العراق وسبل استقراره / الجزء الأول

د. عبد الناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
بعد الانتهاء من الأعمال الحربية التي طردت التنظيم الإرهابي “داعش” من محافظات العرب السنة في العراق،كان لا بد من رؤية واضحة للخروج من الأزمات المتكررة  التي عصفت بالعراق والعرقيين، هذه الرؤية تعمل على تجاوز الفشل في العملية السياسية التي تسببت بوجود الإرهاب وتسهم بطريقة أو بأخرى إلى الاستقرار، فبعد تغيير المشهد العراقي المتمثل بطرد “داعش” ودعوة السيد العبادي -كأعلى سلطة تنفيذية- للإصلاحات السياسية استجابة للشارع العراقي الذي خرج منددا بالفساد والفاسدين، بات من الضرورة بمكان تحديد البوصلة باتجاه رؤية عراقية للخروج من الأزمات التي شهدتها الساحة العراقية لأربع عشرة سنة مضت، وتعد هذه الرؤية مطلبا لجميع المخلصين من ابناء هذا البلد، فالخراب الذي عم في العراق يحمل جميع المشاركين في العملية السياسية المسؤولية بشكل أو بآخر، لكون من يضع لجاما في فمه ليسكت عن قول الحق فسيضع أهل الباطل سرجا على ظهره يمتطونه حيث يريدون كما قال أحد الحكماء. فالانظمة الطائفية والاستبدادية والانتهازيون والنفعيون وأصحاب الأطماع والأهواء والباحثون عن المال والجاه والسلطة. . . كل هؤلاء لهم دور في الفوضى التي عصفت بالساحة العراقية وليست الأعمال الحربية بسبب الإرهاب فحسب، بل الانحدار إلى مستنقعات الطائفية والفساد وعسكرة المجتمع، فالفئوية والمصالح الضيقة جعلت من الساسة الفاسدون ينحدرون بالعراق إلى مهاوي التخلف والفشل، ويشاركهم من سكت عن قول الحق في وجوههم من شركائهم، كما يتحمل تبعا لذلك كل من رضي أو لم ينبري للتصدي لهذا الباطل بما يستطيع ولو برفضه شعوريا. وبعيدا عن التشخيص وتبادل التهم والتبرير كان لابد من نظرية للخلاص تتبلور حول رؤية واضحة المعالم بينة القسمات، يشترك في صياغتها المفكر والسياسي والإعلامي والمثقف بل هي مسؤولية العراقيين كافة كل من موقعه، وباعتبار عملنا في مراكز الدراسات كان لا بد من الاسهام الفاعل حول صياغة كليات هذه الرؤية من الزاوية النظرية ونشرها لعلها تلاقي من يصوب وينضج قبل أن تلقى مقتنعا بها يترجمها واقعا عمليا.
    أثبتت التجاراب الكونية في هذه المعمورة أن قرار الاستقرار والتقدم في كل بلدان العالم هو قرار سياسي بالدرجة الأساس، ومع اعتبار الفشل الذريع الذي منيت بها الساحة السياسية في العراق كان لا بد من تصويب المسار وتعديله، وهنا لا نعني بإهمال البعد السياسي القديم بالكامل بل ما مضى يمثل تراكم معرفي في السياسات التي أفضت إلى الفشل والخراب، لذا لا نبذل هنا جهدنا في تشخيص المجرب واجترار تجاربه المريرة وبعد ذاك نعتقد بفاعلية إصلاحه وترقيعه فحسب فهذا عبث لا طائل من جرائه، بل يتطلب الأمر تغييرا يمس جوهر العمل السياسي. فالعراق بلد تحول بعد الاحتلال إلى بلد مكونات لا بلد مواطنة كما كان، ويفترض أن نظامه أضحى ديمقراطيا كما ينص الدستور، ويدعي التداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات الثلاث كما يقول الدستور أيضا، هذا على مستوى النظرية أما على مستوى الفعل فالأمر غير ذلك، هناك سعي لآسئثار مكون على السلطة من غير أي شراكة حقيقية، وهناك استهداف للخصوم السياسيين إلى حد الاغتيال والتسقيط السياسي والاعتقال، وهناك تأثير من السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية وتعمل التنفيذية لاستهداف البرلمانيين المخالفين لها بتلفيق التهم الكيدية واستهدافهم بالاعتقال حتى على حساب الحصانة الدبلوماسية.. لا توجد سياسة حقيقية بل استحواذ واستهداف من قبل الحاكم للخصوم السياسيين وليس لإرهابيين ولا الفاسدين ولا المتجاوزين على القانون. يظن السياسي المستبد أن هذه الطريقة تمكنه من تكريس القرار بيديه، ومن ترويض خصومه وتعينه على الاسئثار بالسلطة والقوة والمال من خلال الفاسدين من اتباعه، وغفل أن هذا الطريق نهايته مهلكة، فهو يدفع المعارض سياسيا معارضة شرعية واتباعه نهجا مختلفا قد يلجأه للإرهاب أو للخروج عن القانون حين تستهدف هويته ونفسه وماله ومدنه تراه يبحث عن رد فعل مقابل قد يكون أعنف.
