أيها العراقيون…تعالوا إلى كلمة سواء / الجزء الأول “الدعوة إلى الحوار”

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد 
     ما جرى في العراق على مر أربعة عشر سنة لم يكن مفاجئاً للمختصين في الشأن العراقي، إن تداعيات الاحتلال الأمريكي عام 2003 وارتداداته لا تزال فاعلة في صناعة الأزمات والصراعات الطائفية والأثنية، وأضحت سياسات الهوية الشغل الأهم لمكونات الشعب العراقي وانعكست سلبا على الأوساط السياسية،  وباتت هي من تتحكم في مسارات الدولة التي يشعر فيها المكون العربي السني بالغربة والعزلة في ظل هيمنة المكون الحاكم على المشهد السياسي؛ مع اعتبار أن مشاركتهم في العملية السياسية لم تجدي في الحد من تغول المشروع الإقصائي لأصحاب القرار دوليا وأقليميا ومحليا. وباتت الساحة العراقية مسرحا للصراعات والأزمات التي تخدم في محصلتها النهائية ذات المشروع التوسعي للأحزاب السياسية الحاكمة وحلفائها الأقليميين والدوليين. فالتكرار في المشهد العراقي سيد الموقف مع اعتبار تغير المسميات، فالقاعدة أصبحت داعش والميليشيات الخارجة عن القانون أصبحت حشد وغيرها كثير في قاموس الشعب العراقي الأصيل، وتم كل ذلك كنتيجة للمعطيات السياسية التي رافقت العراق منذ الاحتلال ولحين الانتهاء من التنظيم الارهابي “داعش”، فالخلل الذي أعترى العملية السياسية في البلاد، ووجود نظام يعتمد المكونات على حساب المواطنة أفضى إلى شد وتوتر بين مكونات الشعب العراقي نتج عنه إرهاب مؤدلج يستهدف مكونات الشعب العراقي دون استثناء، إضف إلى ذلك الشدّ بين الحكومة في بغداد وإقليم كردستان، والخلاف بينهما حول المناطق المتنازع عليها والاشتباكات التي شهدتها خاصة بعد الاحداث التي رافقت استفتاء الأقليم، علاوةً على تدخل دول الجوار وخاصة إيران التي وظفت الخلاف الداخلي إلى مزيد من هيمنتها على المشهد العراقي، إذ لا يمكن فصل الأزمة العراقية بعيدا عن الصراعات الداخلية، والمشاريع والأطماع التوسعية لبعض الأطراف الداخلية والإقليمية، وخاصة في ظل التنامي المتسارع للنفوذ والتدخل الإيراني في خمس دول عربية وتمكينها من عواصمها سياسياً وإعلامياً وأمنياً.
     يعد العراق من أغنى بقاع الأرض بأهلها وخيراتها، بلد فيه من الموارد البشرية والاقتصادية ما لم يمتلكه أحد من دول الشرق الأوسط، كل ذلك مع اعتبار موقعه الاستراتيجي وربطه بين الدول العربية وإيران من جهة وبينها وبين تركيا من جهة ثانية، جعل العراق يتعرض عبر التأريخ لأشرس هجمة غوغائية اشترك بها اعداء كثر ولم يحترق من جرائها الا الشعب العراقي الجريح… لانعلم سببا أكبر من النعم التي حباها الله تعالى للعراق في تعرضة لكل هذا البلاء في التأريخ المعاصر بكافة أبعاده …ففي البعد الدولي أمريكيا بقضها وقضيضها تأتي من وراء الصحارى والقفار والبحار ومن آلاف الكيلومترات لتحتل العراق.. وأقليميا من ثمانينيات القرن الماضي يتحارب العراق وإيران لثمان سنوات عجاف، وفي تسعينيات القرن الماضي يحتل الكويت ويطرد منه بالحديد والنار، وبعد خروجه من الكويت يتعرض العراق للحصار ويجوع شعبه ويفقد ملايين الضحايا، وبعد الاحتلال الأمريكي تنهال عليه المشاريع الطائفية والإثنية، وتجتاحه هجمات أشرس من هجمات التتر في العصور الماضية، وتلتهب الحرب الأهلية ويقتل الناس على الهوية، وتنتشر الجثث في