلاً لحل كثير من المشاكل والعقبات التي تواجه العراق والمنطقة، وكوردستان تستطيع أن تلعب دوراً في استقرار المنطقة.
      و الاستفتاء الذي أقيم على الرغم من كونه واجه ضغوطا غير مسبوقة وتهديدا من أكبر لاعبين في الشرق الأوسط عامة والعراق خاصة فقبل الاستفتاء بذلت جهود حثيثة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لتني القيادة الكوردية عن إجرائه لكنه كانت دون جدوى.. ذكر موقع “المونيتور”(9) الأمريكي أن عسكريين ودبلوماسيين من إيران وأمريكا يبذلون قصارى جهدهم لإقناع أكراد العراق بالتراجع عن استفتاء الاستقلال، وصولا إلى إطلاق تحذيرات شديدة اللهجة. ونقل الموقع عن مصادر كردية أن قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني وبريت ماكغورك، مبعوث الرئيس الأمريكي لشؤون التحالف الدولي، قاما كل على حدة، بجولات مكوكية عدة بين بغداد وأربيل والسليمانية الأسبوع الماضي، في محاولة لإيجاد صيغة لاتفاق يرضي جميع الأطراف ويلغي الاستفتاء. وذكر مصدر مطلع في تصريح للموقع أن الإيرانيين والأمريكيين يتفقون في مواقفهم حول الاستفتاء، ويؤكدون للأكراد أنه لا يجوز أن يجري.
كما نقل الموقع عن مصدر مقرب من الاتحاد الوطني الكردستاني، أن قاسم سليماني خلال زيارته لكردستان، ذكر لقيادات الاتحاد المقربة من طهران، أن “إيران منعت حتى الآن الحشد الشعبي من شن هجوم”،  مضيفا: “لن أهتم بهذا الموضوع بعد الآن”. ونقل المصدر عن سليماني قوله: “انظروا إلى مندلي وما حدث هناك، إنه مجرد بداية”، في إشارة إلى وصول أكثر من 100 عنصر من الحشد الشعبي إلى مدينة مندلي، المتنازع عليها في محافظة ديالي، حيث أجبروا الرئيس الكردي للمجلس المحلي على الاستقالة، وأعلنوا أن البلدة لن تشارك في الاستفتاء. وجاء هذا الحدث بعد مرور 3 أيام على صدور تحذير من هادي العامري، قائد منظمة بدر بأن العراق يجب أن يبقى موحدا، وأن استفتاء كردستان قد يؤدي لحرب أهلية. وأكد الموقع أن إيران وأمريكا ترسلان، رسائل متشابهة، لكن الدوافع وراء مواقفهما مختلفة. وأوضح أنه في الوقت الذي تخشى فيه واشنطن من أن الاستفتاء سيضعف مواقف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قبيل الانتخابات القادمة في إبريل/نيسان عام 2018، ما سيفتح الطريق أمام تعزز مواقع أنصار إيران، تعتبر طهران أن الاستفتاء ليس إلا خدعة أمريكية إسرائيلية لزعزعة الاستقرار وخلق خطر جديد على أمن إيران عن طريق التأثير على السكان الأكراد في الأراضي الإيرانية الذين يبلغ عددهم نحو 8 ملايين نسمة. بهذا الاستقواء تواجه حكومة بغداد الاتحادية استفتاء أقليم كردستان، مع اعتبار كون الكورد حلفاء تأريخيون لأمريكيا وكون أقليم كردستان نموذج أمريكي بامتياز قد لا تسمح أمريكيا باجتياح الأقليم من قبل الحشد لكنها وفق المعطيات الأخيرة قد لا تمنع العقوبات التي ستتعرض لها من قبل الحكومة الاتحادية ودول الجوار خاصة تركيا وإيران, وسيعمل الثلاثة”إيران تركيا حكومة بغداد” على إجراء مزيد من العقوبات التي من شأنها التضييق على حكومة الأقليم لثنيها عن المضي باتجاه الإنفصال والموضوع بجملته تحريضي من حكومة بغداد التي طلبت بشكل رسمي من تركيا وإيران إغلاق منافذهما مع الأقليم. فقد طالب العراق رسمياً من تركيا وإيران بغلق المنافذ الحدودية وايقاف جميع التعاملات التجارية وإيقاف تجارة النفط مع كردستان.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية العراقية، أحمد محجوب (10) في بيان “تؤكد وزارة الخارجية العراقية انها قامت بتقديم مذكرة رسمية لسفارتي كل من تركيا وايران في بغداد قبل اكثر من اسبوع تضمنت طلباً رسمياً للحكومة العراقية من الدولتين الصديقتين. وبين محجوب ان الطلب تضمن ان يكون “التعامل مع الحكومة الاتحادية حصراً بما يتعلق بالمنافذ الحدودية وغلق جميع المنافذ مع هاتين الدولتين لحين تسلم ادارتها من قبل الحكومة الاتحادية. وأضاف كما يتضمن “إيقاف كل التعاملات التجارية وبالخصوص التي تتعلق بتصدير النفط وبيعه مع اقليم كردستان وان يتم التعامل في هذا الملف مع الحكومة العراقية الاتحادية حصراً. وأشار محجوب الى ان “الحكومة العراقية تعمل مع الجانبين التركي والايراني للتعاون بتنفيذ الاجراءات التي اتخذتها لإنفاذ الدستور والقانون وان تتعاملا مع السلطات الاتحادية العراقية وفقاً لمبادئ حسن الجوار واحترام السيادة العراقية وتعزيز التعاون الثنائي، ومواجهة المخاطر المشتركة.
