بعد قرار المحكمة الاتحادية بإجراء الانتخابات العراقية بموعدها المحدد .. دعوات التأجيل بين صدق النوايا والمتاجرة بمأساة المواطنين وركوب الموجة

فاضل ياسين 
مستشار مركز العراق الجديد
مقدمة:
حسمت المحكمة الاتحادية العراقية في (21/1/2018) مسألة إجراء الانتخابات البرلمانية والمحلية في أعقاب السجالات السياسية والإعلامية حول احتمالات إجرائها في موعدها المحدد رسميا في (12/5/2018) أو تأجيلها لموعد لاحق سواء لستة أشهر أو سنة كاملة تمتد لعام 2019.
إن تشخيص حقيقة مواقف الأطراف السياسية العراقية تجاه هذه القضية المحورية بالغة الأهمية بالنسبة لمسار العملية السياسية وشرعيتها، فضلا عن شعبية القوى السياسية المختلفة، يقتضي تفكيك الصورة الكلية للكتل السياسية الكبيرة والنظر في مواقف عناصرها الأساسية من الشخصيات والأحزاب والتجمعات السياسية فيها.
1- المكون الشيعي:
برزت مواقف القوى الشيعية بأغلبية ساحقة تمسكت بإجراء الانتخابات في موعدها المقرر سلفا الذي حددته تلك القوى أصلا مستندة إلى أغلبيتها في مجلس النواب وهيمنتها على القرار في إطار مفوضية الانتخابات والذي تدعمه السلطة القضائية أيضا. ويجد هذا الموقف التزاما وتأييدا من جميع أطراف التحالف الشيعي، تحت أسباب وذرائع شتى، ولعل في مقدمتها ما يأتي:
أ-  قدسية الالتزام والتقيد بالثوابت الدستورية التي حكمت العملية السياسية منذ إقرار الدستور الدائم لعام 2005، وحتى الآن.
ب- التخوف من خطورة أن يتسبب التهاون في الالتزام بموعد الانتخابات مقدمة للتهاون وخرق للكثير من ثوابت العملية السياسية، ومن ثم اسقاط مجمل العملية السياسية التي منحت المكون الشيعي هيمنة مطلقة على مقدرات الدولة العراقية.
ج- القلق من امكانية تلاشي التعبئة الشعبية المؤيدة للأحزاب المهيمنة على السلطة، لاسيما الشريحة الداعمة للحشد الشعبي، وبالتالي ضياع تضحياتها وانجازاتها في الجانب العسكري المتمثل بهزيمة تنظيم داعش، وعملية التأطير القانوني لدور الحشد وهيكليته وارتباطاته وحقوقه.. الخ، التي تمكنت من فرضها على جميع أطراف العملية السياسية.
د- رغبة بعض القوى الشيعية في تأجيل محدود للانتخابات، لكنها لا تمتلك الجرأة للمجاهرة بذلك، ويندرج في هذا السياق النواب الشيعة الذين أيدوا التصويت السري في مجلس النواب لتحديد الثبات على الموعد الخاص بالانتخابات أو التأجيل، وتقدر بعض المصادر أن عدد هؤلاء يتراوح بين (20-25) نائب.
ه- هناك قوى شيعية هامشية رافضة للعملية السياسية، وتسوق أسبابا كثيرة في مقدمتها فشل العملية السياسية وفساد السياسيين وانسداد أفق الإصلاح فيها.
2- القوى السياسية السنية:
أ-  هناك نسبة كبيرة من الصادقين بمطالب التأجيل تحت وطأة التقييم السلبي لمدى استجابة الشارع السني للمشاركة بالانتخابات، وصعوبة إجراء التحضيرات اللازمة الكفيلة بإنجاح العملية الانتخابية برمتها، على شاكلة تنظيم الدعاية الانتخابية، بشكل ينسجم مع الواقع المزري الذي ترزح في ظله عموم المناطق السنية سواء بالنسبة للذين عادوا إلى مدنهم المدمرة برغبتهم أو رغما عنهم، أو الذين ما يزالون يعيشون في مخيمات النزوح المختلفة، في ظل سيطرة المجاميع المسلحة التابعة للميليشيات على معظم تلك المناطق، وهو ما يطعن في امكانية إجرائها في أجواء آمنة ونزيهة.
