مشاريع الاتصال الطبيعي والانفصال السياسي للعراق واقليمه

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
في العقد الثالث من القرن الماضي توحدت الرؤى للقوى العالمية بشان أسس السلام العالمي وأصبح الخوف من شرق أوسط متحد واضحا بشكل بارز وكان نمو هذا الخطر باديا بشكل أساس بين الحربين العالميتين. وكردة فعل حول ذلك حاولت القوى الغربية أن تعزز قواها الداخلية والخارجية في المنطقة من خلال المشاركة في التحالفات والتوسع المشترك في المشاريع التنموية ومصادر الطاقة وتوجيه تلك المشاريع بما يعزز الانفصال.
          وجدت تلك القوى الكبرى أن المشاريع المشتركة كمشاريع صناعة النفط وإنتاجه ونقله إلى جوار مشاريع السكة الحديدية كوسائل حديثة للاتصال ستعزز أوجه الوحدة بين شعوب المنطقة أكثر من أية مشاريع سياسية أخرى.
ووجد المخطط الغربي أن مشروع السكة الحديدية قد يكون اخطر من مشروع نقل أنابيب النفط لتحقيق هذا الاتجاه. وفي إشارة حول الدراسات التي قامت بها القنصليات الأمريكية في المنطقة حول طرق مد الأنابيب النفطية مع طريق السكة الحديدية الواصلة إلى البحر الأبيض المتوسط ابلغ مثال لهذا الجانب .
          فتأثير الوضع السياسي للانتداب الفرنسي مثلا والتعمد بشكل خاص بفصل سوريا عن المملكة السعودية والحجاز بشكل خاص رغم الامتداد الجغرافي الطبيعي ومد حدود الأردن ليتصل بشكل مباشر بالعراق لضمان الحماية على أنبوب النفط مثلا ليكون تحت التأثير البريطاني المباشر لم يمنع من مرور خط النفط الآخر عبر سوريا فقط لكنه منع مشروع السكة الحديدية من الانجاز بسبب ذلك.
والأمر الآخر لهذا التمثيل ما أوردته القنصلية الأمريكية في بغداد حول مد خط السكة الحديدية بين “العراق وكردستان” إذ إن مد خط سكة حديد شرق بغداد إلى اربيل وشمال العراق كان سيمثل وجه آخر من أوجه الربط الحيوي لأجزاء البلاد وكان منع ذلك المشروع دليلا آخر على ذلك التوجه السياسي التقسيمي.
          فقد وجدت دول الشرق الاوسط نفسها بعد الاستقلال الشكلي الذي نالته في القرن العشرين أنها مثقلة بتراثها الزاخر وخصوصيتها المتفردة وبمستوى اقتصادي ضئيل تجعلها في مستوى أفقر دول العالم من ناحية دخل الفرد، وبسبب هذا الوضع الاقتصادي أصبحت هذه الدول على المستوى الاقتصادي من الدول النامية مقارنة مع من سواها من الدول.
وقد كان ومنذ البدء للتدخل الإقليمي والدولي في دول الشرق الاوسط رأي بارز في رسم تشكيل مستقبلهم وتنظيم هيكلتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولعل كان أللاعب الحاضر والغائب القديم ومنذ خمسة قرون والحاضر بطموحه الإقليمي السياسي والديني ومحاولته إعادة تشكيل الدولة المريضة والمنهارة وهي الدولة العثمانية التركية الجديدة.
          لقد كانت هذه الإمبراطورية العجوز من ابرز اللاعبين في المنطقة بعد الدولتين البريطانية والفرنسية المحتلتين وكانت الغائب الأبرز في كتب المؤرخين الذين ذهبوا بعيدا في دراساتهم عن الدور التركي في دول المنطقة وأثره في رسم المستقبل في القرن العشرين.
          لقد كانت لمعارك الأتراك مع البريطانيين بعد الحرب العالمية الأولى مثلا اثر بارز في ذلك النفوذ وكانت لمطالبة الأتراك بالموصل وجه أخر من أوجه ذلك التأثير وكان لرجال بريطانيا في العراق وعلاقتهم القديمة بالجيش العثماني اثر كبير في تلك التدخلات, وكان اثر العامل الديني بارزا في تقديم رجال السنة العلمانيين للحكم في العراق وكذلك في رسم الحدود والأقاليم العراقية.
          وكانت هزيمة البريطانيين على يد الأتراك في جنوب تركيا بعد معاهدة مندروس مؤلمة وقاسية وأعطت الدافع للأتراك بالمطالبة للتوسع خارج حدود تركيا بعد توقيعها على تلك المعاهدة خلال خسارتها الحرب العالمية الأولى ووقف بطل تركيا القومي آنذاك أتاتورك موقفا بارزا في وقف سلسلة الانهزامات المتتالية للرجل المريض, ثم إن انفتاحها القومي جعل منها دولة إقليمية تمثل مصالحها الخاصة فقط بعد إن كان مفهوم المصالح تلك هي رعاية مصالح المسلمين بشكل عام في العالم.
