إمكانية العبادي في التصدي للفساد

فاضل ياسين
مستشار مركز العراق الجديد
لعل أبسط المعاني المتداولة للفساد أنه “انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة”. بما ينطوي عليه ذلك من التحكم بالأموال العامة والخاصة بعيدا عن المصلحة الوطنية العليا، أو الاستيلاء عليها دون وجه حق وحرمان البلاد من الانتفاع بها. ويتسع هذا المفهوم ليشمل ظواهر سياسية واقتصادية لا حصر لها، من قبيل تزوير الانتخابات والتلاعب بنتائجها لصالح حزب متنفذ ومتجذر بالطائفية والعنصرية حيث يمكنه الفوز بكرسي الحكم من خلال تفسيره الذاتي للقوانين أو تلاعبه بمحتوى الدستور حسب مصالحه الخاصة، وفبركة الملفات ضد الخصوم السياسيين، واستخدام امكانيات الدولة لصالح حزب ما، فضلا عن غياب الديمقراطية الحقيقية أو تفريغها من مضمونها الحقيقي بسبب الجهل الذي يسيطر على المجتمع…الخ. وفي العموم فإن الفساد هو أحد الظواهر المجتمعية التي يمكن رصدها في المجتمعات كافة بغض النظر عن موقعها الجغرافي أو العصر التاريخي الذي تعيشه أو درجة نموها الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي ..الخ.
إن الفساد في العراق، حالة معقدة كحال الكثير من دول العالم الثالث، فهي ظاهرة متجذرة وممتدة ومستوطنة، بالرغم من تنوع واختلاف مظاهره وأشكاله وتجلياته، إذ يتسع ويضيق طبقا لعوامل عديدة. ولا يخفى ان الفساد في الدولة العراقية هو فساد مؤسسي  لم يولد بعد 2003 وإنما يعود في الكثير من تفاصيله إلى بدايات تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، وتضاعف وتم تعاطيه بشكل علني ضمن مراحل مختلفة من عمر هذه الدولة العتيدة، لكنه وبسبب ضخامة الحيز الذي شغله في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق عام 2003 أصبح سمة مميزة لهذه المرحلة، بل انه أبرز هذه السمات.
ان ابرز مؤشر فساد لمنظمة الشفافية الدولية والذي تم نشرة حول  دول العالم، يحتل العراق فيه المرتبة 161 من أصل 168 . إذ تم التركيز على هدر أو سرقة او اختفاء ما يصل إلى 360 مليار دولار مفقودة منها 100مليار دولار خارج البلد، وقد وجدت الحكومة العراقية نفسها مرغمة على الاستعانة بمحققين دوليين لإشراكهم في مساعي الكشف عن ملفات فساد “كبرى” لعجزها عن متابعة هذه القضية الخطيرة. بعدما فعل الفساد فعله في نخر القدرة المؤسساتية للحكومة العراقية وأدى إلى إهمال إجراءاتها واستنزاف مصادرها، وأدى في نهاية المطاف إلى تقويض شرعية الحكومة.
ويمكن القول أن الفساد في العراق بصورته التي يتحرك بها وينمو من خلالها، هو نتاج مباشر لإرادة سياسية محلية وإقليمية ودولية، أوجدها الاحتلال الأميركي وتداعياته على تلك الصعد. فالاحتلال وضمن استراتيجية (الفوضى الخلاقة) أطلق كل مظاهر الفساد المالي والإداري والأخلاقي.. الخ، ولم تكد تنجو أية دائرة حكومية إنتاجية أو خدمية من فواعل الفساد ونفوذها وتأثيرها، بل إنها ممتدة إلى الكثير من الأجهزة التنفيذية العسكرية والأمنية والتشريعية والقضائية، وإن كانت بنسب متفاوتة، ويبدو أن هناك ما يشبه اتفاقا ضمنيا على أن تجري الأمور وفقا لإرادة الفاسدين..!!
ولعلنا لا نبتعد كثيرا عن الحقيقة حينما نزعم أن العبادي الذي ظهر في البيئة الفاسدة التي أوجدها الاحتلال الفاسد، ما كان بمقدوره أن يكون في مأمن من أن تطاله مؤثرات وأفعال الفساد والفاسدين حتى لو حرص على أن ينأى بنفسه عنها..!!
