العراق وسبل استقراره / الجزء الثاني

د. عبد الناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
في رسالة للنائب عادل نوري عن التحالف الكوردستاني إلى السيد رئيس مجلس النواب في 2/10/2017 أكد فيها النائب على التوافق الذي بنيت عليه العملية السياسية بعد الاحتلال، ويتسائل -بعد أن طفت على الساحة السياسية دعوات الأكثرية والأغلبية السياسية- هل حدث انقلاب على مبدأ التوافق؟ لكون جميع القرارات التي اتخذت بعد الأحداث التي تلت استفتاء أقليم كوردستان غاب فيها النواب الكورد. فهل تعتبر هذه القرارات في ظل غياب ممثلي مكون كامل عن مجلس النواب؟ مع اعتبار كون العملية السياسية ارتكزت على توافق ثلاث مكونات رئيسة للشعب العراقي. والأحداث التي عصف في الساحة العراقية عقب الاستفتاء أبعدت ممثليهم عن مجلس النواب لسبب أو آخر، والسؤال هنا لماذا ابتعاد هؤلاء الأعضاء لم يؤثر على قرارات مجلس النواب العراقي؟
 وبعيدا عن الولوج في مطلب النائب وتساؤله المشروع، كان لا بد من التذكير بأن اعتماد آليات التوافق، سواء أكانت المثبتة في الدستور، أم في قوانين الانتخابات، أم ما ورد في العديد من الاتفاقيات التي تحكم العلاقة بين الكتل السياسية الممثلة للمكونات العراقية، يعد صمام أمان العملية السياسية التي سلبت حقيقة هذا التوافق لحساب أحزاب سياسية تابعة لمكون واحد فحسب، ومع ذلك بقي هذا المبدأ في الاتفاقات كافة من غير تغيير -مع اعتبار كونه مسلوب لصالح أصحاب القرار-.
     هل التوافق بدعة في السياسة العراقية أم له جذور في بلدان العالم؟ الإجابة عن هذا السؤال ضرورة لتكريس مبدأ  يحفظ للعراقيين حقوقهم على الأقل في المرحلة الراهنة التي ساد بها انعدام الثقة ما بين المكونات كافة. حسب موسوعة المصطلحات السياسية فإن تعريف مفهوم “التوافق السياسي” كالأتي: هو إتفاق عام بين الأحزاب السياسية على إدارة شؤون البلد بناء على أُسس توافقية بغض النظر عن حجم تمثيلها البرلماني الحقيقي (الأحزاب الكبيرة والأحزاب الصغيرة). والمثال الكلاسيكي على هذا المفهوم يتجلى بسياسات وأداء الحكومات الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً بريطانيا. ولأن هذا المفهوم ظهر مباشرة بعد الحرب، سُمي في بعض المراجع السياسية، بالتوافق السياسي لفترة ما بعد الحرب (Post war political consensus) فالتوافق السياسي مصطلح أُطلِق لأول مرة على طبيعة عمل الحكومة البريطانية للمدة ما بين (1945-1979).عندما أطلق المُحللون السياسيون وخبراء العلوم السياسية مصطلح “التوافق السياسي” على الظاهرة التي سادت الحياة السياسية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية وأستمرت الى سبعينيات القرن العشرين. وتَمثّلتْ تلك الظاهرة بتوافق الحزبين الرئيسين “المحافظين، والعمال”، على السياسات العامة للحكومة، مثل تحقيق الرفاهية، والضمان الأجتماعي، وخدمات الدولة في القطاع الصحي، وإنتشار تأميم الصناعة وغيرها. وأصبح من المألوف في الأعراف الدولية تبني أنظمة الحكم المختلفة للديمقراطية المباشرة (التوافق الوطني من خلال إجراء الإستفتاء)، لحل المأزق أو الطُرق المسدودة في أيّة قضيّة مهمّة تحتاج في حلها إلى توافق سياسي بين مجموعة من الدول أو بين الأقاليم المكونة لها،  كما أقرّت المحكمة العليا الكنديّة موافقتها على الاستفتاء كطريقة لحلّ قضيّة انفصال إقليم كيبيك. وفي كينيا  نصّ التشريع الخاصّ بعمليّة وضع الدستور على إحالة القضايا الخلافية إلى الشعب( أي القضايا التي لم يكن حلها ممكنا بثلثي الأصوات داخل البرلمان) وذلك في عام2005.
