دلالات وتداعيات وسيناريوهات ازمة كركوك

د. عمر عبد الستار
مستشار مركز العراق الجديد
– مقدمة
– ازمة الاستفتاء
– دخول بغداد مناطق المادة 140
– السيناريوهات المحتملة
-الخلاصة
 

 مقدمة

القضية الكوردية في العراق، لها بعد محلي واقليمي ودولي اضافة الى قضية كركوك. فجغرافية كركوك وديموغرافيتها ومحطاتها التاريخية وثرواتها الاقتصادية تعد قنبلة موقوتة،جعلت من له كلمة بكركوك قد تكون له كلمة ببغداد.
وقد كان كورد المنطقة عموما وكورد العراق خصوصا،لعبة حرب وسلام خلال القرن العشرين،ان اتفقت عليهم الدول سقطت دولة كوردية هنا وانتفاضة كوردية هناك،وان اختلفت الدول قامت دولة كوردية هنا وانتفاضة كوردية هناك،حتى تزعمت الولايات المتحدة النظام الدولي بعد نهاية الحرب الباردة،فبدا ان هناك تغيير في لعبة الحرب والسلام الكوردية الى لعبة استقرار في شرق اوسط غير مستقر.
واصبح الكورد بمضمون قرار مجلس الامن 688 في 5 نيسان 1991، حجر اساس ومعادل إقليمي في التغييرات الديموقراطية الجارية في الشرق الاوسط منذ نهاية الحرب الباردة من خلال ربط الديموقراطية بالفدرلة.
وبناءا عليه،فقد دعم االنظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة كورد العراق بثلاث تحالفات دولية، وهي تحالف تحرير الكويت 1991،وتحالف احتلال بغداد 2003،وتحالف ستيني ضد داعش 2014.
وقد مرت كركوك كما القضية الكوردية بمحطات تاريخية،خلال القرن العشرين،وبعد 2003 ودستور 2005،تم وضع خارطة طريق ضمن المادة 140.لكن عدم تنفيذ بغداد لهذه المادة تسبب في تفكك التحالف الكوردي الشيعي الذي قامت على اساسه العملية السياسية.
وقد سعت كوردستان ان يكون واقع العراق فيدرالي مثل دستوره ففشلت.وكان متوقعا،اما ان تعلن كوردستان الاستقلال بعد انسحاب اميركا٢٠١١،او ان تتجه نحو  المقاومة كما درجت عليه من قبل 1990،او ان  تتفكك، فاعلن المالكي الحرب ضدها ليفككها لكنه فشل.
وقد يكون هذا احد اهم الاسباب التي دعت كوردستان للاستفتاء،بعد ان سيطرت بالقوة على مناطق المادة 140 من الدستور.فبقاء كوردستان اقليما وسط١٥محافظة مرتبطة ببغداد دون ان تتحول لاقاليم وفق المادة ١١٩من الدستور،يجعل من كوردستان غريبة بين باقي المحافظات،وتحت تهديد مستمر بالتفكك،وهذا ما اكدته الاحداث.
لكن توجه كوردستان بالاستفتاء نحو الاستقلال،قد يكون خطير بمافيه الكفاية محليا واقليميا،ليدفع بغداد وودول الجوار،اما للقبول بعراق فيدرالي موحد،كما هو الهدف الاميركي المعلن،اوالتوجه الى كونفيراليات كوردية وسنية وشيعية محتملة.
وان كان الدعم   الدولي  للعبادي يهدف ربما  لمنحه فرصة اكبر للفوز في الانتخابات القادمة،وتحجيم التصعيد الذي يسعى له المالكي ومتطرفي الحشد الشعبي ضد بارزاني، فقد دخلت  كوردستان وضعا صعبا بعدالاستفتاء.
واحتمال فوز العبادي في الانتخابات القادمة،قد يقوده برعاية واشنطن للتفاوض مع مسعود.لكن تطورات المنطقة قد تدفع نحو تاجيل الانتخابات التي قد تفتح الباب نحو مشهد اخر، هذا اذا لم تتجه الاحداث بعد دخول كركوك الى سيناريوهات متعددة.
ومهما كانمت السينايوهات المحتملة،التي قد تدفع ببغداد الى دخول اربيل،فيتكرر ربما سيناريو الكويت، او تدفع اربيل لاعتبار ان ماجرى احتلالا فتقاومته عسكريا،او تقوم الولايات المتحدة برعاية ادارة مشتركة للمناطق المتنازع عليها،فان سلوك العبادي ربما سيحدد اي مسار تتجه له احداث كركوك.

