ما هي مهام التحالف الدولي بعد الانتهاء من داعش في العراق وسوريا؟

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد 
     بعد أن اقتربت العمليات العسكرية ضد “داعش” من نهايتها في سوريا، وبعد أن تم الإعلان الرسمي عن نهايتها ونهاية التنظيم الإرهابي “داعش” في العراق، ماهي مهام التحالف الدولي في المنطقة؟ الراصد لتصريحات العديد من مسؤولي التحالف الدولي أو من المسؤولين التابعين لدول التحالف بشكل أدق، يلاحظ بشكل واضح من أن الغرض من التحالف لا يزال قائما على الأقل بالنسبة للأهداف المعلنة للتحالف، والتي تركز على انهاء الوجود الإرهابي الأشرس تأريخيا المتمثل بتنظيم الدولة “داعش”، فقد قال المتحدث باسم الأركان العامة الأمريكية، كينيث ماكينزي مطلع هذا الشهر؛ إن تنظيم داعش على وشك الانتهاء والتفتّت، وهناك أعمال أخرى ينبغي القيام بها لكيلا ينشط التنظيم من جديد في العراق وسوريا. وأضاف “ماكينزي” في مؤتمر صحفي؛ هناك من يستخدم اسم التنظيم الإرهابي في أماكن أخرى على المستوى العالمي حتى ولو فشل كخلافة عمليًا، وتابع لذا هناك الكثير من المهام التي ينبغي للتحالف الدولي القيام بها خلال العام المقبل، إلى جانب القضاء على “الخلافة”. واستدرك بالقول: علينا التركيز على المواضيع العالمية المتعلّقة بهذا الخصوص، وسترون أن الانتباه سيتحوّل إلى هنا. وتعد هذه التصريحات واضحة بأن المهمة التي انجزت في مرحلتها العسكرية في العراق ترتبط بالضرورة بوجود التنظيم الإرهابي “داعش” ولم يتطرق إلى مهام موكولة للتحالف غير “داعش”.
      إن الأسباب الموضوعية التي أدت إلى ظهور ونمو هذا الجسم الخبيث في العراق وسوريا لا تزال قائمة على الرغم من الضغط الأمريكي على حكومة العبادي بضرورة معالجة أسباب تكوين التنظيم وتوفير الحاضنة الشعبية له، ولعل أهم هذه الأسباب التوجه الطائفي للحكومات التي حكمت العراق ما بعد الاحتلال وتهميش وإقصاء مكون العرب السنة، مع اعتبار أن حكومة العبادي لم تفعل أي تغيير يذكر على مستوى الأداء، إذا ما استثنينا البعد النظري للسيد العبادي فقد كان ولا يزال طرحه موفقا ويحضى برضا مكونات الشعب العراقي خاصة في تصديه القولي للتخندق الطائفي والمحاصصة، وفي رؤيته لعراق ما بعد داعش فقد كان خطابه ونظرته وطنية وتتلمس العلاج في كل مفصل، لكنها الأقوال فحسب أما الأفعال فقد كانت ولا تزال مرهونة بالفعل الطائفي كما هو الحال مع تقنينه للحشد الشعبي شقيق الحرس الثوري الإيراني وربيبه، وكذا الحال في تحالفاته الانتخابية المرهونة في مجملها للبعد الطائفي، فالعبادي لا يزال أسير لدى المشروع الطائفي الإقصائي في العراق.
   ولو عدنا إلى أن التدافع على الأرض العراقية بشكل واضح والأرض السورية بشكل أقل وضوحا يتمثل في المشروعين الأكثر تأثيرا فيهما، وهما المشروع الأمريكي باسم التحالف الدولي والمشروع الإيراني الطائفي التوسعي المتمثل بالميليشيات العابرة للحدود، ومع اعتبار كونهما الأكثر تأثيرا على الساحة العراقية لم نرصد كذلك على مستوى الأفعال تدافعا حقيقيا بينهما، بل في أحيان كثيرة نرصد تخادما بينهما، وفي بعض الأحيان نشهد توظيف لمشروع من قبل مشروع آخر في متوالية غريبة.
    وعلى الرغم من أن الاستقرار من مهام التحالف الدولي بعد الانتهاء من داعش إلا أن عسكرة المجتمع العراقي والسوري لا يزال يمضي بوتيرة متصاعدة. وكان وزير الدفاع الاميركي جيم ماتيس اعلن بوقت سابق إنه بعد ثلاث سنوات من الجهود الرامية الى القضاء على “خلافة” تنظيم الدولة الإسلامية، فإن المهام “ستتطور وتتجه من السيطرة على الاراضي الى تحقيق الاستقرار”. والهدف من ذلك هو استكمال تدريب اجهزة الامن العراقية التي يتعين عليها تطهير شمال البلاد والمساعدة في انشاء اجهزة أمنية مهنية في شرق سوريا من اجل تجنب ظهور ما يطلق عليه ماتيس “داعش نسخة ثانية”.  ومع هذه التصريحات الواضحة لم تتشكل الأجهزة الأمنية ولا القوات المسلحة العراقية بمهنية بعيدا عن التخندقات الطائفية بل زيد عليها مؤسسات خارجة على القانون أضيفت لها الشرعية قسرا.
