امكانية نجاح العبادي في حصر السلاح بيد الدولة

فاضل ياسين
مستشار مركز العراق الجديد
ينتشر السلاح وبكميات كبيرة غير معروفة على وجه الدقة في جميع أرجاء العراق، وبنسب متفاوتة من حيث الكم والنوع، وعلى العموم يمكن القول أن أهم أنواع وكميات الأسلحة تقع تحت السيطرة الميليشياوية الشيعية، المنتشرة، ولدى الجماعات العشائرية المسلحة في مناطق الوسط والجنوب وعصابات الجريمة المنظمة. كما أن كردستان تمتلك ترسانة كبيرة هامة ومؤثرة من تلك الأسلحة.
إن ظاهرة انتشار السلاح في العراق ظاهرة معقدة ومتنامية ومتشعبة. ومع استثناء وضع  وخصوصية كردستان، وما تمتلكه من سلاح، يمكن التمييز بين ثلاثة مراحل في هذه الظاهرة، الأولى تلك التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق 2003 ولغاية عام 2005، والثانية هي التي تبدأ منذ عام 2006- 2014، والثالثة التي تبدأ مع احتلال تنظيم داعش للمحافظات الغربية واستيلائه على مستودعات الجيش في حزيران 2014 ولغاية الآن.
وبغض النظر عن تفاصيل كل مرحلة من تلك المراحل، يمكن القول ان فوضى السلاح كانت تتوسع من مرحلة إلى أخرى، تبعا لإرادات داخلية وخارجية، ولأغراض سياسية وتجارية، مع حصر غالبية السلاح المؤثر (المتوسط والثقيل) بيد العناصر الطائفية، وهي في غالبيتها العظمى تأتمر بأوامر الأحزاب والمرجعيات الطائفية الدينية والسياسية والعشائرية، بل أن العديد منها تأتمر بأوامر الأجهزة الإيرانية، بكونها أذرع لتلك الأجهزة، بغض النظر عن المسميات التي تطلق عليها، إذ كانت تتغير وتتكيف مع متطلبات الوضع السائد، تارة تكون خارج الدولة وتارة تنظم إليها، أو تنافسها أو تتصارع معها، كما حدث في قرارات عامي 2006 و2007 بدمج الميليشيات بالجيش والشرطة والقوات الأمنية الأخرى، مع استمرار الكثير منها بالاحتفاظ بهويتها وكياناتها وسلاحها وصولا إلى تشكيل فصائل الحشد الشعبي التي استحوذت على الكثير من أسلحة الجيش، وبات من الصعب التمييز بين الجهة التي تشرف على استخدام وتخزين وحركة السلاح. بل أنها أصبحت كيانات مسلحة تفرض رؤيتها حتى على القائد العام للقوات المسلحة، حتى وإن كانت قيادتها تعلن بين الفينة والفينة مرغمة، انها تخضع لقيادة القائد العام.
ومن المفيد الإشارة هنا أن حكومة المالكي قد اتبعت نهجا طائفيا وغير متوازن في معالجتها لفوضى السلاح، إذ بذلت مساعي حثيثة لتجريد المناطق السنية حصرا من السلاح سواء في أحياء بغداد أو في حزام بغداد أو في المحافظات السنية، بحيث أبقتها مكشوفة أما هجمات الميليشيات الطائفية التي عاثت فسادا في تلك المناطق من قتل وتهجير واعتقال وتخريب الممتلكات من منازل وحقول وبساتين، في اطار خطط التغيير الديموغرافي التي نفذتها حكومة المالكي، وهو أمر ما تزال الكثير من الشواهد عليه قائمة حتى الآن رغم مرور سنوات عديدة على حدوثه.
لم يعد السلاح في العراق مجرد وسيلة للدفاع عن النفس أو لفرض إرادة الحكومة الشرعية، وإنما أصبح وسيلة للحصول على المكانة السياسية والنفوذ والتأثير الاجتماعي، وفرض الوجود من خلال كيانات موازية لأجهزة الدولة الرسمية، واصبحت الجماعات التي تحمل السلاح تطالب- دون وجل- بثمن مقابل في العملية السياسية يوازي قوة السلاح الذي تمتلكه، وما حققته من انتصارات، تحت ذريعة وجوب التقدير الوطني لتضحياتها في الاستجابة لفتوى الجهاد الكفائي ومواجهة داعش والحاق الهزيمة به والحفاظ على الوحدة الوطنية للبلاد…الخ
ومن المؤكد أن العبادي يسعى لفرض سلطته على الجميع، عبر الكثير من الاجراءات المعروفة في العالم، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة.
لقد أعطت رسالة المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في خطبة الجمعة 15 كانون الأول- ديسمبر 2017 زخما إضافيا لرئيس الوزراء الذي بادر إلى تأييد فحوى الرسالة المتضمنة وجوب أن يكون كل السلاح تحت سيطرة الدولة، مع إدماج مقاتلي الحشد الذين شاركوا في قتال تنظيم «الدولة» ضمن المؤسسة الامنية؛ وتأكيد مكتبه على بدء إجراءات جمع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وتشكيل لجان تتكفل بدمج مقاتلي الحشد في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية لتحقيق السلم المجتمعي والتوجه لمحاربة الفساد.
ومن العوامل التي تساعد حكومة العبادي في ذلك المسعى:
1- الانجازات العسكرية التي حققها في الحزب ضد داعش واستعادة المحافظات المحتلة.
2- الانجازات التي حققها مقابل إقليم كردستان، سواء في استعادة كركوك والمناطق المتنازع عليها والمنافذ الحدودي والمطارات ..الخ.