     يعد الدستور الوثيقة العليا التي يتبجح بالاحتجاج بها جميع من شارك بالعملية السياسية، والحقيقة أن أصحاب القرار ينتقون من الدستور ما يناسبهم وبعطلون ما يقف حائل أمام مشاريعهم المشبوهة. ان غياب الارادة السياسية لتطبيق الدستور او الانتقائية في تطبيقه عطل هذه الوثيقة المهمة مما عرض العراق الى تحديات تهدد أمنه ووحدته وازدهاره، وأولى خطوات الخروج من الأزمة العراقية يتمثل بإلتزام نظام دستوري فدرالي مستقل وموحد مع ضمان ممارسة الجميع لحقوقهم في السلطة الاتحادية على وجه الحقيقة لا الإدعاء. واحترام الدستور كما هو الآن والإلتزام ببنوده كافة ضرورة وطنية تقتضيها المصلحة العامة في الوقت الراهن لحين توفر الإرادة الحرة والرؤية الموحدة لتعديل بعض فقراته المختلف عليها. فالدستور هو خطاب للجميع وينبغي الا نتعامل معه بانتقائية ، و بناء العراق وفق مبادىء الدستور التي تأسست الدولة على اساسها مطلب وطني للعراقيين كافة مع اعتبارنا أن من غيب العمل بالدستو وعطله هم كاتبيه من المكون الذي يملك القرار في العراق، وتفعيل العمل بالدستور ضروري لكونه الوثيقة الوحيدة التي يتعين على العراقيين الاحتكام وفق موادها على الأقل في الوقت الحالي. مع اعتبار اكمال تشكيل المؤسسات الاتحادية الواردة في الدستور (مثل مجلس الاتحاد ، المجلس الاعلى للطاقة ، هيئة مراقبة تخصيص الواردات الاتحادية وهيئة ضمان حقوق الاقاليم والمحافظات وغيرها) وتفعيل دورها اتحادياً بما يضمن المشاركة الفاعلة في ادارتها وصلاحياتها والحفاظ عليها كحاضنة لجميع المحافظات والاقاليم. ونجد أن أكثر الذين أساء اداؤهم السياسي للعراقيين هو الذي عطل الدستور وانتهك الحرمات واستبدل النظام الديمقراطي بنظام استبدادي يقترب من نظام الحزب الواحد مع مفارقة أن هذا الحزب تضخم ليكون مكونا واحدا في بلد غابت عنه المواطنة بشكل مريع. الأحداث التي تلت استفتاء أقليم كوردستان أكدت على نوايا الحكومة الاتحادية من هيمنة على بقية المكونات والاستقواء عليها بالخارج ، الأمر الذي خلخل الثقة بين مكونات الشعب العراقي بشكل كبير وفي مختلف الاتجاهات فالحكومة الاتحادية قلقة بشأن عزم المكون الكوردي على الأنفصال، والمكون الكوردي يعزو توجهاته الإتفصالية بالفشل الذريع الذي منيت به الحكومة الاتحادية التي قادتها أحزاب وشخصيات طائفية ثبت للجميع استعدادها تسليم البلد للإرهاب في سبيل تحقيق مشروعها الطائفي التوسعي. والمكون العربي السني مسحوق بشكل لم يسبق له مثيل،  فأبنائه ما بين المقابر والمحاجر والمهاجر كما تمنى له بعض قادة التحالف الوطني “الشيعي”، ومحافظاته مهدمة ومشاركته هزيلة ولايملك أدنى مقومات الحياة البسيطة، أما ثقته بالمكونات الأخرى فهي منعدمة. لذا إن سعت التوجهات الجديدة للعبادي للإصلاح على وجه الحقيقية فهي بحاجة إلى حاضنة شعبية واسعة – من المكونات الأخرى غير مكونه_ تؤمن به وتسدد من يسير على دربه وتعضد من مسيرته،كما يتوجب على العبادي لتفعيل هذه الإصلاحات أن ينال ثقة شعبه وأن يعول على القيادات التي تحضى بمقبولية مجتمعية عالية مستفيدا من خبراتهم في سبيل تحقيق رؤيته عبر مجموعة أو حزمة من الإصلاحات نراها تبتدأ في الخطوة الأولى إلى إعادة تجسير الثقة بين المكونات كافة وذلك عبر الأداء المهني المتميز الذي يمتلك إرادة التغيير الحرة ويسعى لتحقيق الآتي؛  الالتزام بالتوافقية السياسية لمنع تفرد اية جهة او حزب بالقرارات الاستراتيجية المتعلقه ببناء الدولة وحفظ حقوق جميع العراقيين. الاتفاق على شكل الدولة العراقية المدنية التي تحترم التوجهات الدينية والمذهبية ولاتسمح باستغلالها للتدخلات السياسية، الالتزام بالشراكة الحقيقية في السلطة، والتوزيع العادل للثروات، وتعظيم المصالح المشتركة لمكونات الشعب العراقي كافة وفي جميع مناطقه.  