العراق بعد داعش / الحلقة الثالثة

فاضل ياسين
مستشار مركز العراق الجديد
تناولنا في الحلقة الأولى ما تسبب به دواعش من دمار وخراب وشر مستطير في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية ..الخ. وتناولنا في الحلقة الثانية كيفية استثمار الجهات الطائفية بمسمياتها وعناوينها المختلفة المسنودة من إيران، الوضع الناشئ للاستحواذ على مقدرات الدولة العراقية، وارغام قوى المجتمع على حصر خيارتها ضمن ما يحدده منهج الولي الفقيه ووكلائه المتغلغلين في كل زوايا الدولة والمجتمع. وهو الواقع الذي هيأ الأجواء للمجاهرة بالهيمنة الطائفية عبر ابراز عضلاتها المسلحة وغير المسلحة، وقدراتها في دفع السياسة العراقية كيفما تشاء..!!
في هذه الحلقة (وهي الثالثة) سنتناول أبرز الاستحقاقات المطلوب من الحكومة العراقية انجازها.
إن اللافتة الأساسية التي تستخدمها الحكومة في هذه المرحلة هي (نجاحها في الانتصار على داعش)، ولعل أول الملاحظات على تلك اللافتة الخادعة، هي أن القوات الحكومية ومن التف حولها من الحشد، إنما جاء على حساب تدمير مدن كانت عامرة بأهلها وحضارتها وتاريخها، فتم تدمير المنازل والمدارس والجامعات والمستشفيات والجسور, وإزالة أحياء كاملة من على ظهر البسيطة. فضلا عن تشريد الملايين وقتل وجرح الآلاف من الأبرياء الذين لا يزال المئات وربما الالاف منهم تحت أنقاض منازلهم المدمرة، لاسيما في الموصل، بعدم تم استهداف أحياءهم بشكل عشوائي بالمدفعية الثقيلة والصواريخ والطائرات، فضلا عما تسببت به عناصر الميليشيات من اعتداءات ضد الأبرياء من المواطنين المدنيين المنكوبين، وسرقة الممتلكات الخاصة والعامة..!!
 وليس هناك حتى الآن أية خطط أو تخصيصات مالية أو آليات لإعادة الاعمار، أو إعادة النازحين فضلا عن تعويض المتضررين.
من المؤكد ان هناك تنازعا بيناً بين الحكومة من جهة وبين قوى أخرى عديدة بعضها من داخل المعسكر الشيعي، وبعضها الآخر من خارجه سواء من الكرد أو العرب السنة.
إن المعركة ضد الفساد ربما تكون المعركة الأصعب حتى أصعب من محاربة داعش، لأن الفاسدين متغلغلين في كل مؤسسات الدولة ويمتلكون قوة متراكمة هائلة مادية وغير مادية مسلحة وغير مسلحة. كما أنه فساد مستفحل في كل زوايا الدولة العراقية، والكثير من زوايا المجتمع ويمكن تلمسه في ظواهر البطالة والمخدرات والجريمة المنظمة والخطف وتدهور القيم الأخلاقية ..الخ
أما التطرف والطائفية فهو يشمل مكونات المجتمع العراقي ومحاربته تقتضي برنامجا شاملا غير منحاز، وخاصة عبر الضرب بقوة السلطة الوطنية العادلة على رموز التطرف والطائفية، واعلاء قيمة المشتركات الوطنية الأصيلة.
إن ترسيخ حكم القانون والعدالة والمساواة بين المواطنين على أساس المهنية والكفاءة والنزاهة، هي ركائز لا بديل عنها لإقامة بنية صحية لمجتمع ما بعد داعش. ولعل أبرز المتطلبات الوطنية التطبيقية، انجاز التوازن الوطني على صعيد مؤسسات الدولة المختلفة ولاسيما الأمنية والاستخبارية والعسكرية، بعد تحديد نسب حقيقية للمكونات الوطنية في إطار التنافس المهني ضمن معايير
إن اصرار المرجعيات الطائفية على الادعاء بأنها تشكل أغلبية ورفضها المساواة التامة بين المكونات المتنوعة، يضع البلاد وجها لوجه أمام خيار الدعوة إلى إجراء تعداد سكاني مفصل لتحديد النسب الحقيقية لكل المكونات داخل وخارج العراق، واعتمادها أساس في تحقيق التوازن الوطني.
أما أن تستخدم السلطة شعار الوطنية وحكومة الأغلبية كسوط تجلد فيه القوة السياسية والمكونات الاجتماعية من المطالبين بالتوازن الوطني الحقيقي، فسيعيد عقارب الساعة إلى الوراء، والوقوع في مأزق الحلقة المفرغة المتمثلة بانبعاث المزيد الكراهية والأحقاد الطائفية وولادة تنظيمات ربما تكون أكثر عنفا وأشد تكفيرا من القاعدة وداعش..!!
احترام خصوصيات المكونات المجتمعية جميعا وحريتها في إقامة شعائرها وطقوسها شرط عدم التأثير على الحريات العامة للآخرين. ووضح حدود واضحة لذلك كله، وقطع الطريق أمام مساعي فرض رؤية أحادية على الدولة والمجتمع، عبر رفض تدخل المرجعيات الدينية في شؤون الدولة، والاقتصار على الاهتمام بشؤون من يقبل تمثيلها له.
إن فرض سيطرة طائفية على مؤسسات الدولة إنما تمت بأساليب العنف وخرق القانون، وتم إحلال عناصر طائفية وحزبية في الكثير من مفاصل الدولة الحساسة، وهناك حاجة ملحة لتغيير هذا الوضع والاتيان بعناصر وطنية كفوءة.. وكذلك الحال في التخلص من البطالة المقنعة وانعدام الانتاجية في الكثير من المؤسسات الحكومية التي تسببت بترهل الدولة.
ويجب الانتباه إلى النوايا الخبيئة وراء ادعاء الكثير من القيادات الطائفية، بأن التحدي المقبل هو (تحدي خدمي..) وفي حقيقة الأمر فإن هذه رؤية مجتزأة أو لنقل أنها تعبر عن وجهة نظر خاصة لقيادات تمثل مكونات اجتماعية لا تعيش المشاكل والأزمات والظروف التي تعيشها المكونات الأخرى. وفي الحقيقة إن مثل هذا القول يسعى بالمحصلة إلى سد الطريق أمام أي إصلاح حقيقي في العراق، تحت وطأة السعي لمواصلة الاستئثار الطائفي على مقاليد الوضع العراقي.
ويمكن تأشير بعض المجالات التي تتطلب الإسراع بإصلاحها، وهي:
1- إلغاء قوانين الاستهداف الطائفي كالمساءلة والعدالة وقانون مكافحة الإرهاب
2- اجراء التعديلات دستورية
3- استقلالية القضاء واصلاح النظام القضائي
4- حماية الحدود وتأمينها.
5- محاربة الفساد والمفسدين.
6- اصلاح النظام التعليمي وتطهيره من المظاهر الطائفية
7- معالجة البطالة
8- تسهيل الاستثمار الاجنبي
9- تطوير الواقع الخدمي.
وهناك الكثير.
ويأتي في الخاتمة السؤال المركزي، هل تتمكن الحكومة من تحقيق كل تلك المهام العاجلة للانتقال بالوضع العراقي من حال إلى آخر..؟؟!!