ولاية الفقيه والهروب الكبير

د. عمر عبد الستار
مستشار مركز العراق الجديد
يبدو ان ولاية الفقيه التي هربت من شعبها ومن النظام الدولي منذ ١٩٧٩ وصلت اخيرا لطريق مسدود.
فقد جاءت انتفاضة ايران، على قدر مع حقبة دولية جديدة  متزامنة مع انتهاء داعش ، ومقرونة بتحالفات دولية واقليمية لمواجهة نفوذ ايران في المنطقة كما بينت استراتيجية ترمب وتقرير اوليبرايت هادلي،لسد الطريق امام هروب ايران الكبير المستمرمنذ ١٩٧٩.
فمصادرة خميني لثورة ايران ضد الشاه عام ١٩٧٩،وتغييره لنموذج الحكم في ايران من نموذج ويستفالي قومي  مركزي من انظمة ما قبل الحرب الباردة ، الى نموذج ديني مركزي ارهابي عابر للحدود، وضعت ولاية الفقيه في حالة هروب دائم من شعبها الذي سرقت ثورته ومن المنظومة الاقليمية والنظام الدولي الذي يعدها نموذج معادي لمنظومة ويستفاليا الدولية.
وحالة هروب ولاية الفقيه الدائم من الواقع  المحلي والاقليمي والدولي، دفع ولاية الفقيه الى احداث فوضى اقليمية ودولية تحت شعار تصدير الثورة ومحاربة الشيطان الاكبر وتحرير فلسطين. ومن هنا كانت دولة ودستور  ولاية الفقيه دولة ودستور حرب، بحثا عن مهدي الزمان وانتظار قدومه بسيل من دماء الشعوب والبلاد المدمرة.
ولقد مرت ولاية الفقيه خلال رحلة هروبها الكبير من شعوب ايران ومن النظام الدولي بمحطات كثيرة.  ولقد كانت سفارة اميركا في طهران محطتها الاولى ،اذ خطفت بها موظفي السفارة الاميركية في طهران ٤٤٤ يوم. ومن محطات رحلة الهروب الكبير،كانت محطات تفجير متعددة لمقر المارينز وللسفارة الاميركية في  اكثر من مكان.
 ومن محطات رحلة هروب ولاية الفقيه الكبير، محطة بيروت التي اهدتها حزب الله منذ  ١٩٨٢، فهيمن على بيروت ولم يزل بعد ان قتل رفيق الحريري وفجر حرب تموز.
ثم كانت حدود العراق ومدنه محطتها الكبرى في ١٩٨٠، اذ منحتها الحرب مع العراق التي دامت ٨ سنوات هدية من السماء. فتمكن حرس ولاية الفقيه الثوري  من شعوب ايران وحطم مقدرات دولته وجيشه  وقتل عشرات الاف الايرانيين في حرب، المنتصر الوحيد فيها كان نموذج ولاية الفقيه، حتى ان الخميني قال في نهايتها وهو يقبل وقف اطلاق النار، ان موافقته على وقف النار كانت تشبه تجرعه لكأس السم، ولقد صدق.
ثم ادركت محطة بغداد التي  منحتها ولاية الفقيه  منظمةبدر منذ ١٩٨٠ فوصلتها بعد ٢٠٠٣ وفجرت سامراء في ٢٠٠٦ ثم سلمت الموصل وثلث مساحة العراق لداعش وابرمت حشدا شعبيا في ٢٠١٤هيمنت به على دار السلام.
ومن محطات رحلة الهروب الكبير كانت دمشق بعد بغداد، اذ اطلقت عليه حزب الله من لبنان والقواعد والدواعش من السجون فضربت ثورته ضد جزاره.
ثم حطت ولاية الفقيه في رحلة هروبها الكبير من شعبها  ومن النظام الدولي في صنعاء التي ابرمت له ولاية الفقيه انصار الله  في ٢٠٠٤ واستولت بهم على صنعاء في ٢٠١٤.
ورغم الرايات التي تحمل اسم الله ، فانك لم تجد ولن  تجد احد يستظل بهذه الرايات يعرف او يصون لله او للشعوب حقا.
وكل هذه الرايات تحت رعاية فيلق القدس الذي لم يصل القدس  منذ قرر الهروب اليه من شعوب ايران ،فلما انتفضت شعوب ايران اخيرا، قال انصار وحزب وحشد (الله) ان الانتفاضة مؤامرة لمنع فيلق القدس من تحرير القدس.
ولو عدنا الى داخل ايران الذي هربت منه ولاية الفقيه منذ ١٩٧٩، فقد خرج نظام ولاية الفقيه من حربه مع العراق منتصرا على شعبه، ثم مات الخميني واستلم الراية خمنائي الذي جيئ به من الصفوف الخلفية  لفقهاء قم.
فتأخر خمنائي وحرسه للمقعد الخلفي وهو يمسك بزمام القيادة، وقدم رفسنحاني ومحمد خاتمي كوجوه اصلاح وانفتاح  مزيف على  الشعب والمنطقة والعالم.
ولم تكد  شعوب ايران ان تتنفس هواءا نقيا  في عهد خاتمي، حتى حط فيلق القدس بمحطةابراج الخبر في ١٩٩٦ ثم محطة ابراج نيويورك ٢٠٠١, التي وضعت بها ولاية الفقيه مليار ونصف مسلم تحت طائلة الحرب على الارهاب.
ولم تزل تهرب ولاية الفقيه من  شعوب ايران ومن النظام الدولي ،ومن عواصم ومدن المنطقة حتى مرت اخيرا بكركوك.