 اللهجة التصعيدية للحكومة الاتحادية ولغة التهديد لن تثني الكورد عن سعيهم نحو الاستقلال وتؤكد المخاوف التي ترتب عليها هذا التوجه، كان أحرى بالحكومة توخي الحكمة فبدلا من معاقبة شعب كامل والتضييق عليه. كان في إمكانها اقناع القيادات من خلال الإيفاء بالتزاماتها وحل إشكالاتها بالحوار والتفاهم لا بالاستقواء بالآخرين، خاصة إذا ما علمنا أن أكثر شخصية صعدت باتجاه الكورد هو السيد نوري المالكي رئيس الوزراء السابق ونائب رئيس الجمهورية الحالي، والغريب بالموضوع كما تشير مصادر عراقية متعدّدة إلى وجود اتفاق مكتوب بين رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي زعيم حزب الدعوة الإسلامية الذي يشغل حاليا منصب نائب لرئيس الجمهورية “يقضي بتقاسم القرار في العراق وتقسيم البلاد”، بحسب وزير النقل السابق والقيادي في المجلس الأعلى الإسلامي باقر صولاغ الذي أكّد أنّه اطّلع على الاتفاق مكتوبا بخط يد المالكي ذاته.(11)
بعد أن عملت على خراب العراق وتهجير أهله خاصة في محافظات العرب السنة. فبدلا من تجويع شعب يستضيف مئات الآلاف من العرب السنة التي هجرتهم ميليشيات إجرامية ومنظمات إرهابية كان أحرى بالحكومة أن تراع العقل والمنطق وأن تصبر على الكورد خاصة إذا ما علمنا أن الاستفتاء لا يعني بالضرورة الذهاب إلى خيار الانفصال بل في الإمكان الاستدراك ببدائل تطمئن مكونات الشعب العراقي وبمراجعة السياسات التي حدت بالكورد بالذهاب لهذا الخيار.

ثالثا؛ القضية الكوردية وتداعياتها مع تركيا

   تعد تركيا الدولة التي تضم أكبر جالية كوردية على أراضيها فتقدير نسبتهم للشعب التركي يتراوح ما بين 15-18% من مجموع الشعب التركي(12) ويعود وجود القومية الكوردية في تركيا في العصر الحديث من أيام الدولة العثمانية، فقد بدأت المشكلة الكوردية بصورة واضحة عند اصطدام الدولتين الصفوية والعثمانية عام (1514م) في معركة جالديران(13) التي كانت كبيرة وغير حاسمة، وكان من نتائجها تقسيم كردستان عملياً بين الدولتين الصفوية والعثمانية. كانت كردستان قبل سنة (1514م) تسود فيها إمارات مستقلة مشغولة بتنظيم شؤونها الداخلية، لكن سوء معاملة الشاه إسماعيل الصفوي إضافةً إلى الاختلاف المذهبي أدى إلى انضمام أكثرية الإمارات إلى جانب الدولة العثمانية فضلاً عن جهود العلامة ملا إدريس البدليسي الذي لعب دوراً كبيراً في استمالة الكرد إلى جانب الدولة العثمانية، وجاءت المعركة المذكورة لتضع أغلبية أراضي كردستان تحت سيطرة العثمانيين.
     وفي القرن العشرين وعقب الحرب العالمية الأولى تحرك الكورد لتدويل قضيتهم  وبذلوا جهوداً مضنية لإيصال صوتهم إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 م على أمل أن ينالوا حقوقهم المشروعة، ولا سيما بعد أن صرح رئيس الولايات المتحدة الأميركية ويدرو ويلسن بحق الشعوب في تقرير مصيرها في بنوده الأربعة عشر المشهورة، ولم يكن للكورد كيان سياسي مستقل حتى يشارك وفدهم رسمياً في ذلك المؤتمر، شأنهم شأن القوميات والشعوب الأخرى، ولذلك خول الشعب الكردي من خلال العشائر والجمعيات السياسية شريف باشا لتمثيلهم والمطالبة بالمطالب الكوردية المشروعة. وأصدر الحلفاء بعد استكمال تحضيراتهم للمؤتمر قراراً في شهر يناير/كانون الثاني 1919 نص على ما يأتي: (14) إن الحلفاء والدول التابعة لهم قد اتفقوا على أن أرمينيا وبلاد الرافدين وكردستان وفلسطين والبلاد العربية يجب انتزاعها بكاملها من الإمبراطورية العثمانية. وانطلاقاً من هذا القرار قدم الممثل الكوردي شريف باشا مذكرتين مع خريطتين لكردستان إلى المؤتمر، إحداهما بتاريخ (21/3/1919م) والأخرى يوم (1/3/1920). كما طلب من القائمين على شؤون المؤتمر تشكيل لجنة دولية تتولى تخطيط الحدود بموجب مبدأ القوميات، لتصبح كردستان المناطق التي تسكن فيها الغالبية الكردية، وإضافة إلى ذلك فقد جاء في المذكرة الأولى “إن تجزئة كردستان لا يخدم السلم في الشرق” كما جاء في المذكرة الثانية “إن الترك يتظاهرون علناً بأنهم مع المطالب الكردية، وإنهم متسامحون معهم، لكن الواقع لا يدل على ذلك مطلقاً…” كما طالب شريف باشا رسمياً من رئيس المؤتمر جورج كليمنصو أن يمارس نفوذه مع حكومة الأستانة لمنع اضطهاد الشعب الكردي، وجاء في رسالته إلى رئيس المؤتمر: إنه منذ أن تسلمت جماعة الاتحاد والترقي السلطة فإن جميع الذين يحملون آمال الحرية القومية قد تعرضوا للاضطهاد المستمر.. وإنه من الواجب الإنساني في المجلس الأعلى أن يمنع إراقة الدماء مجدداً، وإن السبيل لضمان السلم في كردستان هو التخلي عن مشروع تقسيم هذه البلاد (أي كردستان)..
