الفساد وجه آخر للإرهاب / الجزء الثاني

د. عبد الناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
“الحوكمة آلية فاعلة للحد من الفساد الإداري والمالي في مؤسسات الدولة”
    بعد تحديد أهم أسباب الفساد في البحث السابق نرى أن السياق الطبيعي لمكافحة الفساد والحد منه يكمن بالضرورة بمعالجات موضوعية مهنية لهذه الأسباب، وهو ما يتعين فعله في المعالجات الآنية والظرفية المعتادة التي تقوم بها الجهات ذات العلاقة إذا ما عزمت على الإصلاح وسارت في ركابه. إلا أن الأكثر تأثيرا وجدوى بعتمد على القيام بمراعاة الجودة الشاملة والنظم الحديثة التي تمنع الوقوع فيه، ومن مقومات هذه الجودة التي ترتبط بإنهاء ملف الفساد هو الحوكمة الرشيدة التي تعتمد نظم إدارية وتقنيات حديثة تنهي هذه الآفة من جذورها. إن إشاعة الشفافية وجعل المعلومة العامة في متناول الجميع ثقافة يتعين تكريسها في اللاوعي الجمعي للمجتمع العراقي كي نؤسس لحوكمة رشيدة تعمل على إنهاء منظومة إدارية تقليدية قديمة مترهلة بالبيروقراطيات المعطلة للإنجاز والمساعدة على الفساد بذات الوقت. ونحن في الأمة الإسلامية لنا رصيد من التجربة الثرة التي حكم بها الخلفاء الراشدون ومن تبع نهجهم في شفافيتهم وحرصهم على المال العام المتمثل يومها ببيت المال، وعدم استغلال مناصبهم في هدر هذه الأموال، مع اعتبار أن تجربتهم في الحكم كانت جديدة، ويكمن نجاحهم في بعدين؛ الأول ذاتي يعكس تقوى وورع الحاكم، والثاني رقابي يعكس رصد الصحابة والمقربون لتفاصيل الحكام وعدم سكوتهم على أي خلل. واليوم إذا ما رصدنا واقعنا في البلدان العربية المتخلفة وبين واقع متقدم لبعض الدول الغربية، مقارنة بهذا الواقع العربي المتردي، يمكننا رصد بعض الأمثلة التي قد تبدوا للراصد خيالية رغم واقعيتها وكأنها تستمد تعاليمها من جيل الراشدين الأول، ولكن للأسف يقول أحد المفكرين؛ في الغرب نرى إسلاما من غير أن نرى المسلمين، وفي العالم العربي والإسلامي نرى مسلمين من غير أن نرى الإسلام ، وخير شاهد على هذا الكلام هو ما نرصده في الدول الاسكندنافية التي تعد الأكثر شفافية في العالم، وقوانينها الصارمة التي تطبق بدءا على الحكام قبل المحكومين أو عموم الشعب، ولنا في هذا الصدد مَثَلُ الوزيرة السويدية التي اضطرت للاستقالة أثر استعمالها لبطاقة بنكية مهنية لشراء قطعة شكولاتة رغم سداد المبلغ لاحقا، أو الوزيرة النرويجية التي تستقل النقل العمومي لاصطحاب أبنها إلى المدرسة، وتُمنع عنها السيارة الإدارية قانونا في القيام بذلك. يمكن الاستشهاد كذلك ببعض البلدان التي تعد حديثة العهد بالاستقلال والنمو الاقتصادي ككوريا الجنوبية، التي كان مستوى النمو فيها في ستينيات القرن الماضي يقترب من مستوى النمو في أكثر الدول العربية تخلفا. غير أنها تجاوزت كل ذلك باعتماد سياسات اقتصادية وثقافية محكمة، وتشريعات تحترم تطبيق القانون واعتمدت العمل عبر المؤسسات ذات الاختصاص، بذلك استطاعت هذه الدولة أن تصبح في أقل من نصف قرن من أكثر دول العالم تطورا وتصنيعا رغم افتقارها إلى الموارد الأولية التي يزخر بها العالم العربي. تحضرني حادثة للرئيس البوسني علي عزت بيغوفتش في يوم تأخر عن صلاة الجمعة وحين رآه المصلون في المسجد متخلفا في الصفوف الخلفية فسحوا له المجال حتى وصل إلى الصف الأول وحين وصل إلتفت إليهم وقال؛ هكذا تصنعون الطغاة… وفي كثير من البلدان الأوربية تجد وزير أو رئيس للوزراء أحيانا يستقل الدراجة الهوائية للوصول إلى عمله، لم نرصد في هذه البلدان المتحضرة مشهد أن يجتمع الجم الغفير للأي مسؤول يرونه في أي مكان عام.
    إن مسؤولية مقاومة الفساد في المؤسسات الحكومية وغير الحكومية والعمل على إنهائه لا يخص السلط الرسمية وحدها، بل من واجب الجميع الاضطلاع بهذه المسؤولية والمساهمة في مكافحة أهم أسبابها وكيفية معالجتها. وفي هذا الإطار يمكن تحديد محاور رئيسية يمكن العمل من خلالها على مناهضة الفساد الإداري أو المالي في الدوائر الرسمية وغير الرسمية وهي؛ محور أخلاقي مبدئي يرتبط بسلوك الأفراد، ومحور مؤسساتي يتعلق بطريقة سير المصالح والخدمات الإدارية، ومحور قانوني يعنى بالجانب التشريعي للمؤسسة ومناهج عملها، ومحور إداري تقني يعتمد الآليات والنظم الإدارية الحديثة. وكما هو موضح بالآتي؛
– أما المحور الأول فهو ذاتي يهتم بسلوكيات المسؤولين والموظفين، فالواعز الذاتي والمسؤول المعروف بأصله وسلوكه العام الجيد واتزانه ووضوح عمله أفضل من غير المعروف بهذه الصفات. ومن حيث الفعل كثيرا ما نرى أن المسؤول يحيط أعماله اليومية بالسرية، وينتدب موظفين يدينون له بالولاء حتى من الجهات الرقابية إن تمكن من ذلك. لذا نجد من الضرورة بمكان أن يعمل الجميع على تجاوز هذه السلوكيات البالية في عالم يتصف بالوصول الحر والمفتوح للمعلومات.
