التواجد الأمريكي في عراق ما بعد داعش …فرص بقائه أو انسحابه

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار في مركز العراق الجديد
      تضاربت الأنباء في العراق حول مصير التواجد الأمريكي في العراق بعد تحريره من “داعش” ففي بداية الشهر الماضي ذكرت وكالة أنباء “أسوشييتد بريس” الأميركية نقلا عن المتحدث باسم الحكومة العراقية سعد الحديثي تأكيده بدء سحب القوات الأميركية من العراق، وعزز من ذلك إعلان السفير الأميركي في بغداد “دوغلاس سيليمان” في العاشر من كانون الثاني 2018، عن خفض تدريجي لأعداد القوات الأميركية في العراق.
        في حين نقلت قناة “الحرة عراق” عن المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع الأميركية “إيريك باهون” إن الوزارة لا تنوي سحب أي جنديّ أميركي من العراق في المدى القريب،  فيما كشفت عن اتفاق أميركي عراقي يقضي بتحويل مهام تلك القوات لتدريب وحدات الجيش العراقي ورفع جهوزيته لمحاربة “الإرهاب”. وبحسب صحيفة السيمر الإخبارية الاثنين 26 . 02 . 2018 ،  قالت وزارة الدفاع الاميركية ” البنتاغون” ان القوات الاميركية ستبقى في العراق لاكثر من عشرين عاماً حسب التوقعات وليست بحاجة الى تفويض من أي طرف .
       ونقلت صحيفة القدس العربي عن نائب وزير الدفاع “ديفيد تراشيتنبيرغ” قوله  ان تفويض الكونغرس في عام 2001 لمكافحة الجماعات الإرهابية المتطرفة مثل “القاعدة” يأذن للولايات المتحدة بالبقاء في العراق وسوريا إلى اكثر من 20 سنة من أجل معالجة التشدد المستمر. وأضاف “تراشيتنبيرغ” إن  التفويض يصلح للبقاء، وسحب القوات الأمريكية قبل الاوان من شأنه ان يؤدى إلى تجديد قدرات الجماعات الإرهابية بعد تخفيف الضغط عنها واعادة السيطرة على الاراضي.
        وسبق لإدارة ترامب توضيح موقفها بشأن عدم وجود ضرورة لتفويض جديد اذ أدلى كل من تيلرسون وماتيس في تشرين الاول / اكتوبر الماضي بشهادات امام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ تضمنت القول أن تداعيات احداث الحادي عشر من ايلول / سبتمبر توفر الاساس القانوني المعاصر لبقاء القوات الأمريكية في سوريا والعراق.
    وكان السناتور “تيم كاين” قد بعث رسالة إلى وزير الخارجية “ريكس تيلرسون” ووزير الدفاع “جيمس ماتيس” طلب فيها توضيحات ومعلومات أضافية حول الجهود الحالية للولايات المتحدة في سوريا والعراق معربا عن قلقه من أن الولايات المتحدة قد تفتقر إلى وضع قانوني داخلي او خارجي لحربها في البلدين كما بعث برسالة اخرى للرد على استجابة الادارة الأمريكية على ملاحظات الكونغرس وملاحظاتها التبريرية على الانتقادات. بهذه التدافعات بين أقوال الساسة الأمريكان، وتعدد تصريحاتهم فهل يُعَد العراق مهما بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية؟ الحقيقة أن العراق وباعتبار خيراته وأهميته الاقتصادية والبشرية وموقعه الجغرافي يتربع في قلب الاهتمام الأمريكي إن لم يكن من أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في المدى المنظور القريب والمتوسط.