 ومع الأزمة الحديثة “الاستفتاء” قال الرئيس اردوغان إن (15)“خصوم تركيا” أجبروها على توقيع “معاهدة سيفر” عام 1920، وتوقيع “معاهدة لوزان” عام 1923، وبسبب ذلك تخلت تركيا لليونان عن جزر في بحر إيجه، ويصف اردوغان ؛ معاهدة سيفر، بانها الشوكة الأولى في الظهر العثماني، لأنها أجبرتها على التنازل عن مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت واقعة تحت نفوذها. اعترفت المعاهدة بحدود الدولة الحديثة في تركيا ، وتقلصت مطالب الحلفاء من الحكم الذاتي لكردستان التركية بالتنازل التركي للأراضي إلى أرمينيا ، والتخلي عن المطالبات إلى مناطق النفوذ في تركيا ، وفرض الرقابة على المعاملات المالية بتركيا أو القوات المسلحة ، وقد أعلنت المضائق التركية بين بحر إيجة والبحر الأسود لتصبح مفتوحة للجميع ، على خلاف ما حدث في اتفاقية سيفر. اما في آسيا ، فتخلت تركيا عن السيادة على العراق والاردن وفلسطين، لتصبح تحت النفوذ البريطاني، فيما خضعت سوريا و لبنان للانتداب الفرنسي ، واحتفظت تركيا بالأناضول ، وأصبحت أرمينيا جمهورية مستقلة تحت ضمانات دولية . وفي أوروبا تنازلت تركيا عن أجزاء من تراقيا الشرقية وبعض جزر بحر إيجه لليونان ، ودوديكانيز ورودس لإيطاليا ، والإبقاء على القسطنطينية وضواحيها ، بما في ذلك منطقة المضيق “الدردنيل والبوسفور” ، الذي تم تحيده وتدويله ، وحصل الحلفاء على المزيد من السيطرة الفعلية على الاقتصاد التركي مع حقوق الاستسلام . وقادت معاهدة لوزان الثانية إلى الاعتراف الدولي بسيادة جمهورية تركيا كدولة خلفت الامبراطورية العثمانية. ومع قرب انتهاء المعاهدة يعتقد ان “الرسالة المتداولة” سببت التوتر السياسي بين تركيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي، بعد مرور مائة عام على توقيعها. كما تشير الرسالة إلى أنه سيكون بإمكان تركيا بعد انتهاء مدة المعاهدة، التنقيب عن النفط، وتنضم إلى قائمة الدول المنتجة للنفط، إلى جانب تحصيل رسوم من السفن المارة عبر مضيق البوسفور، وحفر قناة جديدة تربط بين البحر الأسود وبحر مرمرة، والتي كانت محظورة على تركيا حسب معاهدة لوزان؛ تمهيدا للبدء في تحصيل الرسوم من السفن المارة. ويمكننا فهم بعض أوجه الخلافات المستمرة بين تركيا والغرب بان الدول الغربية تخشى مع انتهاء المعاهدة ان تجد تركيا ما يبرر تدخلها في الموصل( مدينة الموصل وكركوك وأربيل والسليمانية ودهوك) ، التي كانت تابعة لتركيا طوال 4 قرون حتى فقدتها في الحرب العالمية الأولى.وقال البروفيسور التركي المتخصص في العلاقات الدولية مصطفى صدقي بيلجين: عندما تخلت تركيا عن الموصل للعراق كان الأمر مشروطاً بعدم تغيير حدودها أو وضعها آنذاك، وهو ما تغير خلال العقود الماضية”.
ويذكر التاريخ أن مدينة الموصل خضعت للسيطرة العثمانية عام 1534 في عهد سليمان القانوني، حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، إذ أصبحت مطمعاً للدول الغربية خصوصاً بعد اكتشاف النفط، فاستولت عليها فرنسا ثم بريطانيا، ومع توقيع تركيا على معاهدة لوزان واتفاقية أنقرة “1926”، تخلت أنقرة عن الموصل بعد تقليص مساحة أراضيها. ولوزان الثانية: اليوم على طاولة النقاش ، اذ بدأت المخاوف من انقضاء المدة تطفو على السطع ، وربط ذلك بمحاولة الانقلاب على اردوغان في منتصف 2016 ،ومع معركة الرقة والموصل.
والسؤال: هل عند انتهاء مدة “معاهدة لوزان 2” ستعود تركيا امبراطورية عثمانية حديثة في المنطقة؟ وهل ستتغير الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية ، ويشهد العالم دخول مرحلة جديدة برجوع الارث العثماني؟
وكيف ستتعامل القوى العظمى الحالية مع المطالب التركية؟ وهل سنشهد حروبا قبل 2023، ومن سيقود ذلك التغيير. وحول ربط قرب انتهاء الاتفاقية بالتوتر السياسي بين تركيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي، يتساءل المراقبون: “هل توجد في القانون الدولي مادة تنص على صلاحية المعاهدات الدولية 100 عام فقط؟”، مشيرين إلى أن “ألمانيا ألغت معاهدة في الثلاثينيات بعد 20 عاما من توقيعها، فهل يمكن لتركيا فعل ذلك(16) ؟
بدأت تركيا بالتلويح باتفاقية لوزان 1923، والبعض قد مر على ذلك مرور الكرام، ولم يدرك أصلا ما هي هذه الاتفاقية، التي تتيح لتركيا ضم كامل منطقة شمال العراق، في حال تغير الوضع القائم فيه، وهو ما يعني سيطرة تركيا بنص الاتفاقيات الدولية على كامل ولاية الموصل التاريخية وهي التي تضم الآن “الموصل وكركوك ودهوك      وأربيل والسليمانية ومناطق من شمال ديالي”، والأمر نفسه في شمال سوريا.