– المحور المؤسساتي في مناهضة الفساد في دوائر الدولة يتلخص في صياغة الأنظمة الإدارية المبنية على نظم المراقبة الآلية هذا فضلا عن الدوائر ذات العلاقة الرقابية كديوان الرقابة المالية ودائرة المفتش العام وغيرها. يمكن كذلك استعمال التقنيات الحديثة كالبطاقات الممغنطة والخدمات الساندة وغيرها. وتتوفر اليوم العديد من البرامج والتطبيقات والنظم الآلية الشاملة التي تغطي أقسام هذه الدوائر كافة، من حيث التسيير الإداري والمالي في منظومة يصعب على اختلااقها أو التلاعب بإدخال أو إخراج أي معلومة دون أن تتلقف التطبيقات الرقابية هويته.
– المحور القانوني والتشريعي؛ كما قيل في الأثر المنسوب لسيدنا عثمان رضي الله عنه إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فمن الضرورة بمكان أن تكون الأحكام في المدة الانتقالية رادعة بحق من يتجرأ على المال العام، كما أن يتم العمل على سن القوانين الواضحة والمحددة لتسيير المؤسسات الحكومية، العمل على تنظيم العلاقات والمسؤوليات بين المسؤولين والموظفين من خلال القوانين الداخلية وتحديد المسؤوليات وتفعيل الدور الرقابي. أضف إلى ذلك الإرادة الحرة التي تمكن السلطة من اعتماد نظم رادعة تحد من ظاهرة الفساد.
– نظم الإدارة الحديثة تحقق العمل التشاركي وتبادل الخبرات وفق مبادئ عالمية سهلة ومقننة للحفاظ على المال العام. فظاهرة التلاعب والتزييف صارت اليوم أكثر مراقبة وتقصي بواسطة برمجيات وآليات حديثة تمكّن من تحديد أي دخيل على النظام. تعد الحوكمة من المواضيع الحديثة التي يتم تداولها في الوقت الحالي ويجب الإشارة إليها والى أهميتها في تطوير البيئات التنظيمية (مؤسسات الدولة والشركات المختلفة) وذلك من خلال علاقتها بآليات وإجراءات الإصلاح الإداري الذي يعد احد العناصر المهمة في نظام الحوكمة الذي يساهم في ضبط العمل وتوجيه العمليات نحو النجاح والتطور المستمر.
   الحوكمة بأختصار تعمل على إشراك جميع الأطراف في المؤسسة في عملية اتخاذ القرار أي لا يكون القرار مقتصراً على مجموعة معينة في المؤسسة الواحدة. وكذلك تعمل على توفر المعلومات لجميع الأطراف بشفافية ووضوح وتحديد مسؤولية وحقوق وواجبات جميع المسؤولين عن إدارة المؤسسة وذلك لتجنب حدوث حالات الفساد الإداري، كما تهدف هذه العوامل إلى التأكد من أن المؤسسات تدار بطريقة سليمة وإنها تخضع للرقابة والمتابعة مع اعتبار كون الأمر هو أولا وأخيرا مسألة ثقافة ومسؤولية مجتمعية عامة قبل أن تكون محصورة في الجهات ذات العلاقة فحسب، بل يصعب تحقيق الكثير من الرقابة على الفساد إذا لم تكن ثقافة المواطنة والحوكمة الرشيدة متجذرة في مفاصل المجتمع، وفي ذهنيات الافراد والمجموعات. وهذا أمر يطول بناؤه أمام الدمار الشامل والمستدام الذي لا زال يرصد في عديد من دوائر الدولة  المختلفة الاتحادية والمحلية، العامة والخاصة، فإن لم تكن نخب الأقوام على منأى من هذه الممارسات الهدمية للدولة فما الجدوى من مطالبة العامة بالاستقامة والسلوك السوي.
     في العراق تجارب الحوكمة نجحت في الموارد البشرية للوزارات والإدارات المحلية وأضحت معلومات الموظفين ورواتبهم واستحقاقاته كلها موثقة عبر الشبكة العكنبوتية أو من خلال منظومات متخصصة وفق برامج معتمدة عالميا باتت مستخدمة من جميع المؤسسات والدوائر الرسمية، بل هناك أقسام لكل دائرة مختصة بهذا الشأن.كما أن إحدى الأهداف التي تسعى اليها الحوكمة هو ضمان إن جهود الإدارة تنصب للحفاظ على المصالح العليا للمجتمع والدولة والعاملين والوصول إلى أعلى درجات الكفاءة في العمل، يتوق المواطن اليوم الى زيادة المعرفة بنظم الحوكمة واليات تطبيقها والنتائج المتوخاة منها، فما هي الحوكمة وما هي مبادئها، وهل في الإمكان اعتمادها في الدولة العراقية بوزارتها ودوائرها الاتحادية والمحلية كافة. هذه التفاصيل سنتناولها بشيء من التفصيل في الجزء الثالث من هذه السلسلة بعونه تعالى.