إن السيد حيدر العبادي هو جزء من منظومة سياسية، كونه قيادي في حزب السلطة، والسلطة الحالية الممتدة منذ عام 2006 وحتى الآن هي نتاج مخطط فاسد طويل الأمد، يرتبط بالكيفية التي تم فيها اسقاط مؤسسات الدولة العراقية، وفرض أنموذج المحاصصة المشوهة الفاسدة، التي تمثلت حلقاته بفرض رؤية المحتل على الشعب العراقي في كل ما له علاقة بالنظام السياسي الذي شكله الاحتلال، بدءً من مجلس الحكم مرورا بحكومات إياد علاوي والجعفري ونوري المالكي ومن ثم العبادي. وهو ما أدى حتى الآن إلى جلب المزيد من الكوارث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والصحية والبيئية.. الخ.
وبصريح العبارة، لم يكن العبادي بعيدا عن المفاصل الرئيسية للبنية السياسية الفاسدة التي تم غرسها قسرا في العراق، وارتضتها الأحزاب السياسية وفي مقدمتها حزبه (الدعوة) .. فقد كان من بين الشخصيات القيادية البارزة في ذلك الحزب، ورأس لفترة طويلة هيئات ولجان مهمة وخاصة اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب، وبحكم تلك الصفة كان على اطلاع تفصيلي على كل خفايا الفساد وشخوصه وخيوطه وقدراته وحجمه ودوائر إدارته وتوجيهه.
بل أن خصوم العبادي يتهمونه بالمشاركة المباشرة والتورط في الكثير من ملفات الفساد في مختلف المراحل التي شغل فيها مناصب حكومية وصولا إلى تبوئه لمنصب رئيس الوزراء. ومن المؤكد أن تعقيدات الوضع العراقي لا تمكن أي شخص أو حزب بمفرده أن يحيط بكل ملفات الفساد بسبب حجمها الهائل وخيوطها المتشابكة بصورة عنكبوتية مافيوية في شتى مجالات وزوايا الدولة والمجتمع والأحزاب السياسية.
وفي واقع الأمر نحن نستمع إلى تصريحات العبادي ونواياه بإيقاف الفساد ومحاربته، ولكننا لا ندري حقيقة نواياه عن المدى الذي سيذهب إليه في ذلك، فهذا في علم الغيب حتى الآن، خاصة وأن حملته لم تطل أي من كبار الأشخاص الذين تحوم حولهم تهم الفساد الكبيرة..!!
ولعل من المقربين للعبادي على صعيد الارتباطات الحزبية أو الرسمية الحكومية من كبار الضالعين في ملفات الفساد، بل من عتاة الفاسدين، ويؤكد المراقبون للوضع العراقي أن مصداقية العبادي في محاربة الفساد مرتبطة بقدرته على الإطاحة بالدولة العميقة التي أقامها نوري المالكي وتقديمه والمحيطين به للقضاء بسبب الملفات الكبيرة تم عرضها حول دوره في ممارسة الفساد والمشاركة فيها أو التغطية عليها أو غض النظر عنها، وخصوصا ما يرتبط بأفراد عائلته وأقاربه الذين كان يشرفون على إدارة أجهزة الدولة لمختلفة.
ومن المفيد الإشارة هنا إلى ما أعلنه المكتب الإعلامي لنوري المالكي في (28/11/2017)، أن الأخير سلم هيئة النزاهة في عام 2011 ملفات كثيرة تدور حولها شبهات فساد، معتبراً أن التصريحات التي تفيد بأن اداء المالكي في ملف محاربة الفساد “لم يكن فاعلاً” هدفها “خلط الأوراق والتصيد بالماء العكر”. وفي هذا محاولة استباقية من المالكي لتبرئة النفس من احتمالات توجيه الاتهامات له بملفات الفساد.
وتقفز إلى مقدمة الملفات التي يطرحها الرأي العام في العراق تسبب المالكي في مئات الصفقات الفاسدة خاصة في العقود العسكرية، والمشاريع الوهمية، وتهريب النفط الخام والمشتقات النفطية وارتباطه بعصابات الخطف والاغتيال والتهجير، وأخيرا تسببه في سقوط المحافظات العراقية الغربية بيد تنظيم داعش الإرهابي، ومقتل الآلاف وتشريد الملايين وتحطيم المدن وبناها التحتية.. الخ.
إن العبادي إذا كان قد نجح في قيادة الدولة في مرحلة بالغة الخطورة، والانتصار في الحرب على داعش وتحرير المدن العراقية، فإنه في مواجهة الفساد بحاجة إلى إرادة أشد وعزم أمضى وأجهزة أكثر قدرة  ودقة في الفرز بين الفاسدين وغير الفاسدين..!!
