كركوك امس واليوم وغدا

د. عمر عبد الستار
مستشار مركز العراق الجديد
تسخين ملف كركوك امس، قد يكون محطة في طريق طويل، بما تملكه كركوك من رمزية خاصة، جعلت من له كلمة فيها له الكلمة في بغداد، بفعل جغرافيتها وديموغرافيتها وثرواتها وتاريخها المعقد.
فكركوك، تقع في بؤرة الصراع الوطني والقومي والاقليمي والدولي الملتهب، الذي يدور حول مستقبل هذه المحافظة، بين كل من له مصلحة هناك.
ومن هنا كانت كركوك احدى المناطق المتنازع عليها ضمن المادة 140 من دستور 2005، والتي لم تنفذ منذ 2007 ولحد الان، ولذلك اتجهت كوردستان اخيرا الى محطة الاستفتاء التي شملت كركوك.
ومحطة الاستفتاء  لم تكن ولن تكون اخر محطة مرت بها كركوك. فقد احتلها البريطانيون بعد صراع مرير مع العثمانيين في 1918، ووضع العراق تحت الانتداب البريطاني في 25 نيسان 1920.
وقد جاء في  نص الفقرة 16 من ميثاق  الانتداب البريطاني لبلاد مابين النهرين، انه “لايوجد شئ في هذا الميثاق سيمنع الانتداب من  تأسيس ادارة حكم ذاتي لمناطق الاغلبية الكوردية في شمال العراق”.
 وبعد محطة الانتداب البريطاني، جاءت محطة اتفاقية انقرة، التي فقدت تركيا بموجبها ولاية الموصل التي تضم كركوك والموصل وبقية محافظات الكورد الثلاثة لصالح الانتداب البريطاني.
ومن محطات كركوك التاريخية، محطة التعريب  القسري والانفال التي جرت في ظل حكم صدام حسين، الذي يقف  خلفه اصرار على اجهاض جنين قيام دولة كوردية لاتقوم الا بكركوك، من خلال قطعها عن محيطها الديموغرافي والثقافي.
ومن محطات كركوك التاريخية، محطة الحرب العراقية الايرانية، التي هددت تركيا بها ايران، بأن كركوك والموصل من المحافظات التابعة لها تاريخيا.
اذ قال وزير خارجية تركيا حينها، حافظ اوغلو، ان تركيا ستبقى على الحياد في الحرب العراقية الايرانية، بشرط عدم استهداف ايران او الكورد الموالين لها، خط كركوك جيهان النفطي الذي اقيم اول خط له في 1977 واخر في 1987.
لكن ايران لم تتعامل مع ادعاءات تركيا التاريخية، اذ قال هاشمي رفسنجاني علنا متهما انقرة بالتخطيط للسيطرة على نفط  كركوك بالقول، “ان السيطرة على نفط شمال العراق سيعني بالضرورة السيطرة على ملايين الكورد شمال العراق”.
ومن محطات كركوك التاريخية، عراق ما بعد 2003، اذ تكفل التحالف الكوردي الشيعي بوجود الاميركان بدستور كتب مصير كركوك بالمادة 140، التي لم تنفذها بغداد بدعم من ايران.
 ومن محطات كركوك التاريخية، انها المحافظة الوحيدة في العراق التي بقيت دون انتخابات منذ 2005 لحد اليوم، ضمانا ربما لعدم تفجر الموقف في كركوك، بضمان التحالف الكوردي الشيعي، الذي اصبج الان جزءا من الماضي.
ومن محطات كركوك التاريخية، محطة انتهاء التحالف الكوردي الشيعي، وانسحاب اميركا في 2011، دون تنفيذ المادة 140. وقد منح ذلك المالكي ومن خلفه ايران فرصة لمحاصرة كوردستان وتفجير كركوك، لكنه فشل.
ومن  محطات كركوك التاريخية محطة الاستفتاء، الذي فجر التصعيد التركي والايراني. ورغم تقارب تركيا وايران اليوم بهذا الشأن الا ان مصالحهما في كركوك مختلفة.
فوجهة النظر التركية، ان سيطرة الكورد على كركوك ستؤدي الى خلق الاساس المناسب للدولة الكوردية المستقلة، وهذا يعد خطا تركيا احمر.
واما اجندة ايران في كركوك، فهو تفجير الوضع هناك في التوقيت المناسب لها. وربما كان عدم تنفيذ المادة 140 من الدستور الذي قامت به بغداد، وساندتها ايران، هدفه نشر الفوضى وعدم الاستقرار في العراق، الذي حاولته في حزيران 2014، ولكن الله سلم.
ومن هنا، تعد كركوك سراييفو العراق، التي ان تفجر وضعها الامني بداعش او ماعش، او بتدخل تركي او ايراني، ستحتاج يومها الى تدويل. وحتى ذلك اليوم، تحاول اميركا منع تفجير كركوك، الذي سيفرض ان حصل، معادلة تقول، ان “من له كلمة في كركوك، ستكون له كلمة في بغداد”.