 ازمة الاستفتاء

ان استهتار المليشيات بالدِّين والدماء والدولة والدستورخلال السنوات الاربعة عشر الماضية،قد دفع كوردستان ربما ان تستهتر بالاستفتاء على استهتارالمليشيات والاستهتار على الاستهتار فضيلة.
وان كان الاستفتاء مشكلة محلية واقليمية،فسياسات ايران مشكلة اعظم،وقد دفعت بارزاني  بالاستفتاء،كما دفعت السنة العرب من قبله،ان يتجاوز خطوط ولاية الحمراء، كما دفعت المالكي  ان يصف يوم الاستفتاء انه يوم اسود سيضر باستقرار ايران ومحور التشيع كله.
وقد يكون هذا دليل ان استفتاء كوردستان قد فتح باب اشتباك ايراني اميركي محتمل،فايران قد تكون هي التي قررت دخول كركوك قرار اعلنه العبادي،واميركا قد تكون هي التي قررت سحب الحشد الشعبي، بقرار اعلنه العبادي.
وباستثناء ايران،فان كل الدول التي رفضت الاستفتاء،قد تعلم ربما،ان أيران هي المشكلة وليس الاستفتاء،و ان منع تداعيات الاستفتاء، تتطلب ردع سياسات ايران.وان لم يتم ردعها،فتوابع زلزال استفتاء كوردستان ستكون متتالية ليس على دول الجوار فحسب بل قد تتجه محافظات اخرى نحو الاستفتاء.
واضافة الى دخول ايران واميركا على خطة الازمة، فقد ادى الاستفتاء ايضا الى تقارب تركي ايراني مع بغداد خوفا،من ولادة دولة كوردية في محيطهم الجغرافي.وتقارب تركيا وايران ضد الكورد،رغم اختلاف اجندة الطرفين، قد دفع الطرفين الى اليات تعويضية لاحتواء الاجندة الاميركية في محيطها الجغرافي.
وقد بينت السنوات الاربعة عشر الماضية،ان تركيا وايران تتقارب حين يتواجد العامل الاميركي،وتتصارعان حين يغيب العامل الاميركي.وهذا دليل على انهما دوليتن غير متحالفتين.
وعادة يتمكن العامل الاميركي من احتواء اجندات تركيا وايران،والعكس غير صحيح. يضاف له ان اجندة ايران في العراق تختلف عن نظيرتها التركية.فايران يتحكم باجندتها العامل الدولي اكثر من المحلي،بعكس تركيا التي يتحكم البعد المحلي بسياستها الخارجية اكثر من الدولي.وهذا قد يجعل العراق تدريجيا مؤثرا بالطرفين اكثرمنه متاثرا مهما كانت السيناريواهت المحتملة لاحداث كركوك.
وربما اخطا البارزاني او اصاب،قصد او لم يقصد، لكنه قد فتح البارزاني بالاستفتاء،بابا لحقبة كوردية عراقية اقليمية دولية جديدة،جات متزامنة مع استراتيجية ترمب ضد نفوذ ايران الاقليمي،ومن هنا ربما جاء رد فعل ايران ودخول كركوك في منتصف اكتوبر 2017،برعاية قاسم سليماني.

 دخول بغداد مناطق المادة 140

فشل سليماني في شق الصف الكوردي او في منع اقليم كوردستان من المضي في الاستفتاء،رغم انه قد امضى خمسة ايام بلياليها قبل الاستفتاء،متنقلا من محافظة كوردية الى اخرى ومن لقاء بزعيم كوردي الى اخر.
وربما، لم يفشل سليماني بمهمة اقليمية بعد2003،مثلما فشل في منع اقليم كوردستان من الاستفتاء.لكنه لم يفقد الامل فعاد بعد الاستفتاء وظل مصرا على ضرورة انسحاب  البيشمركة من كركوك.
وفي الوقت الذي توقع المتابعون ان تقاوم البيشمركة اي تقدم لقوت بغداد،نجح  سليماني اخيرا في شق  الصف الكوردي،اوهكذا يبدو، فانسحبت بيشمركة  بافيل الطالباني بشكل سريع وغير متوقع من كركوك، ليلة 15-10-2017.
وقد ادى الانسحاب غير المتوقع،الى انتهاكات وحرق بيوت وحوادث قتل و فزع الناس ونزح عشرات الاف منهم باتجاه اربيل والسليمانية.و توالت الانسحابات التي شملت بيشمركة حزب بارزاني ايضا، من كافة المناطق التابعة للمادة 140على طول خط مندلي سنجار.
ولم يتضح بعد اين ستكون خطوط التماس الجديدة، بين بغداد واربيل،هل هي خطوط  تحريرالموصل 2016،ام خطوط دخول داعش 2014،اما خطوط  2003؟.
ومن هنا ربما جاءت استباكات التون كوبري بين الطرفين.وهذا قد يعني ان المناطق المنتزع عليها قد اصبحت فعليا خطوط تماس ساخنة،بين بغداد واربيل من جهة،وايران واميركا من جهة اخرى.

