التحالفات السياسية في العراق .. تجارب سابقة وملامح جديدة

د. زيد الاعظمي
باحث في العلاقات الدولية
قبل استشراف سيناريو انتخابات آيار 2018 في العراق وما بعدها .. لا بد من الإتفاق على ثابت في الديمقراطية العراقية، أن رئيس الوزراء لم يكن في آخر موعدي انتخابات 2010 و2014 مُخرجا لصندوق انتخابات أو نِتاج معدلة رقمية لأكثرية نيابية، فلقد أثبتت كلتا المناسبتين وقبلها الحكومتان المؤقتة والإنتقالية، أن التوافق الإقليمي من جهة ورغبة واشنطن ونواياها من جهة أخرى هما الحاسمان في رسم منهج إدارة الحكومة العراقية.
نتذكر جيدا أن نوري المالكي كان الأنموذج الواضح للتوافق الإقليمي بين الفواعل السياسيين على الرغم من خسارته ثانيا في نتائج انتخابات 2010، وذلك جزءا من متطلبات مرحلة ما بعد الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، ورغبة الفاعل الإيراني أن يكون المالكي اللاعب الأول في المشهد المحلي والإقليمي استكمالا لمتطلبات تحقيق التواصل الإيراني مع كافة فواعلها في المنطقة.
بينما انقلبت المعادلة في 2014، فتطلبت المصلحة الأمريكية أن لا يتسنم الفائز الأول نوري المالكي السلطة لولاية ثالثة، رغم امتلاكه الأغلبية النيابية التي تحقق له ذلك، فجيئ بحيدر العبادي رئيسا للوزراء برغبة أمريكية أوروبية للتعامل الدولي مع مرحلة داعش في الشرق الأوسط وما بعدها، ونتذكر جيدا الضغط الذي مارسته السفارة الأمريكية على الفاعل السياسي الكوردي ليقبل بالمعادلة الجديدة وإن لم يستحصل المكاسب المطلوبة، فكان التصويت على الكابينة الوزارية شكليا ولم يحض بعض أعضاء الحكومة على ثقة أقل من عشرة نواب.
تعلمت القوى السياسية العراقية من تجاربها السابقة ، أن التحالفات وتوقيع الاتفاقات مسبقا وقبيل الانتخابات هي مسألة ليست في صالحها، فتلك القوى ستحاول الدخول منفردة بمكاسبها الأمنية وثقلها التنظيمي دون أن تذوب في كيانات أخرى فتخسرها “المكاسب” لصالح آخرين، أو تتأثر حصصها من النتائج بموجب المقاعد النيابية، كما أن السنوات الأربع الأخيرة قد شهدت تصدعا وانهيار تحالفات في عموم الأحزاب والكيانات والائتلافات ولاسيما الشيعية والكوردية التقليدية التي تصدرت المشهد الحكومي، فكل طرف يحاول أن يرمم بيته الداخلي أولا ومن ثم يسعى إلى معرفة وزنه الانتخابي الفعلي في الوسط الشعبي، والأهم من ذلك يبدو أن التوصيات الاقليمية تلمح إلى أن المرحلة السياسية المقبلة تتطلب دخول القوى في قوائم منفردة ضمن استراتيجية رأب الصدع الداخلي وتوسيع القاعدة الانتخابية لأحزاب ولدت جديدة.
نشأت ما بعد 2014 ظروف إقليمية موضوعية أثّرت في القوى السياسية العراقية الكلاسيكية ورؤيتها الاستراتيجية لإدارة اجنداتها وبرامجها، أخرجتها من الانصياع التام للرؤى الطائفية ومحركاتها المحلية والإقليمية لما بعد 2003، نحو تمردٍ على تلك المحركات ودوافعها وفضاء أكثر عقلانية في التعاطي مع استحقاقات الداخل والإقليم العربي، وقد يكون أنموذجا التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر وتيار الحكمة بزعامة الحكيم الأكثر عقلانية وانفتاحا على استحقاقات العراق والمنطقة، وسيكون لذلك المستجد الأثر السياسي الواضح في الخارطة الانتخابية المقبلة.
