تاريخ سكة الحديد في العراق … بين ضمان وحدة العراق وبين الامن القومي الامريكي / الجزء الاول

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
بعد أن نالت الولايات المتحدة الأمريكية الاستقلال السياسي في بداية القرن العشرين أرادت أن تدعم ذلك بتحقيق الاستقلال الاقتصادي وبدأت بالبحث عن فرص تجارية في مناطق العالم المختلفة وبخاصة في المناطق التي تشكلت كدول حديثة بعد الحرب العالمية الأولى والتي كانت مناطق الشرق الاوسط أفضل ما تمثلها كونها كانت أهم مكاسب تلك الحرب بالإضافة إلى امتياز السيطرة المسلحة عليها من قبل الحلفاء والذين كانوا يمثلون النظام الاستعماري الأوربي بكافة وجوهه.
وسعي الحكومة الأمريكية هذا كان قد سبقه تعزيزا لعلاقاتها مع الدول الجديدة المطلة على الخليج العربي وحتى البحر الأبيض المتوسط من أجل توسيع الفرص المتاحة أمام  التجارة الأمريكية والى الوصول في توسيع التجارة الأمريكية في هذه المنطقة.
          وهكذا واصل القناصل الأمريكان البحث في حواضر هذه المنطقة وحطوا على مشارف الصحراء وقاموا بمحاولات لاختراق الصحراء الفاصلة بين بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام من اجل الوصول إلى أفضل السبل لتحقيق مصالح بلادهم .
حيث بدأت تظهر في الوثائق القنصلية الأمريكية عناية بتتبع أخبار المنطقة وتعززت تلك العناية بتوجيه من وزارة الخارجية في واشنطن. فقد أوكلت الوزارة إلى القنصل العام الأمريكي في بيروت مهمة جمع المعلومات السياسية والأخبار المهمة الأخرى المتعلقة بالمنطقة ثم نقلها إلى مقر الوزارة. وخولته صلاحية طلب تقارير عن تلك الأخبار من القنصليات الأمريكية في بغداد والقدس، ومن الوكالتين القنصليتين في البصرة والحديدة.
          وقد قام القنصل الأمريكي في بغداد بتنفيذ هذه التعليمات والتوجيهات التي تلقاها من وزارته. فكتب تقريرا في حزيران 1907 بان صحيفة (The Times of India)  أوردت تقريرا من الكويت يفيد بانقراض أسرة آل رشيد الحاكمة في حائل نتيجة موت آخر صبيين ينتميان إليها، ولذا فان ابن سعود سيغدو سيدا لنجد كلها. وطلب القنصل من الوكيل القنصلي الأمريكي في البصرة التحقق من ذلك ومتابعة تطورات الأوضاع في نجد وضرورة موافاته بأية معلومات مهمة تتوفر له عنها وعن منطقة الخليج  العربي عموما سواء أكانت متصلة بالسياسة أو بالمواضيع الأخرى المهمة .
          في غضون ذلك تابع القنصل العام الأمريكي في بيروت ما كان يجري في المنطقة وكتب إلى القنصل الأمريكي في بغداد في أيار 1908 طالبا منه موافاته بأية معلومات موثقة تتوفر لديه عن رأي السكان لمد سكة الحديد وقد اقترح القنصل الأمريكي في بغداد أن يقوم شخصيا بزيارة المنطقة بحجة البحث عن فسائل نخيل. إذ كانت وزارة الزراعة الأمريكية معنية حينئذ بالحصول على فسائل النخيل من مختلف أنحاء المنطقة العربية لاستزراعها في بعض الولايات الأمريكية ذات المناخ الملائم. وكانت الوزارة توكل إلى القنصليات الأمريكية العاملة في المنطقة مهمة انتخاب الفسائل الممتازة وتدبير أمر شحنها إلى الولايات المتحدة.
          ومن جانب آخر كانت هناك دلائل قوية على وجود مكامن نفطية قوية في الأراضي العراقية جعلت المقيم السياسي البريطاني في بغداد “نيو مارش”  Newmarch ويؤكد في عام 1904 على وجود النفط على امتداد خط سكة حديد برلين – بغداد المزمع بناؤه في الأراضي العراقية .
          ترتب على ذلك كله تنافس نفطي في المنطقة بين الأطراف الدولية المعنية فقد أعطت اتفاقية سكة حديد بغداد المعقودة عام 1903 بين الحكومة العثمانية وشركة سكة حديد الأناضول الألمانية لتلك الشركة الأفضلية في مجال التنقيب عن النفط في الأراضي المحاذية لمسار السكة المزمعة.
وحصلت الشركة في العام التالي على نيابة من البنك الألماني على العقد من الحكومة العثمانية لمدة عام واحد لمسح تلك المنطقة وتقديم تقرير عنها. ولكن الشركة بعد انقضاء أجل العقد لم تنفذ ما ورد فيه بخصوص التمديد، ولذلك قررت السلطات العثمانية بعد مراسلات طويلة مع الشركة على إنهاء العمل بذلك الاتفاق عام 1907.
وبدأت على اثر ذلك التنافس ألماني والبريطاني وألامريكي من أجل الحصول على امتيازات لمد السكك الحديدية والقيام بالتنقيب عن النفط والمعادن وحصلت بذلك شركة ستاندرد أويل في نيويورك على امتياز من الحكومة العثمانية للتنقيب عن النفط في شمال الأناضول وفي أراضي فلسطين.