السيناريوهات المحتملة

اولا
سيناريو  كامب ديفيد
انسحاب بافيل طالباني من كركوك ربما نقض تفاهم واشنطن ١٩٩٨ بينه وبين حزب بارزاني،وهذا قد يجعله في مواجهة تحديات كبيرة مع  الشعب الكوري والبارزاني والاميركان،بسبب ارتباط جهالت محددة من حزب طالباني بايران.وهذا قد يؤدي  الى استهداف هذه الاطراف من جهة ،ومن جهة اخرى،الى انهاء التحالف  التاريخي بين حزب بارزاني وطالباني،وظهور تحالفات  كوردية جديدة.وربما جاء رفض 32 حزب كوردي شروط بغداد للحوار من جهة، ومن جهة اخرى دعوة حركة التغيير والجماعة الاسلامية، وبرهم صالح، الى انشاء حكومة انتقالية،جزء من الحراك الكوردي الكوردي بعد ازمة كركوك.
هذه التداعيات الكوردستانية قد تشير ان  كوردستان بانسحابها وعدم قتالها قوات بغداد،قد قدمت تنازلات مؤلمة بحق حلم شعبها،على العبادي ان يقابلها بتنازلات شيعية مماثلة ان اراد للعراق ان يستقر ضمن سقف الدستور.فقد سبق البارزاني العبادي مرتين،مرة بتجاوزخطوط ولاية الفقيه الحمراء،ومرة وبانسحابه وعدم قتاله قواته،وعلى العبادي ربماان يردها مرتين.
وان كان العبادي قد قام بفرض مايسميه القانون والدستور ضد البيشمركة  في مناطق المادة ١٤٠، فعليه ان كان دستوريا في منهجه، ان ينفذ خطة فرض القانون والدستور بحق الحشدالشعبي.وتنفيذ خطو فرض القانون على مليشيات الحشد الشعبي التابعة لولاية الفقيه، قد تفتح االباب  لتداعيات سياسة في بغداد مماثلة لتداعيات كوردستان بعد دخول كركوك، ومنها تحالف شيعية شيعية جديدة بعيدا عن هيمنة الحشد الشعبي التابع لايران.
وان صح هذا التنظير،واضفنا له ان بارزاني ومسعود حلفاء واشنطن، فقد ترعى الولايات المتحدة ادارة مشتركة للمناطق المتنازع عليها بين اربيل وبغداد،كما فعلت  بين السادات وبيغن في ال في اتفاقية كامب ديفيد1978.وقد تكون هذه الاتفاقية دولية اقليمية اكثر منها محلية.
ثانيا
 (سيناريو الكويت)
تحالف دولي ضد المليشيات الايرانية
دخول كركوك ربما شق صف الكورد واجل سعيهم للدولة واوقف تحرك السنة نحو الفدرلة ومنح العبادي نصرا،لكنه قد فتح بعد حرب داعش بابا لحرب اخرى.فانسحاب البيشمركة امام الحشد الشعبي والقوات العراقية من كركوك دون قتال وباشرف سليماني علنا،قد يشبه انسحاب القوات العراقية من الموصل دون قتال امام داعش باشراف سليماني سرا.
وتكمن الخطورة هنا، ان ايران ستتمكن من نقل الفوضى بعد كركوك الى اربيل،اي الى منطقة الاستقرار الوحيدة في عراق 2003.وهذا قد يمثل تهديدا خطيرا لاستراتيجية الولايات المتحدة، يتمثل في خسارة حليف تاريخي ممثلا بالكورد ربما،من جهة، ومن جهة اخرى،فان تركيا الحليفة الاخرى للولايات المتحدة،قد يجعلها تفكك كوردستان في مواجهة خطر اعظم من خطر الفدرلة او الدولة الكوردية،اذ ستكون كوردستان اسيرة فوضى داعش وماعش وب ك ك وجميعها يعد تركيا عدوا استراتيجيا.
كما ان سلوك البيت الابيض والخارجية الاميركية والتحالف الدولي اثناء وبعد غزو كركوك تذكرنا بسلوك اميركي مشابه مع صدام قبل غزوه  للكويت. فرفض اميركاالحديث عن غزوايران لكركوك رغم ثبوته،وتصريحاتها بعدم التدخل بين الطرفين،قد تفتح بابا لاشتباك اميركي ايراني محتمل في المناطق المتنازع عليها،في توقيت متزامن،مع اعلان ترمب استراتيجيته ضد نفوذها في المنطقة.او قد تغري ايران بغزو اربيل فيكررسليماني مافعله صدام بالكويت، وهو الاسوا الذي قد يفتح الباب لتحالف دولي وربما كانت اشتباكات التون كوبري جس نبض في هذا الاتجاه.
وهذا قد يعني ان تداعيات سقوط الموصل ربما قد تشبه تداعيلت (سقوط) كركوك.وقد دعا تيك تيلرسون اليوم الى خروج مليشيات ايران من العراق.اي ان سليماني قد اختبر استراتيجية ترمب بعد صدورها ب 60 ساعة،من خلال استغلال ضعف خاصرة العبادي وبارزاني بسسب جماعات تابعة لسليماني.
 وان دخلت قوات موالية لايران اربيل،فقد القت التسعينيات  بظلالها على العرق من جديد ودخلت في سيناريو الكويت والحظر الجوي ربما،والنزوح الكوردي  والسني العربي المليوني نحو تركيا،ولكل حادث في هذا حديث.
رابعا
سيناريو الجزائر 1975
لكن سيناريو دخول اربيل قد يحمل معه  احتمال اخر، يذكرنا بسيناريو تخلي اميركا عن الكورد لصالح عراق بعيد عن ايران،كما فعلت في اتفاقية 1975،حين تخلت  اميركا عن الكورد ليتقرب العراق من ايران التي كانت حليفة واشنطن يومها.وهذا السيناريو يخالف ماقرناه في مقدمة هذ القراة عن ان الكورد قد اضحوا لعبة استقرار  وليس لعبة حرب وسلام، لكن لاشي مستحيل في عالم السياسة.
خامسا
سيناريو المقاومة الكوردستانية
تصريحات كوسرت رسول وشيخ جعفر قائد القوة 70  التابعة للاتحاد الوطني، اضافة  الى تصريحات هوشيار زيباري ومسعود بازاني،الذي دعا لتدخل المجتمع الدولي، وهي الدعوةالتي يساندها زلماي خليل زاد وغيره من الدبلوماسيين الاميركيين، تشير  جميعا الى انهم لن يتنازلوا عن الاستفتاء،وان كركوك محتلة وانهم سيستعيدونها.
كما ان اشتباكات التون كوبري  القاسية بين البيشمركة والحشد الشعبي كانت كانا درسا لقوات الحشد الشعبي.ونظرة سريعة على  خط مندلي سنجار، يعطي انطباعا ان المناطق المتنازع عليها قد تكون فعلا مناطق نزاع عسكري يمتد تارة باتجاه كوردستان،وتارة باتجاه محافظات السنة العرب المجاورة لكوردستان.
وقد تتطور الاشتباكات بين الطرفين لتخرج بالموقف من سيناريو الادارة المشتركة الى سيناريو المقاومة الذي قد يشتد تارة ويخف اخرى تبعا لمسار المفوضات بين الطرفين،وقد تحسمه في نهاية المطاف تحالفات الاطراف ومواردها.