الشوارع، وتحرق المدن ويقتل الأبرياء،  ويهجر الآلاف والملايين، ويفجر بالمئات، وتتعرض محافظات الوسط والشمال لاجتياح الإرهاب، ولتحريرها تهدم السقوف على الرؤوس، فتطمر عوائل بالمئات تحت الأنقاض، وكذا الحال مع بعض محافظات الجنوب تفجيرات تطال الأبرياء، وتكال التهم جزافا بلا قانون ولا نظام، ويرد بقتل مزيد من الأبرياء…حكومات لم توقف نزيف الدم بل في أحيان تشترك في إهداره…كل ذلك حقائق مؤلمة لو أراد التأريخ أن يسطرها لملئت أسفار ولم تفي بمعشار ما جرى وصار. وللخروج من بحر الأزمات المتلاطم في العراق نحتاج  إلى سياسيين أصحاب مشاريع حقيقية يدعون إليها بالأداء الحسن والحوار الهادف والجدال بالتي هي أحسن، بصرف النظر عن خلفيات هذه المشاريع دينية كانت أم قومية أم وطنية المهم هي مشاريع تبني ولا تهدم تعمر ولا تخرب، فالعراقي اليوم ولا ينشغل كثيرا بمن يحكمه من العراقيين بل بما يحكمه وكيف يحكمه؟؟. في هذه العجالة وفي سبيل الخروج من الواقع العراقي المأزوم نطرح فكرة مأسسة المصالحة الوطنية وتقنينها وتبنيها من قبل مكونات الشعب العراقي كافة، عبر دعوة العراقيين السياسيين وغيرهم للجلوس على طاولة واحدة  للحوار، فالحوار والحوار وحده ممكن أن يرسي سفينتهم في مرفأ أمين. ففي الآونة الآخيرة تحرك قادة بعض الحركات السياسية من المكون الحاكم ودعوا إلى مشروع مصالحة وطنية بين مكونات الشعب العراقي، وهذه تعد من المبادرات المباركة شريطة أن لا تسعى لتركيع الآخر بل أن تشاركه على وجه الحقيقة، فالعراق بلد يتسع للجميع ومن غير الإمكان في حال من الأحوال أن تستأثر به جهة واحدة من مكوناته وإن كانوا يدعون –توهما- أنهم أغلبية، بهذه الفرية التي خدعنا بها المحتل وجعلنا نتبارى ونتسائل مَن مِن المكونات الأغلب؟؟ وتناسينا حقائق كبيرة تربى عليها العراقيون بمختلف ألوانهم وأشكالهم وخلفياتهم، فأغلب القبائل العراقية مشتركة في المذهب والمذهب الآخر، والعراقيون لم يسمحوا بيوم من الأيام إجراء التعداد على أساس مذهبي، والعراق في مجمله عربيا مع وجود قوميات أخرى لها منزلتها واعتبارها كالكورد والتركمان والآشوريين وغيرهم، ولم نك يوما من الأيام تمايزنا معهم على أساس القومية، بل روابط الأخوة والمحبة والتناسب والتواصل عناوين لنا جميعا مع احترام بعضنا لخصوصية البعض، لذا بات من غير المنطق بمكان أن يدعي طرف على أنه أغلبية على حساب الأطراف الأخرى ديمغرافيا. الإشكالية الكبرى المدمرة جاءت مع مشاريع وافدة علينا، وجاءت مع الاحتلال وفي أحيان كثيرة بمباركة الاحتلال، وبالتزامن مع انهاء النظام السابق بقضه وقضيضه، ونمت وتفرعت مع تخبط بعض الساسة، وعسكرة المجتمع العراقي، ومن جراء تقسيمه إلى مكونات متنازعة، وظهرت تبعا لذلك مجاميع إرهابية وميليشيات إجرامية ولغت بدماء الأبرياء من العراقين على مختلف توجهاتهم المذهبية والعرقية. واحدة من أهم المحطات التي تساعد على الخروج من الأزمة العراقية المستعصية الدعوة إلى حوار وطني يعيد التوازن إلى النظام السياسي العراقي ويشكل مدخلاً لهذا الحوار الشروع بتلبية مطالب المكونات الشرعية، وعلى رأسها التنفيذ الفعلي للدستور دون تعطيله، وحل الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة الأمر الذي سيخفف الاحتقان و يضعف فرضية عودة التطرف أو تنظيم الدولة (داعش) في العراق.