ولم يكن ذلك الاهتمام الأمريكي هو مجرد اجتهادات شخصية للقنصليات العاملة في المنطقة وإنما كان منسجما مع التوجهات العامة للسياسة الأمريكية حينئذ فقد كان هدف الأمريكان منذ وصولهم إلى منطقة الخليج العربي العراق في بدايات القرن التاسع عشر هو محاولة للتنافس مع حلفائهم الأوربيين في  السوق الجديدة والحلول محلهم كقوة اقتصادية مهيمنة هناك وهو ما كان مهيئا ومناسبا قبيل أحداث الحرب العالمية الأولى .
ووجد ذلك السعي تعبيرا عنه في توجيه أصدرته القنصلية العامة  الأمريكية في اسطنبول إلى القناصل العاملين تحت إشرافها في  المنطقة . وكان ذلك التوجيه منسجما مع السياسة الرسمية الأمريكية المعتمدة. وقد جاءت فترة رئاسة الرئيس الأمريكي “تافت” Taft  (1909- 1913)  لتعطي دفعة قوية لذلك الاتجاه  .
 تبنت الحكومة الأمريكية سياسة تهدف إلى جعل الولايات المتحدة الأمريكية قوة رئيسة في العالم في ميداني التجارة والمال  واشترك الرئيس الأمريكي مع وزير خارجيته “نوكس”Knox  في رؤيتهما في أن يكون هدف الدبلوماسية الأمريكية هو إقامة استقرار في العلاقات الخارجية بما يعزز المصالح التجارية الأمريكية. وكان وزير الخارجية يسعى أيضا لاستخدام رأس المال الخاص لتنمية مصالح الولايات المتحدة عبر البحار .
وقد نشطت دوائر وزارة الخارجية الأمريكية لتفعيل تلك السياسة في المنطقة فعينت في عام 1911 قنصلا عاما في مقر السفارة الأمريكية في اسطنبول وجعلت مهمته الرئيسة هي السعي لتنشيط التجارة الأمريكية في المنطقة والتي هي سوق واعدة بحسب التطلع الأمريكي هذا ويمكن فتحها أمام المزيد من المنتجات الأمريكية بعد أن ظلت لحد ذلك اليوم لا تعرف من تلك المنتجات إلا الأقمشة القطنية التي كانت تصلها عن طريق البحرين والكويت وتسمى في أسواقها “بألامريكاني”.
وهناك أمر آخر جذب اهتمام المستثمرين الأجانب نحو المنطقة كلها، وهو مرتبط في أكثر الأحيان مع مشاريعهم النفطية، ويتمثل في السعي للحصول على امتيازات إنشاء السكك الحديدية. فقد كانت المنطقة المحيطة تعج بمشاريع سكك حديد كثيرة وجد بعضها طريقه للتنفيذ  يوم ذاك مثل سكة حديد المدينة المنورة وسكة حديد برلين – بغداد. وقد حظيت السكة الأخيرة باهتمام كبير من لدن القنصلية الأمريكية في بغداد منذ عام 1908 .
إذ وجدت في سجلات القنصليات الأمريكية في المنطقة عشرات التقارير والرسائل التي تابعت كل صغيرة وكبيرة تتعلق بذلك المشروع ومراحل تنفيذه. ولم يكن ذلك الاهتمام منصبا على تلك السكة فقط بل كان يمتد لأي مشروع سكة حديد  آخر يتم طرحه .
فقد اهتم القناصل الأمريكان بمشروع مقترح لمد سكة حديد من دمشق إلى بلدة هيت الواقعة على نهر الفرات إلى الشمال الغربي من بغداد. وكتبوا عنه تقارير طويلة بدأت في العاشر من تشرين الثاني 1909 ولم تنتهي حتى أواخر العشرينيات من القرن الماضي وتضمنت جميع التفاصيل الفنية للمشروع وجدواه الاقتصادية وخلص إلى دعوة أصحاب رؤوس الأموال الأمريكان للتفكير في إمكانية تبني تنفيذ هذا المشروع. واقترح أن يرسل المهتمون منهم فرق استكشافية للعراق لدراسة المشروع المقترح على ارض الرافدين  .
وعاد القنصل للكتابة عن هذا المشروع ثانية بعد أقل من شهر، حيث كرر حث المستثمرين الأمريكان على الاهتمام بذلك المشروع. وإيجاد حصة في ذلك التنافس الدولي المحموم على مشاريع السكك الحديدية، حيث أريد لبعض تلك المشاريع السكك أن تمر في أطراف وتخوم منطقة الهلال الخصيب حيث كان المستثمر الروسي  الكونت كابنست يحاول  منذ أواخر القرن التاسع عشر الحصول على امتياز لمد خط سكة حديد من البحر المتوسط حتى الكويت على الخليج  العربي.
كما أن بريطانيا سعت بشكل كبير بعد أن نال الألمان امتياز خط برلين – بغداد في تنفيذ سكة حديد منافسة تصل البحر المتوسط بالخليج  العربي. وكان من المقترح أن تبدأ من ميناء بور سعيد إلى العقبة ومن هناك تتجه نحو بلدة الجوف في شمال نجد ومنها تمتد إلى البصرة.
إذ إن نجاح الألمان في تولي مهمة بناء سكة حديد الحجاز لصالح السلطات العثمانية جذب مزيدا من الاهتمام الدولي إلى هذه المنطقة . إن تلك الأحداث التي وثقتها التقارير القنصلية الأمريكية وجرى استعراضها فيما مر حول انتباه قناصل الولايات المتحدة الأمريكية العاملين في هذا الجزء من العالم جذبت انتباه ممثلي دول أخرى كثيرة.
ومن المرجح أن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أولت تقارير قناصلها الكثيرة عن ذلك بعض اهتمامها وهي التي كانت تتطلع  إلى المناطق  “الشاغرة ” في العالم كما مر .