وهذا الأمر يطرح الكثير من التساؤلات، هل يمكن أن يكون رفض تركيا لانفصال كردستان علنًا، وتؤيده وتتمناه في الخفاء لتقوم لاحقاً بتنفيذ اتفاقيات لوزان وأنقرة لضم أراضي شمال العراق على اعتبار أن ذلك حقًا تاريخيًا لها؟ أما رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني فأكد أنه “لم يعد هناك وجود لسايكس بيكو ولوزان، وشعب كردستان هو من سيقرر مصيره”.(17)
سابقا كان الكورد في العراق وسوريا على وشك الانفصال عن العراق والانضمام إلى تركيا، ضمن خطة رئيس الجمهورية التركي تورغوت أوزال (الكردي)، فيما عرف باسم مشروع أوزال، أي فيدرالية كردية تركية تشمل كوردستان السورية والعراقية والتركية مع تركيا يقول المفكر الكوردي عادل حنيف داود: “في عام 1991م بعد حرب الخليج الأولى و نزوح حوالي 600 ألف كردي من كردستان العراق لتركيا إثر حملة صدام حسين، جاء السيد مسعود البارزاني إلى أنقرة و عرض على رئيس الجمهورية تورغوت أوزال ضم الإقليم لتركيا بموجب اتفاقية لوزان، وقد وافق على الفكرة جلال الطالباني، كما وافق عليها عبد الله أوجلان الذي كان يقيم في دمشق، وقام المرحوم تورغوت أوزال بتشكيل لجنة تضم كلا من: الوزير عدنان قهوجي والجنرال أشرف بيتليس (كردي الأصل) والصحفي أوغور مومجي (كانت وظيفته تسريب بعض المعلومات للصحافة لتهيئة الرأي العام) كلفهم بدراسة القضية، وقد اكتمل المشروع أوائل عام 1993م، وكاد أن يتم تنفيذه، لكن في نفس العام أي 1993م قتل الرئيس تورغوت أوزال بالسم وقتل الجنرال أشرف بيتليس بحادث مروحية غامض وقتل الوزير عدنان قهوجي بحادث سير مشبوه و قتل الصحفي اوغور مومجو بعبوة ناسفة ؟وبالتالي قتلت الفكرة (18).
مشروع أوزال أثار جدلا واسعا في الأوساط التركية فالرئيس أوزال من أهالي مدينة أزمير وكان معروف بكونه كوردي القومية وإن لم يشر إلى ذلك بصراحة بل صرح بأن والدته أو جدته لوالدته كانت كوردية، وبعيدا عن ذلك فإن الرئيس توركوت أوزال أول من سعى بجدية لحل المشكلة الكوردية وكانت تربطه علاقات ودية مع قادة كورد كما في علاقته مع مام جلال الطلباني الذي ذكر الآتي على لسانه حين سئل عن علاقته بعبدالله أوجلان(19)؛الحقيقة انني التقيته في العام 1980 مرات قليلة. لكن في العامين 1992 و1993، كان الرئيس ديميريل مكلفا بتشكيل الحكومة في عهد اوزال وكنت حينذاك في تركيا، وعندما استدعاني الرئيس ديميريل الى بيته ابلغني بأنه سيشكل وزارة مع اردال انونو من حزب الشعب، وسألني رأيي في القضية الكردية لأنه كان يعد مشروعاً يعترف بالشخصية الكردية مع اعطاء الاكراد بعض الحقوق. وقلت: هذه مسألة داخلية. وكان جوابه: انها استشارة اخوية. فقلت: هذا شيء جيد بالنسبة لكم وللأكراد. سألني عن تأثيري على عبدالله اوجلان، فأجبته: “لا اخفي عليك علاقتي به، عبدالله اوجلان يسمع مني وسيوقف القتال وسيعطيكم مهلة للعمل، وأعتقد بأن الحل السياسي هو الطريق الافضل للجميع لأن هذا العصر هو عصر الحوار”. رحب بالفكرة، ثم التقيت الرئيس اوزال، الذي اعتز بصداقته ولا اخفي عنه شيئاً، وأخبرته انني سأزور سورية وسألتقي اوجلان هل عندكم رسالة؟ قال: “لو تنصح هذا المجنون – كما كان يسميه – بإعطائنا فرصة لحل سياسي” بعدها رجعت إلى كردستان العراقية وذهبت مع الاخ مسعود البارزاني والتقينا الجنرال أشرف باتليس باشا، قائد الجندرمة التركية والشخصية القوية في الجيش التركي وهو من أصل كردي، وسألني عن رحلتي المزمعة إلى سورية وما إذا كنت سألتقي أوجلان. قلت: أغلب الظن انني سألتقيه. قال: ماذا ستقول له. قلت سأبلغه بضرورة وقف القتال. فشجعني على ذلك. وبعد وصولي إلى دمشق زارني أوجلان في بيتي، وتحدثت معه عن موضوع وقف القتال، فأبدى استعداده من دون شروط. وفي بيتي، وكان الأخ كامران فرة داغي حاضراً، اتصلت بمندوبنا في أنقرة سرجل قزاز الذي اتصل بالسيد كايا توبيري المستشار الصحافي للرئيس تورغوت أوزال وأخبره بما دار بيننا، فرحب بالفكرة ونقلها مباشرة إلى الرئيس. بعدها