وظنت شعوب المنطقة ان الامر  استتب لولاية الفقيه التي ضمت الى شعوب ايران شعوب اخر،وظنوا انهم قد احيط بهم وان نفاق التحالف الدولي قد يدعهم لولاية الفقيه.
حتى انتهت داعش بتحالف دولي انضم اليه بعد قمة الرياض تحالف اسلامي عسكري، وهم يستعدون لمواجهة نفوذ ايران،لكن دون اثر لهذا الاستعداد على رحلة هروب ولاية الفقيه منهم او من شعوب ايران.
وحين كان التحالف الدولي والاسلامي العسكري يستعد للحقبة الدولية الجديدة بعد انتهاء داعش،كانت ولاية الفقيه تمني نفسها باستمرار هروبها،بعد اتفاق لوزان بالاندماج في المجتمع الدولي،وتمنى نفسها اقليميا بتحالف جهادي سني شيعي تضحك به على ذقون المسلمين بعد قرار ترمب بنقل سفارة بلاده للقدس،حتى فاجئت شعوب ايران الجميع.
لقد فاجئت انتفاضة شعوب ايران ولم يكن احد يتوقع هذه المفاجاة وبهذه السرعة ومر اسبوع حتى وصلت مرحلة مطمئنة وحطت في مجلس الامن  وتم تدويل مصير نظام ايران.
وبعد ان اذل الله نظام ايران امام شعوبها، اذله امام النظام الدولي  فاعز الله الكويت وجعلها وبالتزامن مع انتفاضة ايران عضوا في مجلس الامن،لتتحدث عن مصير نظام ايران.
نظام ايران هذا العرمرم الذي يلعب كرة قدم في الشرق الاوسط اصبح مصيره مثل مصير كرة القدم بين ارجل الدول في محلس الامن، وتتحدث عن مصير نظامها الكويت وكازاخستان،سبحانه يعز من يشاء ويذل من يشاء.
لقد حدث مايخشاه النظام وماكان يتوقعه.لقد كان يخشى من التدويل ويخشى اكثر من الانتفاضة وخشيته الاكبر من دخول التدويل مع الانتفاضة.
لقد حدث شي للنظام لا يستطيع معالجته، ولايستطيع عمل شي، بعد ان كان يهرب منه للامام للارهاب الخارجي منذ ال ١٩٧٩ هروبا او خوفا من الفشل الداخلي.
لقد تصدع جسم النظام الايراني وانشق الشعب الايراني عنه،  وهذا الخرق يكفي جدا  لاضعاف النظام تدريجيا.
فلقد تقاسمت اميركا وفرنسا وبريطانيا بينها الادوار  في زيادة رقعة الخرق التي احدثتها شعوب ايران دون اي تنافر بينها.
فامريكا تتحدث عن اجرام وارهاب نظام ايران، وفرنسا طلبت تخلي ايران عن الصواريخ الباليستية،وبريطانيا طلبت تخلي ايران عن دعم الحوثي وهذا يعني ان الوقت قد حان للتخلي عن دعم الارهاب الاقليمي والدولي.
لقد استهدفت الدول الثلاثة نظام  ايران من جهاته الثلاث وكل دولة شدت ايران من جهة.
وقد تتمخض الانتفاضة عن تطورات تدفع مليشيات حشد ايران في العراق وحزب الله للتدخل دفاعا عن نظام ايران وقد تجرم هذه المليشيات بحق شعوب ايران  وهي قد دخلت.
 وقد يتم تدويل ملفها ويتشكل تحالف دولي ضد مليشيات ايران بقرار من مجلس الامن والعراق ولبنان  لن يستطيع حينها التستر عليهم بعد ذلك.
ورغم انه من المبكر الحكم على عودة  مجلس الامن لمناقشة ملف ايران الاقليمي منذ ان خرجت ايران من البند السابع بعد توقيع الاتفاق النووي،لكن سيناريوهات الانتفاضة الايرانية، قد تؤدي لفقدان ايران دورها الاقليمي.
وفقدان إيران لدورها الإقليمي، قد يكون نتيجة متوقعة لأي دولةيزعزع نظامها الأستقرار الاقليمي. وفضلاً عن إستراتيجبة ترمب،التي تستهدف دور إيران الإقليمي، فإن تخلي شعوب إيران عن ولاية الفقيه بانتفاضتهم،قد تفتح بابا لتخلي نظام إيران عن تصدير الثورة.
اوقد تفتح عودة ايران لمجلس اللامن من جديد، الباب تدريجيا لمسار إتفاق يشبه لوزان تتخلى بموجبه إيران عن الإرهاب ‏أو لتحالف دولي محتمل ضدها.
‏وربما تحاول دول ٥+١،أن تستغل فرصة ‏إنتفاضة إيران  الساخنة لدفع إيران للرضوخ لإرادتها في الملف النووي والصاروخي
‏والتخلي عن دعم الإرهاب العابر للحدود ‏والإنتقال من الثورة إلى الدولة والإهتمام بحقوق الشعوب الإيرانية.
دون أن يعني ذلك بالضرورة إنتهاء إنتفاضة الشعوب الإيرانية التي ادركت ان نظام ولاية الفقيه لايمكن اصلاحه، وان لاسبيل امامها الا  استرداد حريتها ودولتها المفقودة والقبض على ولاية الفقيه واستردادها من رحلة هروبها الكبير ومحاكمتها على جرائمها بحق شعوب ايران والمنطقة والعالم.