          هذا التغير في الإستراتيجية التركية جعلها تفكر من جديد بأنها دولة إقليمية من دول المنطقة ترتبط مصالحها بشكل أساس مع دول مجاورة ومستقلة بجوارها ضمن منظومة غربية حديثة في رسم خارطة العالم القديم.
ومن هنا جاءت المباحثات البريطانية التركية الأمريكية في أوائل العشرينات لرسم حدود العراق الجديدة وتمكين رجال تركيا في العراق من تبوء المناصب السياسية الهامة في تشكيل النظام السياسي الحديث. فبالرغم من خسارة تركيا الحرب مع الغرب إلا أنها بالتأكيد كانت أقوى دولة إقليمية يمكن الاعتماد عليها أو التأثير على الاستراتيجيات الغربية الحديثة في نظام اقتصادي عالمي جديد نشا بعد أعقاب الحرب العالمية الأولى.
          ومن الحقيقة القول أنه لو كان هناك بضعة مؤسسات صناعية وتنموية واقتصادية كبيرة لدول الشرق الاوسط فإنها كانت ستعطي لدولها قوة عسكرية قوية ذلك لان أية أمة إذا كان عليها الاعتقاد أنها يجب أن تدافع عن نفسها لوحدها من خلال تكريس الثروة والتي تعد القوة الأساسية المهمة المعدة للهجوم والدفاع عن نفسها فستكون في وهم كبير بدون مساعدة تلك الشركات ذلك لأنه أصبح الإخلاص أو الولاء الوطني فحسب غير معتمد عليه في الدفاع عن الأمم وربما سينحصر تأثيره بكسب الدعم الشعبي لأية قضية يمكن أن تواجه تلك الأمم.
          كذلك وعلى طول المسارات التاريخية الحديثة والمعاصرة للشعوب العربية نجد أنها لا تستطيع من بلوغ مأربها وتطلعاتها إلا من خلال تميزها الوطني والقومي والإسلامي والذي يعتبر سمتها الفكرية الصحيحة لتلك التطلعات والآمال اضافة الى الامتداد الجيوغرافي الطبيعي، وبغض النظر عن نتائج تلك الإعمال في نجاحها أو فشلها حين اتخذت أساليب خاطئة لتطبيق أفكارها على الواقع وليس على فشل وانحدار سياسة الآخرين من الأعداء الغازين أو الخصوم المجاورين أو من المحيطين الطامعين.
          فحين تريد إن تبني بلادا راسخة وعلى أصول قوية وثابتة ومستمرة غير منقطعة بأهلها ولديها ديمومة التواصل والعيش والنمو الصاعد على وتائر عديدة نجد إن من الأساس إن تتميز تلك الخطوات القائمة على سمات فريدة من تلك التي سبقتها سواء كانت سمات فكرية أو اقتصادية أو ايديلوجية.
لذلك وجب إيجادالارض الطبيعية والهوية والصفة الشخصية للمجتمع ليتمكن من معرفة أصول النهوض الفكري والعلمي لشعبه ومن اجل ذلك جاءت سمة البطل أو صفة المنقذ أو القائد واجبة في التفكير السياسي والاقتصادي والاجتماعي لهذه المنطقة اليوم.
          إن تقديم هذه النظرية واستنهاض هذه الغريزة لدى شعوب المنطقة وإيجاد السمة التي يجب إن يتسم بها أبنائها والتميز بها عن النظام الغربي ما يتسم بها من دعائم الديمقراطية والحرية والسلام الغربي وما سوى ذلك قد يكون بداية لبناء جديد في معرفة القيادة القادرة على بناء هذه الشعوب لطريقها الخاص لحياة جديدة ومستقلة.
ثم إن تلك المعايير بعد ذلك اختلفت لتجعل من تطلعات الشعب المعينة في الحرية والاستقلال أمراً جوهرياً وقانونياً مهماً في انتشار الدول فأصبح الاستقلال وتقرير المصير والإرادة الوطنية وهو حقاً من حقوق الشعوب في القانون الدولي ودخل ذلك في حسابات المستعمر من جديد.
        أن المسؤولية الرئيسة للتنمية تتضمن النمو الاقتصادي لذلك فأن الحكومات الغربية فشلت في بناء علاقات حقيقية مع الشرق لأنها لا يمكن لها أن تضمن الربح الاقتصادي ألا من خلال الشركات والاستثمارات الخاصة ولذلك فأن صعود المستوى الاقتصادي أصبح مرتبطا بالنمو الوطني والرأسمال الخاص وليس بالاستثمارات الأجنبية .