وفي وقت سابق وتحديدا في تموز 2016 في لقاء متلفز على قناة ABC NEWS مع الجنرال “دفيد بترايوس” قائد القوات المتعددة الجنسية السابق في العراق، خلاصة ما قاله في المقابلة؛ إن العراق ينتظر أحد سيناريوهين؛ الأول إيجابي ويرتبط بنجاح السيد العبادي رئيس مجلس الوزراء في إخراج العراق من أزماته المتعددة في ظل دعم أمريكي، والثاني الأسوأ الذي يتمثل بفشل العبادي في مهمته، أو إنه اختار أن يكون وفق الرؤية الإيرانية، وهذا يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية ستقاتل في العراق، وأن العراق سيكون مهمة الرئيس الأمريكي القادم والذي يليه والذي يله. مع اعتبار أن الجنرال بترايوس لم يكن قائد القوات المتعددة الجنسية في العراق سابقا فحسب، بل كان رئيسا لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية خلال عامي 2011 – 2012. من هنا فإن تصريحاته تعد من صلب الاستراتيجية الأمريكية.
      وبحسب تقرير مجموعة عمل مستقبل العراق في 2016  برئاسة السفير الأمريكي “ريان كروكر”، الذي عمل على مدار عام 2016، وضمت مجموعة عمل مستقبل العراق كبار الباحثين والخبراء والممارسين السابقين في مجال السياسة العراقية؛ من أجل إجراء تحقيق صارم حول كيفية حماية الولايات المتحدة لمصالحها الأمنية على أفضل وجه، وتعزيز المصالح العراقية عن طريق الانخراط الهادف والفّعال في العراق.
         نستنتج من ما تقدم أن العراق يقع في قلب الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، و لا اعتبار لتبرير سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العراق الذي –كما يقول التقرير- أصبح قوة مزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، وسيكون لاستمرار تقلبه تأثيرا كبيرا على البلدان المحيطة، ويوفر وجود مساحات غير خاضعة للحكم عمقًا استراتيجيًا لشبكات الإجرام والمتمردين والمتطرفين في البلدان المجاورة. وتستفيد الجماعات المسلحة في سوريا، بما في ذلك تنظيم داعش من طرق الإمداد عبر العراق. كما أن تصدير المقاتلين الشيعة العراقيين إلى سوريا الذي تنظمه قوات الحرس الثوري الإيراني يزيد من تفاقم الصراع في سوريا. كل هذه تخرصات لا وزن لها أمام الرؤية الأمريكية في السيطرة على منابع الطاقة في العراق، وبسبب بسيط وهو أن أمريكيا هي التي تسببت بكل هذه الفوضى في العراق، فالفوضى الخلاقة التي شهدتها الساحة العراقية صناعة أمريكية بامتياز.
     وفي دراسة سابقة لنا عن كون العراق أصبح ساحة  اختبار واختيار للاستراتيجية الأمريكية أكدنا؛ بأن مهندسة الفوضى الخلاقة في العالم وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة “كواندليزا رايس” تعترف من أن الغزو الأمريكي للعراق وإفغانستان لم يكن لنشر الديمقراطية. وتكمن أهمية هذا الاعتراف لكونها صاحبة نظرية الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط، التي نراها تتجسد امامنا حروبا، ودولا فاشلة، وتهجيرا، وتقسيمات طائفية. السيدة رايس التي خدعت الكثيرين من الكتاب والمفكرين العرب من خلال تبريرها للحربين المذكورين آنفا (افغانستان والعراق) بالحديث عن تحويلهما إلى جنتين للديمقراطية وحقوق الانسان والرخاء الاقتصادي، اعترفت في محاضرة لها القتها في معهد “بروكينغ الأمريكي” أن الولايات المتحدة لم تذهب الى غزو أفغانستان عام 2001، والعراق عام 2003 من أجل تحقيق الديمقراطية، بل للإطاحة بحركة طالبان التي وفرت ملاذا آمنا لتنظيم “القاعدة”، وحكم الرئيس العراقي صدام حسين في بغداد الذي كنا نظن انه كان يعيد بناء ترسانة من أسلحة الدمار الشامل.
