الهدوء قبل العاصفة الجزء الثامن / هل ينجح احتواء ايران بلا حرب؟

د. عمر عبد الستار
مستشار مركز العراق الجديد
عندما يتحدث ساسة اميركا: هايلي مع ايران بلغة العسكر،ويتحدث عسكرها:ماتيس، بلغة الساسة،فهذا يعني ان الولايات المتحدة في ظل استراتيجية ترمب تستخدم سياسة الاحتواء المزدوج.
والاحتواء المزدوج او المتعدد الطبقات هو حشد عسكري ودبلوماسي واستخباراتي، يشبه سياسة اميركا لاحتواء صدام بعد غزو الكويت. والاحتواء المزدوج يقر باللاحرب، الا اذا كانت الحرب يوما خيار لامناص عنه،كما كان مع صدام،او بدونها كما كان مع الاتحاد السوفيتي.
والسؤال هل ستنجح سياسة الاحتواء مع ايران،كما نجحت مع السوفيت بلا حرب ومع صدام بحرب،خاصة ان الانظمة الثلاثة انظمة ايديولجية عابرة للحدود سواء منها، الاممية الشيوعية، او القومية العربية، او الدينية الايرانية؟وهل ستضطر اميركا وهي تحتوي ايران الى الحرب؟
قبل الاجابة، دعونا نعود الى جذور سياسة الاحتواء. وجذوره تعود بنا الى نهاية اربعينيات القرن الماضي، حيث كانوا يعرفون الاحتواء بانه ،تعهد شامل لمقاومة الشيوعية أنّى وجدت”.وقد صاغ مفاهيم سياسة الاحتواء وبلورها، المؤرخ والدبلوماسي جورج كينان.
 فقد نشر كينان في مقال شهير له بمجلة الشؤون الدولية “فورين أفيرز” في عددها الصادر في صيف 1947،وتحت عنوان “مصادر السلوك السوفييتي”، تحت اسم “اكس”، بحكم حساسية منصبه كسفير للولايات المتحدة في موسكو.
وفحوى ما دعا إليه “كينان”،انه طالما لم يبادر السوفييت بمهاجمة الولايات المتحدة ، فعليها ألا تهاجمه، وأن تعتمد على “العصا والجزرة الاقتصادية”، وعلى الدبلوماسية والعمل الاستخباراتي، فضلاً عن الترويج لصحة وحيوية النموذج الاميركي، بغية الفوز بالحرب الباردة.
ويضيف كينان فيقول عن السوفيت وكأنه يتحدث عن ايران اليوم “صحيح أن الروس يتطلعون إلى توسيع نفوذهم الإقليمي والدولي، لكن على الولايات المتحدة الأميركية، أن تبنى سياساتها على أساس بعيد المدى، وأن تلتزم الصبر والحزم معاً، مع توخي اليقظة التامة في احتوائها للنزعات التوسعية الروسية”.
 ولست ادرى ما علاقة كلمة *الحزم* الواردة في كلام كينان عن  الاحتواء في تحالف العزم الصلب الدولي الذي تشكل في اب 2014 ضد داعش، او تحالف الحزم الذي تشكل في اليمن  في اذار 2015 ضد الحوثي، وهل  تم اختيار الكلمات في التحالفين تعبيرا عن سياسة الاحتواء الجارية ضد نزعة ايران  التوسعية في المنطقة؟.
وقد كان كينان يعتقد ان السوفيت سيسقطون وهو ما صدقته الاحداث وقد قال”أن الاتحاد السوفييتي آيل للانهيار من تلقاء نفسه، بسبب ضعفه وانعدام تماسكه الداخلي، وبسبب تمدده بعيداً وعلى نحو منهك واستنزافي، خارج حدوده السياسية والجغرافية”فان صدقت توقعات كينان في السوفيت،فهل ستنتهي سياسة احتواء ايران بايران الى من انتهى اليه السوفيت؟
ويعزو كينان ضرورة الاحتواء وقدرته على اسقاط السوفيت فيقول” ان زعماء الكرملين يراودهم  احساس عميق بافتقاد  ارضهم للامن ،بسبب افتقاد الحواجز الجغرافية المنيعة التي تصون سلامة ارضهم الإقليميّة”.وقد تشعر ايران بما شعر به السوفيت، اذ يحاربون الايرانيون خارج ارضهم دفاعا عن نظامهم وحدودهم، ويكررون انهم لولا قتالهم في سوريا والعراق لسقطت طهران.
 
