الفساد وجه آخر للإرهاب / الجزء الأول

د. عبد الناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
الفساد وجه آخر للإرهاب (1)
     في مفارقة مبكية مضحكة في الإدارة الحالية لإحدى المحافظات العراقية تتشكل لجان تحقيقية بحق مشاريع لإحدى الإدارات السابقة التي تميزت عن غيرها بمحاولة معالجة الفساد… “دون جدوى”…المفارقة تكمن اليوم بأن رئيس اللجان التحقيقية التي تزعم أنها تحقق في مشاريع وملفات سابقة يعتريها الفساد والخلل أو على أقل تقدير الإضرار بالمال العام، معلوم لدى جميع موظفي المحافظة ومن له معرفة بالشأن المحلي أنه طرد من منصبه في تلك الإدارة القديمة بسبب فساده وتلاعبه في عمله بشكل أزكم أنفاس الجميع، وبما لا يدع مجال للدفاع عنه حتى من أعضاء توجهه الحزبي ممن يعملون في تلك الإدارة، وليس ذلك فحسب بل اعتقل مع شبكة من الفاسدين في وقت يندر فيه محاسبة أحد الموظفين من مكونه باعتبار القرار والسلطة بيدهم، وليس ذلك فحسب بل أن كمية الفساد والتلاعب تمت بأموال تقدر بالمليارات “بالدينار العراقي” حرمت منها المحافظة بما يعرف يومها “مشاريع حق الحكيم” التي وجدت لاسناد المحافظة وحرمت منها بسبب هذا الموظف ونظرائه. والمفارقة الأكبر تكمن اعتماد مقررات هذه اللجان في اطلاق النزاهة لأحكام غيابية تطال المسؤول الأول في الإدارة السابقة عن مشاريع روعي فيها المال العام، واتسمت بكونها مشاريع خدمية رصد أثرها على واقع المحافظة إيجابا. في هذا المقال لا يتم الدفاع عن المسؤول الأول المحكوم غيابيا ولا عن حقبته في الإدارة، ولا يراد منها تشويه وتعريض سمعة أحدا من الذين يتحملون المسؤولية اليوم بل الجميع له ما له وعليه ما عليه، في هذه العجالة نتكلم عن الفساد ماهيته ومفهومه وطرق الحد منه، فعلى الرغم من كون سنوات 2003-2008 اتسمت بالسنوات الأكثر دموية في العراق بشكل عام، وفي المحافظة المعنية بشكل خاص بما لا يدع للإدارات في هذه السنوات من العمل برقابة حقيقية ومتابعة دقيقة الأمر الذي شجع الفاسدين -من أمثال المعني الذي ذكر بداية وغيره- من التطاول والتمادي على المال العام بشكل لم يسبق له مثيل، إلا أن السنوات التي تلتها تحقق الشيء الكثير من بناء الجهات الرقابية ذات العلاقة ، كما تذكر الباحثة العراقية الست فاطمة عبد جواد أن حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت ما بين 2006-2008 حققت انجازات كثيرة بهذا الشان ابان فترة تسلما حيث اصبحت لدى الحكومة ثلاث جهات رقابية مختصة تلاحق انواع الفساد كافة متمثلة بديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة ودائرة المفتش العام وبذلت الحكومة جهدا كبيرا في معالجة الفساد الاداري والمالي من خلال الاتي؛
أ‌. تسهيل مهمة الجهات الرقابية وتذليل الصعوبات التي تعترض عملها والتنسيق بين هذه الجهات . “بمعنى أن وظيفة هذه الجهات لم يكن مقتصرا على متابعة المشاكل المالية فحسب بل كانت تراقب عن قرب المصروفات كافة وتحاسب على أي تجاوز مهما كان صغير وحين ينتهي العام تقوم بختام موقفها السنوي وتتحمل عبئ أي خلل مالي تم في مدة تعقبها للمصروفات كافة على المستويين التشغيلي والاستثماري بمعنى أنها تتحمل أي تقصير وافقت عليه”.
ب‌. تفعيل دور الجهاز القضائي للبت بقضايا الفساد ومتابعتها من قبل هيئة النزاهة واحالتها الى المحاكم الجنائية او المحاكم الاخرى وتنفيذ العقوبات بالمفسدين .
ت‌. تفعيل الجانب الاعلامي الذي يفضح ممارسات الفساد بكل اشكاله وتعبئة المواطنين في التصدي للمفاسد والاخبار عنها .
ث‌. استخدام 70 % من الطاقات الرقابية في انجاز مهام التدقيق وتوجيه 20 % من هذه الطاقات لانجاز مهام تقويم الاداء .
ج‌. تشكيل لجنة عليا للعقود في رئاسة الوزراء تتولى تدقيق وضبط الشروط القانونية والتجارية والمالية للعقود الكبيرة ، تدقيق العقود التي تزيد مبالغها اكثر من 150 مليون دينارعراقي واحالتها الى الهيئة الرقابية العاملة في نشاط الجهة المتعاقدة.”نؤكد على دور الجهات الرقابية في تحملها لأي خلل تم في حقبتها.