النجاح في محاربة الإرهاب لا يعني النجاح التلقائي في محاربة الفساد، لأن الكثير من الفاسدين المعممين وغير المعممين رفعوا لافتة الاصلاح ومواجهة الإرهاب، ويدعون أنهم هم الذي حققوا النصر فيه، وهم من أسوأ الوجوه التي أخرجتها العملية السياسية سواء في انتهاكهم للحرمات أو في سرقة المال العام والخاص، بل أنهم تحولوا من مجاميع تحمل السلاح إلى أحزاب سياسية تنتظر الفوز في الانتخابات وتصدر المشهد السياسي..!!
وإذا ما افترضنا جدلا صدق نية ونوايا العبادي في التصدي للفساد، فإنه لابد وأن يعد العدة المؤهلة لكشف الفساد دون مراعاة لأي اعتبارات، وعليه أن يبدأ من تبرئة نفسه والمقربين منه والمحيطين به، والتبرؤ من الفاسدين مهما كانت عناوينهم، وخصوصا من المرجعيات الدينية الطائفية والحزبية، وعدم السكوت على الفساد السابق، وإعادة الحقوق لأصحابها، وتعزيز حكم القانون ومكانة القضاء، والدفع باتجاه القيام بتنفيذ اصلاحات شاملة تعيد هيبة الدولة الوطنية وتعلي من رابطة المواطنة والمساواة أمام القضاء، وفضح كل محاولات التستر على الفاسدين، والذهاب أبعد من ذلك في كشف الأطراف الدولية التي دعمت وتدعم الفاسدين. في وقت يمتلك فيه العبادي رصيدا مهما من الدعم الداخلي والإقليمي والدولي بإمكانه توظيفه بالاتجاه الصحيح الذي يمكنه من تحقيق انجازات غير مسبوقة في التصدي لمافيات الفاسدين. رغم ذلك فإن مدى قدرته على استعادة الأموال العراقية المنهوبة ستكون هي المعيار لصدق نوايا العبادي. ولعل الرأي العام العراقي المعبأ بأغلبيته الساحقة ضد الفساد والمفسدين، وتحميله تبعة المعاناة الهائلة التي يعيش تحت وطأتها المواطن العراقي، تشكل فرصة ذهبية في امكانية النجاح في هذه الحملة.
إن محاربة الفساد تقتضي مواجهة شجاعة وتشخيصا دقيقا للظواهر التي تسببت أصلا في انتشار واستشراء الفساد، وفي مقدمتها:
1-غياب العدالة الاجتماعية.
2-غياب القوانين الرادعة، أو الانتقائية في تطبيقها، التي تسببت في ضعف وسائل الرقابة والمحاسبة.
3- حرية الحركة للعناصر الفاسدة وتغلغلها المخيف في مفاصل الدولة والمجتمع.
4- ضعف الغيرة الوطنية على المصالح العليا للبلاد، والاستعاضة عنها بمصلحة الطائفة والمذهب والحزب ..الخ.
5- عدم الاستقلالية في صنع واتخاذ القرار العراقي في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
وهناك عراقيل من طراز آخر تقف حجر عثرة في طريق مكافحة الفساد، منها:
1-  الادعاء بان هذه الحملة هي جزء من الحملة الانتخابية التي ابتدأها العبادي للولاية الثانية .
2- التشكيك في قدرة وإرادة الادوات الرقابية في التعاطي مع رؤية الحكومة في هذه الحرب.
3- الدور السلبي التي تمارسه الكتل والاحزاب التي تصر على المضي في حماية عناصرها  واعتبار محاسبة المسؤول المنتمي لها استهدافا سياسيا لها.
4- ضعف دور وتفاعل القضاء وخاصة الادعاء العام (شبه المعطل)، وهو ما جعل القضاء يتعامل مع قضايا الفساد بنظرة سياسية اكثر مما يتعامل معها قانونيا.
5- هناك شكوك في جدوى الاستعانة بالمحققين الدوليين، إذ لم نجد سابقة في تاريخ الدولة العراقية لتعاون المحقق او الخبير الاجنبي مع القضاء العراقي، ومن المؤكد أن الهدف هو افشال تلك الجهود.
مكافحة الفساد والانتخابات المقبلة لعام 2018:
بذلت الحكومة سواء عبر منصاتها التنفيذية او التشريعية جهودا استثنائية لتأكيد أن مساعيها لمواجهة الفساد لا تقترن اطلاقا بالعملية الانتخابية او لأغراض سياسية او دعائية وانما هي خطوات اجرائية تم ترتيبها على مراحل لتسير بخطوات هادئة من خلال تفكيك حالات الفساد المنظم والمرتبط بعضه بعصابات الجريمة المنظمة وبعضه مؤسسي يتغلغل في اوساط مهمة من طبقات المجتمع. كما إنها لن تكون انتقائية بأي حال من الأحوال معتمدة معايير موحدة في مساءلة الشخصيات والمؤسسات المختلفة.