اتصل بنا السكرتير الخاص، وقال إن الرئيس يرحب بالفكرة وطلب مني ان اقنع أوجلان بعقد مؤتمر صحافي يعلن فيه قراره، وكي لا يبقى القرار في غرفة مقفلة الابواب، اتصلت بعبدالله أوجلان فأعلن استعداده ثم اتصلت في تلك الليلة بالرئيس أوزال وقال إنه سيرسل عدداً من الصحافيين الأتراك عقد المؤتمر الصحافي في البقاع وحضره العديد من الصحافيين الأتراك وكنت حاضراً. أعلن فيه أوجلان وقف اطلاق النار لمدة 22 يوماً. ولكننا لم نفهم لماذا اختار هذه المدة. ثم سافرت إلى أميركا وزرت مجلس الأمن القومي وشجعني مسؤولون فيه على الاستمرار في هذا الاتجاه. عدت إلى بريطانيا والتقيت وزير الخارجية يومذاك دوغلاس هيرد، بحضور وفد عراقي معارض كان من بين أعضائه الدكتور محمد بحر العلوم والدكتور أحمد الجلبي. أخبرته بالوساطة التي أقوم بها بين أوجلان والحكومة التركية من أجل وقف النار، وتزامن ذلك مع أعياد النوروز، فشجعني هيرد. قلت له إنني لا استطيع العمل بمفردي ووعدني بالدعم الكامل. رجعت إلى تركيا، حيث استقبلت بالاحضان. وحتى السيد مسعود يلماز الذي كان خارج الحكم استقبلني في المطار ورحب بيّ وأثنى على جهودي لوقف إراقة الدماء. ثم استقبلني رئيس الوزراء سليمان ديميريل بالاحضان والقبل ثم الرئيس أوزال والدكتور اردال اينونو، وقال ديميريل، وهذه للتاريخ، نحن لا نتفاوض مع الارهابيين، لكننا نرحب بهذه الخطوة الايجابية. فيما هنأني اوزال وقال: “اطلب من هذا المجنون أن يكف ويمدد الفترة حتى يعطيني فرصة لاقناع العسكريين والناس بايجاد صيغة لهذا الموضوع”. فطلبت منه أن يزوره بعض البرلمانيين الأكراد الأتراك. وبالفعل استقبلهم وطلب منهم مساعدتي ومساندتي في هذا الموضوع. والذهاب معي إلى لبنان لاقناع اوجلان بتمديد وقف اطلاق النار. زرنا أوجلان في البقاع، فطالب بتحديد الفترة، وكنت شخصياً مع اعطاء الرئيس أوزال فترة غير محددة، ووافق على ذلك، وعقد مؤتمراً صحافياً مرة أخرى أعلن فيه موافقته على وقف القتال إلى أجل غير مسمى. واستمرت الهدنة إلى ما بعد وفاة أوزال، وحتى العمل الاجرامي الذي قام به شمدين صاقيق الذي اختطفته القوات التركية لاحقاً عندما اعتقل 33 جندياً كانوا عائدين من اجازاتهم وقتلهم، مما أنهى الهدنة. وقد نصحت أوجلان باصدار بيان يدين هذه الجريمة وتقديم المتسبب بها إلى المحاكمة، لكنه رفض وهو ما وتر العلاقة بيننا. (20)
من خلال حديث مام جلال نتعرف على جملة معطيات قد تساندها وقائع على الأرض نأمل أن ترى النور في قابل الأيام؛ وأهم هذه المعطيات أن الخلاف التركي الكوردي كانت تغذيه قوى معادية لتركيا وللكورد على حد سواء ولا زال، وقديما ذكر لي بعض الأخوة الأتراك أن الدولة العميقة وبدفع من الخارج كانت وراءه وعزز ذلك اغتيال قائد قوات الجندرمة أشرف بيلتس الذي هدد بعرض وثائق تثبت ذلك. قياس كورد العراق مع كورد تركيا قياس مع الفارق لكون أغلب الحكومات الأخيرة التي حكمت العراق من نظام البعث وليومنا هذا  تشترك بممارسات عدائية تجاه الكورد، بينما قيادات تركيا ومن زمن أوزال تحتفظ بعلاقات طيبة حتى مع قادة الكورد في الخارج. وعلى مر الأيام النظام الذي يحكم تركيا نظام ديمقراطي وتكلل في حكم حزب العدالة والتنمية بكونه حكم رشيد لا يفرق بين مواطنية على خلفيتهم الدينية والقومية. في حين تحكم العراق أحزاب طائفية تتعامل مع المكونات المخالفة لها بالتهميش والإقصاء.
 وبعد الاستفتاء تصاعد التهديدات الأعتى من قبل تركيا كانت على لسان رئيسها الطيب أوردغان ورئيس وزرائها ابن يلدريم وكذلك على لسان وزير خارجيتها جاويش أوغلو…وغيرهم ومع اعتبار النظام في تركيا رئاسي  سنتناول أهم تصريحات الرئيس الطيب أوردغان…(21) أردوغان:استفتاء كوردستان العراق خنجر جديد في ظهر المنطقة و سنكتفي حاليا ببعض القيود في مجالات معينة (حيال إدارة إقليم كوردستان )، مشيراً في الوقت ذاته، أن (القيود) ستزداد بشكل مضطرد. وأوردت مواقع إخبارية عديدة تصريحات للرئيس التركي.