العمل الجاد للقضاء على الفساد الإداري والمالي وتفعيل الجهات الرقابية وتعزيزها وحمايتها بما لايتيح لأحد ابتزازها.الاتفاق على اُسلوب ادارة تحت سقف الدستور يضمن مشاركة وحقوق جميع أبناء المحافظات التي تتضمن مناطق متنازع عليها، وبما يحافظ وحدة العراق وكونه اتحادي فدرالي من خلال اتاحة الفرصة لمعالجة الخلل القديم باعادة ترتيب الساحة العراقية أما أن تكون مجموعة أقليم أو مجموعة محافظات تقترب في صلاحياتها من الأقاليم. عودة آمنة للنازحين ومنع التغيير الديموغرافي أو التلاعب بالحدود الاداريه للمحافظات عما كانت عليه من قبل.اطلاق خطة تنمية شاملة تعطي الاولوية للمحافظات المتضرره من الارهاب وتخصيص الميزانية اللازمة لذلك. معالجة العوامل التي ادت الى الانفلات الامني وظهور الارهاب والمليشيات ورفض اية حالة لاستخدام العنف ووجوب حماية السلم الاهلي بين العراقيين. اعادة بناء المؤسسات على اسس مهنية ومراعاة التوازن الوطني فيها وفي مقدمة ذلك المؤسسه العسكرية والامنية، والالتزام بالقانون وحماية حقوق الانسان واطلاق سراح المعتقلين والإسراع في حسم قضايا المتهمين والكشف عن مصير المختطفين والمغيبين.
        الانتخابات الحرة النزيهة مطلب شعوب العالم كافة لكونها الوسيلة الأكثر نجاحا لانهاء التفرد والاستبداد، غير أن الانتخابات كعنوان كبير في العراق يفتقر للعناصر الموضوعية الأساسية، فالانتخابات العراقية متخلفة بما لا يمكن تحديد نتائجها إلا بعد شهور في وقت باتت الانتخابات في العالم بأسره تحددها الساعات لا غير، الافتقار لآبسط المعايير الفنية تفقد الناخب ثقته في القائمين على إدارة الانتخابات سواء كانوا في المفوضية العليا، أم بقرارات الأحزاب التي تسوقها في البرلمان رغم أنف الجميع،  فمن حق الناخب أن يطمئن على عدم التلاعب بصوته كما هو الحال مع البلدان المتقدمة، لذا نجد من الضرورة بمكان اعتبار المعايير المهنية العالمية ومنها أن يكون التصويت إلكتروني ومنها أن يكون القائمون عليها مستقلين فعلا ولا تربطهم بالأحزاب السياسية أي صلة ولا يخضعون للترهيب والابتزاز من قبل السلطات أو الميليشيات أو الإرهاب أو أي جهةأخرى. وأن تكون هناك رقابة دولية أممية لان الوضع العراقي صناعه خارجية وبالتالي مالم يحصل تدخل ودعم وضمانه خارجية لا امكانية للتفكير بحل مختل احد اطرافه يستقوي بالخارج والأطراف الاخرى مسحوقة.
  تتضمن هذه المقالة رؤية واضحة كلية للخروج من الأزمة العراقية التي عصفت بها الرياح الطائفية لأربع عشرة سنة عجاف لم يشهد التأريخ المعاصر أسوء منها، وسنسعى لتفصيل بعض مفاصلها في القادم القريب بإذن الله تعالى، لكونها خطوة على الطريق نرجو أن تستبعها خطوات أخر، ونأمل أن تنال رضا المهتمين بالشأن العراقي من المفكرين والساسة والقادة والرادة لتعديلها وتنضيجها أو الاستفادة منها للخروج من ليل العراق الحالك إلى صبح قريب يتنفس بإذن الله تعالى.