3- اعلان العبادي وتأكيد على محاربة الفساد، واعتبار فوضى السلاح إحدى مظاهر الفساد.
4- الدعم الذي حظيت به دعوة العبادي لحصر السلاح بيد الدولة، من قبل المرجعية الدينية الشيعية في النجف، وهي القلقة من احتمالية أن تنقلب عليها الجماعات المسلحة الساعية للهيمنة على الوضع السياسي والفكاك من هيمنة تلك المرجعية. وهذا الأمر دفع العديد من تلك الجماعات المسلحة للإعلان عن خضوعها لسلطة الحكومة، وتشكيلها أحزاب سياسية تسعى للتنافس في الانتخابات عام 2018.
5- الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين الداعين صراحة إلى حل الجماعات المسلحة لكون الكثير منها يخضع لأوامر إيرانية هدفها زعزعة أمن واستقرار المنطقة، ودعوتها لحصر السلاح بيد الدولة مقابل التعاون مع الحكومة العراقية، سواء في دعمها سياسيا أو عسكريا أو اسهامها في عمليات إعادة الاعمار وانطلاق عمليات الاستثمار في العراق.
إن المعطيات المتوفرة حتى الآن تشير إلى أن العبادي سينجح جزئيا في حصر نسبة كبيرة من السلاح بيد الدولة، لكنه لن ينجح في القضاء نهائيا على فوضى السلاح القائمة في البلاد، خصوصا وأن بعض الجماعات المسلحة أعلنت صراحة أنها لن تلقي سلاحها لأن التهديدات ما تزال قائمة، فضلا عن الرغبة الإيرانية في استمرار نفوذها على العديد من تلك الجماعات في حالة توجه الحكومة العراقية نحو انتهاج سياسة حيادية حقيقية تجاه الوضع المتأزم بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين.
وبذلك قد لا يجد رئيس الوزراء ما يكفي من معززات القوة التي تتيح له إمكانية مواجهة الحشد الشعبي، وارغام قياداته على القبول بحل فصائلهم، وتسليم أسلحتهم للدولة، وتسريح مقاتليهم مقابل تعويضات أو إحالتهم إلى التقاعد، وإدماج قسم منهم في القوات الأمنية؛ خاصة وأن الحشد الشعبي استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في مناطق وسط وجنوب العراق، التي تشكل جانبا مهما من الرصيد الجماهيري للعبادي وحزب الدعوة.
كما لا ننسى أن العشائر في مناطق الجنوب والوسط، تصر على الاحتفاظ بسلاحها، الذي تجد فيه وسيلتها الوحيدة لفرض إرادتها في مناطقها سواء كانت داخل مناطقها أو حتى في البحث عن المغانم من المنافذ الحدودية أو الشركات النفطية أو الموانئ وغيرها، فضلا عن الثارات العشائرية التي وصلت في بعض المنازعات إلى ما يشبه اشتعال جبهة قتال حقيقية، مما اضطر الأجهزة الأمنية والعسكرية للتدخل المباشر للفصل بينها، علما أن الكثير من الحملات الأمنية فشلت في تحقيق الغرض منها.
ويبقى السوق السوداء الخاص ببيع وشراء السلاح ناشطا في ضوء الأرباح الكبيرة التي يحققها المهربون من وراء هذه التجارة الرائجة والعلنية في مناطق عديدة في بغداد وخارجها.
ومما لاشك فيه أن العبادي كرئيس للوزراء وقائد عام للقوات المسلحة يواجه معضلة حقيقية في محاولاته تحجيم دور الجماعات المسلحة، سواء تلك التي تم تأطيرها بقوانين وأصبحت تشكيلات رسمية أو تلك التي ما تزال تعمل خارج إطار القانون.
ومن غير المستبعد أن تحدث بعض الصدامات مع الجماعات التي ستتمرد على محاولات فرض سلطة القانون، وقد يدخل بعض خصوم العبادي في الدفع نحو مثل هذا الصدام لإضعاف فرص العبادي في الفوز بولاية ثانية.
إن نجاح الحكومة في تخفيف التوترات المجتمعية بين المكونات العراقية، والتوجه نحو اصلاحات شاملة، ومن ضمنها اصلاح المنظومة العسكرية والأمنية والقضائية والتربوية، وإشاعة الثقافة الوطنية والتأكيد على ضرورة تعزيز الأمن والسلم الأهلي كفيلة بإضعاف الجهات التي تسعى لنشر مزيد من فوضى السلاح في البلاد.
إن تأكيد هيبة الدولة وفرض سلطة القانون في العراق لن تتحقق من دون النجاح في حصر السلاح بيد الدولة، أو في تنظيم تجارة وحمل وحيازة السلاح والقضاء على التهريب والسوق السوداء، شرط أن يتم التعامل في ذلك وفق رؤية وطنية بعيدة عن التمييز الطائفي والحزبي وعلى قدم المساواة مع الأطراف التي تمتلك السلاح.
ويمكن القول إن الدولة العراقية بوضعها الحالي لا تمتلك الامكانيات التي تمكنها من اصلاح هذا الوضع كليا. ومن المرجح أن حكومة العبادي ستسلط الضوء على بعض الانجازات وتضخيمها إعلاميا، على شاكلة اظهار الحملة على تجارة السلاح في سوق مريدي، مع تجنب الاقتراب من الجوانب المعقدة التي تفوق القدرات الحكومية، والادعاء بنجاح عملها في هذا الاطار، مع استمرار خططها المستقبلية في هذا السياق.