    ومع اعتبار أن المشاريع الإصلاحية الكبيرة كانت ولا تزال هي مشاريع سياسية بالدرجة الأساس، لذا توجب على السياسيين من المكونات العراقية كافة ملك زمام المبادرة والدعوة إلى جلسات حوارية مفتوحة، حول طاولة واحدة ممتدة زمنيا، لا تحسم بمدة محددة بل مفتوحة تنتهي بانتهاء الغرض من تشكيلها، يتم الحوار بين ممثلي المكونات من السياسيين، وتنقل بشكل مباشر للشعب كله، وتعمل قنوات تواصل مع المواطنين لإثراء الحوار، والاتفاق ابتداءا أن لا مخرج من الأزمات الحالية والماضية إلا بالحوار المفتوح المعلن ومن دون أي خطوط حمراء، ويتم ذلك برعاية أقليمية ودولية وبمعية المواطن العراقي البسيط، بمعنى أن المادة التي يتحاور عليها الساسة تدون وتنشر للشعب بمختلف خلفياته واختصاصاته، وتنقل الحوارات المفتوحة على الهواء بشكل مباشر، ويخصص لها أوقات معلومة، وتفتح قنوات تفاعلية لرصد آراء المواطنين حولها، وتعمل استبيانات حول كل مفردة بطريقة مهنية بما لا يدع للتلاعب بها سبيلا لرصد الرأي العام العراقي، وما يتفق عليه يحول إلى جهات ذات اختصاص لتدوينه وتقنينه، ومن ثمة يعرض على الحكومة ومجلس النواب وهيئة الرئاسة للموافقة عليه وتصديقه، وترجمته واقعا حيا وفق تنظيم زمني معلوم وبتكليف الجهات ذات العلاقة لمتابعته مع اعتبار إيجاد ضمانات دولية وأقليمية لتنفيذ ما يتفق عليه، ويعتد بمتابعة الرأي العام العراقي المتمثل بالإعلام ومنظمات المجتمع المدني. ومن يخرج عليه من الكتل السياسية والأحزاب يعرض لمسائلة حقيقية ويعرض لعقوبة محسوسة فضلا عن العقوبات المعنوية التي يوجهها له المجتمع العراقي. ويكون ذلك عبر رؤساء الكتل ومسؤولي الأحزاب وقادة المجتمع، من غير تعطيلها عبر تشكيل لجان تختص ، لكون تشكيل اللجان ضرورة فإنها تكون مرحلة لاحقة للتنفيذ. في المرحلة الراهنة ندعوا المجتمع العراقي عبر ممثليه جميعا أن يطالبوا حكومة العبادي بالدعوة إلى مؤتمر عام للحوار يشرك فيه الجميع من السياسيين الحاليين، ومن الذين يرغبون في المشاركة من الجهات التي قاطعت العملية السياسية ذات البعد السياسي ولها تأثير مجتمعي، كما نطالب أن يكون المؤتمر وفقا للمذكور أعلاه ويعتبر الآتي؛
  • دعوة الأحزاب والكيانات السياسية العراقية لكبح جماح الطائفية والإثنية، وتجنب المواجهة على هذا الأساس بين مختلف أطياف اللون العراقي.
  • العمل على إشاعة مفهوم المواطنة، وفكر الاعتدال والوسطية وثقافة الشراكة الوطنية بين مختلف مكونات الشعب العراقي بجميع القوى والطوائف والمذاهب والإثنيات.
  • المباشرة بعملية الإصلاح السياسي، وإنهاء سياسات الإقصاء والتهميش لأي مكوّن من مكونات المجتمع العراقي، وبناء نظام سياسي ديمقراطي تشاركي على أسس عادلة تحقق الاستقرار والتنمية وتكافح الفساد.
  • إنهاء الاستبداد والافراج عن المعتقلين الأبرياء، وتطبيق الدستور في مواد الحريات وحقوق الإنسان ومعاقبة كل من يتجاوز على الحريات والحقوق.
  • تصحيح مسار القضاء وتعقب آثار السياسات الطائفية للحكومات السابقة ومعالجتها جذريا، وانهاء ملف الاستهداف السياسي.
  • اعتبار وانصاف السياسيين المستهدفين سابقا ومشاركتهم الهم العراقي بتفاصيله كافة، بعد ارجاع حقوقهم المسلوبة ورفع الحيف عنهم.
  • العمل بالدستور العراقي الحالي وتفعيل مواد الحقوق والحريات والفصل بين السلطات الثلاث على وجه الحقيقة لا الادعاء.
  • دعوة جميع القوى السياسية العراقية إلى الحفاظ على وحدة العراق وعلى النظام الاتحادي الفدرالي، واعتبار ذلك هدفاً لكل القوى السياسية بصرف النظر عن انتماءاتها الإثنية أو الطائفية.
  • وقف التدخلات الخارجية السلبية والانتهازية في الشأن العراقي، وإتاحة الفرصة للعراقيين لإدارة شؤونهم بعيدًا عن محاولات الإلحاق والهيمنة وبدعم عربي كامل.
  • دعوة المجتمع الدولي ودول الجوار، وخاصة الدول العربية وتركيا وإيران، إلى المساهمة في التوصل إلى حلّ سياسي للأزمة في العراق على قاعدة المشاركة الوطنية والديمقراطية ووحدة أراضي البلاد والدولة.