 شفق نيوز/ قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان(22)، الثلاثاء، إن كورد العراق لا يعرفون كيف يقيمون دولة، مشيراً إلى أنهم سيتضورون جوعاً عندما تمنع الشاحنات من الذهاب “لشمال العراق”. وأضاف في مؤتمر صحافي في أنقرة “عندما توقف تركيا ضخ النفط فسينتهي الأمر”. وقال إن “استفتاء كوردستان غير مشروع ولا نعترف به أبداً، وإن مسعود بارزاني يتحمل مسؤولية تداعيات انفصال شمال العراق”. وتابع “تركيا لا يمكن أن تبقى صامتة إزاء تطورات المنطقة”. هذا ونادى أردوغان بالقول “أنادي إخوتي في العراق وسوريا، لأن نكون يداً واحدة”. وقال أيضاً “نأمل بحل الأزمات بالصلح والتشاور والحوار”، مبيناً أن كل الخيارات متاحة أمامهم من بينها العسكري”. وقال أردوغان أمس الأثنين، في مؤتمر صحافي في اسطنبول إن “استفتاء كوردستان غير شرعي ونعتبره لاغياً”، وذكر أننا “سنتخذ تدابير أخرى وسنغلق المعابر بشكل كامل مع كوردستان”.
 يتفق المراقبون قبل الاستفتاء بأن مسعود البرزاني وحزبة “الحزب الديمقراطي الكوردستاني-البارتي-” حليف استراتيجي لتركيا وعلاقته مع الرئيس الطيب أوردغان متميزة، هذا فضلا عن تبادل تجاري تركي عبر الإقليم بما يقترب من 12 مليار دولار سنويا، لا بل يهدد انفصال إقليم كردستان عن العراق استثمارات تركية داخل الإقليم تقدر بحوالي 40 مليار دولار، وتزداد حدة هذه الخسائر في حال دخول التهديدات التركية بفرض عقوبات اقتصادية وتجارية ضد الإقليم حيز التنفيذ في حال إقرار الاستفتاء. (23)
كل ذلك يؤشر إلى أن ذهاب البرزاني نحو الاستفتاء لا علاقة له بتركيا بل كان على حساب العلاقة التأريخية التي قد يكون مسعود ضحى بها سعيا لقيام حلم الكورد المنشود في قيام دولتهم. من هنا نستطيع الحكم على دعوى أن الأمر برمته قد يكون مخططا له من قبل الطرفين لإحياء مشروع أوزال سالف الذكر فاتفاقية أنقرة 1926 تخول تركيا التحرك إذا ما تغيرت المعادلة تجاه منطقة الموصل(الموصل وكردستان كافة) أي كامل تراب شمال العراق الذي ارتبط بالعراق بما يقرب من القرن من الزمن في حين بقي تابعا لتركيا قرون طويلة، لذا فإن مقولة  وهذا الأمر يطرح الكثير من التساؤلات، هل يمكن أن يكون رفض تركيا لانفصال كردستان علنًا، وتؤيده وتتمناه في الخفاء لتقوم لاحقاً بتنفيذ اتفاقيات لوزان وأنقرة لضم أراضي شمال العراق على اعتبار أن ذلك حقًا تاريخيًا لها؟.(24) لا صحة لها مع اعتبار أن العراق يمر بمرحلة تأريخية من الضعف والهوان ما لم يشهده من قبل، فالدستور الذي كتبه الساسة معطل وانتهاك حقوق الإنسان يمضي على قدم وسائق والممارسات الطائفية التي قادتها الحكومات المتعاقبة على حكم العراق بعد الاحتلال تقود البلد من فشل إلى فشل (25). أضف إلى ذلك أن المعارضة التركية القومية تنادي بعائدية كركوك والموصل لتركيا كما جاء على لسان رئيس الحركة القومية؛ في الوقت الذي يتحدث فيه العراق عن تنسيق مع تركيا ضد اقليم كوردستان ، واجراءات عقابية ضد الاقليم بمساعدة انقرة ، أعلن معارض تركي بارز أن كركوك هي الولاية 82 لتركيا بينما الموصل هي الولاية 83.
 وقال بهجلي في “مؤتمر محبو كركوك” الذي ينظمه الحزب إن “5 آلاف قومي مستعدون من أجل كركوك والموصل”. مشيرًا إلى خطر حقيقي بات يواجه تركيا . وأضاف بهجلي أن” وحدة أراضي العراق مسألة حيوية بالنسبة لتركيا، وأن الأمر نفسه يسري على سوريا، نظرا لأن الدولتين تقعان على حدود تركيا، معتبرا أن “أمن أنقرة بمثابة أمن كركوك، وأن تجفيف منابع الفتنة حق مشروع لتركيا وواجب ملحِّ” وفق تعبيره . وشدد على أنه” لن تستطيع أي قوة الوقوف ضد حق تركيا في ضم كركوك والموصل” ، زاعما أنه “سيجن جنون الآخرين إن كشفوا عن أن كركوك هي الولاية رقم 82 لتركيا بعد ولاية دوزجة (الولاية رقم 81 )، والموصل هي الولاية 83 مشيرا الى “الميثاق الوطنيّ حيال مدينة الموصل”.(26) لذا فإن المؤشرات تساعد على أحقية الأتراك في التدخل شمال العراق لا أقول عسكريا بل أمميا إذا ما احترم المجتمع الدولي الاتفاقات والمواثيق الدولية ومع ذلك نرى الطيب أوردغان يميل للتفاهم مع الحكومة الاتحادية في بغداد ومع الجمهورية الإسلامية على حساب حلفائه الكورد ، وهذا يشير بوضوح إلى أن الرئيس الطيب أوردغان يسعى لتبديد مخاوف الجارة إيران وحكومة بغداد التابعة لها حول أحقية تركيا بشمال العراق. مع اعتبارنا للعداء المستحكم من قبل إيران وأحزابها الطائفية في العراق لتركيا حكومة وشعبا على مر مراحل التأريخ القديم والحديث. وهو ما لم يفهمه أصدقاء وأحباب تركيا، فهل ستتذكر إيران وأتباعها في العراق بوفاء هذا الموقف الحكيم للطيب أوردغان أم أن الحنيين لدواعي الحقد الطائفي الدفين ستفضح هؤلاء؟ سؤال ستجيب عنه الأيام والأعوام.