    ومع اعتبار وجود الأسباب التي أفضت إلى تكوين التنظيم الإرهابي قائمة فإن مهمة التحالف لم تنجز بعد ولو في مرحلتها الأولى، وتحذر اجهزة الامن الغربية من أن تنظيم “داعش” لا يزال يشكل تهديدا كبيرا، رغم هزيمته وفقدانه مناطق سيطرته، وذلك من خلال شبكاته النائمة وسيتمكن من استعادة ما خسره اذا فشلت عملية السلام، وقال الجنرال الاميركي “بول فونك” قائد التحالف في رسالته بمناسبة العام الجديد إن ظروف عودة داعش لا تزال موجودة، ويمكن ان تصبح هزيمته دائمة بفضل التحالف والجهود التي يبذلها المجتمع الدولي. وفي هذا التصريح رسالة واضحة في أن مهمة التحالف الدولي لا تزال قائمة وربطها بإمكانية عودة التنظيم الإرهابي، وهنا تكمن الإشكالية الكبرى وهي تندرج في التساؤل الآتي؛ هل فعلا أن التحالف انعقد من أجل إنهاء التنظيم الإرهاب؟ لو كان الإجابة بالإيجاب لشهدت الساحة العراقية والسورية ضغطا حقيقيا على مسببات وجود “داعش”.
         أما ما هو ملاحظ على الساحتين العراقية والسورية فهو يوجه الأنظار إلى بعد آخر يتمثل في اسناد تشكيلات عسكرية غير نظامية بحجة مقارعة التنظيم الإرهابي على الأرض، قال نيكولاس هيراس من مجموعة “نيو اميركان سيكيوريتي” مشيرا الى ايطاليا التي تساعد قوات سوريا الديموقراطية على تشكيل قوة من الدرك في الرقة، انه “سيكون لدينا العديد من الشركاء يتولون مختلف المسؤوليات في مهمة تحقيق الاستقرار وفقا لمهاراتهم واضاف إن الولايات المتحدة تشكل حماية للشركاء في التحالف نظرا “لامكانياتها العسكرية المهمة”. كشف قيادي كردي عن تأسيس قوة عسكرية جديدة في شمال سوريا تحت مسمى “جيش شمال سوريا”، لتضاف إلى ميليشيات “سوريا الديمقراطية” التي تشكل وحدات الحماية الكردية. وقال القائد العام لما يسمى”قوات حماية شمال سوريا”، سيابند ولات: إن “هذه القوة تأسست مطلع نوفمبر من عام 2014، وتوزعت في كامل الشمال السوري، أما الآن فيتمّ تنظيمها على شكل جيش، وسبق أن شاركت في الحرب على تنظيم الدولة. فهل تشكيل جيش جديد الغرض منه نهاية تنظيم منهزم أم هناك غرض آخر له؟؟
        إن كان وجود التحالف الدولي لا يقتصر على محاربة التنظيم الإرهابي وتجفيف منابعه فحسب بل هناك أغراض أخرى غير معلنة فالأمر يكون أكثر منطقيا من أن تتحالف سبعين دولة من أجل عصابة لا اعتبار لها من حيث القوة في عالم يتقدم على حرب النجوم بعقود من الزمن. لعل الغرض الأكثر واقعية هو في إعادة تشكيل الشرق الأوسط ، كما يقال وإن كان من الصعب تخيل الشكل النهائي الذي سوف يستقر عليه الشرق الأوسط. ورغم صعوبة تخيل الشكل النهائي المحدد الذي ستسفر عنه التطورات الراهنة في المنطقة، فإن صراعات الحاضر، والقوى الفاعلة فيها، وطبيعة العمليات العسكرية والسياسية والاجتماعية الجارية تشير إلى عدد من الاتجاهات والملامح التي يبدو أنها ستكون حاضرة في مستقبل الشرق الأوسط. ولعل من أهمها تقسيم سوريا والعراق إلى ثلاث دول بحسب أطيافها وأعراقها.
      وفي الواقع العملي وكنتيجة طبيعية لمآلات وجود الإرهاب والتصدي له فأن الشرق الأوسط يعاد تشكيله هذه اليوم من الحقائق التي يصعب تجاوزها، قد يكون التقسيم “تقسيم المقسم” هو العنوان الكبير الذي يمكن له أن يلخص مآلات الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط وارتداداتها على الساحة الأقليمية. ولعل الأولوية في التقسيم سيكون نصيب الدول العربية كالعراق وسوريا في المقام الأول، لكونها من حيث التكوين الديمغرافي مستعدة خاصة بعد الأعمال العسكرية التي شهدتها، ولعل الشكل المستقبلي للشرق الأوسط وخاصة الدول العربية منه سيكون محصلة لطبيعة الصراع على الأرض بقوة السلاح و للتفاعلات والعمليات السياسية المؤثرة في الواقع الإقليمي الراهن. فإعادة رسم الخريطة الإقليمية للشرق الأوسط هو المآل المرجح في هذا الجزء من العالم. أما المسارات التي سيتبعها الوضع الإقليمي، والشكل المحدد الذي سوف يكون عليه الواقع العربي وخاصة في العراق وسوريا بعد مدة من الصراع والاحتراب وعدم الاستقرار، فإنهما سيكونان محصلة للوجود الحقيقي للتحالف الدولي لجملة أسباب موضوعية منها وجود قوة ومنصة للتأثير في عمق العالم الإسلامي، ومنها حمايته للكيان اللقيط في فلسطين المحتلة.