ب- إن نسبة مهمة من النواب السنة، الذين قصروا بوضوح في المرحلة المنقضية، سواء في الدفاع عن مصالح العرب السنة ككل، أو وقفوا موقف المتفرج على ما حصل لمناطقهم، خاصة ما له صلة بمد يد العون وإغاثة النازحين والمتضررين والكشف عن مصير المغيبين والمعتقلين والمفقودين. ويجد هؤلاء استحالة تسويق أنفسهم على أبناء المكون السني، لأنهم موقنين بوجود رفض شعبي لهم، خاصة وأن أسماء العديد منهم ارتبطت بقضايا الفساد والمتجرة بمعاناة الضحايا الأبرياء.
ج- إن هناك قوى سنية صغيرة، أفرزتها مرحلة الحرب على داعش وما بعدها، من الذين أنظموا إلى تشكيلات الحشد العشائري أو الحشد الشعبية، وأبدوا تعاونا مع أحزاب السلطة وأبدوا استعدادهم للدخول في تحالفات وترتيبات سياسية تصب في خدمة المشروع الطائفي، مقابل منحهم امتيازات محددة، كالحصول على المناصب على المستويين المحلي والاتحادي، والدعاية لهم باعتبارهم الممثلين المقبولين لتلك المناطق.
د- أما الأحزاب الشكلية والشخصيات التي تفتقر إلى القاعدة الشعبية، والتي وجدت فرصتها في ركوب موجة المطالبة بتأجيل الانتخابات، انتظارا لتحقيق مكاسب سياسية.
3- القوى الكردية:
في أعقاب الأحداث الدراماتيكية التي شهدها إقليم كردستان، الناشئة عن الاستفتاء حول تقرير المصير والانفصال في (25/9/2017)، وتداعياته التي كان من أبرزها استعادة قوات الحكومة الاتحادية سيطرتها على محافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها، وتجريد إقليم كردستان من الكثير من المزايا التي كان يتمتع بها، والتي انعكست مباشرة على الوضع المعيشي للمواطن في الإقليم، وخسائر هائلة لإمكانيات الإقليم. كل ذلك أفرز تميزا واختلافا في مواقف الأحزاب الكردية، لعل من أهمها:
أ-  الحزب الديمقراطي الكردستاني:
    اتخذ الحزب مواقف مائعة وغامضة أحيانا تجاه قضية موعد الانتخابات، وقد يكون السبب في ذلك كونه لا يزال يسيطر على منصب رئيس وزراء الإقليم، وهو الوضع الذي جعله متأرجحا بين الانسجام والتوافق مع متطلبات الحكومة الاتحادية، وبين رغبات القاعدة الشعبية التي كانت معبأة نحو تقرير المصير والانفصال وتشكيل كيان مستقل، كما أن تعقيدات الأوضاع في كركوك والمناطق المتنازع عليها وإدارة المطارات والمنافذ الحدودية وميزانية الإقليم.. وغيرها، ألقت بظلالها بحيث أرغمت الحزب على هذه المواقف.
ب- الاتحاد الوطني الكردستاني:
     بالرغم من تشتت مواقف مكونات الاتحاد الوطني الكردستاني، وعدم وجود قيادة موحدة، بعدما حصل في كركوك، فقد بدت قيادة الاتحاد التقليدية المتمثلة بعائلة الرئيس الراحل (جلال الطالباني) أكثر قربا من مواقف الحكومة الاتحادية في بغداد، مع وضعها بعض القيود على هذا الموقف، خاصة وضع المكون الكردي في كركوك والمناطق المتنازع عليها، وخوفه من خسارة التأييد الذي كان يتمتع به، سيما بعد اتهامه من قبل خصمه (الحزب الديمقراطي الكردستاني) بخيانة القضية الوطنية الكردية.
ج- حركة التغيير (كوران):
    تعد حركة التغيير من أكثر القوى السياسية الكردية ميلا نحو تأييد خطوات الحكومة الاتحادية في بغداد، بضرورة إقامة الانتخابات في موعدها المحدد سلفا، واتهام القوى الداعية للتأجيل بأنها تتصرف بما يتناقض مع الدستور ولأغراض سياسية ضيقة بعيدة عن المصلحة الوطنية العليا. وجاء هذا الموقف متوافقا مع مواقفها الرافضة لهيمنة الحزبين الرئيسيين الكرديين على العملية السياسية في كردستان. وتراهن حركة التغيير على حماسة القوى الشعبية الكردية الناقمة على الأوضاع السائدة في الإقليم، والساعية نحو تحقيق جذري في الخارطة السياسية داخل الإقليم.