إن بعض الشخصيات والجماعات والأحزاب السياسية المتورطة بملفات الفساد استبقت الأحداث وأصدرت بيانات تدعم فيها العبادي شريطة أن لا تستهدف الحرب على الفساد التسقيط السياسي! وهو أمر يثير الإلتباس والغموض ويستبطن سوء النية، ولا يمكن أن يكون هذا دعما للعبادي بقدر ما هو محاولة للشكيك بصدقية التوجه الحكومي نحو محاربة الفساد.. وهذا المسعى يظهر قلقا شديدا من أن تؤدي الفضائح التي سيتم الكشف عنها عن انهاء وجود بعض تلك الجهات السياسة أو اضعاف فرصها في الانتخابات المقبلة.
ويرى العديد من المتابعين للشأن العراقي، إن معركة التصدي للفساد الإداري والمالي معركة شرسة مفتوحة على كل الاحتمالات وأن عملية فتح جبهات قبل الانتخابات نقطة مهمة جدا من أجل عدة أهداف أبرزها:
أولا: إجبار الأحزاب على التخلي عن الفاسدين.
ثانيا: وارغام تلك الأحزاب على تقديم عناصر جديدة نزيهة للعملية السياسية.
ضرورة الاستعانة بالمجتمع الدولي:
إن سطوة المافيات والميليشيات في إرهاب القضاء أمر لا يختلف عليه اثنان، ولذلك لابد من الاستعانة بالخبرات الدولية البعيدة عن تلك السطوة، وهذا يحتاج الى  جهد منظم بعيد عن الانفعال السياسي، فهذه الحرب سوف تكون شبيهة بالحرب على داعش، وتحتاج الى مثل هذا الجهد الدولي، خاصة وأن بعض حلقاته ارتبطت مع شبكات غسيل الاموال الخارجية، وامتدت مع شبكات تهريب النفط العالمية وتهريب المخدرات وتهريب الاثار والبشر وغيرها من المجالات التي تحتاج الى تحالف دولي جدي في تقويض هذه الشبكات المفسدة.
 وجاءت مذكرة التفاهم التي وقعت بين مكتب رئيس الوزراء والامم المتحدة عام 2016 من خلال مكتبها في بغداد خطوة بارزة في سياق الحرب على الفساد، ولتشكل أشبه بحرب عالمية ضد الفساد كما هي الحرب على الارهاب. وهذا التوجه أعطى هذه الحرب بعدا عالميا اولا كما أعطى مؤشرات إيجابية بان الحكومة العراقية جادة في هذه الحرب وفي سعيها لبناء وتعزيز الثقة الدولية بالإجراءات الرقابية العراقية، وصولا إلى تحسين سمعة العراق دوليا سياسيا واقتصاديا وماليا. وذلك كله يشجع في نهاية المطاف فرص شراكة العراق في المنتديات الاقتصادية الدولية ويجذب رؤوس الاموال العالمية للاستثمار في السوق العراقية.
ولكن إلى جانب الترحيب الذي حظي به توجه الحكومة للاستعانة بالخبرات الدولية، فان هناك خشية من ان توظف ملفات الفساد للمساومة على مستقبل البلاد، لاسيما انخراط العراق في إطار المنظومة الاقتصادية الغربية (الأميركية تحديداُ)، وبصريح العبارة، هناك من يثير الأقاويل بشأن احتمالات أن تقوم الدوائر الأميركية بتجنيد المفسدين للدفاع عن المشاريع الاميركية في العراق مقابل تجميد ملفاتهم وعدم عرضها على القضاء، بعيدا عن أي اعتبار للمصالح الوطنية العراقية.
ضرورة تشكيل محكمة خاصة لمحاكمة الفساد:
إن ضخامة ظاهرة الفساد في العراق ظاهرة استثنائية بكل المقاييس، ولا يمكن التصدي لها بالأدوات الرقابية التقليدية الرتيبة، العاجزة في أحيان كثيرة، التي لم تكن فاعلة بسبب غياب الارادة وغياب الرؤية الواضحة والهدف في تقصي حلقات الفساد والقضاء عليها.