    إن رؤيتنا للحل في المعضلة السياسية العراقية تنطلق من الحاجة الى عقد شراكة وطنية حقيقية تعتمد اعتبار مكونات الشعب العراقي كافة بما فيهم الاقليات، برعاية وضمانة دولية واقليمية ينتج عنه وثيقة ملزمة، وحكومة شراكة وطنية، تؤكد على الالتزام بالتوافقية السياسية لمنع تفرد اية جهة او حزب بالقرارات الاستراتيجية المتعلقه ببناء الدولة، وحفظ حقوق جميع العراقيين كما هو معتمد من قبل، على أن يكون واقعا حقيقيا على الأرض لا أن يكون شعارا على الورق فحسب ،كما هو الحال مع الحكومات المتعاقبة التي تتحمل مسؤولية التدهور الأمني الذي شهده العراق بسبب سياساتهم الإقصائية. إن استمرار مبدأ التوافق بين ممثلي مكونات الشعب العراقي للاتفاق على حد أدنى من القواعد التي تحكم ممارسة السلطة على قاعدة ضمانات متبادلة للمصالح الحيوية للأطراف المشاركة في العملية السياسية كافة، من أجل تثبيت أسس الاستقرار السياسي ابتداء ومن ثمة معالجة الفشل الذي تراكم بسبب ممارسات السياسات السابقة، إذ لم تنتج تراكمات الاستبداد السياسي وأنماط البناء المشوهة السابقة للدولة والمواطنة سوى ظهور طبقة سياسية تقود العملية السياسية في العراق غابت فيما بينهم أي قاعدة أساسية من الثقة، ولم يكن منظارهم لعملية بناء الدولة والمواطنة العراقية سوى أنها وسيلة لرفع الحيف المتوهم على مكون من المكونات بسبب سياسات النظام السابق للاحتلال، ومن ثمة بحجة المظلومية تكريس الفعل لكسب مزيد من الامتيازات لهذا المكون على حساب الآخرين وبالتالي تهميش وإقصاء للعرب السنة وتحميلهم أوزار النظام الشمولية التي حكمت العراق قبل الاحتلال. إن الشروع في بدء عملية بناء المواطنة العراقية على مراحل متعاقبة تفضي إلى إعادة تجسير الثقة ما بين الأطراف المنخرطة في العملية السياسية، ومن ثمة التحول التدريجي بفعل الممارسات العادلة من نظام يعتمد المكونات إلى نظام يعتمد المواطنة بعد أن يكون التوافق بلسما يلامس تكامل الفعل السياسي السليم هو المخرج من تراكم الفشل الذي مني به من حكم العراق بعد الاحتلال. إن قيام حكومة عادلة ديمقراطية لا فئوية ولا طائفية ولا قومية تجمع العراقيين كلهم وتجعل العدل والاحسان رائدها، وتشجع من خلال سلوكها المتسامح والمتحضر الانسان العراقي على التخلي عن خوفه، والتطلع لمستقبل يعيش فيه حراً هو والأجيال التي تأتي بعده هو المخرج الحقيقي من مستنقع الفشل الذي غمر العملية السياسية وقادتها في العراق. إن تحقيق مصالحة وطنية شاملة مع كل ابناء الشعب العراقي وتجريم الطائفية والتنازل عن الولاءآت الثانوية والفرعية والقومية والمذهبية لصالح الولاء الوطني للعراق على مستوى الفعل والممارسة يمثل بداية الشروع على جادة الإصلاحات التي تسهم في إنهاء حالة الفشل الذريع الذي منيت به العملية السياسية في العراق. فالذي يتعين على فعله من قبل القوى السياسية هو أن تكون بالمستوى المطلوب في بث الوعي السياسي بين الناس فتكون بذلك أدوات حضارية في غرس المواطنة لا سبيل لتمزيقها وتشويهها ونشر ثقافتها وقيمها، بما يحقق تأثيرا كبيرا في تأسيس الهوية الوطنية العراقية، فضلاً عن ممارسة النخب المثقفة لدورها في نشر ثقافة اللاعنف والتسامح بين الناس، فيكون المثقف مسؤولاً تجاه شعبه لا للسلطة ومؤسساتها ولا يعني هذا عدم الاشتراك في السلطة، ولكن يعني التمسك برسالة المثقف تجاه شعبه أينما وجد. إن إعادة الاعتبار للهوية العراقية من خلال تأكيد روح المواطنة وتغليبها على الولاءات الضيقة، والارتقاء بالوعي السياسي للفرد العراقي بشكل يقود إلى نبذ العنف والإرهاب، وتغليب الحوار والتسامح والقبول بالحلول الوسط، وتنازل الأطراف كافة عن بعض امتيازاتهم من أجل تحقيق توازن عام تعتمد فيه الكفاءة على حساب الولاء، كله يسهم بالضرورة في إصلاح الخلل والخروج من الفشل. ويتم ذلك أيضا عبر التأكيد على الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمدنية لأبناء الشعب كافة، وضمان هذه الحقوق من خلال العمل وفق الدستور والقوانين والمؤسسات التي نشأت لضمان هذه الحقوق.  إن بناء المؤسسات السياسية (تشريعية وتنفيذية وقضائية) التي تعد من آليات التحول الديمقراطي والفصل بينهما بما يؤدي إلى تحقيق المواطنة العراقية هو المعول عليه في أي إصلاح يسهم بالخروزج من حالة الفشل. اعتمد الدستور العراقي مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، ولكن على صعيد الممارسة السياسية كشفت بصورة واضحة عن تداخل حقيقي في السلطات، فالسلطة التنفيذية تتحكم في السلطتين التشريعية والقضائية على مدى السنوات الأربع عشرة الماضية وبات هذا معلوم من قبل الجميع، واصبح مجلس النواب مرهون لارادة الأعضاء التابعين للسلطة الحاكمة وتمارس الاستبداد والابتزاز لكل من عارضهم. أما السلطة القضائية فهي في مستنقع آسن من التخبط نارة بتبعيتها لإرادة الحاكم وتارة بفسادها بل الأدهى من ذلك تواترت أخبار عن قيام قضاة المحاكم التي تختص بمحاكمة تهم الإرهاب بالتعذيب خلافا للحد الأدنى من المعايير التي يتعين عليها الالتزام بها.إعادة هيبة المؤسسة القضائية مسؤولية الجميع المعني من السلطات الثلاث، إن اهم ركيزة من ركائز هيبة الحكم القضائي او القرار القضائي هو نفاذيته ، وسريانه على جميع الاشخاص الطبيعية والمعنوية ولا يوقف الا بالأحوال التي رسمها القانون من طعن او غيره. وان اهم عمود من اعمدة قيمة السلطة القضائية هو استقلاليتها عن بقية السلطات ولا يجوز للسلطة التنفيذية اعاقة قرارات المحاكم القضائية أو تسخيرها وفقا لمرادها وموقفها.