الخاتمة
   الحقيقة التي دعت الكورد لخيار الاستفتاء والانفصال هي السياسات الفاشلة التي أودت بالبلاد والعباد في العراق وأضحت كالشمس لا يمكن لغربال من تغطيتها،  واحتجاج الحكومة بكون الموضوع مخالفة للدستور يعد عذرا أقبح من الذنب لكون الحكومة الطائفية هي التي عطلت الدستور وشلته، ومع ذلك إن كان الاحتجاج بالوثيقة المستفتى عليها فهي في بعض فقراتها حمالة أوجه فلا يمكن تجاوز الديباجة التي أكدت بنصها نحنُ شَعْب العراقِ الذي آلى على نَفْسهِ بكلِ مُكَونِاتهِ وأطْياَفهِ أنْ يُقَررَ بحريتهِ واختيارهِ الاتحادَ بنفسهِ، وأن يَتَّعِظَ لِغَدِهِ بأمسهِ، وأن يَسُنَّ من مِنْظُومَةِ القيمِ والمُثُلِ العليا لِرسَالاتِ السَماءِ ومِنْ مسْتَجداتِ عِلْمِ وحَضَارةِ الإنْسَانِ هذا الدُسْتورَ الدائمَ. إنَّ الالتزامَ بهذا الدُسْتورِ يَحفَظُ للعراقِ اتحادَهُ الحُرَ شَعْبَاً وأرْضَاً وسَيادةً.(27) اين الحكومات الطائفية من هذا الكلام إن أردنا القياس يتعين علينا مقاضاة كل من أدى بالعراق لهذا الحال، وعلى رأس هؤلاء أصحاب القرار الحقيقي الذين سعوا لأن يكون العراق تابعا لا حرا، عبدا لا سيدا، فاشلا لا يعرف للنجاح عنوان. وإن أردنا عدول الأخوة الكورد عن سعيهم لا بد من منظومة قرارات يجتمع عليها العراقيون تغير بوصلة العراق من توجهه إلى إيران إلى سيادته الحقيقية، ومن دولة مكونات إلى دولة مواطنة، ومن حكم مستبد جائر ظالم لا يعرف للعدل عنوان إلى حكم رشيد يكون الإنسان فيه القيمة العليا، وأن تتغير العملية السياسية بجملتها وبرعاية دولية حقيقية لا وعود أمريكية كاذبة. وأن يعاد ترتيب البيت العراقي إما أن يكون من مجموعة محافظات فحسب أو مجموعة أقاليم لنظمن توزيع عادل للثروات وأن تصحح المنظومة القضائية المسيسة إلى منظومة مهنية  العدل ميزانها، وأن يكون الفصل بالسلطات حقيقي. وان ينتهي وجود المليشيات ويعاد ترتيب القوات المسلحة العراقية بعيدا عن السياسة وبعيدا عن الرؤى الطائفيةووو… هناك منظومة متكاملة إن أفلح العراقيون بتبنيها قد يعدل الكورد عن مساعيهم، وألا فلا التهديدات تجدي والتعويل على الحصار يجدي وسيلحق بركاب الكورد العرب السنة لكون العراقي اليوم لا يلتفت بمن يحكمه بل بما يحكمه، فالعدل مضنة الحكم وهي اليوم أبعد القيم عن البيت العراقي. والكلام عن تركيا وقياس كوردها بكورد العراق قياس مع الفارق، فتركيا بلد ديمقراطي حقيقي فيه حكم رشيد ولا مطامع لها في العراق، ولو كان هناك مطمعا لطمع العراقيون بالتحاقهم بالترك بدلا من إيران فقد كانت هناك محاولات قديمة تتمثل بالهروب من بطش النظام في العراق إلى رحاب تركيا بنظام كونفدرالي مع كوردستان العراق. ومع اعتبار للإتفاقيات والمواثيق الدولية  تتيح لتركيا بالتحرك نحو ضم كامل منطقة شمال العراق وهو توجه الجمهورية التركية منذ تأسيسها، فقد ذكر على لسان مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك كما  يقول مؤرخون أتراك إن مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك وعد نواب البرلمان المعترضين على اتفاقية أنقرة التي تم التخلي بموجبها عن الموصل بالعمل على “استعادة الموصل في الوقت المناسب، أي حين يأتي وقت نكون فيه أقوياء” ويؤكد الرئيس التركي الطيب أوردغان أن الموصل وكركوك «كانتا لتركيا»: هل تعيد قرابة 100 ألف «وثيقة طابو» تركيا إلى حلب والموصل وكركوك (28). ومع ذلك لم نرصد ولا دعوة من هذا القبيل في المحافل الأممية والدولية، لكننا قد نشهد إن لم يتغير الوضع في العراق مطالبات من أهالي هذه المحافظات وليست محافظات وولايات شمال العراق بل جميع الأراضي التي تضم الكورد والعرب السنة بالإلتحاق بتركيا وفقا لهذه الوثائق وبإرادة حرة لا تستسلم للظلم. واليوم يعي الكورد أن خطوتهم هذه ستبارك من عموم العرب السنة في الداخل من الذين لا يدينون بالولاء لإيران، هذا فضلا عن وجود مئات الآلاف من العرب السنة مقيمون في كردستان وسيكونوا حليفا ومدافعا عن الأقليم بقدر الكورد وقد يزيد لكون جموعهم فارين من الاستهداف الطائفي لميليشيات إيران، وإن عودتهم إلى محافظاتهم يعد انتحارا. وقد تشجع التجربة الناجحة للأقليم كوردستان العراق تكوين أقليما للعرب السنة، أو قد يدفعهم إلى التحالف مع الدولة الكوردية إذا ولدت ولادة طبيعية وفق إرادة دولية، وسيسعون إلى ضم المحافظات العربية السنية لها خاصة إذا ما أقدم الحشد الطائفي على مغامرة لا تحمد عقباها في الهجوم على الأقليم بعد أن دمر محافظاتهم.