ح‌. الانضمام الى المنظمات المهنية المعنية بمحاربة الفساد . “وفي حقبة رئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي تم الاستعانة بخبراء أجانب في ملاحقة عمليات الفساد الكبيرة التي تعرضت لها الدولة العراقية.”
   ومع جميع ما ذكر من قبل الباحثة فإن الإدارة السابقة الذي تتلقى ضربات من قبل النزاهة في عملها كانت خاضعة لهذه الجهات الرقابية ولغيرها بشكل دقيق باعتبار أن رأس هذه الإدارة وأغلب كادر مجلس المحافظة وبعض المناصب السيادية كانت لمكون مغضوب عليه، بل أجزم أن جميع من يحيطون بالمسؤول الأول حتى من أفراد حمايته كانوا عيونا لأجهزة أمنية ومؤسسات حزبية وجهات تملك السلطة والقرار، هذا فضلا عن الدور الكبير التي تقوم به المؤسسات ذات العلاقة كديوان الرقابة المالية ومحكمة النزاهة ودائرة المفتش العام، كذلك مع اعتبار الجهات المالية الخاصة بالدائرة كقسم الحسابات وقسم التدقيق وأقسام القانونية والعديد من الأقسام.  فأين كانت كل تلك المؤسسات من مشاريع شارك في اطلاقها جم غفير من الفنيين والقانونيين والمسؤولين كي تطلق أحكام غيابية على مشاريع روعي بها القانون والمال العام بعد ما يزيد عن نصف عقد من الزمان؟؟ المنصفون من الذين يملكون رؤية حقيقية حول ما دار ويدور في أروقة تلك الدائرة يعون حقيقة كون الأمر لا يتجاوز الاستهداف السياسي، وأحيانا الانتقام الشخصي ليس إلا. بهذه المقدمة التي اطلت بها قليلا ساستشرف حقيقة الفساد ومآلاته على الدولة والمجتمع بعد التعريج على مفهومه وسبل الحد منه والقضاء عليه في سلسلة من المقالات لا نبتغي فيها إلا وجه الله تعالى أولا ثم الإسهام في بلورة وعي عام يخدم القضية العراقية ويساعد على تجاوز الإخفاقات بموضوعية وحيادية وبعيدا عن الشخصنة التي أعتذر من استخدامها في مقدمة هذه المنظومة من المقالات.
   يعد الفساد قديم قدم المجتمعات البشرية وأن معالجة أسبابه تستدعي تشخيصا حقيقيا لهذا لمفهومه كما تستدعي بيانا لدواعي وأسباب انتشاره في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وتوضيح أبرز صوره وأشكاله، والآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليه، وبلورة رأي عام مضاد له وبناء إرادة سياسية لمواجهته، وتبني ستراتيجيات لذلك تتناسب وطبيعة كل مجتمع ، لذا نرى أن تحديد مفهوم الفساد يمثل المدخل لهذه المقالة، فهناك لفيف من الباحثين من يقول بأنه خروج على القانون والنظام  أو استغلال غيابهما من أجل تحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية للفرد أو لجماعة معينة، بينما يعرّفه آخرون بأنه قيام الموظف العام بطرق غير سوية بارتكاب ما يعد إهداراً لواجبات وظيفته، فهو سلوك يخالف الواجبات الرسمية للمنصب العام تطلعا إلى تحقيق مكاسب خاصة مادية أو معنوية شخصية أو فئوية أو حزبية. هنالك اتفاق دولي على تعريف الفساد كما حددته “منظمة الشفافية الدولية” بأنه ” كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو جماعته “.وتتجلى ظاهرة الفساد بمجموعة من السلوكيات التي يقوم بها بعض من يتولون المناصب العامة في إدارة الدولة أو في بعض مؤسساتها كالوزارات وتوابعها والإدارات المحلية وما يتفرع عنها، وبالرغم من التشابه أحيانا والتداخل في ما بينها إلا انه يمكن إجمالها بالرشوة والمحسوبية والمحاباة ونهب المال العام والابتزاز والأخيرة – أي الابتزاز – ظاهرة تبدو شائعة في العراق في السنوات الأخيرة ، وعمليات الابتزاز هذه تصل في أحيان كثيرة إلى ابتزاز الفقراء أنفسهم!!! خاصة وأن هنالك تقارير كثيرة تؤكد أن هنالك آلاف المتجاوزين على رواتب الرعاية الاجتماعية وشبكة الحماية  المخصصة للفقراء ، تضاف إلى ذلك الأرقام المخيفة عن أعداد الذين يعيشون تحت خط الفقر في العراق. ومن المعروف  تعدد الأسباب الكامنة وراء بروز ظاهرة الفساد وتفشيها في المجتمعات بالرغم من وجود شبه إجماع على كون هذه الظاهرة سلوكا إنسانيا سلبيا تحركه المصلحة الذاتية، شخصية أو حزبية على حساب الصالح العام، فكون المستفيد ماديا من فعل مخالف للقانون على أن يكون ريع هذه الاستفادة لجماعته أو حزبه وليس لشخصه لا يعفيه من المسؤولية لكون المنصب -وخاصة السيادي منه- عقد مع الدولة والمجتمع يتعين فيه الإلتزام بالصالح العام على حساب المصالح الشخصية والفئوية.  وبسبب انتشار هذه الآفة احتل العراق المرتبة السادسة ضمن الدول العشر الاكثر فسادا في العالم لعام 2015 وجاء في المركز 161 ضمن 167 دولة شملها تقرير أصدرته اليوم منظمة الشفافية الدولية، فيما جاءت الدنمارك الدولة الأقل فسادا في العالم وكوريا الشمالية والصومال الأكثر فسادا.