د- الاتحاد الإسلامي الكردستاني والجماعة الإسلامية:
    بعدما تعرضت منجزات إقليم كردستان لكارثة كبيرة، وبهدف النأي بالنفس عن تحمل المسؤولية عن ذلك، وتحميلها مسؤولية الكوارث التي شهدها الإقليم للحزبين الرئيسيين، فقد انسحبتا من الحكومة الكردية في أربيل، تحت ذريعة الاحتجاج على فشل الحكومة في الاستجابة لمطالب الشعب الكردي سواء في صرف الرواتب للموظفين أو فشلها في محاسبة المفسدين. ولعل تلك المبررات والذرائع مثلت في حقيقتها بداية حملتها الدعائية استعدادا للانتخابات المقبلة والحفاظ على حجم مؤيديها فضلا عن محاولة استقطاب أوساط شعبية جديدة.
ه- برزت قوى سياسية كردية جديدة، أفرزتها موجة الاحتجاجات والتظاهرات التي شهدتها مدن كردستان، وبالأخص حركة ( الاتحاد من أجل الديمقراطية) بزعامة برهم صالح و (حركة الحقوق المدنية) بزعامة الناشط المدني (ساشوار عبد الواحد)، وجاءت مواقفه قريبة من التوجهات الرسمية للحكومة الاتحادية في بغداد، لتطلعهما نحو الحصول على تأييدها في لعب دور في الحياة السياسية لإقليم كردستان.
4- استنتاج:
بناءً على ما أوردناه آنفا، يمكن استنتاج ما يأتي بصدد العملية الانتخابية:
أ- جاء قرار المحكمة الاتحادية ومن ثم تصويت مجلس النواب بالإجماع على القرار، لينهي المساجلات حول هذه القضية، ويشكل دعما لمواقف القوى السياسية العراقية المتمسكة بوجوب إجراء الانتخابات في موعدها المحدد في (12/5/2018)، خاصة بعدما حصلت على دعم واضح وصريح من المرجعيات الدينية والحزبية والسلطة القضائية.
ب- إن القوى الخارجية المؤثرة في الوضع السياسي العراقي، سيما الولايات المتحدة وإيران وممثل الأمين العام للأمم المتحدة، داعمة لموقف الحكومة في الالتزام بموعد إجراء الانتخابات. أما الأطراف الإقليمية وخاصة العربية، الساعية نحو تمتين علاقاتها بالحكومة العراقية، فهي أقرب إلى تأييد الموقف الحكومي وإن كانت تطرح على استحياء ما تسمية بأهمية مراعاة الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها المناطق المحررة من سيطرة تنظيم داعش. ومما لاشك فيه أن تلك القوى أسهمت بشكل كبير في طبيعة وتوقيت قرار المحكمة الاتحادية ومجلس النواب.
ج- لم يبق أمام القوى التي طالبت بالتأجيل من خيار آخر، إلا تنجح في الإعلان الجماعي والموحد عن موقف مشترك بمقاطعة الانتخابات – وهو خيار لا يمتلك أية مقومات حتى الآن- ، بهدف نزع الشرعية عنها، ودعوة الشارع العربي السني للمقاطعة، واطلاق التهديدات الضمنية بتخريب العملية السياسية أو الدعوة مجددا للأقاليم. ولكن في ظل الوضع القائم المتضارب والمشتت، فلن يكون بمقدورها التأثير على التوجه نحو إجراء الانتخابات بموعدها المحدد. وسيعني هذا ببساطة أننا على موعد مع ترتيبات تفرضها أحزاب السلطة بهدف تزوير الانتخابات لضمان فوز أتباعها بنصيب مهم من الأصوات لتمثيل المناطق السنية في البرلمان المقبل، فضلا عن ادخالهم في مكونات مجالس المحافظات.
د- إن ما أظهرته عملية التصويت على القرار في مجلس النواب من محاولات بعض القوى العربية السنية إضافة ما يشبه الشروط على عاتق الحكومة مقابل تأييد إقامة الانتخابات في الموعد المحدد، قد تم الالتفاف عليه، عبر مسرحية ظهرت أمام الرأي العام العراقي، كان طرفاها النائبان الشيعيان (محمود الحسن) و (عباس البياتي)، إذ تم تغيير الصيغة السابقة المقترحة وابدالها بصيغة أخرى، بدت وكأنها عبارة إنشائية تخلو من أي إلزام. وبالتالي فإن عملية الانتخابات ستتم برمتها وفق تصورات القوى الشيعية المهيمنة على الأرض، ولن تتمكن القوى السياسية من فرض أي شيء من تصوراتها السابقة.