الهوامش والمصادر
  1. روبرت فورد، الحكمة والحذر إزاء الاستفتاء الكوردي، موقع ستونا كورد،23/9/2017.
 http://stuna-kurd.com .
  1. شيركوة حسن، استفتاء كردستان “صفعة على الخدود أم ترسيم للحدود”، موقع ماسونيوز، 1/10/2017 . http://www.basnews.com/index.php/ar/opinion/382994 .
  2. ينظر http://babil24.com/ar/details.aspx?id .
وينظر http://archive.aawsat.com/details.asp?section=45&article=513537&issueno=11084#.WdSbNbpuKUk .
  1. سوزان إبراهيم حاجي أمين، التجربة الديمقراطية في العراق، رسالة مقدمة إلى مجلس كلية القانون والعلوم السياسية/الأكاديمية العربية في الدنمارك، كجزء من متطلبات الحصول على شهادة الماجستير، ص17.
  2. http://xeber24.org/archives/22603 .
  3. ينظر http://www.alqurtasnews.com/news/256103/alqurtasnews-news/ar .
  4. وكالة موازين، القوى ؛ نستغرب استبعاد العرب السنة من مفاوضات الوفد الكوردي مع التحالف الوطني، 24/9/2017 ، http://www.mawazin.net/ .
  5. موقع باسنيوز، مدير وكالة حماية اقليم كوردستان: نأمل ان تكون الدول العربية أول المعترفين باستقلال كوردستان. 13/9/2017، http://www.basnews.com/index.php/ar/interviews/377746 .
  6. روسيا اليوم : سليماني يهدد الأكراد للتراجع عن الاستفتاء،20/9/2017.
http://www.asharqalarabi.org.uk .
  1. أحداث الساعة، العراق يطالب إيران وتركيا إغلاق المنافذ الحدودية مع الأقليم،7/10/2017.
http://www.radionawa.com/arabic/view.aspx?n_=140485&m_=21
  1. مركز الروابط للدراسات والبحوث الاستراتيجية، تركيا وإيران تدفعان خطر قيام الدولة الكوردية بأيادي عراقية، http://rawabetcenter.com/archives/52452 .
  2. ينظر http://mawdoo.com ،  https://www.almrsal.com/post/377261
  3. د. عبدالله محمد علي العلياوي، الجزيرة نت، جذور المشكلة الكوردية، 32/5/2006
http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/4f935dae-8e08-4c54-83ca-16f692c7ab35 .
  1. المصدر نفسه.
  2. شذى خليل، هل تستعيد تركيا إمبراطوريتها بانتهاء معاهدة لوزان 2023 ، مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 17/6/2017،
http://rawabetcenter.com/archives/48046 .
  1. المصدر نفسه.
  2. محمود سعيد، اتفاقية لوزان الباب الخلفي لعودة تركيا إلى العراق، شبكة رؤية الإخبارية، 29/9/2017 http://www.roayahnews.com/articles/2016/10/31/2315/index.html
  3. المصدر نفسه.
  4. غسان شربل،فتح للوسط دفاتر الثورة الكوردية، جلال الطلباني يتذكر،16/11/1998م، نقلا عن الحياة. http://daharchives.alhayat.com/issue_archive/Wasat%20magazine/1998/11/16/فتح-ل-الوسط-دفاتر-الثورة-الكردية-والعراق-جلال-طالباني-يتذكر-1.html .
  5. المصدر نفسه.
  6. https://www.r-enks.net/?p=8273 .
  7. شفق نيوز، أوردغان غاضب من تجاهل كوردستان لتحذيراته، 26/9/2017،
          http://www.shafaaq.com/ar/Ar_NewsReader/6c3b6ad4-7a32-402c-87b6-b9b17c46c3be .
  23. https://www.alaraby.co.uk/economy/2017 .
  24. محمود سعيد، اتفاقية لوزان الباب الخلفي لعودة تركيا إلى العراق، شبكة رؤية الإخبارية، 29/9/2017، مصدر سابق.
  25. ينظر https://kanaanonline.org/ar/2012/08/26/%، وينظر https://www.youtube.com/watch?v=X_tarAMnIhA .
  26. https://www.iraqakhbar.com/iraq-news/448086 . وينظر http://www.rudaw.net/mobile/arabic/middleeast/turkey/081020171 .
  27.  الدستور العراقي، الديباجة.
  28. مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، أردوغان طالب بتعديل «اتفاقية لوزان» وأكد أن الموصل وكركوك «كانتا لتركيا»: هل تعيد قرابة 100 ألف «وثيقة طابو» تركيا إلى حلب والموصل وكركوك؟ http://rawabetcenter.com/archives/34223 .