ويستنتج كينان من ذلك فيقول” أن نزعة السوفييت إلى التوسّع أسهل معالجةً مما كانت عليه مطامح نابليون أوهتلر. فنزعة السوفيت لا ترتبط بتوقيت معيّن وبرامج منظمة، وعندما تلاقي مقاومة جدّية يتراخى عنفها.
ولكن نزعة السوفيت والحديث لكينان، بنفس الوقت أصعب معالجة، ففيها عامل الاستمرار، ولا تثبطها النكسات بل تتخذها درسا لعمل أنجع.
لذا يدعو كينان إلى احتواء هذه النزعة، بسياسة طويلة الأمد، وراءها جهد دائب، وصبر جميل، وحزم في التنفيذ، وتيقّظ للأحداث.وولاية الفقيه تنسج على منوال مايقول كينان في السوفيت.ففي السنوات الثمان والثلاثون الماضية، تنتقل ولاية الفقيه من اللادولة الى الدولة وبالعكس.
وكأن كينان يصف نقاط ضعف ولاية الفقيه،وهو يرى أن ضعف السوڤيت يعين أمريكا على نجاح سياسة الاحتواء.
ويجمل كينان ضعف السوفيت فيقول،انها في التكاليف البشريّة التي يتحمّلونها في حملات التصنيع الإجباريّ، واستخدام الإرهاب لفرض بسياسته، واضرار  الحروب التي يخوضها، والطبيعة غير المتوازنة لنموّه الاقتصادي، فضلاً عن المشاكل التي يثيرها نموذجه في الحكم.
واستشهد  كينان في هذا السياق بقول لتوماس مان الذي يقول:غالباً ما تظهر المؤسسات البشرية بطلاء خارجي ، حتى إذا تفحصتها من الداخل وجدت أن الفساد قد استشرى فيها”،وكما يصح  استشهاد  توماس مان في  السوفيت، فهو يصح في ايران ولاية الفقيه ايضا شبرا بشبر وذراعا بذراع.
وليس معنى استبعاد الحرب  في سياسة الاحتواء، كما لايقول كينان، أن تقنع الولايات المتحدة بها،بل بامكان اميركا التأثير في تطورات  السوفيت الداخليّة، وفي الحركة الشيوعية الدوليّة، وتظهر أمام العالم دولةً عظمى، مع حيوية روحيّة تجعلها تقف شامخة الرأس بين تيارات العصر الأيديولوجية الكبرى،وهو ما نجده اليوم من ان ولاية الفقيه ولاية مستحيلة في النظام الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة.
وقد اخذت سياسة الاحتواء اشكالا متعددة عند الادارات الاميركية المتعاقبة.فآيزنهاور احتوى الشرق الأوسط من الخطر الشيوعي،وروزفلت احتوى الخطر الاستراتيجي الألماني في أوروبا، ونيكسون احتوى السوفيت بالتفاوض عوضاً عن المجابهة،حتى انها السوفيت من الداخل بسياسة الاحتواء التي دفعت السوفيت الى اعهادة البناء.
وقد وضع  الواقع الجيوسياسي الجديد بعد  انهيار السوفيت وحرب الخليج الثانية،اي دول طامحة للعب دور اكبر فى محيطها الاقليمى مثل ايران في وضع حرج من جهة،ومن جهة اخرى جعل احتمال تخلى الولايات المتحده عن ارتباطها العسكرى بالخليج امر مستبعدا.
ولم تكن استراتيجة ايران  لتنجح امام اختلال توزان القوى لصالح اميركا في المنطقة والعالم  بعد انهيار السوفيت من جهة، ومن جهة اخرى حسم امريكا الصراع في الخليج لصالحها وعسكرتها للخليج وتغير سياستها من الاقطاب المزدوجة الى احتواء العراق وايران.
واحتواء اميركا لايران الجديدة بعد انهيار السوفيت وحرب الخليج، كونها لم تعد تصلح كضامن للاستقرار في المنطقة،ولا كحليف كما العراق للقوى الغربية ايضا.وهذا ما اقلق ايران وجعلها تشعر انها اصبحت  مستهدفة  مثل السوفيت الذين انهاروا.
 
وفي حين كانت ايران قبل ولاية الفقيه قد اجتمعت مع السعودية وامريكا ضده العراق والسوفيت ،فكيف وقد اصبحت مصدر قلق لهم ولدول مجلس التعاون خلال حرب الخليج الاولى والثانية؟.
 
 
وكما ارتبطت سياسة احتواء اميركا للسوفيت بعدة رؤساء اميركان، فكذا كان الامر بين ايران واميركا. فهذا  كارتر في التدخل المباشر، وريغان، بالصراع الاستراتيجي، وكلينتون، بالاحتواء بالمزدوج، وبوش بالاستباقي، واوباما بالانسحاب ثم  التدخل المباشر عند ترمب.
 
وان كانت ايران قد خرجت من البند السابع بقرار 2231، فملف ايران الصاروخي وملف الارهاب الدولي، قد يعيد ايران  للبند السابع، وقد تحدثت عنه هايلي، التي ذكرت ان ايران تنتهك عدة قرارت لمجلس الامن اهمها 2231.
واحتمال عودة ايران للبند السابع سيعيدها الى مجموعة قرارت منها القرار 1929.وعودة ايران لهذا القرار سيمنح التحالف الدولي تفتيش السفن الايرانية في عرض البحر، الذي قد يفتح مجالا للحرب مع ايران.
ان سياسية الاحتواء تقر بحالة اللاحرب، وهي تعني ان اميركا غير معنية بشن حرب ضد ايران، لكن اندلاع حرب ضد ايران يعتمد على سلوك ايران، بعد ان تكررت خروقاتها ضد القرارات الدولية، 1559، 2231،2216،و2254.