 ولرصد أسباب الفساد الإداري والمالي نستطيع القول أنها تكمن في مجموعة من العوامل وكما يأتي؛
  • الأسباب السياسية: غالبا ما نجد أن الفساد يتفشى في أنظمة الحكم الشمولية التي تتسم بالاستبداد والدكتاتورية باعتبار عدم وجود جهات رقابية حقيقية، وحتى في النظم الديمقراطية الوليدة بحيث لا يملك المواطن العادي وعيا حقيقيا بدوره في ممارسة حقه في الحفاظ على النظام العام سواء كانت ممارسته من خلال مؤسسات رقابية أو من خلال الإعلام أو من خلال أي منبر حر يستطيع من خلاله التعبير عن رأيه. تأسيس الوعي العام ضرورة تقتضيها المصلحة العامة في البلاد لتكريس المسؤولية الحقيقية لدى المواطن في أداء واجبه من أي منبر.
  • الجهل العام والخاص؛ جهل المواطن وعموم الموظفين وعدم معرفتهم الآليات والنظم الإدارية التي تتم من خلالها ممارسة السلطة، بالاضافة الى عدم وجود عامل الخبرة والكفاءة لإدارة شؤون الدولة يزيد من ظاهرة انتشار الفساد. إن مستوى الجهل والتخلف والبطالة وقلة الوعي الحضاري وضعف الأجور والرواتب واختلاف الدخل بين القطاعين العام والخاص والفقر كلها تتناسب طرديا مع ظاهرة الفساد  .
  • عدم الفصل بين السلطات الثلاث وعدم استقلالية القضاء : الفصل بين السلطات مبدأ دستوري ويسهم في دعم القضاء كي يكون مهنيا، فعدم استقلالية القضاء يؤدي الى انتشار ظاهرة الفساد بمستوى عالي، حيث يلاحظ في معظم البلدان المتقدمة استقلالية القضاء عن عمل وأداء النظام السياسي وهو ما يعطي أبعاداً سليمة تتمثل بالحكم الصالح ، فاستقلالية القضاء مبدأ مهم يستمد أهميته من وجود سلطة قضائية مستقلة نزيهة تمارس عملها بشكل عادل وتمتلك سلطة رادعة تمارسها على عموم المجتمع دون تمييز وإشاعة العدل بين أفراد المجتمع .
  • ضعف المؤسسات الرقابية: يظهر الفساد في حالة ضعف الدور الرقابي و عدم القدرة على ممارسته ، وعدم تطبيق القانون بالاضافة الى عدم تفعيل صلاحيات الأجهزة الرقابية على أعمال الجهاز التنفيذي ومحاسبة المقصر على المخالفين وضعف المسؤولية الإدارية عن الأعمال الموكلة لها أو المحاسبة عليها ، والقصور الحاد في استخدام الأساليب التكنولوجية الحديثة في نظم الرقابة  .
  • ضمور وضعف وسائل الاعلام ومحدودية دورها الرقابي، وعدم قدرتها على فضح الفساد ، وعدم وجود الشفافية في بيئة العمل وعدم الحرص على المعلومة الصحيحة وكشفها، وعدم اضطلاع منظمات المجتمع المدني بدورها بأسناد الإعلام وعدها جهة رقابية للمواطن غير خاضعة للبيروقراطية المعطلة للصالح العام.
الأسباب الإجتماعية: وتتمثل في منظومة المجتمع وتفاصيله كونه متحضر أو قبلي يتقبل الخلل أو يرفضه مما يؤثر على انتشار الواسطة والمحسوبية وهي تنتشر في المجتمعات القبلية كالبلاد العربية وذلك لان الحياة الاجتماعية تتقبلها ولا تعدها فساداً ، بل يتم دعمها كأن يقال ” الشجرة التي لا تظل أهلها اقطعها” وغيرها…وتقديم العون على استمرارية مثل هذا النوع من الآفات وإيجاد المبررات لها يسهم في تخلف الشعوب ويشيع آفات كالواسطة والمحسوبية على حساب الكفائة ومستوى الأداء وتحسينه.