       وبحسب تقرير  لجنة تشيلكوت البريطاني، الذي قيم مشاركة بريطانيا في عهد توني بلير إلى جانب الولايات المتحدة في غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين، أعدته لجنة ترأسها السير “جون تشيلكوت” وحملت اسمه، تحدث عن عملية الغزو بصفتها عملية متسرعة لم تفسح المجال للآليات الدبلوماسية، وذكر أنها بنيت على معلومات مغلوطة، وأنها شكلت تجاوزا لبنود عمل الأمم المتحدة. التقرير خلص إلى أن بريطانيا اعتمدت على معلومات استخباراتية مغلوطة ولم تستنفد الخيارات السلمية قبل غزو العراق، وذكر أن العمل العسكري “ربما كان ضروريا”، لكن عند اتخاذ قرار الغزو لم يكن نظام صدام حسين يشكل تهديدا، وكان بالإمكان اتباع خطة دبلوماسية تستمر لبعض الوقت لتدبير الملف، خاصة أن أغلبية أعضاء مجلس الأمن الدولي كانت تؤيد استمرار عمل الأمم المتحدة في التفتيش والمراقبة.
     وبحسب التقرير السابق فإن ادعاءات رايس في كون العراق يملك ترسانة من أسلحة الدمار الشامل كانت كذبة كبيرة، ومن هنا كانت الحرب كلها عبارة عن خدعة كبيرة لتضليل الرأي العام وصرف الأنظار عن النوايا الحقيقية التي حدت بالولايات المتحدة الأمريكية غزو العراق واحتلاله في 2003  وهي كما أسلفنا تقع ضمن الرؤية الأمريكية لإعادة ترتيب الشرق الأوسط، وكذلك للحفاظ على منابع النفط والغاز في العراق والتحكم في إدارتها بعد أن تسبب في تحطيم الدولة العراقية بعد الاحتلال.
         يقول الباحث عزيز الدفاعي؛ يستخدم “مايكل اوترمان” و “ريتشارد هيل” و”بول ويلسون” في كتابهم الشهير( محو العراق : خطة متكاملة لاقتلاع عراق وزرع اخر ) مصطلح “ابادة المجتمع” الذي استخدمه لأول مرة “كيت داوت” في كتابه (فهم الشر: دروس من البوسنه ) والذي ينطبق على عراق ما بعد عام 2003 وهي الأسس التي حددها “كيت داوت” لتحطيم الدولة مستعينا بتجربه يوغسلافيا سابقا التي تحولت الى ست دول لاحقا.
          من هنا تشير الوقائع أن العراق لم يكن الحلم الأمريكي الموعود في الشرق الأوسط، بل تشير القرائن إلى سعي الولايات المتحدة الأمريكية الحثيث لتدميره عبر تمكين إيران من قياده، والجميع يعلم أن الحقد الإيراني الدفين للعراق والعراقيين عميق بعمق التأريخ، وأن الدور الإيراني سيتماهى مع الدور الأمريكي في تدمير العراق بمقدراته كافة، وهنا تحديدا تعود الولايات المتحدة الأمريكية كمخلص لأبناء وادي الرافدين -بعد أن ألجئتها المقاومة العربية السنية للخروج في نهاية 2011- ووجودها بهذه العودة سيكون مرحبا به من قبل من تصدى لها في صفحات الاحتلال الأول، فضلا عن ترحيب العقلاء من القادة والساسة الذين يتعاملون مع الدور الأمريكي القادم كقدر محتوم ضمن دائرة النظام الدولي الجديد، وأنه السبيل الوحيد لتحجيم النفوذ الإيراني في العراق، وسيبني الأمريكان العراق الجديد وفق رؤيتهم المستقبلية، بعد أن استأصلوه من عمقه الحضاري ودوره الريادي في العالم العربي والإسلامي، وبعبارة أدق سيتم تدجين العراق والعراقيين وفق الرؤية الأمريكية، فهل ستتمكن أمريكيا من ذلك؟ أم هناك دور للوعي الجماهيري المرتقب؟ غدا بظهر الغيب واليوم لي.