الخلاصة

اكثر العوامل التي ترجح سيناريو كامب ديفيد او الجزائر او الكويت او المقاومة،هو سلوك العبادي  اكثر من سلوك الاطراف الاخرى.
وكلما تمكن العبادي  من ضبط الحراك العسكري  والابتعاد عن الصدام الصفري،وتفعيل الدستور،اتجه المشهد نحو السيناريو الافضل وهو الادراة المشتركة، اي سياريو كامب ديفيد.
وكما فقد العبادي القدرة على التحكم بالحشد الشعبي،كلما اتجه المشهد نحو السيناريو الاسوا،الذي سيضطر الولايات المتحدة،الى الدفع باتجاه تحالف دولي ضد المليشيات، اي سيناريو الكويت.
ووماما سيناريو الجزائر، فربما هو السيناريو غير المتوقع بين بقية السيناريوهات،وقد يستدعي استقالة بارزاني،وربما تشير له مذكرات القاء القبض على القيادات الكوردية التي تصدرها المحاكم العراقية،لكن السؤال هل الشيعة قادرون على الثورة على ولاية الفقيه، الجواب قد يكون نعم.
 وايا كانت السيناريوهات،فان الاستفتاء وتداعياته التي بدات في مناطق المادة 140،ستفتح للسنة  العرب فرصة تاريخية، للتوجه نحو الفدرلة وفق المادة 119 بالتفاوض مع بغداد، او بفرض الامر الواقع في محافظاتهم بدعم المدجتمع الدولي.