وبالمقابل أفرز زلزال داعش تيارا راديكاليا أصوليا يمثل أقصى اليمين سياسيا وأمنيا، له الغلبة النيابية التي تنساق خلف أرادته لتمكنه من إحراج خصومه ومنافسيه، بل وتهديدهم لما يمتلك من ميليشيات عقائدية ستوظف سلاحها سياسيا وترسم ملامح الخارطة السياسية كما تشتهي وتخطط. من يراجع تصريحات قيادات الحشد الشعبي وتأكيدهم على تسمية رئيس الحكومة منهم وتحقيق مبدأ الأغلبية السياسية النيابية، يتصور أن إفرازات انتخابات 2018 “إن عُقدت” ستُفرز حكومة الحشد الشعبي ومليشياته المختلفة. ولكن بالعودة إلى المبدأ الأول الذي ذكرته في بداية المقال سيجد أن هذا الطموح وهمٌ لا معنى له.
أثمرت أزمة داعش عن بوصلة إقليمية حفزت البيئة السياسية الإقليمية تجاه العراق، وشهد تحركا دبلوماسيا غير مسبوق لاحتواء زعامات سياسية عراقية ربما آمنت بالتغيير وضرورة الاستقلال بالقرار السياسي والتوازن ما بين استحقاق الداخل وضغوطات الخارج، وستتحرك بموجب هذا المبدأ لما بعد الانتخابات لصوغ مشهد سياسي سيتضمن تغييرات مهمة يمكن توقعها بالآتي:
ست قوائم شيعية كلاسيكية: دولة القانون التي يتزعمها نوري المالكي، وقائمة لحيدر العبادي يتوقع أن تكون حزبا مستقلا عن الدعوة، وبدر بزعامة هادي العامري، والتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم ولبعض فصائل الحشد قائمة مختلفة.
الواقع السياسي لإقليم كوردستان سيشهد تطورا دراماتيكيا مع تصدع الحزبين الكلاسيكيين في أربيل والسليمانية، مما سيمنح الأحزاب الأخرى كتغيير والإسلامي الكوردستاني والجماعة الإسلامية وحزب برهم صالح فرصة الوجود في الساحة السياسية في الاقليم والمركز وتمثيل الكورد فيها.
سنيا فالموضوع أكثر تعقيدا مع حجم الفجوات التي تشهدها الشخصيات السنية في علاقاتها وبرامجها السياسية وطموحاتها التي لا تتناسب وحجم كارثة المكون وضياع مستقبله السياسي بين نازح في خيمة أو مدينة منكوبة أثرا بعد عين، فمن الصعوبة بمكان أن يكون للأحزاب السياسية الكلاسيكية أو تلك حديثة النشأة التأثير المنتظر على الخارطة الانتخابية المقبلة في بغداد.
ووفق الثابت الذي ساقه المقال في مقدمته، سيكون النفوذ الأمريكي أكثر تطرفا في تسمية رئيس الحكومة المقبلة، في ظل انفتاح إقليمي عربي على لاعبين محليين اقتنعوا بتغيير توجهاتهم وحضورهم السياسي، وهذا يرجح أن شكل الخارطة سيُبقي على الحضور الشيعي في الحكم وإدارة أبرز مفاصل الدولة كما رُسمت عام 2005، مع إيجاد فواعل سنة يضمنون تمثيل المكون في الكابينة الوزارية من رحم اجتماعات أنقرة وحراك رسم مشروع سني. أما الفاعل الكوردي فسيعيد تأهيل نفسه لشغل استحقاق المكون في حكومة مقبلة لكن ليس بثوب جديد أقل تطرفا من طموحات الكورد السابقة.