إن تفعيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد الذي يشرف عليه رئيس الوزراء حيدر العبادي بنفسه وعدد من القضاة والمستشارين والمدققين، ضرورة لابد منها في هذه المرحلة. كما إن الحرب على الفساد تتطلب إنشاء محكمة عليا خاصة ومحققين من العيار الثقيل يوازي ثقل مستوى الفساد الثقيل هو الآخر وحسنا فعلت الحكومة بالاستعانة بالمجتمع الدولي في هذا الجانب في ظل وجود أموال عراقية في حسابات خارج البلاد في ظل عجز الجهات الحكومية العراقية من الوصول إليها دون الاستعانة بالخبرات الدولية وتعاون المجتمع الدولي في هذا الجانب.
إن العجز القانوني يلعب دوراً فاعلاً في تفشي ظاهرة الفساد من خلال ضعف سلطة القانون وانعدام تطبيقه بعدالة، وضعف المهنية القانونية. ولكي ينجح العبادي فيما يروج له من الجدية في التصدي للفساد، لابد له أن يستعين بعناصر تنفيذية وقضائية بعيدة كل البعد عن شبهات الفساد، فمن غير الممكن الاعتماد على أشخاص وأجهزة فاسدة في هكذا حملة مفترضة.
الشفافية والشمولية في الحرب ضد الفساد:
إن شبكة الفساد تقيم نظامها القيمي بنظرة المافيات التي تسعى للهيمنة على كل شيء والتحكم في كل شؤون الحياة ذات الصلة بالمال والسلاح والسلطة، ولذلك لابد لهذه الحملة أن شمل كل ذلك، مع عدم الانسياق وراء الجوانب الثانوية ونسيان القضايا الكبرى فيه، أي أن يبدأ من الشهادات المزورة وصــــــــولا لهدر المال وسرقته …الخ
إن استفحال الفساد السياسي وشمولية توجهاته، جعلت منه بمثابة الجذر الذي نما منه الفساد المالي والاداري بل وحتى الابتزاز والإرهاب وهلم جرا..!! فهو القاطرة التي تجر وراءها باقي العربات..!!
لقد حقق الفاسدون مكاسب لا حصر لها بسبب انعدام الشفافية في الحكومة (حرية المعلومات) في صنع القرار، واحتقار أو إهمال ومحاربة ممارسات حرية التعبير عن الرأي أو حرية الصحافة والاعلام وحق الوصول إلى المعلومات، وضعف المساءلة وانعدام الإدارة المالية الملائمة. إذ أسهمت جميع هذه الامور بشكل فعال بتوفير اجواء تتناسب مع تطلعات الفاسدين من جهة واضعاف هيبة الدولة من جهة أخرى. إن مثل هذه البيئة التي تنعدم فيها الشفافية، تسهم في اتباع طرق ملتوية في لتسويات مشبوهة لقضايا الفساد بعيد عن الضوابط القانونية. والشفافية بحد ذاتها عامل قوة لا تدانيها قوة في مقارعة المفسدين، لأنها تضعهم وجها لوجه أمام المجتمع وحكم القضاء العادل.
ضرورة البدء باستهداف رؤوس الفساد:
إن تناول قضية الفساد بأسلوب التعميم دون التشخيص الدقيق، يسهم في إفشال هذه الحملة، ويخدم الفاسدين، إذ ان الكثير منهم عمد الى تضخيم قضايا ثانوية لا تحتاج الى جهد جهيد في كشفها والقضاء عليها، لإلهاء الحكومة والقضاء، والادعاء بتحقيق انجازات في إطار هذه الحملة، للإفلات من دائرة البحث والمتابعة.
لقد اكتسب الفساد في العراق خبرات واسعة في تضليل الجهات الرقابية والقضائية، من خلال ترتيب قضايا جزئية او قصصا منقوصة تستنزف قدراتها وتطيل أمد متابعاتها وصولا إلى هدفها بتقييد القضايا ضد مجهول ومن ثم علقها دون التوصل إلى أية نتائج.
إن البدء بكبار الفاسدين، كفيل بكشف معظم ملفات الفساد ذات الصلة بالقضايا الكبرى على شاكلة صفقات الأسلحة الروسية، وتهريب سجناء أبو غريب، وإدخال “داعش“ وسقوط الموصل“، وفضيحة بيع القصور الرئاسية والتلاعب بملكية آلاف العقارات الحكومية والخاصة…الخ.
وخلاصة القول أن بإمكان السيد حيدر العبادي أن يحقق نجاحات حقيقية إذا ما أعد العدة اللازمة، ووضع نصب عينيه المصلحة الوطنية العليا، والحزم ومعالجة الأمر كرجل يقود البلاد في مرحلة عصيبة، ومطلوب منه أن يصنع انجازا تأريخيا لإنقاذ حاضره ومستقبله، ولكن لابد له أن يستذكر قول سيد الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (إنما أُهلك الذين من قبلكم لأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف – أي القوي- تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد).